كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سره الشريف)
الجزء السابع عشر

من كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد الشهيد محمد الصدر( رضوان الله عليه )

ســـورة القدر

أما عن تسميتها ففيه عدة أطروحات :
الاولى : سورة القَدْر وهو المشهور جداً بل المتسالم عليه عملياً .
الثانية : السورة التي ذكر فيها القَدْر ِ او التي ذكرت فيها لَيْلةُ القَدْر ِ .
الثالثة : رقمها من المصحف الشريف . وهو 97 .
الرابعة : بأول لفظ فيها وهو المشهور عند العامة : إنا أنزلْناهُ .
ويمكن ان نذكر لهذه السورة مقدمة كما يلي :
هذه السورة ملحوظة لحاظ خاصاً من قبل الله تعالى , وفيها دلالات على مزايا يعبر عنها فلسفياً بتعبير ومتشرعاً بتعبير آخر .
أما الفكرة الفلسفية , فهي أنهم قالوا : ذكرنا في كتابنا ( حديث حول البداء ) (1) :ان الأوامر تنزل على النفس الفلكية العليا والتي تسمى " فلك الأفلاك " ثم تتوزع على مواردها ومصاديقها . وهو ما يحصل في ليلة القدر . ثم يتم التوزيع خلال السنة بالتدريج .
ويرد عليه : ان هذه الأفلاك متناهية ومواردها في الخلق لا متناهية . فكيف تتحمل الأوامر المتعلقة بجميع الخلق ؟
أجابوا على ذلك : انه عليه اوامر سنة واحد , وهي محدودة , فتتحملها تلك الأفلاك المحدودة . سواء كانت رَحَمات أم نقمات كبيرة كانت أو صغيرة .
وأما الفكرة التشرعية , فانهم قالوا: كما ورد في الأخبار المستفيضة (2) : تنزل على الإمام الحي ( عليه السلام ) في كل عصر أوامر السنة الكاملة في ليلة القدر . ويمثلونها .
بصحيفة مكتوب عليها ما يكون الى سنة , ويوقع عليها الإمام ويقرّها . وقد ورد عنهم عليهم السلام (3) :ان الأوامر تصدر عن بيوتكم . أي عنكم .
فهذه هي أهم مزايا هذه السورة , ولعله هدفها الأساسي .
سؤال : لماذا سميت ليلة القدر ؟
جوابه : لذلك عدة أطروحات غير متنافية :
الأطروحة الأولى : القدر بمعنى العظمة والجلالة والمنزلة والمهابة . أي ليلة المنزلة العظيمة .
الأطروحة الثانية : القدر من القدرة , والقدرة مؤنث القدر أي ليلة القدرة . فهي تدل على قدرة الله .فكأنه تنزل قدرة الله وسلطنتهُ وتدبيره للكون .
الأطروحة الثالثة : القدر بمعنى الحد التكوني الثبوتي : فقدره كذا أي حده كذا . غير قابل للزيادة والنقيصة . والمعنى : الليلة التي يبت فيها عن تحديدات الأمور تكوينياً .
الأطروحة الرابعة : التقدير الاثباتي . يعني بيان الشيء . وهو ما ذكره الراغب , حين قال :(4) والقدر والتقدير تبين كمية الشيء .
الأطروحة الخامسة : الليلة التي يقدر فيها حوادث السنة في مرتبة المحو والإثبات ويحصل انزال هذه الأوامر في النفس الفلكية التي تطبقها خلال السنة . أو ينزل على الإمام الظاهري ( الحي ) لكي يمضيها ويوقع عليها .
ويدل عليه قوله تعالى :إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا)(الدخان: من الآية5)
................................
(1)
ص :27 .
(2)
أصول الكافي , كتاب الحجة حديث 2, ج1 , ص 247 .
(3)
مفاتيح الجنان , ص :423. (4)المفردات , مادة " قدر " .
وباعتبار وحدة مرجع الضمير في الآيتين ( أنزلناه ) نعرف انها ليلة القدر . وإنها نفسها موصوفة بأنها يفرق فيها كل أمر حكيم . فهي ليلة الفرق وهو معنى القدر . بمعنى توزيع الأوامر على مواضعها ومستحقيها .
كما نعرف من قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: من الآية185) هو القرآن . اذن فيكون المراد القرآن في الآيتين . اذن , فليلة القدر في شهر رمضان .
فالله أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان . فينطبقان على كلا العنوانين والزمانين .
سؤال :ما هو مرجع الضمير في أَنْزَلْنَاهُ ؟
جوابه : ليس له مرجع ظاهر , والمشهور بما فيهم الميزان ( 1) , ان مرجعه القرآن , بأحد تقريبات :
الأول : ان ترك ذكره للتعظيم .
الثاني : ما ذكره القاضي عبد الجبار (2) من ان الأمر اذا صار معروفاً جاز إرجاع الضمير اليه .
