مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سره الشريف)
الجزء الثامن عشر

من كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد الشهيد محمد الصدر( رضوان الله عليه )

ســـورة العلق

في تسميتها عدة أطروحات :
الأولى : العلق . وهي المشهورة .
الثانية : القلم وهي مشهورة أيضا (1) .
الثالثة : السورة التي ذكر فيها العلق او التي ذكر فيها القلم .
الرابعة : اقرأ . بصفته اللفظ الاول في السورة بعد البسملة .
الخامسة : رقمها من المصحف الشريف وهو 96 .
سؤال : هل ان هذه السورة نزلت : اول ما نزل القرآن ؟
جوابه : انه يوجد في أذهان المتشرعة . إلى حد يوجب الاطمئنان : ان هذه السورة هي اول ما نزل من القرآن . وقد وردت في ذلك روايات كما في الصحيحين . والدر المنثور وغيرها . نعرض الرواية كما في الدر المنثور أولا. ثم نناقش متنها (2) .
عن عائشة ام المؤمنين انها قالت : اول مابدىء به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم . فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح .
ثم حبب اليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحدث فيه . وهو التعبد ، الليالي ذوات العدد . قبل ان ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ، فيتردد لمثلها .
حتى جاءه الحق وهو غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . فقال : ما أنا بقارئ . قال :
..........................................
(1)
هناك سورة باسم سورة القلم ايضا وهي : (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم:1) . فتصح أطروحتنا هنا اذا سمينا تلك السورة باسم اخر مثل : ن . على ما سيأتي من اطروحات اسمها . لوضوح ان تسمية سورتين باسم واحد يكون منشأ للاشتباه .
(2)
نقلاً عن الميزان ، ج20 ، ص327 .

فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد . ثم أرسلني فقال : اقرا . فقلت : ما أنا بقارئ . قال : فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد . ثم ارسلني فقال : اقرا . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني . فقال ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) .
فرجع بها رسول الله (ص) يرجف فؤاده . فدخل على خديجة بنت خويلد . فقال : زملوني زملوني . فزملوه . حتى ذهب عنه الروع . فقال لخديجه وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجه : كلا . ما يخزيك الله أبدا . انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق .
فانطلقت خديجه حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجه . وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله ان يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجه : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك .
فقال له ورقة : يا بن آخى ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله (ص) خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي انزل الله على موسى . يا ليتني أكون فيها جذعاً ، يا ليتني أكون فيها حياً. إذ يخرجك قومك .
فقال رسول الله (ص) : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودي . وان يد ركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة ان توفي وفتر الوحي .
أقول : وفي هذه الرواية عدة اشكالات :
أولا : عدم صحة سندها .
ثانيا : ان اول ما نزل من القرآن الكريم . هو البسملة ، وليس اقرأ بأسم ربك .
ثالثا : ان في الرواية انه (ص) خاف من جبرائيل (ع) . ولا مبرر لذلك . الخوف البتة .
رابعا : ان جبرائيل (ع) قال له : اقرأ ، بدون ان يعرض عليه كتاب او صحيفة. فلا يكفي الاعتذار من النبي (ص) بقوله ما أنا بقارئ .
خامسا : لنا ان نتسائل : لماذا عاقبه جبرائيل (ع) وهو يمثل رحمة الله الواسعة . وقد كان صادقا في كلامه بأنه ليس بقارئ فهو لا يستحق العقوبة .
سادسا : دلالة الرواية على انه لم يعلم انه نبي او رسول !!
قال في الميزان (1) : وسكون نفسه (ص) في كونه نبيا إلى قوله رجل نصراني مترهب . وقد قال تعالى : (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي )(الأنعام: من الآية57) . وأي حجة بينة في قول ورقة ؟ وقال تعالى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )(يوسف: من الآية108) . فهل بصيرته (ص) هو سكونه إلى ورقة ؟ وبصيرة من اتبعه هو سكون أنفسهم إلى سكون نفسه إلى ما لاحجية فيه قاطعة وقال تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)(النساء: من الآية163) . فهل كان اعتمادهم في ثبوتهم على مثل ما تقصه هذه القصة ؟
جزى الله صاحب الميزان خيرا .
سؤال : لماذا بدأت السورة بفعل الأمر اقرأ ؟
جوابه : أولا : ان المسألة اختيارية كما قاعدته العامة في المقدمة .
ثانيا : ان هذا متكرر في القرآن ولاباس به لوجود سورة أخرى بدأت بفعل الأمر كقوله تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى:1) .
ثالثا : ان السورة على المشهور اول ما نزلت من القرآن الكريم فتكون اقرأ أي القرآن الكريم فتكون تبشيرا بنزوله ، وتكليفا للنبي (ص) بالاستماع اليه وتبليغه .
سؤال : ما هو المقرؤ في اقرأ ؟
جوابه : من عدة وجوه ، بعد الالتفات إلى انه لا يوجد مفعول به لفظي ، كما هو معلوم ، كما لا يوجد مفعول مقدر ، لوضوح تعمد الإطلاق من هذه الناحية . وانما غايته انه يوجد مفعول معنوي . لأن غض النظر عن المفعول به مطلقا ، مما لا يمكن . ونبدأ الآن بوجوه الجواب .
الاول : ما أشار اليه العكبري (2 ) والطباطبائي (3) : من ان المفعول : اسم ربك . والباء زائدة ، كقول الشاعر : لا يقرأن بالسور . وذلك لأن قرأ متعدية بنفسها لا بالباء .
الثاني : ما أشار العكبري ايضا (4) : منان التقدير اقرأ مبتدأ بأسم ربك . كما قال : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:1) . فهو تعليم عام للبشرية من هذه الناحية .
...................................................
(1)
ج20 ص: 329
(2)
ج2 ص: 156
(3)
ج20 ص: 323
(4)
ج2 ص : 156

فان قلت : فان البسملة جزء من السورة ، فيكون المضمون متكررا بلا موجب .
قلت : ان ذلك كرر تأكيدا لكثرة غفلة البشر عنه . والتكرار بغير اللفظ لا يكون سمجا .
مضافا إلى اختلاف المتعلق ، فأنه في البسملة خاص بالسورة ، وفي اقرأ عام لكل الامور .
نعم ، لو تنزلنا عن هذه الأجوبة ، فأن قرينة التكرار تدل على ان هذا الوجه غير مقصود .
كما إننا لو تنزلنا عن جزئية البسملة للسورة لم يلزم التكرار .
الثالث : اقرأ القرآن على الناس . كما قال تعالى : (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ)(الإسراء: من الآية106) . وهذا ما ذكره الطباطبائي (1) ونفاه . ولم يستدل على نفيه .
الرابع :ان المراد مطلق القراءة ، يعني : اقرأ أي شيء بأسم الله سبحانه . وهو ما ذكره الطباطبائي (2) أيضا ونفاه ، ولم يستدل على نفيه . ونحن اذا أمكننا أن نفهم من القرآن عدة معاني . فكل معنى معقول ، يكون داخلاً تحت التوقع .
الخامس : اقرأ ، بمعنى قل . يعني اذكر الله سبحانه بأحد أسمائه . كقوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(لأعراف: من الآية180) .
السادس : ما اختاره الطباطبائي (3) من ان المقصود : الأمر بتلقي الوحي من الملك النازل به . فالجملة أمر بقراءة الكتاب وهي من الكتاب ، كما لو قلت في الرسالة : اقرأ كتابي هذا . او لفظ القرآن في القرآن ، فأنه قرآن بالحمل الأولي وبالحمل الشايع .
