كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف
: السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سره الشريف)
الجزء
السابع عشر
من
كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد
الشهيد محمد الصدر( رضوان الله عليه
)
ســـورة القدر
أما
عن تسميتها ففيه عدة أطروحات
:
الاولى : سورة القَدْر وهو المشهور جداً بل المتسالم عليه عملياً
.
الثانية : السورة التي ذكر فيها القَدْر ِ او التي ذكرت فيها لَيْلةُ القَدْر ِ
.
الثالثة : رقمها من المصحف الشريف . وهو 97
.
الرابعة : بأول لفظ فيها وهو المشهور عند العامة : إنا أنزلْناهُ
.
ويمكن
ان نذكر لهذه السورة مقدمة كما يلي
:
هذه
السورة ملحوظة لحاظ خاصاً من قبل الله تعالى , وفيها دلالات على مزايا يعبر عنها
فلسفياً بتعبير ومتشرعاً بتعبير آخر
.
أما
الفكرة الفلسفية , فهي أنهم قالوا : ذكرنا في كتابنا ( حديث حول البداء ) (1) :ان
الأوامر تنزل على النفس الفلكية العليا والتي تسمى " فلك الأفلاك " ثم تتوزع على
مواردها ومصاديقها . وهو ما يحصل في ليلة القدر . ثم يتم التوزيع خلال السنة
بالتدريج .
ويرد
عليه : ان هذه الأفلاك متناهية ومواردها في الخلق لا متناهية . فكيف تتحمل
الأوامر المتعلقة بجميع الخلق ؟
أجابوا على ذلك : انه عليه اوامر سنة واحد , وهي محدودة , فتتحملها تلك الأفلاك
المحدودة . سواء كانت رَحَمات أم نقمات كبيرة كانت أو صغيرة
.
وأما
الفكرة التشرعية , فانهم قالوا: كما ورد في الأخبار المستفيضة (2) : تنزل على
الإمام الحي ( عليه السلام ) في كل عصر أوامر السنة الكاملة في ليلة القدر .
ويمثلونها .
بصحيفة مكتوب عليها ما يكون الى سنة , ويوقع عليها الإمام ويقرّها . وقد ورد عنهم
عليهم السلام (3) :ان الأوامر تصدر عن بيوتكم . أي عنكم
.
فهذه
هي أهم مزايا هذه السورة , ولعله هدفها الأساسي
.
سؤال
: لماذا سميت ليلة القدر ؟
جوابه
: لذلك عدة أطروحات غير متنافية
:
الأطروحة الأولى : القدر بمعنى العظمة والجلالة والمنزلة والمهابة . أي ليلة
المنزلة العظيمة
.
الأطروحة الثانية : القدر من القدرة , والقدرة مؤنث القدر أي ليلة القدرة . فهي
تدل على قدرة الله .فكأنه تنزل قدرة الله وسلطنتهُ وتدبيره للكون
.
الأطروحة الثالثة : القدر بمعنى الحد التكوني الثبوتي : فقدره كذا أي حده كذا .
غير قابل للزيادة والنقيصة . والمعنى : الليلة التي يبت فيها عن تحديدات الأمور
تكوينياً .
الأطروحة الرابعة : التقدير الاثباتي . يعني بيان الشيء . وهو ما ذكره الراغب ,
حين قال :(4) والقدر والتقدير تبين كمية الشيء
.
الأطروحة الخامسة : الليلة التي يقدر فيها حوادث السنة في مرتبة المحو والإثبات
ويحصل انزال هذه الأوامر في النفس الفلكية التي تطبقها خلال السنة . أو ينزل على
الإمام الظاهري ( الحي ) لكي يمضيها ويوقع عليها
.
ويدل
عليه قوله تعالى :إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا
مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ
عِنْدِنَا)(الدخان: من الآية5)
................................
(1)
ص :27
.
(2)
أصول
الكافي , كتاب الحجة حديث 2, ج1 , ص 247
.
(3)
مفاتيح الجنان , ص :423. (4)المفردات , مادة " قدر
" .
وباعتبار وحدة مرجع الضمير في الآيتين ( أنزلناه ) نعرف انها ليلة القدر . وإنها
نفسها موصوفة بأنها يفرق فيها كل أمر حكيم . فهي ليلة الفرق وهو معنى القدر .
بمعنى توزيع الأوامر على مواضعها ومستحقيها
.
كما
نعرف من قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
(البقرة: من الآية185) هو القرآن . اذن فيكون المراد القرآن في الآيتين . اذن ,
فليلة القدر في شهر رمضان
.
فالله
أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان . فينطبقان على كلا العنوانين والزمانين
.
سؤال
:ما هو مرجع الضمير في أَنْزَلْنَاهُ ؟
جوابه
: ليس له مرجع ظاهر , والمشهور بما فيهم الميزان ( 1) , ان مرجعه القرآن , بأحد
تقريبات :
الأول
: ان ترك ذكره للتعظيم
.
الثاني : ما ذكره القاضي عبد الجبار (2) من ان الأمر اذا صار معروفاً جاز إرجاع
الضمير اليه
.