الثالث : العود الى ما هو فعلي . لان الكلام موجود في القرآن , فيعود الضمير اليه . كما لو دفعت شيئاً الى شخص وقلت له : هذا فيعود أسم الإشارة اليه :
أحدهما : أطروحة عودة الضمير الى نفس ما ينزل في ليلة القدر من الأوامر أو العطاء . وهذا بمعنى قد يكون مبايناً للقرآن وبمعنى آخر قد يكون أعم منه وشاملاً له .
الأخرى : الخلق كله . فان الانزال هو الخلق باصطلاح القرآن , كما قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ)(الحديد: 25 ) أي خلقناه وأوجدناه . ويراد بليلة القدر كتم العدم . ومن القدر أهمية وتعظيم هذا الخلق والإيجاد .
سؤال : عن الفرق بين الانزال والتنزيل .
جوابه : المشهور بما فيهم الميزان (3) , قالوا : بانهما بمعنيين : الأول : دفعي والثاني : تدريجي . وأيد ذلك صاحب المفردات (4) وسيأتي معنى لغوياً .
فكان المقصود بالكتاب القرآن , كما عليه المشهور , كان للقرآن نزولان دفعي وتدريجي , أما الدفعي ففي ليلة القدر وأما التدريجي ففي خلال ثلاث وعشرين سنة منذ البعثة الى وفاة النبي (ص) . كما قال سبحانه : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً(الاسراء:106) . بأن نفهم من قوله ( على مكث ) انه ببطء وبالتدريج .
وما النزول الدفعي في ليلة القدر , فقد كان الى السماء الاولى , كما في بعض الروايات (5) أو نزول على قلب النبي (ص) .
ولكن حسب فهمي :انه لا يوجد في أصل اللغة بينهما فرق أعني :نزّل وانزل , وانما المادة تدل على الانحطاط من فوق الى تحت , وكلاهما متعد .وإن لم يكن نزل متعدياً . ولكن انزل او نزّل غيره , يعني جعل غيره ينحط .
وأما ان النازل كله ( ليكون دفعـــياً ) أو بعضه ( ليكون تدريجــــــياً ) , فلم يلحظ في اصل اللغة وما دعمه الراغب به من الكلام انما هو بالرأي لا بحسب الاصل اللغوي . وكذلك المشهور .ولكن مع ذلك يمكن القول ان له نحواً من الظهور في ذلك , بعد الالتفات : الى أن اللغة المتعدة في الكتاب والسنة ليست هي اللغة القاموسية أو الأصلية , فقط . بل العرف أيضاً له دخل فيها . والظهور العرفي وان لم يكن له دخل في اللغة , إلا انه له دخلا في الفهم الاجتماعي والعام لها .
وعندئذ ففي الإمكان القول ان العرف يوافق على فهم الدفعية في انزل والتدرج في نزّل , يعني بعضها بعد بعض .
ولكن هذا يحتاج الى صغرى وهي وجود العرف في عصر الصدور والنزول . فاننا لا بد ان نحمل النص القرآني , على ما كان يوم نزوله في لغته وعرفه . وعندئذ ففي الإمكان القول : أن ما كان يومئذ متحققاً في ذلك الحين هو الانزال الاعم بدون لحاظ التدريجية والدفعية .
فان قلت : فاننا حيث نفهمها الان يمكن ان نستصحبه استصحاباً عكسياً قهقرائياً , كما في غيره من الظهورات ,فيثبت وجوده آنئذ .
........................................................
(1)
ج20, ص 33.
(2)
تنزيه القرآن عن المطاعن/سورة القدر .
(3)
ج20وص330.
(4)
المفردات مادة " نزل " .
(5)
انظر مجمع البيان ج10 , 518 .
قلت : ولكنه معارض باستصحاب أخر غير قهقري . لاننا نعلم ان الاستعمال قبل الإسلام كان بالمعنى المذكر في أصل اللغة . وهو مطلق النزول ونشك أنه بعد الإسلام هل تحول الى معنى أو لا , فنستصحب عدم التحول . أو قل بقاءه على معناه الأصلي . فبثبت نزول القرآن على ذلك الفهم . ولا أقل من التعارض والتساقط بين الاستصحابين فلا يثبت مراد المشهور .
أو نقول : ان الاستصحاب القهقري لما كان عكس القاعدة , فيقدم الاستصحاب الموافق للقاعدة , وهو الاخر المخالف وهو الاخر المخالف للمشهور في النتيجة .
ونستطيع التمسك بإطلاق ما هو منزل للشمول لجميعه . فانه لو كان النازل بعضه لبيّنة , وحيث انه لم يبين , تعين ان النازل كله . فالضمير الذي يعود على القرآن أو الى غيره نازل كله , أعني في قوله تعالى : انا أنزلناه . وهذا على خلاف المشهور .
وبذلك يندفع بالبرهان , ما دفعه السيد الطباطبائي بالوجدان , حيث قال في الميزان (1) :فلا يعبأ بما قيل : ان معنى قوله تعالى : أنزلناه : ابتدأنا بإنزاله .