أقول : فيكون المعنى على ما اختاره : انتبه او اجمع في ذهنك الوحي او احفظه في ذهنك ، مما يلقيه الملك إليك. ولكن هذا المعنى بنفسه مما ينفيه قوله تعالى : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (القيامة:17) . فالنظر في هذا الوجه إلى الأسباب لا إلى المسبب .
......................................................
(1)
الميزان ج20 ، ص323
(2)
المصدر والصفحة
(3)
ج20 ، ص323
مضافا ان الراغب قال (1) : والقراءات ضم الحروف والكلمات بعضها الى بعض في الترتيل .
+
وليس يقال ذلك لكل جمع . أقول : أي ان القراءة هي جميع الحروف اللغوية وضمها .لا الحروف التي تنزل بالإلهام والوحي .وانما سمت قراءة مجازاً .ان كانت هناك قراءة .فأن التلفظ للملك أو الله سبحانه . والنبي (ص) انما هو السامع وهو غير القارئ .
فضبط الوحي وجمعه وان كان من تكليفه (ص) , إلا انه ينطبق عليه عنوان القراءة مجازاً . وحمل اللفظ على المجاز خلاف الأصل .
ويستنتج الطباطبائي قدس سره : بان هذا يدل على ان اقرأ أول ما نزل من القرآن الكريم . فيكون المعنى :اقرأ القرآن الذي سوف يوحي اليك . إلا ان هذا فرع اختيار هذا الاحتمال وظهوره فيه .وقد عرفنا مناقشته . فاذا بطل هذا الوجه , بطلت نتيجته أيضاً .واستنتج أيضاً منها ( بتقريب منا ) :ان مادة القراءة فيها جنبتان نستطيع ان نسمي الاولى : قرآن بالحمل الاولى , والثانية : قرآن بالحمل الشايع ,يعني الجزء من القرآن. وكلاهما قرآن ,وهو يمثل أي قراءة . كما قال الطباطبائي كقول القائل في مفتتح كتابه لمن أرسله اليه :أقرأ كتابي هذا وأعمل به . فقوله هذا أمر بقراءة الكتاب وهو من الكتاب .....الخ .
وبهذا ظهر الجواب على السؤال الذي افاده العكبري (2) :وهو فيما يتعلق بالباء . حيث قال : :قيل الباء زائدة ( لأن اقرأ متعدٍ بنفسه فيكون المفعول له حقيقة هو الأسم مع زيادة الباء ) ..... وقيل دخلت لتنبه على البداية باسمه في كل شيء .كما قال تعالى :بسم الله الرحمن الرحيم .فعلى هذا يجوز ان يكون حالاً أي اقرأ باسم ربك .
أقول : أي متعلق بحرف محذوف . أي اقرأ شيئاً باسم ربك ز وهو القرآن أو اسم ربك . وبهذا المعنى قدر العكبري معنى الحال (مبتدأ باسم ربك ) فيكون الجار والمجرور متعلقا بالفعل المقدر بدلا من تعلقه باقرأ . وهو خلاف الظاهر .
سؤال :عن الذي في قوله : الَّذِي خَلَقَ.
جوابه : اما من الناحية العرفية و فان مدخول الذي يكون بمنزلة الجهة لهذا الفعل .كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)(إبراهيم: 39).أي بسبب وعلّية هذه الصفة . واما من الناحية الدقية , فان هذا ليس بصحيح , فان هذا ليس بصحيح , فانهم قالوا في علم الأصول : ان القيد والمقيد يكوّنان مفهوماً واحداً , فلا يتحصل من المجموع ذلك المعنى .
اذن , فمعنى الذي , أي من هذه الجهة . وليس مجرد قيد او توضيح او اشارة الى الذات . هو أمر عرفي كما سبق . وهذا مما يبعّد ما أختاره الطباطبائي من يكون مفعول اقرأ هو الوحي . اذ لا يبدو له ربط واضح , إلا ان يراد انه خلق الوحي , وهو خلاف الظاهر .
ان السياق الذي ادعاه في الميزان من ان السورة أول القرآن , يعني : اقرأ من الان فصاعداً. لا يكون صحيحاً , اذ لا علاقة باسم ( الذي خلق ) بانزال الوحي . وانما ينبغي استعمال أخر يتعلق بالوحي وبالقرآن لا الخالق , لو كان المراد ذلك . فهذا بمنزلة القرينة المتصلة على نفي السياق الذي ادعاه . مضافاً الى المناقشات التي سبقت .
....................
(1)
المفردات مادة :قرأ "
(2)
الإملاء ج2 , ص 156 .
سؤال : قال الرازي في هامش العكبري (1) : فان قيل : اين مفعول خلق الاول ؟
جوابه : يحتمل وجهين :
احدهما : ان لا يقدر له مفعول , بل يكون المراد الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خلق سواه . كما قال : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ .في أحد الوجهين .وقولهم :فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع . أي بغض النظر عما يعطيه أو يمنعه . وهذا امر عرفي لطيف .
الثاني :ان يكون مفعوله مضمراً تقديره الذي خلق كل شئ . ثم أفرد الانسان ( في الخلق الثانية ) بالذكر تشريفاً له وتفضيلاً . انتهى كلام الرازي .
أقول :ويحتمل أيضاً : ان يكون المراد من كلتا الكلمتين كلمة واحدة , ومفعولها الانسان .وانما كررت لنكتة بلاغية أو أدبية أو سياقية مع حفظ السياق والروي والنسق , . وبدونها سيكون التعبير سمجاً .
كما انه يمكن ان تكون حكمة التكرار هو انقطاع الوحي انقطاعاً مؤقتاً , كما ذكرنا في سورة الايلاف, فراجع .
سؤال : وقال الرازي أيضاً (2) : فان قيل : كيف قال تعالى : خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ على الجمع ولم يقل :من علقة؟
جوابه : لان الانسان في معنى الجمع بدليل قوله تعالى : إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. والجمع انما خلق من جميع علقة .
فان قيل :هذا الجواب يردّه قوله تعالى : ( إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)(الحج: 5) .
قلنا المراد :فانا خلقكم من تراب . ثم من خلقنا كل واحد من أولاده من نطفة . وقيل :انما قال من علق .رعاية للفاصلة الاولى . وهي خلق . انتهى كلام الرازي .
أقول : ولكنه مع ذلك لم يجمع بين الآيتين من الناحية المعنوية , وان كان قد جمع بينهما من الناحية النحوية .أذن , فالاشكال يبقى مفتوحا من حيث ان الآية الاولى ذكرت ان الانسان خلق من علق . والآية الثانية ذكرت ثلاث مراحل لخلقته :التراب والنطفة والعلقة .
وحسب فهمي : فان للانسان ثلاث بدايات , يصلح ان يكون كل منها بداية للانسان :
البداية الأولى : وهي التراب بأحد تقريبين :
الأول :لان ادم من تراب كما قال تعالى : ( كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)(آل عمران: من الآية59) .فأدم (ع) مخلوق من تراب بالمباشرة , وخلق الناس بالتراب بالواســطة والتسبيب عن طريق آبائهم و كما أشـــار الرازي .
والثاني :لان الجسم كله دائماً من تراب . وهذا تقريب ( مادي ) من حيث انه قد يسُتبعد ان يكون آدم من تراب حقيقة ً . فيمكن ان يكون المراد :الأجزاء الترابية أو مكونات التراب .