الثالث : العود الى ما هو فعلي . لان الكلام موجود في القرآن , فيعود الضمير اليه
. كما لو دفعت شيئاً الى شخص وقلت له : هذا فيعود أسم الإشارة اليه
:
أحدهما : أطروحة عودة الضمير الى نفس ما ينزل في ليلة القدر من الأوامر أو العطاء
. وهذا بمعنى قد يكون مبايناً للقرآن وبمعنى آخر قد يكون أعم منه وشاملاً له
.
الأخرى : الخلق كله . فان الانزال هو الخلق باصطلاح القرآن , كما قال تعالى : (
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ)(الحديد: 25 ) أي خلقناه وأوجدناه . ويراد بليلة القدر
كتم العدم . ومن القدر أهمية وتعظيم هذا الخلق والإيجاد
.
سؤال
: عن الفرق بين الانزال والتنزيل
.
جوابه
: المشهور بما فيهم الميزان (3) , قالوا : بانهما بمعنيين : الأول : دفعي والثاني
: تدريجي . وأيد ذلك صاحب المفردات (4) وسيأتي معنى لغوياً
.
فكان
المقصود بالكتاب القرآن , كما عليه المشهور , كان للقرآن نزولان دفعي وتدريجي ,
أما الدفعي ففي ليلة القدر وأما التدريجي ففي خلال ثلاث وعشرين سنة منذ البعثة
الى وفاة النبي (ص) . كما قال سبحانه : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً(الاسراء:106) . بأن نفهم
من قوله ( على مكث ) انه ببطء وبالتدريج
.
وما
النزول الدفعي في ليلة القدر , فقد كان الى السماء الاولى , كما في بعض الروايات
(5) أو نزول على قلب النبي (ص)
.
ولكن
حسب فهمي :انه لا يوجد في أصل اللغة بينهما فرق أعني :نزّل وانزل , وانما المادة
تدل على الانحطاط من فوق الى تحت , وكلاهما متعد .وإن لم يكن نزل متعدياً . ولكن
انزل او نزّل غيره , يعني جعل غيره ينحط
.
وأما
ان النازل كله ( ليكون دفعـــياً ) أو بعضه ( ليكون تدريجــــــياً ) , فلم يلحظ
في اصل اللغة وما دعمه الراغب به من الكلام انما هو بالرأي لا بحسب الاصل اللغوي
. وكذلك المشهور .ولكن مع ذلك يمكن القول ان له نحواً من الظهور في ذلك , بعد
الالتفات : الى أن اللغة المتعدة في الكتاب والسنة ليست هي اللغة القاموسية أو
الأصلية , فقط . بل العرف أيضاً له دخل فيها . والظهور العرفي وان لم يكن له دخل
في اللغة , إلا انه له دخلا في الفهم الاجتماعي والعام لها
.
وعندئذ ففي الإمكان القول ان العرف يوافق على فهم الدفعية في انزل والتدرج في
نزّل , يعني بعضها بعد بعض
.
ولكن
هذا يحتاج الى صغرى وهي وجود العرف في عصر الصدور والنزول . فاننا لا بد ان نحمل
النص القرآني , على ما كان يوم نزوله في لغته وعرفه . وعندئذ ففي الإمكان القول :
أن ما كان يومئذ متحققاً في ذلك الحين هو الانزال الاعم بدون لحاظ التدريجية
والدفعية .
فان
قلت : فاننا حيث نفهمها الان يمكن ان نستصحبه استصحاباً عكسياً قهقرائياً , كما
في غيره من الظهورات ,فيثبت وجوده آنئذ
.
........................................................
(1)
ج20,
ص 33.
(2)
تنزيه
القرآن عن المطاعن/سورة القدر
.
(3)
ج20وص330.
(4)
المفردات مادة " نزل
" .
(5)
انظر
مجمع البيان ج10 , 518
.
قلت :
ولكنه معارض باستصحاب أخر غير قهقري . لاننا نعلم ان الاستعمال قبل الإسلام كان
بالمعنى المذكر في أصل اللغة . وهو مطلق النزول ونشك أنه بعد الإسلام هل تحول الى
معنى أو لا , فنستصحب عدم التحول . أو قل بقاءه على معناه الأصلي . فبثبت نزول
القرآن على ذلك الفهم . ولا أقل من التعارض والتساقط بين الاستصحابين فلا يثبت
مراد المشهور
.
أو
نقول : ان الاستصحاب القهقري لما كان عكس القاعدة , فيقدم الاستصحاب الموافق
للقاعدة , وهو الاخر المخالف وهو الاخر المخالف للمشهور في النتيجة
.
ونستطيع التمسك بإطلاق ما هو منزل للشمول لجميعه . فانه لو كان النازل بعضه
لبيّنة , وحيث انه لم يبين , تعين ان النازل كله . فالضمير الذي يعود على القرآن
أو الى غيره نازل كله , أعني في قوله تعالى : انا أنزلناه . وهذا على خلاف
المشهور .
وبذلك
يندفع بالبرهان , ما دفعه السيد الطباطبائي بالوجدان , حيث قال في الميزان (1)
:فلا يعبأ بما قيل : ان معنى قوله تعالى : أنزلناه : ابتدأنا بإنزاله
.