مضاف الى ان يوم المبعث هو اليوم السابع والعشرون من رجب . وفيه نزل أول ما نزل من القرآن الكريم :اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . وليس أوله نازلاً في رمضان كما قيل .
وإلا فماذا يكون معنى قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ؟ لو كان المراد بدأ النزول . وهو لم يبدأ به قطعاً , بل المراد الانزال الكامل .
فالضمير في انزلناه يعود الى أمر غير مقيد بالبعض , وهذا الامر حاصل في شهر رمضان وفي ليلة القدر . والله سبحانه ذكر كلا الزمانين لنزوله , فيثبت كونهما متداخلين من أجل صدق كلتا القضيتين , لاستحالة النزول الكامل مرتين , واستحالة تحصيل الحاصل .
ومعه يتعين , بظهور القرآن كون ليلة القدر في شهر رمضان . اذن فما في ذهن المتشرعة وعليه بعض الروايات الضعيفة (2) . من ان ليلة القدر مشتبهة بين جميع ايام السنة او انها من المحتمل أن تكون هي ليلة النصف من شعبان و ونحو ذلك . سيكون خلاف ظهور القرآن الكريم بعد ضم الايتين المذكورتين فيسقط عن الحجية .
وأما تعيين ليلة القدر في ليالي شهر رمضان نفسه , فهو غير مستفاد من ظهور القرآن الكريم .وهي عند المتشرعة مشبهة ومرددة بين ثلاث ليالي هي التاسعة عشر والحادية والعشرين والثالثة والعشرين من شهر رمضان . غير ان الروايات الآتية صالحة لنفي الاحتمال الأول .
وقد سئل المعصوم عليه السلام في عدة أحاديث عن ليلة القدر , وانها في أي الليلتين فلم يعيَِّن . بل قال (3)
ما أيسر ليلتين فيما تطلب . أو قال : ما عليك ان تفعل خيراً في ليلتين . ونحو ذلك .
سؤال :ما هو حساب شهر رمضان في الكون .ولماذا هذا التركيز والأهمية له ؟ علماً ان الارض ليس لها أهمية في هذا الكون . وبتعبير آخر أوضح : ان شهر رمضان كامن في الأرض , لانه من نتائج حركتها السنوية حول الشمس . فاذا كان الانزال الدفعي في السماء الاولى , فهناك لا يوجد شهر رمضان , لكي يكون نازلاً فيه ولا توجد ليلة القدر . بل كلها أرضية . فما دخل السماء فيها ؟
جوابه من عدة وجوه :
الوجه الأول : ان الارض وان زعموا انها في مكان مدحوض من المجرة التي نحن فيها وهي درب التبانة . فان هذا وان صح مادياً في علم الفلك . إلا إنه ليس بصحيح معنوياً .
وقد قال متشرعة الإسلام ومتشرعة الديان السابقة بازاء ذلك :ان الأرض هي مركز الكون وتخيل بعض المتشرعة ان المراد هو المركز المادي , فنفى ذلك لثبوت خلافه في علم الفلك . ولكن الواقع ان المراد به الجهة المعنوية والتركيز على الأهمية .
وذلك : لانه في الارض سكن الانسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وسكنها خير الخلق والمعصومون عليهم السلام . وكذلك هي محط نزول الملائكة والرسل والكتب ومحط ذكر الله وعبادة الله . فالأهمية الإلهية جعلت منها مركزاً للكون .
...............................
(1)
ج20 , ص330 .
(2)
انظر مجمع البيان , ص 518 .
(3)
انظر مفاتيح الجنان , ص 226 وغيره .
ونتيجة ذلك : ان الكون يقاس بالأرض . أي ان فيه شهر رمضان وليلة القدر , وكذلك : العيدان ويوم عاشوراء وغيرها . ما دام أحد هذه الأزمنة متحققاً في الأرض فانسد السؤال .
الوجه الثاني : ان يكون المراد من الأرض والسماء : أرض النفس وسماؤها . فأرض النفس هي الشهوات سماؤها العقل . فنعقد لذلك قضيتين :الاولى : ان أرض النفس موجودة في الأرض الخارجية , تحس انها في شهر رمضان أو في ليلة القدر . لانها حقيقة كذلك والإنسان يعيش أحساساً هكذا .
الثانية : ان هذا الإحساس ينتشر في جميع النفس : أرضها وسماؤها . لان النفس , كما قال الشــيخ السبزواري (1) : النفس في وحدتها كل القوى . من حيث ان قواها وملكاتها متعددة . إلا ان النفس مجموعها واحدة لا تتعدد . بما فيها من أرض وسماء .
وعندئذ فاذا سرت ليلة القدر الى أرض النفس من الخارج , فقد سرت الى النفس كلها طبقا للوحدة . فتنتشر ليلة القدر وينتشر شهر رمضان في كل النفس , سمائها وأراضها .
الوجه الثالث : انه يمكن القول بعد التنزل عن الوجهين السابقين : ان القرآن نزل الى السماء الأولى في وقت كانت الأرض فيها ليلة القدر , وكانت البشرية متصفة بهذا الزمان .