ويوضح ذلك : ان هناك دورة بين الانسان والتراب , وذلك : لان النبات يخرج من التراب فيأكلهُ الانسان ويعود الى التراب , فيكون نباتاً من جديد . أو نقول :ان التراب يكون نباتاً , فيأكله الحيوان , فيأكله الانسان , فيكون تراباً . ومعه يمكن القول بدرجة من درجات الفهم بالحمل الشايع : ان التراب لحم واللحم تراب .
والتقريب الاول عليه ارتكاز المتشرعة , وظاهر القرآن الكريم .أما التقريب الثاني فهو فهم العصر المادي المتأخر .
البداية الثانية : وهي النطفة قال تعالى : (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) (القيامة:37) .فان الذي يكون لحماً وعظماً ليس هو النطفة بل الدم . كما نص القرآن الكريم : (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً )(المؤمنون: 14).
البداية الثالثة : العلق , قال تعالى : (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2) .وهو الدم .
فهذه ثلاث بدايا للانسان , فالاولى بأنتسابه الى الأرض , والثانية بانتسابه الى أبيه , والثالثة بانتسابه الى أمه وأول تكوينه . وبلحاظ كل نسبة يصدق انها بداية . ويمكن ان يلحظ المتكلم أي واحد منها , فقد اختار في إحدى الآيتين واحدة , واختار في الأخرى الأخرى .
سؤال : ما هي النسبة بين الفعلين : خلق الأولى وخلق الثانية . لانها واردة هنا بنحو التتابع ؟
جوابه : أولا ً :انها ليست سمجة , بل لطيفة وموافقة مع روي القرآن وسياقه وذوقه .
ثانياً : ان الثانية تأكيد للاولى ,باعتبار ان السامع قد يكون مستشكلاً أو معترضاً او غير منتبه . فترد الثانية للتأكيد . وهذا معناه انهما واحدة في المعنى .
ثالثاً : انها معطوفة بحذف حرف العطف , ونتيجتهُ التعدد في المعنى , أي : خلق مطلقاً وخلق الانسان من علق . ومن الواضح انه لا يستقيم نحوياً بدون حرف العطف أو تقديره .
إلا انه يمكن الطعن بالكبرى لغوياً , وان صحت نحوياً , وهي ضرورة التعاطف بين الجمل . بل قد تكون كل جملة مستقلة عن الأخرى ومعه فلا حاجة الى تقدير حذف حرف العطف .
رابعاً : انها عطف بيان على الاولى . إلا انه لا يتم لامرين :
1-
ان هذا النحو من العطف خاص بالمفردات لا بالجمل . وهنا نتكلم عن الجمل لا عن المفردات .إلا ان نطعن بالكرى أيضا , وهو اختصاصه بالمفردات .
2-
ان هذا النحو من العطف مورده تعذر عطف النسق . والمفروض هنا امكانه ولو بتقدير الحرف , بعد التنزل عن الوجه السابق .
خامساً :ان الثانية بيان للاولى في المعنى أي تفصيل بعد إجمال .وهذا في نفسه جيد .إلا أنه يرجع الى نحو من الوحدة بين اللفظين . فاذا معنا ذلك نحوياً أو لغوياً , أمتنع هذا الوجه . وانما يكون الأول عاماً أي خلق كل شيء ونفهم منه العموم باعتبار حذف المتعلق , فانه من قرائن ذلك . وخلق الثانية للخصوص , من عطف الخاص على العام . ان قدرنا حرف العطف .
سؤال : عن معنى العلق ؟
جوابه : أعطى الراغب عدة معانٍ تكاد تكون متباينة للعلق . فقال (1) :العلق : التشبث بالشيء , يقال : علق الصيد بالحبالة . وأعلقَ الصائد إذا علق الصيد في حبالته .والمِعلق والمِعلاق ما يعلق به . أقول : أو المتعلق نفسه . ومنه تسمية الرئة بالمعلاق . لانها غالبة التعليق . وعلى هذا المعنى يكون علق في الآية : مصدراً أو أسم مصدر .
وأضاف : والعلق دود يتعلق بالحلق . أقول : ومنه الدود الذي يمص الدم . أو انه سمي بالعلق لانه يمص العلق وهو الدم .
وأضاف : والعلق الدم الجامد . ومنه العلقة التي يكون منها الولد . قال تعالى : خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً . أقول : مضغة أي لحمة . حين يتحول الدم المتجمد في الرحم الى لحم .
وأعتقد بان العلق يطلق على مطلق الدم . ومنه قولهم في حرب الجمل :
نحن بنو ضبّة لا نفر حتى نرى جماجماً تخرّ
يخر منها العلق المحمرّ

والدم الجامد لا يخرّ . ولا أعتقد انه أستعمال مجازي وجداناً .
وعلى أي حال , فيكون للعلق في الآية الكريمة عدة أطروحات :
الاولى : مطلق الدم : لان النطفة تتحول الى دم . بغض النظر عن كونه جامداً أم لا .
الثانية : الدم الجامد . لان الجنين يكون كذلك في فترة من تطوره , وهو ما ذكره الرازي (2) .
الثالثة : انه سمي بذلك لانه يعلق بالرحم أن يكون فيه فهو بمعنى التعلق لا بمعنى الدم .
الرابعة : انه يتعلق بجدار الرحم ويلتصق به .كما ثبت في الطب الحديث .
فان قلت : ان هذه الفكرة متأخرة عن نزول النص القرآني , والناس يومئذ لم يكونوا معهودين بها .فكيف يتم الحديث عنها . وهو خلاف القانون العرفي القائل : كلم الناس على قدر عقولهم .
قلت : ذلك صحيح , لكن ذلك لا صغرى له هنا . لانه في القرآن لم يبن ذلك . فربما قصد الله تعالى ذلك , ولكن لم يبنه بصراحة , ليكون خلاف ذلك القانون العرفي .
الخامسة : العلق بمعنى للتأثر والبدء بالنمو , زمنه علق الصبغ وعلق الضوء . يعني أثر اثره . وهو أمر عرفي وليس لغويا . وبالاستصحاب القهقرائي . الى صدر الاسلام و نفهم من علق الجبين : أي لقحت البويضة أو بدأ نموه مطلقاً .
السادسة : ان الجنين في هذا المورد من تطوره يصبح كدودة العلق التي تمص الدم .
السابع : انه لا دليل واضح على تعرض الآية الكريمة لنمو الجنين , إلا معنى العلق .فاذا صرفناه عن معناه لم يبق دليل أصلا ً , وقد عرفناه ان معناه هو مصدر التعلق .فيمكن ان يكون مرادا . أي خلق الإنسان من التعلق .
.......................................
(1)
المفردات مادة " علق " .
(2)
هامش الإملاء ج2 , ص 153 .
والمراد:ان الطبيعة الأساسية للانسان هي التعلق , ونظيره قوله تعالى : (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ )(الانبياء: 37).وهو بلا شك معنى مجازي ,فكون خلقة الانسان منها – أي التعلق او العجل – يحتوي على تسامح في التعبير ولكن قد يبلغ اتّصاف الانسان بهذه الصفات درجة من الوضوح والأهمية الى حد تصبح بمنزلة لحمه ودمه أو بمنزلة جسمه وكأنها صفة مجموع من كثرتها وعمقها وأهميتها .