مضاف
الى ان يوم المبعث هو اليوم السابع والعشرون من رجب . وفيه نزل أول ما نزل من
القرآن الكريم :اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . وليس أوله نازلاً في
رمضان كما قيل
.
وإلا
فماذا يكون معنى قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ ؟ لو كان المراد بدأ النزول . وهو لم يبدأ به قطعاً , بل المراد
الانزال الكامل
.
فالضمير في انزلناه يعود الى أمر غير مقيد بالبعض , وهذا الامر حاصل في شهر رمضان
وفي ليلة القدر . والله سبحانه ذكر كلا الزمانين لنزوله , فيثبت كونهما متداخلين
من أجل صدق كلتا القضيتين , لاستحالة النزول الكامل مرتين , واستحالة تحصيل
الحاصل .
ومعه
يتعين , بظهور القرآن كون ليلة القدر في شهر رمضان . اذن فما في ذهن المتشرعة
وعليه بعض الروايات الضعيفة (2) . من ان ليلة القدر مشتبهة بين جميع ايام السنة
او انها من المحتمل أن تكون هي ليلة النصف من شعبان و ونحو ذلك . سيكون خلاف ظهور
القرآن الكريم بعد ضم الايتين المذكورتين فيسقط عن الحجية
.
وأما
تعيين ليلة القدر في ليالي شهر رمضان نفسه , فهو غير مستفاد من ظهور القرآن
الكريم .وهي عند المتشرعة مشبهة ومرددة بين ثلاث ليالي هي التاسعة عشر والحادية
والعشرين والثالثة والعشرين من شهر رمضان . غير ان الروايات الآتية صالحة لنفي
الاحتمال الأول
.
وقد
سئل المعصوم عليه السلام في عدة أحاديث عن ليلة القدر , وانها في أي الليلتين فلم
يعيَِّن . بل قال (3)
ما
أيسر ليلتين فيما تطلب . أو قال : ما عليك ان تفعل خيراً في ليلتين . ونحو ذلك
.
سؤال
:ما هو حساب شهر رمضان في الكون .ولماذا هذا التركيز والأهمية له ؟ علماً ان
الارض ليس لها أهمية في هذا الكون . وبتعبير آخر أوضح : ان شهر رمضان كامن في
الأرض , لانه من نتائج حركتها السنوية حول الشمس . فاذا كان الانزال الدفعي في
السماء الاولى , فهناك لا يوجد شهر رمضان , لكي يكون نازلاً فيه ولا توجد ليلة
القدر . بل كلها أرضية . فما دخل السماء فيها ؟
جوابه
من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : ان الارض وان زعموا انها في مكان مدحوض من المجرة التي نحن فيها وهي درب
التبانة . فان هذا وان صح مادياً في علم الفلك . إلا إنه ليس بصحيح معنوياً
.
وقد
قال متشرعة الإسلام ومتشرعة الديان السابقة بازاء ذلك :ان الأرض هي مركز الكون
وتخيل بعض المتشرعة ان المراد هو المركز المادي , فنفى ذلك لثبوت خلافه في علم
الفلك . ولكن الواقع ان المراد به الجهة المعنوية والتركيز على الأهمية
.
وذلك
: لانه في الارض سكن الانسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وسكنها خير الخلق
والمعصومون عليهم السلام . وكذلك هي محط نزول الملائكة والرسل والكتب ومحط ذكر
الله وعبادة الله . فالأهمية الإلهية جعلت منها مركزاً للكون
.
...............................
(1)
ج20 ,
ص330 .
(2)
انظر
مجمع البيان , ص 518
.
(3)
انظر
مفاتيح الجنان , ص 226 وغيره
.
ونتيجة ذلك : ان الكون يقاس بالأرض . أي ان فيه شهر رمضان وليلة القدر , وكذلك :
العيدان ويوم عاشوراء وغيرها . ما دام أحد هذه الأزمنة متحققاً في الأرض فانسد
السؤال .
الوجه
الثاني : ان يكون المراد من الأرض والسماء : أرض النفس وسماؤها . فأرض النفس هي
الشهوات سماؤها العقل . فنعقد لذلك قضيتين :الاولى : ان أرض النفس موجودة في
الأرض الخارجية , تحس انها في شهر رمضان أو في ليلة القدر . لانها حقيقة كذلك
والإنسان يعيش أحساساً هكذا
.
الثانية : ان هذا الإحساس ينتشر في جميع النفس : أرضها وسماؤها . لان النفس , كما
قال الشــيخ السبزواري (1) : النفس في وحدتها كل القوى . من حيث ان قواها
وملكاتها متعددة . إلا ان النفس مجموعها واحدة لا تتعدد . بما فيها من أرض وسماء
.
وعندئذ فاذا سرت ليلة القدر الى أرض النفس من الخارج , فقد سرت الى النفس كلها
طبقا للوحدة . فتنتشر ليلة القدر وينتشر شهر رمضان في كل النفس , سمائها وأراضها
.
الوجه
الثالث : انه يمكن القول بعد التنزل عن الوجهين السابقين : ان القرآن نزل الى
السماء الأولى في وقت كانت الأرض فيها ليلة القدر , وكانت البشرية متصفة بهذا
الزمان .