الوجه الرابع : انها ليلة القدر بإحساس المتلقي بالعرف الأرضي وهذا يكفي . من باب كلم الناس على قدر عقولهم ,
سؤال : حول قوله تعالى : وما أدراك ما ليلة القدر . من حيث ان الخطاب للنبي (ص) وهو يعلم ما ليلة القدر . فكيف يمكن إدراكه له .
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول : انها صيغة تعجب كقولنا : ما أحسنها أو ما أعظمها . لكنه أخذها في الآية جانب الإثبات وهو الإدراك , لا جانب الثبوت .
الوجه الثاني :ان المقصود الناس و لان القرآن أنزل اليهم , وان كان الخطاب للنبي (ص) كما قال المثل : إياك أعني فاسمعي يا جارة .
الوجه الثالث : انه استفهام يراد به التعظيم وليس الاستفهام الحقيقي , كما قلنا في درس الأصول : ان الاستفهام في مثل هذا المورد هو معنى أولي للفظ , والتعظيم معنى ثانوي , وهنا يراد المعنى الثانوي خاصة .
الوجه الرابع : ان تكون ( أدْرَاك َ ) من الإدراك أي تحصيل منزلة تلك الليلة , على معنى ( إدراك ) فيكون أستفهاماً تعظيمياً لذلك الإدراك .
سؤال : لماذا أصبحت خيراً من آلف شهر . أو بالأحرى ما معنى ذلك ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول : ان العدد ليس للضبط فلا يفهم من الآية الحدية أي بشرط لا عن الزيادة ولا النقيصة .
بل المراد : شهور كثيرة جداً .
ورقم الآلف أقصى رقم كان يتصوره العرب . وظهوره العرفي يدل على ذلك , وان كان الأصوليون يقولون بعدم إمكان إسقاط العنوان , ولكن ذلك صحيح ما لم تقم قرينة ضده والظهور العرفي هنا على هذا النحو .
أذن , فيمكن ان يكون المراد انها خير من الزمان كله لما فيها من الأوامر ومن العطاء .
الوجه الثاني : ان المشهور فسرها بآلف شهر ليس فيها ليلة القدر . وقد ورد ذلك في بعض الأخبار (2) . وهذا صحيح , لانها لو كانت فيها ليلة القدر لكانت مثلها , ولم تكن دونها في الأهمية .
كما انه لم يقل : انها آلف شهر متتابعة , بل هي آلف شهر في الجملة . وإلا كانت فيها ليلة القدر , لتكررها كل سنة . فهي الف شهر مشروطة بالتفرق .
الوجه الثالث : ورد تفسيره بملك بني أمية (3) .
وفيه اشكالان :
الاول : عدم انطباقها على مدة ملكهم , فقد كان أكثر من الف شهر . وهذا صحيح . الا اننا عرفنا ان الالف تقريبي وليس مضبوطاً . فيندفع الإشكال .
......................................
(1)
انظر غرر الفرايد في فن الحكمة , ص 309 .
(2)
الدر المنثور :ج8 , ص 568 .
(3)
انظر الدر المنثور :ج8 , ص565 ومروج الذهب , ج3 , ص 250 .

الثاني : اننا قلنا ان المشهور ينبغي ان تكون متفرقة لكي لا تكون فيها ليلة القدر . لانها موجودة في كل سنة بضرورة الدين . ومدة ملك بني أمية متوالية , اذن , فقد حصلت خلاله ليلة القدر .
وجوابه : من وجوه :
الوجه الأول : ان نتنزل عن هذا التفسير وننفه باعتبار ضعف الخبر .
الوجه الثاني : ان ننظر الى مصداق هذا العنوان صرفاً , وهو ملك بني أمية بغض النظر عن الزمان . فان المجتمع كان في ذلك الحين بائساً , والعطاء الإلهي والكرم الرباني المتوقع لم يكن ينزل خلال مدة ملكهم . فكان وجود ليالي القدر فيها كعدمها . لان ليلة القدر انما هي بمنزلة المقتضي للعطاء لا علة تامة . وملكهم مانع عن العطاء الإلهي , يعني عن تأثير المقتضى فيه .فمن الناحية العملية تكون ليلة القدر مفقودة في مدة ملكهم .
الوجه الثالث : ان المراد من ملك بني امية ليس هو مؤاده المطابقي بل يمكن ان نفهم منه زمان انحطاط الفرد بحيث لا يستحق العطاء , فلا ينزل عليه فهي خير من آلف شهر بدون عطاء .
فقد أخذ في هذا التقدير , وهو كونها خيراً من آلف شهر : أهمية العطاء في ليلة القدر .
إذ بدونه تكون كالعدم . فان الأوامر تنزل فيها على أية حال , ولكن العطاء قد ينقطع .
سؤال : لماذا قال تَنَزَّلُ . ولم يقل تُنََّزل أو تَنْزل .