وهنا يطرح سؤال عن معنى التعلق ؟
وجوابه : ان الانسان لا يمكن باي حال ان يعيش بالاستقلال . فالتعلق موجود في الانسان بكل صورة . وذلك لعدة أشكال :
الاول :الشوق والحب والإرادة .فقولك : تعلق به أي أحبه ومال اليه . وطرفه اما الدنيا واما لله تعالى . اما الأسباب وأما مسببها . وأما الاستقلالية الكاملة فهي محال . وان كان يتوهمها الفرد .
الثاني : ان نصرف التعلق في كونه حباً وعاطفة الى كونه علماً ويقيناً . ولكن ما هو المتعلق ؟ هذا وارد في كل واحد حسب مستواه . فبعض يتعلق بالاسباب الطبيعية , وبعض يتعلق بالاسباب غير الطبيعية , وبعض يتمخض بالتوكل على الله تعالى .
سؤال : عن معنى ( مــــــــن ) في قوله تعالى :مِـــــــــــــنْ عَلـــــــــَق ؟
جوابه : ان معنى ( مــــن ) لا يختلف باختلاف معنى العلق , سواء كان مادياً أو معنوياً , وهو التعلق و كما شرحنا فيما سبق .
ولمعنى ( مــــــن) عدة احتمالات :
الاول :انها لبيان الجنس و كقولك : أبريق من طين . وكما قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون:12). وقال : ( أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ و)(الكهف: 31) . فيكون القول هنا – حقيقة أو مجازاً – ان جنس الانسان من علق .
الثاني : انها للتبعيض كقول تعالى : ( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ )(البقرة: 253) . أي بعضهم . فيكون المعنى :خلق الأنسان من بعض العلق . ولا يراد به الجزء من الكل بل الجزئي من الكلي , لان العلق كلي في أي معنى أعطيناه .
الثالث : انها لا يبداء الغاية , كقولنا : خرجت من الكوفة .وهذا أوضح في المعنى المادي للعلق . باعتبار انه أول حركة نمو الجنين .
ويدعم هذا المعنى ك اننا نستطيع ان نفهم من الخلق في الآية هذا المعنى لا مطلق الخلق . بل نفهم ابتداء الإنشاء للخلق . فتكون مــن دالة على الأبتداء لاول مرة , وخلق ايضاً تدل على ذلك . أو قل : ابتداء صنع الانسان من علق .
الرابع : انها بمعنى فــــــــــــــــــي أي الظرفــــــــــــية , وهذا أقرب الى المعنى المعنوي وهو التعلق , والحاجة الى الله تعالى . فهو بمنزلة الظرف الانسان بمنزلة المظروف , لهذه الحاجة والتعلق .
إلا أنه بعيد , لـــــصعوبة فهم الظرفية عرفـــــــــــا ً .
سؤال : ما هو ربط إقْرأ ْالاولى بخلق الانسان , الذي هو مدخولها . مع انه غير مربوط بالقراءة ظاهراً , وخاصة مع فهم قيد الحيثية كما تقدم فلماذا ذكر ؟.
جوابه : من عدة وجوه :
أولا ً :الإشارة الى الذات , يعني ذات الخالق سبحانه , مع ذكر أهم النعم المنسوبة اليها وهو أصل الخلقة . وخاصة وان الخطاب للانسان فيحسن التركيز على خلقته التي هي أهم النعم عليه .
ثانياً ان كلتا العبارتين : ( إقرأ ) واحدة في المعنى ز فيكون السياق واحداً , فيكون المتأخر مدخول للمتقدم , والتكرار انما هو للتأكيد, للتوصل الى مدخولها , فيكون وصفاً للنعمة بخلقة الانسان وتعليمه . فيكون المجموع مناسباً مع القراءة .
ثالثاً : ان القراءة متوقفة على أصل الوجود , لا انهما غير مرتبطين إطلاقاً , وإنما يلزم من عدمه ز أي يلزم من عدم الخلقة عدم القراءة .فقد ذكر وجود الانسان كمعد أو شرط لها .
رابعاً : ان نفهم من القراءة الجانب المعنوي , وهو التفكير في خلق الله . فيكون ذلك مناسباً مع خلق الانسان. فان خلق الانسان من أعظم العبر والمعجزات في العالم بل أهمها على الإطلاق .
فان قلت : فانه عندئذ لا يناسب اقرأ الثانية التي مدخولها القلم والكتابة .
قلت : ذلك من وجهين :
اولا ً : ان التفكير كما يكون بالكون ثبوتاً , يكون أيضاً بالكتابة إثباتاً . أو قل : ان القراءة على الصفحات جزء من القراءة التكوينية أو التفكير في خلق الله . فيرجع كلاهما الى محصل واحد , وهو التفكير .
ثانياً : ان نقر هنا بالتعدد بين الفعلين , أعني اقرأ الاولى واقرأ الثانية , فلا ربط بينهما من هذه الناحية .فقد يكون الاول للتفكير , والثاني للكتابة . ولا بأس بذلك .
فان قلت : ان بينهما وحدة سياق تدل على وحدة المعنى .
قلت : جوابه من وجهين :
اولا : ان الكتابة والعلم والقراءة كلها حصص من التفكير في الكون كما قلنا ز
ثانيا : اننا يمكن ان ننفي وحدة السياق لوجود القرينة على عدمها , لان مقتضى الحكمة تعدد المعنى , وليس وحدتهُ .
سؤال: لماذا جاء بالأكرم بدل الكريم , مع انه المشهور . ولماذا لم يأتِ بإسم أخر ؟
جوابه : من أكثر من وجه واحد :
أولا : لوحدة النسق ,أو القافية , وهذا مهم بلاغياً وأدبياً .
ثانياً :اننا لو نظرنا من زاوية الله سبحانه , لو صح التعبير , لو جدنا ان كرمه كاف باعتباره مدبراً وخالقاً , ولانه يدير الكون باستمرار ولم يغفل عنه طرفة عين . ولكن ذلك , في نظر الله سبحانه , غير كاف . بل انه أي الكون , يحتاج الى أكثر من ذلك , وهو التعليم والتكامل , فهو دائم الإفاضة على عباده , قال تعالى : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(قّ: 35) .
فهو كريم بالوجود , لاننا لم نطلب منه الوجود لكي نوجد .وأما التعليم فهو أكثر من ذلك في الكرم , فصار سبحانه : أكرم . لان ذلك نعمة بعد نعمة .
سؤال : قوله تعالى : قْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . ما هو الوجه للعطف في هذه الجملة ؟
جوابه : قال في الميزان (1): والجملة حالية أو إستئنافية . أقول : وهذا تام نحوياً لان الواو أما حالية أو عاطــفة . إلا ان المراد الان بيان المعنى . وهو على احد وجهين :
اولا : الإشارة إلى النعمة الثانية بعد الخلق . وهي التعليم والهداية , كما قال في آية ثانية : الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(طـه:50). وقال ايضا : )الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . والذي قدر ّ فَهَدَى ( الأعلى 2/3) .
ثانياً : كأطروحة : ان المراد : اقرأ باسم ربك الأكرم . كما قال أولا ً : اقرأ باسم ربك الذي خلق .ولكنه لا يعبر بذلك لانه يصبح فيه سماجة التكرار , فعبر بهذا التعبير : اقرأ وربك الأكرم .