الوجه
الرابع : انها ليلة القدر بإحساس المتلقي بالعرف الأرضي وهذا يكفي . من باب كلم
الناس على قدر عقولهم
,
سؤال
: حول قوله تعالى : وما أدراك ما ليلة القدر . من حيث ان الخطاب للنبي (ص) وهو
يعلم ما ليلة القدر . فكيف يمكن إدراكه له
.
جوابه
: من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : انها صيغة تعجب كقولنا : ما أحسنها أو ما أعظمها . لكنه أخذها في الآية
جانب الإثبات وهو الإدراك , لا جانب الثبوت
.
الوجه
الثاني :ان المقصود الناس و لان القرآن أنزل اليهم , وان كان الخطاب للنبي (ص)
كما قال المثل : إياك أعني فاسمعي يا جارة
.
الوجه
الثالث : انه استفهام يراد به التعظيم وليس الاستفهام الحقيقي , كما قلنا في درس
الأصول : ان الاستفهام في مثل هذا المورد هو معنى أولي للفظ , والتعظيم معنى
ثانوي , وهنا يراد المعنى الثانوي خاصة
.
الوجه
الرابع : ان تكون ( أدْرَاك َ ) من الإدراك أي تحصيل منزلة تلك الليلة , على معنى
( إدراك ) فيكون أستفهاماً تعظيمياً لذلك الإدراك
.
سؤال
: لماذا أصبحت خيراً من آلف شهر . أو بالأحرى ما معنى ذلك ؟
جوابه
: من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : ان العدد ليس للضبط فلا يفهم من الآية الحدية أي بشرط لا عن الزيادة ولا
النقيصة .
بل
المراد : شهور كثيرة جداً
.
ورقم
الآلف أقصى رقم كان يتصوره العرب . وظهوره العرفي يدل على ذلك , وان كان
الأصوليون يقولون بعدم إمكان إسقاط العنوان , ولكن ذلك صحيح ما لم تقم قرينة ضده
والظهور العرفي هنا على هذا النحو
.
أذن ,
فيمكن ان يكون المراد انها خير من الزمان كله لما فيها من الأوامر ومن العطاء
.
الوجه
الثاني : ان المشهور فسرها بآلف شهر ليس فيها ليلة القدر . وقد ورد ذلك في بعض
الأخبار (2) . وهذا صحيح , لانها لو كانت فيها ليلة القدر لكانت مثلها , ولم تكن
دونها في الأهمية
.
كما
انه لم يقل : انها آلف شهر متتابعة , بل هي آلف شهر في الجملة . وإلا كانت فيها
ليلة القدر , لتكررها كل سنة . فهي الف شهر مشروطة بالتفرق
.
الوجه
الثالث : ورد تفسيره بملك بني أمية (3)
.
وفيه
اشكالان :
الاول
: عدم انطباقها على مدة ملكهم , فقد كان أكثر من الف شهر . وهذا صحيح . الا اننا
عرفنا ان الالف تقريبي وليس مضبوطاً . فيندفع الإشكال
.
......................................
(1)
انظر
غرر الفرايد في فن الحكمة , ص 309
.
(2)
الدر
المنثور :ج8 , ص 568
.
(3)
انظر
الدر المنثور :ج8 , ص565 ومروج الذهب , ج3 , ص 250
.
الثاني : اننا قلنا ان المشهور ينبغي ان تكون متفرقة لكي لا تكون فيها ليلة القدر
. لانها موجودة في كل سنة بضرورة الدين . ومدة ملك بني أمية متوالية , اذن , فقد
حصلت خلاله ليلة القدر
.
وجوابه : من وجوه
:
الوجه
الأول : ان نتنزل عن هذا التفسير وننفه باعتبار ضعف الخبر
.
الوجه
الثاني : ان ننظر الى مصداق هذا العنوان صرفاً , وهو ملك بني أمية بغض النظر عن
الزمان . فان المجتمع كان في ذلك الحين بائساً , والعطاء الإلهي والكرم الرباني
المتوقع لم يكن ينزل خلال مدة ملكهم . فكان وجود ليالي القدر فيها كعدمها . لان
ليلة القدر انما هي بمنزلة المقتضي للعطاء لا علة تامة . وملكهم مانع عن العطاء
الإلهي , يعني عن تأثير المقتضى فيه .فمن الناحية العملية تكون ليلة القدر مفقودة
في مدة ملكهم
.
الوجه
الثالث : ان المراد من ملك بني امية ليس هو مؤاده المطابقي بل يمكن ان نفهم منه
زمان انحطاط الفرد بحيث لا يستحق العطاء , فلا ينزل عليه فهي خير من آلف شهر بدون
عطاء .
فقد
أخذ في هذا التقدير , وهو كونها خيراً من آلف شهر : أهمية العطاء في ليلة القدر
.
إذ
بدونه تكون كالعدم . فان الأوامر تنزل فيها على أية حال , ولكن العطاء قد ينقطع
.
سؤال
: لماذا قال تَنَزَّلُ . ولم يقل تُنََّزل أو تَنْزل
.
جوابه
: من وجهين
:
الوجه
الأول : ان هناك قراءة بضم حرف المضارعة (1) . وهي وان كانت شاذة إلا انها تحفظ
المعنى أولا ً , ولا تخل بالسياق ولا بالنسق القرآنيين ثانياً , ومحتملة ثالثاً .