جوابه : من وجهين :
الوجه الأول : ان هناك قراءة بضم حرف المضارعة (1) . وهي وان كانت شاذة إلا انها تحفظ المعنى أولا ً , ولا تخل بالسياق ولا بالنسق القرآنيين ثانياً , ومحتملة ثالثاً . والاحتمال مبطل للاستدلال .
الوجه الثاني : حسب فهمي , فان هذه الصيغة لها ثلاث مزايا :
الأولى : الأمر بالنزول . من حيث ان الملائكة مأمورين بذلك .
الثانية : حمل شيء خلال النزول . وهي والأوامر والعطاء الذي تحمله الملائكة وتوزعه في العالم الأدنى .
ونظيره في القرآن قوله تعالى : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) (الشعراء:210) أي لم تكن تحمله الشياطين معها لقوله تعالى : عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ,تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (الشعراء:222)
ثالثاً : التدريجية في النزول ز فان الملائكة اذا كانوا مأمورين بالنزول . فقد ينزلهم الله تعالى إنزالاً (أي دفعياً ) لا تنزيلاً ( أي تدريجياً ) . ولكن حسب فهمي انه لاجل إقامة القرينة على عدم الدفعية , قال : تنزل , بقصد نفي النزول الدفعي وأثبات التدريجي . ومن هنا ان الصيغتين الأخيرتين المقترحتين في السؤال لا تفيدان الميزتين الأخيرتين قطعاً . والثالثة لا تفيد المزايا الثلاث أصلاً . ومن هنا كان الرجحان للصيغة الأولى المشهورة .
وهنا قال في الميزان (2) , باختصار أصله تنزل , وفيه معنى التدريجية أقول : هل ان هذه الصيغة من الانزال او من التنزيل ؟ مقتضى فهمه للتدريج هو الثاني . ومقتضى أصل المادة هو الأول . فيقع في نحو من التهافت .
سؤال : منا المقصود بالروح في قوله تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ؟
جوابه : ليس هناك معنى مشهوري في هذا الصدد . بل هناك أراء متعددة تصلح كل منها كأطروحة .
الأطروحة الأولى : ان المراد به جبرائيل عليه السلام . وخص بالذكر لأهميته , بالرغم من اندراجه ضمن مفهوم الملائكة , فيكون من عطف الخاص على العام , أو قل : عطف الجزئي على الكلي .
الأطروحة الثانية : هو أعظم الملائكة . وفيه ما قلنا في الأطروحة الاولى .
الأطروحة الثالثة : هو خلق أعظم من الملائكة , ولعله الأشهر بين جملة من المفسرين . وفي أعتقادي انهم انما ذكروه باعتبار ظهور التباين بين طرفي العطف : ( الملائكة والروح ) فلا يمكن ان يكون الروح مندرجاً في معنى الملائكة .وقد يدعم هذا الكلام : ان الملائكة والروح من سنخين .لان وجود الملائكة من عالم الخلق والروح من عالم الأمر . وعالم الأمر أعلى من عالم الخلق . ومن سنخ أخر غير سنخه . وبحسب فهمي فان هذه الاطروحة بمنزلة ( الكلي ) والوجه الآتي أو الاطروحة الأتية تكون مصداقاً وتطبيقاً لها .

............................
(1)
الدر المنثور ج8 , ص 568 .
(2)
انظر الدر المنثور ج8 , ص 565 . ومروج الذهب ج3, ص250 .
(3)
انظر معجم القراءات القرآنية ج8 , ص 203 .
(4)
ج 20,ص 332 .
الاطروحة الرابعة : ما قاله في الميزان (1) . الظاهر من الروح هو الروح الذي من الامر قال تعالى : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(الاسراء: من الآية85) .أقول : انه قدس سره لم يذكر ما معنى الروح في الآية بالتحديد .وواضح من السياق ان المراد منها الروح الإنساني . فان الروح الواقعية التي عند الله للإنسان هي التي تنزل مع الملائكة , في ليلة القدر .وهي من عالم الأمر وهي أيضاً في حقيقتها خلق أعظم من الملائكة , فحصل الوفاق بين عدد من الأطروحات .
سؤال : ان الملائكة جمع , والروح مفرد . فلماذا قال ذلك ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الأول : ان المراد بالروح الجنس , وهو بمعنى الجمع . يعني تنزل الملائكة والأرواح . فالأول جمع نحوياً والثاني جمع معنوياً .وهذا يكفي .
الثاني : ان يلحظ الفرد فقط . ولكل فرد روح واحدة . وهذا اللحاظ غير موجود في الملائكة .
الثالث : ان الروح واحدة لا تتعدد طبقاص لكل الأطروحات السابقة في فهمنا . فهي وجود واحد , فلا بد من التعبير عنه بالمفرد ولا يمكن بالجمع .
سؤال :ما هو معنى الأذن في قوله تعالى : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ؟
جوابه :قال الراغب ( 2) : والأذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه . وقال في الميزان (3) : وهو إعلام عدم المانع منه .