والاسم الموصول : الذي . هنا , يعني من هذه الجهة , أي من جهة أنه ( علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ) .فهو يستحق التسبيح من هذه الجهة .مضافاً الى الجهات الاخرى . وهي جهة اثباتية , يعني الاحساس والشعور بهذه المنة . وفيه جهة ثبوتية : وهي انه لولا تعليمه لما حصلت القراءة تكويناً . فاصل وجود القراءة باسمنه بأي معنى فسرنا القراءة .
سؤال : ما هو معنى تعليم الله للانسان أو قل : ما هي كيفية نسبة التعليم اليه سبحانه ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الاول : ان كل الخلق منسوب اليه بنحو فلسفي , ليس هنا محل بيانه , فتعليم الانسان من جملة ذلك .
وهي فكرة قالها الشيخ المظفر عن أستاذه السيخ الأصفهاني عن مشهور الفلاسفة , انهم قسموا العلة الى قسمين :
القسم الاول : علة مابه الوجود .ويراد به التسبيب غير الالهي .
القسم الثاني : علة ما منه الوجود . وهو التسبيب الإلهي .
فأي شيء حينما تتم علته , يطلب بلسان حاله الوجود من الله تعالى, وهو كريم لا بخل في ساحته , فيفيض عليه الوجود فيوجد .
والتعليم من جملة ذلك , له علة ما به الوجود وهو الأستاذ . وعلة ما منه الوجود وهو الفيض الالهي . فكما ينسب الانسان الى أبيه تارةً والى الخالق اخرى , كذلك ينسب العلم الى الأستاذ تارة والى الله اخرى .
الوجه الثاني : جعل القابلية للتعليم في الانسان . وهذا أمر وجداني في كل الأفراد , ما لم يكن الفرد قاصراً . فتعليم الله للانسان يتم بإيجاد شرطه وهو القابلية . فان تلقى العلم معلول , فهو يحتاج الى تمامية علته , من
................................
( 1)
ج 20 , ص 324 .
مقتضى وشرط وعدم المانع . والله تعالى خالق القابلية , أي الشرط وهذا يكفي .
الوجه الثالث : ان يراد به خلق عالم الاثبات , اعني عالم المعرفة والأفكار , مضافا إلى خلق عالم الثبوت , وهو عالم التكوين .
فقد خلق الله تعالى الافكار التي لها القابلية للخطور في الذهن . وهذا من قبيل المقتضى . والنتيجة تنسب الى المقتضى بطبيعة الحال , لا الى الشرط ولا الى عدم المانع . ومنها وجدت اللغات .
فاذا أضممنا الوجهين الثاني والثالث , يعني القابلية للانسان وما يستطيع به ان يملأ هذه القابلية وينميها . علمنا كيف ان الله تعالى هو المعلم للانسان حقيقةً .
الوجه الرابع : تعليم الله تعالى للبشر عن طريق أنبياءه وكتبه ويدل عليه قوله تعالى : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(ابراهيم: من الآية4) وقال : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)(الحديد: من الآية25) .وقال : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(التوبة: من الآية33)
ان قلت : فانه تعالى لم يعلم بالقلم , وغنما هو شأن التعليم البشري للقراءة والكتابة . فكيف علم بالقلم ؟
قلت : هذا يختلف باختلاف معنى التعليم . كما سبق . فان قصدنا منه التسبيب الطبيعي , كما هو المعنى الاول , فاستعمال القلم الاعتيادي صحيح , وان قصدنا غيره , كان للقلم معنيان آخران .
المعنى الاول : القلم الاعلى , وهو قلم التقدير الذي يكتب في اللوح المحفوظ . ولا شك ان له دخلا في التعليم , لان ذلك مما يدخل ضمن القضاء والقدر. لان الباء في قوله ( بالقلم ) تفيد السببية , فيراد بها سببية القضاء والقدر لتعليم الانسان
المعنى الثاني :القلم الأدنى , وهو قلم التنفيذ . وذلك بمنزلة الأمر وهذا بمنزلة المأمور .ومنه تعالى (َلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ)(لقمان: من الآية27).يعني الكلمات التكوينة المكتوبة في لوح الواقع .ومن الواضح ان من جملة التكوين قلم الانسان وأي فرد من أفراده .
وهنا ينبغي ان نلتفت الى انه على قلة المتعلمين والكاتبين في صدر الاسلام , وقد كان رسول الله (ص) غير قارئ وغير كاتب مادياً وعملياً , إلا أنه ورد ذكر القلم والمداد في القرآن الكريم مكرراً ومؤكداً , والتركيز على أهميته حتى من الناحية الشخصية . قال تعالى (َلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ)(البقرة: من الآية282).يعني طبقاً للشرعة . وهكذا .
كما ينبغي ان نلتفت أيضا إلى أمر ٍ قلما يلتفت اليه الناس حتى الأدباء , وهو ان خمسة أو ستة كلمات مكررة في سطرين من الكلام في أول هذه السورة الشريفة , مع حفظ المستوى البلاغي للقرآن .وهي :اقرأ وخلق وربك , وعلم والذي والإنسان .والأخيرة مكررة ثلاث مرات اثنين منها في خمس آيات صغار والثالثة في السادسة .
فاذا سطرت هذه الكلمات المكررات , ملأت سطرين أو أكثر فينبغي ان يكون الكلام سمجاً . مع انه قد صاغه في غاية الرصانة والبلاغة . وبنفس المقدار من الأسطر , وهذا من إعجاز القرآن الكريم .
بل نستطيع هنا ان نقول : ان نسبة الكلمات غير المكررة الى الكلمات المكررة في ابتداء هذه السورة , هي نسبة قليلة , فليست غير المكررة إلا بضع كلمات هي : باسم والعلق والأكرم والقلم . وهي أربعة بازاء ستة . فاذا التفتنا ان تكرار الستة يجعلها أثني عشر أو أكثر(1) استطعنا التعرف على النتيجة النهائية .
قال في الميزان : (2) : والمراد بالانسان الجنس , كما هو ظاهر السياق , وقيل : المراد به آدم عليه السلام , وقيل : إدريس لانه أول من خط بالقلم . وقيل كل نبي كان يكتب . وهي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم .
أقول :ان التعلم ان كان منحصراً به سبحانه , فهو لا يعلم كل أنسان بل هو خاص بالانبياء . ومن هنا ذكروا ذلك . إلا انه يوجد مقسم أخر وهو كل أنسان , بل جميع الخلق فانه انما يتلقى الهداية والتعليم من الله سبحانه , كما أوضحنا في الوجوه السابقة .
سؤال :عن قوله تعالى :ما لم يعلم , ما هو الذي لا يعلمه الانسان , وفي أي زمان كان لا يعلم ؟
جوابه : هذا يختلف باختلاف معنى العلم الذي تلقاه الانسان من الله سبحانه حسب الأطروحات السابقة :
...................................
(1)
ولو بعنوان : ان يعلم تكرار لعلم لانها من مادتها .
(2)
ج20 , ص 322.
فان قصدنا تفسيره بالتعليم الاعتيادي طبقاً للأسباب , فالإنسان كان قبل هذا التعليم جاهلاً أو قاصراً أو سفيهاً . وأصبح عالماً بعد ذلك .وان قصدنا " التذكر " وهو منوط بالله سبحانه , وكل شيء تذكره فقد تعلمه و وزمن الجهل هو النسيان لانه يقابل التذكر .