والاحتمال مبطل للاستدلال
.
الوجه
الثاني : حسب فهمي , فان هذه الصيغة لها ثلاث مزايا
:
الأولى : الأمر بالنزول . من حيث ان الملائكة مأمورين بذلك
.
الثانية : حمل شيء خلال النزول . وهي والأوامر والعطاء الذي تحمله الملائكة
وتوزعه في العالم الأدنى
.
ونظيره في القرآن قوله تعالى : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ)
(الشعراء:210) أي لم تكن تحمله الشياطين معها لقوله تعالى : عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ
الشَّيَاطِينُ ,تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (الشعراء:222)
ثالثاً : التدريجية في النزول ز فان الملائكة اذا كانوا مأمورين بالنزول . فقد
ينزلهم الله تعالى إنزالاً (أي دفعياً ) لا تنزيلاً ( أي تدريجياً ) . ولكن حسب
فهمي انه لاجل إقامة القرينة على عدم الدفعية , قال : تنزل , بقصد نفي النزول
الدفعي وأثبات التدريجي . ومن هنا ان الصيغتين الأخيرتين المقترحتين في السؤال لا
تفيدان الميزتين الأخيرتين قطعاً . والثالثة لا تفيد المزايا الثلاث أصلاً . ومن
هنا كان الرجحان للصيغة الأولى المشهورة
.
وهنا
قال في الميزان (2) , باختصار أصله تنزل , وفيه معنى التدريجية أقول : هل ان هذه
الصيغة من الانزال او من التنزيل ؟ مقتضى فهمه للتدريج هو الثاني . ومقتضى أصل
المادة هو الأول . فيقع في نحو من التهافت
.
سؤال
: منا المقصود بالروح في قوله تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ؟
جوابه
: ليس هناك معنى مشهوري في هذا الصدد . بل هناك أراء متعددة تصلح كل منها كأطروحة
.
الأطروحة الأولى : ان المراد به جبرائيل عليه السلام . وخص بالذكر لأهميته ,
بالرغم من اندراجه ضمن مفهوم الملائكة , فيكون من عطف الخاص على العام , أو قل :
عطف الجزئي على الكلي
.
الأطروحة الثانية : هو أعظم الملائكة . وفيه ما قلنا في الأطروحة الاولى
.
الأطروحة الثالثة : هو خلق أعظم من الملائكة , ولعله الأشهر بين جملة من المفسرين
. وفي أعتقادي انهم انما ذكروه باعتبار ظهور التباين بين طرفي العطف : ( الملائكة
والروح ) فلا يمكن ان يكون الروح مندرجاً في معنى الملائكة .وقد يدعم هذا الكلام
: ان الملائكة والروح من سنخين .لان وجود الملائكة من عالم الخلق والروح من عالم
الأمر . وعالم الأمر أعلى من عالم الخلق . ومن سنخ أخر غير سنخه . وبحسب فهمي فان
هذه الاطروحة بمنزلة ( الكلي ) والوجه الآتي أو الاطروحة الأتية تكون مصداقاً
وتطبيقاً لها
.
............................
(1)
الدر
المنثور ج8 , ص 568
.
(2)
انظر
الدر المنثور ج8 , ص 565 . ومروج الذهب ج3, ص250
.
(3)
انظر
معجم القراءات القرآنية ج8 , ص 203
.
(4)
ج
20,ص 332 .
الاطروحة الرابعة : ما قاله في الميزان (1) . الظاهر من الروح هو الروح الذي من
الامر قال تعالى : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(الاسراء: من الآية85)
.أقول : انه قدس سره لم يذكر ما معنى الروح في الآية بالتحديد .وواضح من السياق
ان المراد منها الروح الإنساني . فان الروح الواقعية التي عند الله للإنسان هي
التي تنزل مع الملائكة , في ليلة القدر .وهي من عالم الأمر وهي أيضاً في حقيقتها
خلق أعظم من الملائكة , فحصل الوفاق بين عدد من الأطروحات
.
سؤال
: ان الملائكة جمع , والروح مفرد . فلماذا قال ذلك ؟
جوابه
: من عدة وجوه
:
الأول
: ان المراد بالروح الجنس , وهو بمعنى الجمع . يعني تنزل الملائكة والأرواح .
فالأول جمع نحوياً والثاني جمع معنوياً .وهذا يكفي
.
الثاني : ان يلحظ الفرد فقط . ولكل فرد روح واحدة . وهذا اللحاظ غير موجود في
الملائكة .
الثالث : ان الروح واحدة لا تتعدد طبقاص لكل الأطروحات السابقة في فهمنا . فهي
وجود واحد , فلا بد من التعبير عنه بالمفرد ولا يمكن بالجمع
.
سؤال
:ما هو معنى الأذن في قوله تعالى : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ؟
جوابه
:قال الراغب ( 2) : والأذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه . وقال في الميزان
(3) : وهو إعلام عدم المانع منه
.