أقول : وهذا لا يكفي لان المفهوم متشرعاً كون الملائكة مأمورين الزاماً بالنزول . فكيف يجتمع الأذن ل ترخيصي والأمر الإلزامي .وهذا المعنى لم يتعرض له السيد في الميزان .
هناك عدة أطروحات لفهم معنى الأذن .
الاولى : ان المراد بالأذن الوجوب والإلزام . يعني عدم المانع المقترن بالمقتضي والشرط .فهو بالمعنى الأعم على معنى الإمكان العام الشامل للإمكان والوجوب . فيكون الاذن هنا شاملا لمعنى الترخيص والإلزام . والحصة المرادة هنا خصوص الإلزام .
الثانية : ان الملائكة راغبون في النزول لانه عملهم وعبادتهم . فاذا ارتفع المانع أثر المقتضي أثره بالنزول . ومما يُشعِر بهذه الرغبة كونهم يستغفرون لمن في الارض .كما تشير بعض الآيات الكريمة (4) .
الثالثة :ان النازل ليس كل الملائكة بل بعضهم , فمن الممكن ان تكون المسألة أختيارية لافرادهم . وان كان الأمر بنحو الوجوب الكفائي . فكل فرد منهم يشعر انه ينزل برخصة لا بالزام . وهذا يصدق بطبيعة الحال في عالم المحو والاثبات .وهو العالم الذي يحس به الملائكة , كما نحس به . لا في عالم اللوح الأعلى .
فان قلت : ان الملائكة مطلعون على كلا العالمين .باعتبار وجودهم في الملاء الأعلى .فيكونون مدركين للإلزام لا للأذن .
قلنا : كلا . ان الملائكة غير مطلعين على القضاء الحتمي . بل على عالم المحو والإثبات فقط . لانه هو الخاص بعالم الكثرة , وهو العالم الذي يحس به الملائكة والأنس والجن كلهم .
سؤال : ما معنى الأمر في قوله تعالى : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ؟
جوابه :للامر قسمان رئيسان هما : مفرد اوامر ومفرد امر .وكل منهما ينقسم الى ثلاثة أقسام :
القسم الرئيسي الاول : هو مفرد أوامر , وهو بمعنى الطلب . وهو المعنى المشهور للمفسرين . وفيه ثلاث أطروحات :
أ – انه الأمر الموجود في اللوح المحفوظ في الجانب العلى , فيأخذه الملائكة وينزلون به .
ب – انه الأمر الموجود في الجانب الأسفل . اذ يكون الملحوظ تنفيذ الأوامر وتطبيقها على وجه الأرض .
ج‌- انه المر الموجود في الجانب الأوسط .اذ يكون الملحوظ هي الأوامر التي تحملها الملائكة حال هبوطها . بغض النظر عن مصدرها الفوقاني وموردها التحتاني .
وهنا ينبغي ان نلتفت الى أمر أغفله المفسرون , وهو ان النزل بالأوامر العليا ينقسم على قسمين : نزول ثبوتي ونزول إثباتي .
...................................
(1)
الميزان , ج20 , ص332 .
(2)
المفردات , مادة " اذن " .
(3)
ج 20 , ص 332 .
(4)
قال تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)(الشورى: من الآية5)
ونريد بالنزول الثبوتي , ما يريده المشهور من الملائكة تنزل بالأوامر وتطبقها على وجه الأرض .
ونريد بالإثباتي , قيام الملائكة بتعريف تلك الأوامر للأولياء , لكي تنزل الى عالم التطبيق تدريجياً ز
ومن المعلوم ان النزول الثبوتي لا يكون في ليلة القدر بل خلال سنة كاملة . وبخلاف النزول الإثباتي فانه خاص بها . ومعه يتعذر ان نفهم من النزول ما يريده المشهور وهو الثبوتي . بل يتعين المعنى الاخر له .
القسم الثاني الرئيسي للأمر :ان يكون المراد هو مفرد أي أشياء . فيكون المعنى : باذن ربهم من كل شئ . وينقسم على ثلاثة أطروحات أيضا مقابلة لاطروحات القسم الاول :
1-
الجانب الأعلى ( المحمول منه ) وهو ما خرجت منه الأوامر .
2-
الجانب الأسفل ( المحمول اليه ) وهو ما تطبق فيه الأوامر .
3-
الجانب الأوسط ( الحامل ) وهم الملائكة الحاملون للأوامر .
فان قلت : ان الامر اذا كان بمعنى الشئ كان بمعنى العطاء الذي تحمله الملائكة , وخرج عن كونه أمراً بمعنى مفرد الأوامر . مع ان الملائكة تحمله أيضاً .
قلت : ان المر ( مفرد الامور ) يشمل الامر ( مفرد الأوامر ) لان الأوامر بهذا المعنى هي أشياء . فالملائكة تحمل أشياء عديدة , منها عطاء ومنها أوامر .
سؤال : ما هو معنى من في الآية الكريمة ؟
جوابه : انهم ذكروا ل " من " عدة معانٍ :
الاول : انها بمعنى الباء . أي بكل أمر .