ويمكن - كأطروحة اخرى – ان نحمل التذكر على نظرية ( المثل ) لا فلاطون .بان الروح تنزل في الجنين فيوجد الانسان : فيكون ناسياً لعالم الروح , فاذا تكامل تذكر ما نسبه ويدعم ذلك قصيدة ابن سينا التي يبدأها بقوله عن الروح : هبطت اليك من المحل الأرفع ..... الى عدة أبيات .
وهنا لا بد ان نخلط بين النظريتين : نظرية المثل ونظرية التذكر , فاننا وان سمينا العالم الأعلى بعالم المثل ,ألا انه تعبيرا ً دقيقاً . وانما نظرية المثل تحتوي على افتراض وجود فرد مثالي في العالم الأعلى جامع لكل صفات النوع وفاقد لكل سيئاته ونواقصه و وهو المسمى برب النوع . وهدا المعنى لم تثبت صحته .
ولكن ما قال ان الأرواح موجودة قبل الأجسام هي نظرية محترمة جداً .وقد ورد ان الأرواح جند مجندة .
وقد ورد في القرآن الكريم : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ)(البقرة: من الآية31) .الذي يدل على ان آدم عليه السلام , كان موجوداً هو وذريته لا بأجسامهم بل بأرواحهم . والله تعالى كشف لادم ذريته الى يوم القيامة دفعة واحدة .
فقوله : عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ , يراد به ان الانسان في هذه الدنيا يكون ناسياً للعالم الاخر الذي كان فيه , ثم قد يبدأ بالتذكر . وهو من حسن التوفيق , ونحو من التعليم من قبله تعالى .
كما يمكن ان نفهم أطروحة أخرى , وحاصلها : إن الله تعالى أودع كثيراً من الأشياء في خلقة الأنسان وروحه. فمتى كان لا يعلم ؟
جوابه : قبل خلقته . فالإبداع قد وجد بوجود الانسان , فهو بمنزلة الماهية , وقبل وجود هذه الماهية كان لا يعلم . أي من حين وجود روحه لا جسمه حصل العلم , بحصول الإبداع , وقبل وجوده كان لا يعلم .ان قلنا ان الأرواح حادثة .قوله تعالى : كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى .
قال في الميزان في معرض حديثه عن الآية (2) : ردع عما يستفاد من الآيات السابقة انه تعالى انعم على الانسان بعظائم النعم مثل التعليم بالقلم وسائر ما علم , والتعليم عن طريق الوحي , فعلى الأنسان ان يشكره على ذلك . لكنه يكفر بعمته ويطغى .
أقول :وفكرة الردع خطأ فضيع , لانه ليس في الآيات السابقات إلا الحق . فلا معنى للردع عنها , كما لا معنى لنفيها , ولا يحتمل ذلك لا تكوينا ً ولا تشريعا ً . وانما المراد استبعاد اتباعها من قبل الانسان الذي يغلب فيه الطغيان .
فكأن الاتصال بالله شيء ووضع الانسان خارجاً بشيء أخر . وأكثر الناس طغاة مع شديد الآسف .وليس فقط الحكام والجبابرة . قال تعالى : (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (يّـس:30) .
سؤال ما معنى الطغيان ؟
جوابه : ان الطغيان والسيطرة مفهومان متساويان . والانسان عادة مسيطر على نفسه , وقد يكون مسيطراً على غيره . فيتخذ الأمر أشكالا من المصاديق :
أولا ً :التمرد على أصول الدين , أو قل : إنكار أصول الدين .وهو عنوان عام يشمل أيا من الأصول الخمسة .قال تعالى : (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ)(فصلت: من الآية22) ثانياً : التمرد على فروع الدين . كترك الصلاة .
وهذا الأمران يجتمعان مع ما قلناه من قبل بان الانسان قد يتمرد على نفسه تارة وعلى غيره تارة ً أخرى , بكلا الشكلين : ففي أصول الدين يكون مظلا ً لنفسه وللآخرين .قال تعالى : ( وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ )(النساء: من الآية113). وقال تعالى : (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي )(سـبأ: من الآية50). وفي فروع الدين يكون ظالماً لنفسه أو لغيره . قال تعالى : ( إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(ابر أهيم: من الآية34). وظلم النفس مكرر في القرآن كثيراً .منه قوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(البقرة: من الآية57) .وقال تعالى : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )(التوبة: من الآية36).
ثالثاً ك الشعور بالاستقلالية , أما بعنوان الشعور بأهمية ذاته وهو الاستكبار .وهو مساوق للشعور بانه هو الفاعل لكل النعم الموجودة في حوزته قال تعالى عن لسانه : )َ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي )(القصص: 78) . واما بعنوان الشعور بالاسباب . ومثاله قوله تعالى : ( أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)(هود: من الآية72). والثاني أعم من الأول .
فيراد من قوله تعالى : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى :عقد ملازمة شرطية بين الجملتين . كانه قال : اذا استغنى طغى . وانما يشعر بالاستغناء إذا ( رآه ) يعني رأى نفسه بالجنبة الاستقلالية , أو :رأى نفسه مستغنياً . او ان رؤيته للنفس هي الاستغناء او ان هناك ملازمة بين رؤية النفس والاستغناء . فيكون المحصل :ان رؤية النفس للشعور بالاستغناء والشعور بالاستغناء سبب للطغيان أعاذنا الله من كل شر .
وهنا لا بد من الإشارة الى ما أشار اليه السيد الطباطبائي (1) : من ان فاعل " رآه" ومفعوله واحد , وهو الانسان .
وحسب فهمي ان الاستغناء قد يجرد نفسه رائياً ومرئياً في عين الوقت . أي هو الرائي وهو المرئي . ومثاله : ان الفرد قد يرى نفسه في المنام بكامل جسمه , كانه يرى إنساناً أخر , ومع ذلك فهو لا غيره .
وهنا قال العكبري (2) : أَنْ رَآهُ . هو مفعول له أي يطغى لذلك .
أقول : فهم التعليل , أي لاجل انه يرى نفسه مستغنياً , او بسبب ذلك .
أقول : هذا ناشئ من أمرين :
أولهما : فهم التعليل , أي لاجل انه يرى نفسه مستغنياً , او بسبب ذلك .
ثانيهما : وهو وجه نحوي : قالوا : أن المصدرية تسبك دائماً هي مع ما بعدها بمصدر . والمصدر ( بصفته مفرداً غير مركب ) يحتاج الى محل الإعراب ز وهو هنا مفعول لأجله . وأما اذا كان جملة , فالجمل لا يتعين ان يكون لها محل من الإعراب دائماً .
وقول النحويين : ان كل تسبك هي مع ما بعدها بمصدر . فيه مناقشة , لان ان المخففة من الثقيلة لا تسبك مع بعدها بمصدر . فالجملة فيها موضوع ومحمول , أي انه معنى تصديقي , بينما المفرد معنى تصوري ذو نسبة ناقصة . فان النسبة التامة تزول اذا جيء بدلها بمفرد أو مركب وصفي . وسوف يتغير المعنى بطبيعة الحال .
وقد قالوا في علم الأدب : ان المتكلم أراد أن يعطي صورة متحركة . وهذا يتوفر اذا كان جملة تامة . وأما اذا كان مفرداً فلن يكون متحركاً بل جامداً . فنكون قد أهملنا جزءاً معتداً به من الأدب القرآني الذي أراده المتكلم . ولا حاجة الى هذا الإهمال .
سؤال :لماذا فتحت همزة أن , من ان الناسب كسرها ؟
جوابه :ان لذلك عدة أطروحات محتملة :
اولا : لعل هناك قراءة بالكسر فينحل الإشكال .