أقول
: وهذا لا يكفي لان المفهوم متشرعاً كون الملائكة مأمورين الزاماً بالنزول . فكيف
يجتمع الأذن ل ترخيصي والأمر الإلزامي .وهذا المعنى لم يتعرض له السيد في الميزان
.
هناك
عدة أطروحات لفهم معنى الأذن
.
الاولى : ان المراد بالأذن الوجوب والإلزام . يعني عدم المانع المقترن بالمقتضي
والشرط .فهو بالمعنى الأعم على معنى الإمكان العام الشامل للإمكان والوجوب .
فيكون الاذن هنا شاملا لمعنى الترخيص والإلزام . والحصة المرادة هنا خصوص الإلزام
.
الثانية : ان الملائكة راغبون في النزول لانه عملهم وعبادتهم . فاذا ارتفع المانع
أثر المقتضي أثره بالنزول . ومما يُشعِر بهذه الرغبة كونهم يستغفرون لمن في الارض
.كما تشير بعض الآيات الكريمة (4)
.
الثالثة :ان النازل ليس كل الملائكة بل بعضهم , فمن الممكن ان تكون المسألة
أختيارية لافرادهم . وان كان الأمر بنحو الوجوب الكفائي . فكل فرد منهم يشعر انه
ينزل برخصة لا بالزام . وهذا يصدق بطبيعة الحال في عالم المحو والاثبات .وهو
العالم الذي يحس به الملائكة , كما نحس به . لا في عالم اللوح الأعلى
.
فان
قلت : ان الملائكة مطلعون على كلا العالمين .باعتبار وجودهم في الملاء الأعلى
.فيكونون مدركين للإلزام لا للأذن
.
قلنا
: كلا . ان الملائكة غير مطلعين على القضاء الحتمي . بل على عالم المحو والإثبات
فقط . لانه هو الخاص بعالم الكثرة , وهو العالم الذي يحس به الملائكة والأنس
والجن كلهم
.
سؤال
: ما معنى الأمر في قوله تعالى : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ؟
جوابه
:للامر قسمان رئيسان هما : مفرد اوامر ومفرد امر .وكل منهما ينقسم الى ثلاثة
أقسام :
القسم
الرئيسي الاول : هو مفرد أوامر , وهو بمعنى الطلب . وهو المعنى المشهور للمفسرين
. وفيه ثلاث أطروحات
:
أ –
انه الأمر الموجود في اللوح المحفوظ في الجانب العلى , فيأخذه الملائكة وينزلون
به .
ب –
انه الأمر الموجود في الجانب الأسفل . اذ يكون الملحوظ تنفيذ الأوامر وتطبيقها
على وجه الأرض
.
ج-
انه المر الموجود في الجانب الأوسط .اذ يكون الملحوظ هي الأوامر التي تحملها
الملائكة حال هبوطها . بغض النظر عن مصدرها الفوقاني وموردها التحتاني
.
وهنا
ينبغي ان نلتفت الى أمر أغفله المفسرون , وهو ان النزل بالأوامر العليا ينقسم على
قسمين : نزول ثبوتي ونزول إثباتي
.
...................................
(1)
الميزان , ج20 , ص332
.
(2)
المفردات , مادة " اذن
" .
(3)
ج 20
, ص 332 .
(4)
قال
تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)(الشورى: من الآية5)
ونريد
بالنزول الثبوتي , ما يريده المشهور من الملائكة تنزل بالأوامر وتطبقها على وجه
الأرض .
ونريد
بالإثباتي , قيام الملائكة بتعريف تلك الأوامر للأولياء , لكي تنزل الى عالم
التطبيق تدريجياً ز
ومن
المعلوم ان النزول الثبوتي لا يكون في ليلة القدر بل خلال سنة كاملة . وبخلاف
النزول الإثباتي فانه خاص بها . ومعه يتعذر ان نفهم من النزول ما يريده المشهور
وهو الثبوتي . بل يتعين المعنى الاخر له
.
القسم
الثاني الرئيسي للأمر :ان يكون المراد هو مفرد أي أشياء . فيكون المعنى : باذن
ربهم من كل شئ . وينقسم على ثلاثة أطروحات أيضا مقابلة لاطروحات القسم الاول
:
1-
الجانب الأعلى ( المحمول منه ) وهو ما خرجت منه الأوامر
.
2-
الجانب الأسفل ( المحمول اليه ) وهو ما تطبق فيه الأوامر
.
3-
الجانب الأوسط ( الحامل ) وهم الملائكة الحاملون للأوامر
.
فان
قلت : ان الامر اذا كان بمعنى الشئ كان بمعنى العطاء الذي تحمله الملائكة , وخرج
عن كونه أمراً بمعنى مفرد الأوامر . مع ان الملائكة تحمله أيضاً
.
قلت :
ان المر ( مفرد الامور ) يشمل الامر ( مفرد الأوامر ) لان الأوامر بهذا المعنى هي
أشياء . فالملائكة تحمل أشياء عديدة , منها عطاء ومنها أوامر
.
سؤال
: ما هو معنى من في الآية الكريمة ؟
جوابه
: انهم ذكروا ل " من " عدة معانٍ
:
الاول
: انها بمعنى الباء . أي بكل أمر
.