وهذا يمثل بحسب فهمي المرحلة الوسطى ,من المراحل المشار اليها . فيما سبق . والملائكة تحمل أموراً 0 سواء بمعنى الأشياء أو بمعنى الأوامر ) وتنزل بها . قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (الشعراء:193) .
ويرد عليه :انه يكون المعنى : انهم حاملون لكل الأمور ونازلون بها . وهذا ما لا تطيقه الملائكة ,لان مجموع الاومر والأوامر كثير جداً , بل هي لا متناهية , والمحدود لا يطيق تحمل المحدود .
وجوابه : اننا هنا نحتاج الى تقييد ما , أي نقول :بكل أمر خاص . كان خلال سنة . أو للمخلوقين أو للدنيا . فتكون الأمور والأوامر لا متناهية , فلا بأس ان تحملها الملائكة .
فان قلت : الظاهر عدم الحذف والتقدير . فانه خلاف الظاهر إلا بقرينة متصلة .
قلت : ان البحث اللغوي لا يكون له دور هنا . ولكن – مع ذلك - فاننا يمكن ان نفهم من السياق ان المراد من كل أمر ليس كل الأوامر اللامتناهية . وانما المتعلقة بالعدل ونحو ذلك . فهي أوامر محددة . أي من كل أمر مناسب . فهو تقليد ارتكازي أو معنوي لا لفظي فيمكن أن تحمله الملائكة .
الثاني : انها بمعنى " التسبيب " الأمر الإلهي الى النزول .أو قل : بسبب كل أمر وهو يمثل السبب أو المرحلة العليا من الثلاث السابقة .
فان قلت : ان الظاهر هو السببية التامة أو العلية . وهي تصح اذا كان الأمر بمعنى الطلب لا بمعنى الأشـياء ( مفرد أوامر لا مفرد أمور ) فانها على تقدير الأخر تكون مناسبة مع العلية الناقصة , فتكون " من " قرينة متصلة على فهم مفرد أوامر لا مفرد أمور .
قلت : ان النحويون حين يقولون ان المراد من الحرف هو السببية لا يعنون بها السببية التامة ولا الناقصة , بل الأعم منهما . والمورد هنا بالمعنى ( الفلسفي ) إقتضائي وليس عليّا ً ,وهو مناسب مع كلا المعنيين . فلا تكون القرينة المذكورة صحيحة .
الثالث : انها للتعليل بالغاية , من حيث ان العلة هي تطبيق الأوامر . وهي تمثل المرحلة الثالثة من الثلاث السابقة .
فان قلت : ولكن توزيع الأوامر لا يكون القدر بل في سنة كاملة
قلت : جوابه على احد شكلين :
الاول : النزول بكل أوامر السنة يكون بفعل المعصوم (ع) . وهو العلة الغائية للتدبير .الثاني : ان النزول إقتضائي لا علي . فلو توخينا العلية أو الفعلية , لتنفيذ هذه العطاءات فلا بد من مرور سنة ,إلا انه لا بأس من ينزل كله في ليلة نزولاً إقتضائيا , ويبقى موقوفاً تطبيقه على شرط حصول زمنه .
الرابع : ما اختاره في الميزان حيث قال (1) . والحق ان المراد بالأمر ان كان ان كان الأمر الإلهي المفسر بقوله : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) . فمن للابتداء , وتفيد السببية والمعنى
.....................
(1)
ج20 , ص332 .

تتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر باذن ربهم مبتدأ تنزلهم وصادراً من كل أمر الهي .
وان كان هو الأمر من الأمور الكونية والحوادث الواقعية , فمن بمعنى اللام التعللية , والمعنى تنزل الملائكة والروح في الليلة باذن ربهم لاجل تدبير كل أمر من الأمور التكوينية .
أقول :يرد عليه عدد من الاشكالات السابقة .
الخامس : ان من للتبعيض . أي بعض الأمور أو الأوامر او الاعم منهما . فانه لا حاجة الى نزولها كلها , بل تنزل بمقدار الحاجة .
سؤال :عن معنى السلام في قوله تعالى : سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
جوابه : قال الراغب في المفردات (1) : السلام والسلامة التعري من الآفات الظاهرة والباطنة قال تعالى : بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(الشعراء: 89). أي متعر ٍ من الدغل . فهذا من الباطن . وقال تعالى : مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ(البقرة: 71) ,فهذا من الظاهر .
أقول : ويستعمل بمعنى السلامة من البلاء الدنيوي . وكذلك العافية من كل بلاء ومادة سلام لها معنيان :
الاول ضد المرض .
الثاني :ضد الحرب .
وكلاهما البلاء الدنيوي , فهي سبب السلامة وعدم تكدر البال . وهذا هو المشهور . ولكنه على خلاف المعنى الأصلي أذ لا فرق بين المؤنث والمذكر . وعلى أي حال , فالسلام في السورة , خير الهي ورحمة أما بعطاء جديد أو دفع بلاء محتمل في الحرب مع الشهوات والشياطين وفسق الأنس والجن .