ثانياً : انه يمكن في اللغة ان يكون الفتح بمعنى الكسر . يعني ان تكون أن المفتوحة بمعنى ان المكسورة .
ثالثاً : ان المتكلم جل شأنه جعلها بمصدر .كما ان المكسورة شرطية . والسياق يعطي معنى الشرطية . ففي هذه الأطروحة نقول : ان الكسر موجود ضمناً لا مطابقة .
فان قلت :فما هو المصدر المسبوك ؟
قلت :" أستغناءه " أي ان رأي استغناه , إلا ان هذا محل نقاش باعتبار ان المصدر يكون من المدخول المباشر لان . هنا رآه وليس استغنى . وهذا لا يكون مستقيماً لفظاً الا بتقدير حرف محذوف وهو الباء . فانه يقال : برؤيته أو بسبب الاستغناء .
فان قلت : فان الرؤية يمكن ان تلحظ طريقاً الى المرئي وهو الاستغناء كما في قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(البقرة: 185) .يعني اذا كان الشهر متحققاً . ولا دخل للرؤية في تحققه , ففي محل الكلام يمكن حذف الرؤية واعتبار ان مدخول ان المصدرية هو الاستغناء , فيصح فرض المشهور .
قلنا : اولا : ان الرؤية وان أمكن أخذها طريقية أحياناً كتلك الآية الكريمة . الا انها هنا لم تؤخذ بهذا النحو , وانما المقصود لحاظه الرؤية بذاتها بمعنى الشعور بالاستغناء وليس الاستغناء نفسه . لوضوح ان الاستغناء نفسه وهمي وكاذب .
ثانياً : ان هذا الطراز من التفكير معنوي وليس لفظياً . ومن هنا لا يكون نحوياً أو لغويا . فان فرضنا اخذ الرؤية طريقية معنى َّ .فانها على حال مدخول ان المصدرية لفظاً .وهذا يكفي من الناحية النحوية .فلا يتم مبنى المشهور .
....................................
(1)
الميزان : ج20 , ص 325 .
(2)
ج2 , ص 156 .

رابعاً : انه بعد التنزل عما سبق يمكن ان نقول – كأطروحة - : ان المصدرية وما بعدها يسبك بمصدر يكون مبتدأ أو بمنزلة المبتدأ , وما قبله خبر مقدم . كانه قال: استغناؤه طغيانه ز والخبر يمكن ان يكون جملة الا ان المبتدأ لا يصح ان يكون جملة نحوياً ,الا انه مفرد نظرياً .وانما تحدث بهذا الترتيب ليعطي صورة متحركة وعرفية واضحة .
سؤال : عن قوله : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى .فانه لا تكون الرجعى اليه حقيقة , بعد ما ثبت في علم الكلام استحالة ذلك .
جوابه : يكون هذا علي وجوه يتم بيانها بعد بيان مقدمة , وهي ان ان نقول : قالوا : ان لكل فعل رد فعل , وفي الشريعة لكل عصيان عقاب ولكل طاعة ثواب . وهو بمنزلة رد الفعل .و قالوا : ان هناك آيات في القرآن الكريم لها جواب , أي ان هناك اية بمنزلة الفعل وبمنزلة رد الفعل .
وتطبيقها في المورد : ان الفعل هو : كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى , ورد الفعل هو : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى .
والآن نذكر وجوه الجواب :
اولا : ان يكون المراد يوم القيامة , كما هو المشهور .
ثانياً :ان يكون المراد ان الله تعالى يقوم بحسابه , فكأنه واقف بين يديه وأمامه , وان لم يكن كذلك حقيقة . كما ان المصلي حينما يصلي فانه بين يدي الله . وهذا واضح في أذهان المتشرعة , وعليه بعض الروايات , مع العلم ان المقابلة المادية غير موجودة .
ثالثاً : ان يكون المراد الإشارة الى الكمال المطلق , وهو دف كل الموجودات وفيها شوق أرتكازي اليه . كما قال الفلاسفة العارفون .
رابعاً : الرجوع الى عالم الروح بعد عالم المادة , فقد يعبر عرفاً ومجازاً : انه من سنخ الله فيكون الرجوع اليه رجوعاً الى الله .
سؤال : لماذا استعمل همزة الاستفهام ولم يستعمل هــــــــــــــــل . في قوله تعالى : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ؟
جوابه : همزة الاستفهام لا شك انها أولى وأبلغ . لان هــل تعطي الاستفهام الحقيقي والهمـزة تعطي الاستفهام المجازي . وهو المراد من الآية . والمتكلم هنا ليس بحاجة الى جواب .
والشواهد على الاستفهام المجازي عديدة وفي القرآن الكريم كثير منها .
قال الشاعر :

اطرب وأنت قنسري والدهر بالإنسان دواريّ
وقال آخر : طربت وما شوق الى البيض أطرب ولا لعب بالإنسان يلعب .
وقال تعالى :إَسْلَمْتُم – أّتَعْبُدُون – أصلاتُك - أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . وغيرها .
سؤال :عن الرؤية في قوله : أ َرأيْتَ , هل هي بصرية فتأخذ مفعولاً واحداً أم هي قلبية فتأخذ مفعولين ؟
جوابه : انه كررت , أ َرأيْتَ .ثلاث مرات . ومادة الرؤية متكررة خمس مرات في السورة . ويمكن ان نستنتج بالقياس الاستثنائي ان المراد منه الرؤية البصرية التي تحتاج الى مفعول واحد . ولا حاجة لجعلها قلبية لكي نبحث لها عن مفعول ثان . ووحدة السياق تدل على ذلك فلو كان المراد منها القلبية لذكر لها مفعولاً ثانياً , وحيث لم يذكر , اذاً فهي ليست قلبية , وهذا هو مؤدى القياس الاستثنائي .
ونقول : كمقدمة : ان هناك للرؤية انقسامين :
الأول : ان المرئي : اما شخصاً كرأيت زيداً أو صفة كرأيت زيداً عالماً .
الثاني : ان الرؤية اما ان تكون مادية واما ان تكون روحية كرؤية الجن والملائكة , وتسمى بالبصيرة عند اهل المعرفة .
فينتج من التقسيمين أربعة أقسام :
الأول : ان يكون المئي شخصاً برؤية مادية : كرؤية زيد .
الثاني : ان يكون المرئي شخصاً برؤية روحية : كرؤية جبرئيل .
الثالث : ان يكون المرئي هو الصفة برؤية مادية كرؤية طول زيد , في قولك : رأيت زيداً طويلاً .
الرابع : ان تكون الصفة المرئية روحية كرؤية علم زيد . في قولك : رأيت زيداً عالماً .
ويتحصل ان ثلاثة أقسام منها تنصب مفعولاً واحداً , أي انها رؤية بصرية أو بمنزلتها . وقد أعرب النحويين المنصوب الثاني من قولنا : رايت زيداً طويلاً , حالاً وليس مفعولاً ثانياً .
اذاً فالرؤية التي تنصب مفعولين هي القسم الرابع فقط وذلك بأن يجتمع الشرطان : بأن تكون الرؤية روحية وأن يكون المرئي صفة . أو قل : أن يكون المرئي صفة روحية واذا تخلف أحد الشرطين فانها تنصب مفعولاً واحداً .