وهذا
يمثل بحسب فهمي المرحلة الوسطى ,من المراحل المشار اليها . فيما سبق . والملائكة
تحمل أموراً 0 سواء بمعنى الأشياء أو بمعنى الأوامر ) وتنزل بها . قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (الشعراء:193)
.
ويرد
عليه :انه يكون المعنى : انهم حاملون لكل الأمور ونازلون بها . وهذا ما لا تطيقه
الملائكة ,لان مجموع الاومر والأوامر كثير جداً , بل هي لا متناهية , والمحدود لا
يطيق تحمل المحدود
.
وجوابه : اننا هنا نحتاج الى تقييد ما , أي نقول :بكل أمر خاص . كان خلال سنة .
أو للمخلوقين أو للدنيا . فتكون الأمور والأوامر لا متناهية , فلا بأس ان تحملها
الملائكة .
فان
قلت : الظاهر عدم الحذف والتقدير . فانه خلاف الظاهر إلا بقرينة متصلة
.
قلت :
ان البحث اللغوي لا يكون له دور هنا . ولكن – مع ذلك - فاننا يمكن ان نفهم من
السياق ان المراد من كل أمر ليس كل الأوامر اللامتناهية . وانما المتعلقة بالعدل
ونحو ذلك . فهي أوامر محددة . أي من كل أمر مناسب . فهو تقليد ارتكازي أو معنوي
لا لفظي فيمكن أن تحمله الملائكة
.
الثاني : انها بمعنى " التسبيب " الأمر الإلهي الى النزول .أو قل : بسبب كل أمر
وهو يمثل السبب أو المرحلة العليا من الثلاث السابقة
.
فان
قلت : ان الظاهر هو السببية التامة أو العلية . وهي تصح اذا كان الأمر بمعنى
الطلب لا بمعنى الأشـياء ( مفرد أوامر لا مفرد أمور ) فانها على تقدير الأخر تكون
مناسبة مع العلية الناقصة , فتكون " من " قرينة متصلة على فهم مفرد أوامر لا مفرد
أمور .
قلت :
ان النحويون حين يقولون ان المراد من الحرف هو السببية لا يعنون بها السببية
التامة ولا الناقصة , بل الأعم منهما . والمورد هنا بالمعنى ( الفلسفي ) إقتضائي
وليس عليّا ً ,وهو مناسب مع كلا المعنيين . فلا تكون القرينة المذكورة صحيحة
.
الثالث : انها للتعليل بالغاية , من حيث ان العلة هي تطبيق الأوامر . وهي تمثل
المرحلة الثالثة من الثلاث السابقة
.
فان
قلت : ولكن توزيع الأوامر لا يكون القدر بل في سنة كاملة
قلت :
جوابه على احد شكلين
:
الاول
: النزول بكل أوامر السنة يكون بفعل المعصوم (ع) . وهو العلة الغائية للتدبير
.الثاني : ان النزول إقتضائي لا علي . فلو توخينا العلية أو الفعلية , لتنفيذ هذه
العطاءات فلا بد من مرور سنة ,إلا انه لا بأس من ينزل كله في ليلة نزولاً
إقتضائيا , ويبقى موقوفاً تطبيقه على شرط حصول زمنه
.
الرابع : ما اختاره في الميزان حيث قال (1) . والحق ان المراد بالأمر ان كان ان
كان الأمر الإلهي المفسر بقوله : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) . فمن للابتداء , وتفيد السببية والمعنى
.....................
(1)
ج20 ,
ص332 .
تتنزل
الملائكة والروح في ليلة القدر باذن ربهم مبتدأ تنزلهم وصادراً من كل أمر الهي
.
وان
كان هو الأمر من الأمور الكونية والحوادث الواقعية , فمن بمعنى اللام التعللية ,
والمعنى تنزل الملائكة والروح في الليلة باذن ربهم لاجل تدبير كل أمر من الأمور
التكوينية .
أقول
:يرد عليه عدد من الاشكالات السابقة
.
الخامس : ان من للتبعيض . أي بعض الأمور أو الأوامر او الاعم منهما . فانه لا
حاجة الى نزولها كلها , بل تنزل بمقدار الحاجة
.
سؤال
:عن معنى السلام في قوله تعالى : سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
جوابه
: قال الراغب في المفردات (1) : السلام والسلامة التعري من الآفات الظاهرة
والباطنة قال تعالى : بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(الشعراء: 89). أي متعر ٍ من الدغل . فهذا
من الباطن . وقال تعالى : مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ(البقرة: 71) ,فهذا من الظاهر
.
أقول
: ويستعمل بمعنى السلامة من البلاء الدنيوي . وكذلك العافية من كل بلاء ومادة
سلام لها معنيان
:
الاول
ضد المرض .
الثاني :ضد الحرب
.
وكلاهما البلاء الدنيوي , فهي سبب السلامة وعدم تكدر البال . وهذا هو المشهور .
ولكنه على خلاف المعنى الأصلي أذ لا فرق بين المؤنث والمذكر . وعلى أي حال ,
فالسلام في السورة , خير الهي ورحمة أما بعطاء جديد أو دفع بلاء محتمل في الحرب
مع الشهوات والشياطين وفسق الأنس والجن
.