وذكر العكبري معنى أخر حيث قال (2) : في سَلاَمٌ وجهان : أحدهما : هي بمعنى مسلّمة أي تسليم . فعلى تسليم الملائكة على المؤمنين أو يسلم بعضهم على بعض . والثاني بمعنى سلامة أو تسليم . فعلى الأول هي مبتدأ وسلام خبر مقدم .
أقول : والسلام ظرف " أي وقت سلام " ولم يشير اليه لانه مفهوم ضمناً .
وقال في الميزان (3) : وقيل المراد به ان الملائكة يسلمون على من مرّوا به من المؤمنين المتعبدين .
أقول : وهو ليس بصحيح , لان الملائكة تسلم على من تُرسّل اليه لا على من تمر به . وعطاؤهم اما السلام أو أنهم يسلمون لهم شيئاً من الله سبحانه .
والمعنى الأخر بمعنى السلامة أي التسليم , أي التسبيب للسلامة . أو قل :إيجاد سبب السلام , كما يقال : سلمك الله أي اوجد السلامة فيك .
وأضاف العكبري(4) : حتى متعلقه بسلام أي الملائكة مسّلمة الى الفجر . ويجوز ان يرتفع هي بسلام على قول الأخفش ( أي المبتدأ بالخير المتقدم ) . وعلى القول الثاني : ليلة القدر ذات تسليم أي ذات سلامة الى طلوع الفجر . وفيه التقديران الأولان( يعني تعلق حتى بسلام وقول الأخفش ) .ويجوز ان يتعلق حتى بتنزيل .
أقول : وفي دعاء الصحيفة السجادية وصف ان ليلة القدر بانها :( التي هي من كل أمر سلام ) .يعني سلام هي من كل أمر . وقد تقدم الجار والمجرور لفظياً في حين هو متعلق بسلام وليس بتنزل كما هو ظاهر العبارة ومسلك مشهور المفسرين . ويتحصل المعنى من هذا الدعاء ضمن عدة أطروحات :
الأولى : ان يقصد بقوله : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ: المر الخبيث , فيكون المراد السلامة والنجاة من كل أمر سيئ .
وقد يجاب : ان الملائكة والروح هي التي تنزل بالأمر , وهي أجل من ان تنزل بأمر سيئ .
وجوابه : اولاً : انها قد تكون جملة مستأنفة لا علاقة لها بما سبق .
ثانياُ : ان الملائكة قد يحملون اموراً سيئة لانهم ينزلون بالخير والشر معاً وتكون ليلة القدر نجاة مما يحملون من السوء .
الثانية : ان نفهم من المر الجيد والعلوي من العطاء وعندئذ لا يمكن أن نحمل السلام على معنى النجاة , بل يجب ان نحمله على ما يناسب السياق وهو الاتصاف به لا النجاة منه .
..................................
(1)
ج2 , ص156 .
(2)
ج20 , 333 .
(3)
ج2 , ص 156 .
(4)
تنزيل القرآن عن المطاعن / سورة القدر .
(5)
ج20 , ص 333 .
ووصف الليلة بالمصدر ( هي سلام ) كوصف زيد بالعدل ( زيد عدل ) أي عادل . وهو مجاز وتأويله : أما أسم فاعل أي مسلمة أس مسلما او سبب السلام أو ظرفه واما بتقدير مضاف أي ذات سلام . أو انه بمعنى أفعل التفضيل كما أحتمله القاضي عبد الجبار (1) .
وقال في الميزان (2) : والآيتان , اعني قوله تعالى : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ .........الى أخر السورة في معنى التفسير لقوله " لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " .
أقول : او انها بمنزلة الجواب , عن انها لماذا كانت خيراً من الف شهر . لان الملائكة لا تنزل في آلف شهر, بل في ليلة القدر .
سؤال : ما معنى حتى في قوله : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .
جوابه : انها بمعنى الى .
سؤال : مطلع الفجر ما معناه ؟
جوابه : فيه عدة أطروحات :
الأولى : الفجر بعد الليل , وهي المشهورة .
الثانية : انه يكون بعد ليل البلاء , والفجر فجر السلامة من البلاء .
الثالثة : انه يكون بعد ليل الضلال , وهو فجر الهداية .
الرابعة : ان يكون بعد ليل الدنيا , لان الدنيا غاية همنا ومبلغ علمنا , فنخرج من هذا الحال , وندخل في حال أفضل .
الخامسة : انه فجر العطاء بعد ليل الحرمان من العطاء .
فان قلت : ولكن السياق واضح بانها ليلة عظيمة , فكيف نفهم مطلع الفجر ؟
قلت : هذا يحتاج الى درجة من الفهم الباطني . فاما ان نفهم ان كل عبارة مستقلة عن الأخرى . وأما ان يختلف معنى مطلع الفجر , فيمكن ان يحصل فجر الهداية أو فجر العطاء خلال ليلة القدر لا في نهايتها . وهو فجر معنوي وليس بمادي . تمت هذه السورة والحمد لله رب العالمين