وذكر
العكبري معنى أخر حيث قال (2) : في سَلاَمٌ وجهان : أحدهما : هي بمعنى مسلّمة أي
تسليم . فعلى تسليم الملائكة على المؤمنين أو يسلم بعضهم على بعض . والثاني بمعنى
سلامة أو تسليم . فعلى الأول هي مبتدأ وسلام خبر مقدم
.
أقول
: والسلام ظرف " أي وقت سلام " ولم يشير اليه لانه مفهوم ضمناً
.
وقال
في الميزان (3) : وقيل المراد به ان الملائكة يسلمون على من مرّوا به من المؤمنين
المتعبدين .
أقول
: وهو ليس بصحيح , لان الملائكة تسلم على من تُرسّل اليه لا على من تمر به .
وعطاؤهم اما السلام أو أنهم يسلمون لهم شيئاً من الله سبحانه
.
والمعنى الأخر بمعنى السلامة أي التسليم , أي التسبيب للسلامة . أو قل :إيجاد سبب
السلام , كما يقال : سلمك الله أي اوجد السلامة فيك
.
وأضاف
العكبري(4) : حتى متعلقه بسلام أي الملائكة مسّلمة الى الفجر . ويجوز ان يرتفع هي
بسلام على قول الأخفش ( أي المبتدأ بالخير المتقدم ) . وعلى القول الثاني : ليلة
القدر ذات تسليم أي ذات سلامة الى طلوع الفجر . وفيه التقديران الأولان( يعني
تعلق حتى بسلام وقول الأخفش ) .ويجوز ان يتعلق حتى بتنزيل
.
أقول
: وفي دعاء الصحيفة السجادية وصف ان ليلة القدر بانها :( التي هي من كل أمر سلام
) .يعني سلام هي من كل أمر . وقد تقدم الجار والمجرور لفظياً في حين هو متعلق
بسلام وليس بتنزل كما هو ظاهر العبارة ومسلك مشهور المفسرين . ويتحصل المعنى من
هذا الدعاء ضمن عدة أطروحات
:
الأولى : ان يقصد بقوله : مِنْ كُلِّ أَمْرٍ: المر الخبيث , فيكون المراد السلامة
والنجاة من كل أمر سيئ
.
وقد
يجاب : ان الملائكة والروح هي التي تنزل بالأمر , وهي أجل من ان تنزل بأمر سيئ
.
وجوابه : اولاً : انها قد تكون جملة مستأنفة لا علاقة لها بما سبق
.
ثانياُ : ان الملائكة قد يحملون اموراً سيئة لانهم ينزلون بالخير والشر معاً
وتكون ليلة القدر نجاة مما يحملون من السوء
.
الثانية : ان نفهم من المر الجيد والعلوي من العطاء وعندئذ لا يمكن أن نحمل
السلام على معنى النجاة , بل يجب ان نحمله على ما يناسب السياق وهو الاتصاف به لا
النجاة منه
.
..................................
(1)
ج2 ,
ص156 .
(2)
ج20 ,
333 .
(3)
ج2 ,
ص 156 .
(4)
تنزيل
القرآن عن المطاعن / سورة القدر
.
(5)
ج20 ,
ص 333 .
ووصف
الليلة بالمصدر ( هي سلام ) كوصف زيد بالعدل ( زيد عدل ) أي عادل . وهو مجاز
وتأويله : أما أسم فاعل أي مسلمة أس مسلما او سبب السلام أو ظرفه واما بتقدير
مضاف أي ذات سلام . أو انه بمعنى أفعل التفضيل كما أحتمله القاضي عبد الجبار (1)
.
وقال
في الميزان (2) : والآيتان , اعني قوله تعالى : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ
.........الى أخر السورة في معنى التفسير لقوله " لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ
أَلْفِ شَهْرٍ
" .
أقول
: او انها بمنزلة الجواب , عن انها لماذا كانت خيراً من الف شهر . لان الملائكة
لا تنزل في آلف شهر, بل في ليلة القدر
.
سؤال
: ما معنى حتى في قوله : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
.
جوابه
: انها بمعنى الى
.
سؤال
: مطلع الفجر ما معناه ؟
جوابه
: فيه عدة أطروحات
:
الأولى : الفجر بعد الليل , وهي المشهورة
.
الثانية : انه يكون بعد ليل البلاء , والفجر فجر السلامة من البلاء
.
الثالثة : انه يكون بعد ليل الضلال , وهو فجر الهداية
.
الرابعة : ان يكون بعد ليل الدنيا , لان الدنيا غاية همنا ومبلغ علمنا , فنخرج من
هذا الحال , وندخل في حال أفضل
.
الخامسة : انه فجر العطاء بعد ليل الحرمان من العطاء
.
فان
قلت : ولكن السياق واضح بانها ليلة عظيمة , فكيف نفهم مطلع الفجر ؟
قلت :
هذا يحتاج الى درجة من الفهم الباطني . فاما ان نفهم ان كل عبارة مستقلة عن
الأخرى . وأما ان يختلف معنى مطلع الفجر , فيمكن ان يحصل فجر الهداية أو فجر
العطاء خلال ليلة القدر لا في نهايتها . وهو فجر معنوي وليس بمادي . تمت هذه
السورة والحمد لله رب العالمين