وهنا في الآية : أرأيت الذي ينهى , يناسب أن تكون الرؤية مادية , لأن الناهي ان كان فرداً معيناً , فرؤيته مادية , وان كان كلياً . فكذلك , لأن افراده كلها مادية , فأي واحد ينهى فهو جزئي او مادي .
مضافاً الى اننا اذا تطلبنا جانب المعنى : فأما أن نقول : رأيت نهيه . أو رأيت صفته وهي كونه ناهياً . فإن أخذنا النهي بالمعنى المادي أي سماع الصوت , فتكون مثل قولك : رأيت زيداً طويلاً , وان اخذنا النهي من الجانب النفسي أي الانزجار وعدم الرغبة في الصلاة , من قبل الناهي , فهو معنى معنوي , أي تكون مثل قولك : رأيت زيداً عالماً .
وقوله :أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى , ليس المراد منه رؤية شكله ووجهه بل رؤية مستواه , من حيث انه متدن الى هذه الدرجة التي ينهى فيها عن الصلاة . ورؤية المستوى هي رؤية قلبية أو روحية .ولكنها مع ذلك تنصب مفعولاً واحداً , لأنها رؤية شخص محدد وليس رؤية صفته . فتندرج في القسم الثاني من الأقسام الأربعة السابقة .
والخطاب في رأيت يعود أساساً الى المخاطب الحقيقي , وهو النبي ( ص ) . وقلنا مكرراً في مباحثنا السابقة : انه يمكن ان يرد به كل المسلمين بل كل البشر بل كل الخلق .
ولابد من الاشارة الى امر لم يلتفت اليه النحويون والمنطقيون . وهو انه اذا عاد الضمير الى كلي كان كليا ً وان عاد الى جزئي كان جزئياً . وكذلك اسم الموصول . كما في قوله تعالى :الذي ينهى .
وليس المراد من قوله : عَبْداً إِذَا صَلَّى , النبي ( ص ) كما عليه فهم المفسرين الضيق . فانهم فسروا بالمورد , والمورد لا يخص الوارد . وهذه قاعدة مجمع عليها في جميع المذاهب الاسلامية . مضافاً الى أخبار الجري . فيتحصل ان له انطباقات عديدة على مدى الأجيال . نعم , ان النبي ( ص ) أفضل المصاديق لأنه أفضل المصلين ونهيه عن الصلاة أفسد النهي , ولكن المصاديق تبقى مستمرة ما بقيت البشرية .
كما يمكن ان نذكر هنا اطروحة اخرى , وحاصلها :
ان الصلاة لا دخل لها في النهي , وانما ذكرت في الآية لأكثر من سبب .
1 –
لأنها مصداق خارجي مفهوم .
2 –
لأنها أهم فروع الدين كما ورد : " ان قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها " ( 1 ) .
3 –
النسق القرآني : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ألخ .
وانما المراد بالنهي : النهي عن كل طاعة سواءاً كانت في فروع الدين أو في أصوله أو يأمر بالظلم أو ينهى عن شيء من الانسانية ونحو ذلك . والنهي عن مطلق الطاعة يكون أمراً بالبعد عن الله والقرب من الدنيا . كما لا فرق في ذلك بين النهي بالمطابقة والنهي بالالتزام , فإن من يأمر بالدنيا يبعد عن الآخرة .
وهنا ينبغي ان نلاحظ ان قوله : إذا صَلّى , جملة شرطية , جزاؤها محذوف , تقديره : إذا صلّى ينهاه هذا الناهي . فيعرف الجزاء مما قبله من القرائن .
قال في الميزان (2) : وسياق الآيات – على تقدير كون السورة أول ما نزل من القرآن ونزولها دفعة واحدة , يدل على صلاة النبي (ص) قبل نزول القرآن . وفيه دلالة على نبوءته قبل رسالته بالقرآن .
أقول : يعني ان الصلاة كانت للنبي بصفته نبياً , وان لم يكن مرسلاً الى ذلك الحين .
وأضاف : واما ما ذكره بعضهم من أنه لم تكن الصلاة مفروضة في أول البعثة , وانما شرعت ليلة المعراج على ما في الأخبار . وهو قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِِ (الاسراء: 78) .
ففيه : ان المسلم من دلالتها ان الصلوات الخمس انما فرضت بهيئتها الخاصة ركعتين ليلة المعراج , ولا دلالة فيها على عدم تشريعها قبل . وقد ورد في كثير من السور المكية , ومنها السور النازلة قبل سورة الإسراء كالمدثر والمزمل وغيرها ذكر الصلاة , بتعبيرات مختلفة وان لم يظهر فيها من كيفيتها , إلا انها كانت مشتملة على تلاوة شيء من القرآن والسجود .
..............................
(1)
من لا يحضره الفقيه , ج1 , حديث 640.
(2)
ج20 , ص 325 .
أقول : انه مما يدفع وينفي فهمه هذا هو أحداً لم يكن ينهاه عن تلك الصلاة , بل لم يكن أحد يراه , وهو يصلي في غار حراء .ولم يكن يصلي في مكان أخر . والسياق واضح في مناقشة النهي عن الصلاة . وهو انما كان بالصلاة أمام الكعبة . إذن , فلا بد من التنزل عن إحدى المقدمتين : اما نزول السورة في أول البعثة , أو نزولها دفعة واحدة , فان الوارد تأريخياً هو نزول أولها وليس نزول جميعها .
إلا ان يقال : بان سياقها واحد ,وآياتها مترابطة , وبذلك يبعد الظن بوجود الفاصل الزمني , وهذا دلالة على نزولها الدفعي .فيتعين انها لم تكن نازلة في أول البعثة . وان دل على ذلك خبر, فإنه على خلاف ظاهر القرآن , فلا يكون حجة .
فإن قلت : إن الدلالة على نزولها أول البعثة بدليلين .
الأول : الخبر التاريخي بذلك , وهو وإن كان عامياً , لكن المتشرعة قد تسالموا على صحته وأخذوا به .
الثاني : إن لفظ إقرأ فيه إشعار بذلك . أي إقرأ الرسالة المحمدية , أو إقرأ ما ترسل به من الآن فصاعداً . وظهور القرآن حجة .
قلت : لا يتم ذلك لأكثر من وجه :
أولاً : إنه ليس هناك خبر تسالم المتشرعة على صحته حول ذلك . وإنما سكتوا عنه لمجرد كونه محتمل الصحة , كما ورد : ما طرق سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان .
ثانياً : إن متعلق القراءة ليس بالضرورة الرسالة المحمدية كلها , بل يراد بها القراءة في الجملة , بنحو القضية الجزئية التي تصدق على القليل والكثير . أي إقرأ هذه السورة أو إقرأ القرآن , ونحو ذلك .
فبالإمكان أن نقول : إن السورة لم تنزل في أول البعثة , بل ظاهرها هكذا . لوجود النهي عن الصلاة فيها . وبذلك نضرب الرواية الدالة على ذلك عرض الجدار , لأنها خلاف ظاهر القرآن , وكلما خالفه لم يكن حجة .
كما يحتمل أن نستغني عن المقدمة الثانية , وهي انها نزلت دفعة واحدة , بأن نقول : إن قوله : كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى ..... الى آخر السورة نزل متأخراً .
إلا أن هذا لايتم لأن هذه الآية وما بعدها نحو جواب عن الآيات التي سبقتها . فتوجد على إن السورة مترابطة في المعنى والسياق . وآخرها مربوط بأولها . فلا يمكن أن تنزل الآية المذكورة , بعد سنتين , وتكون مع ذلك مترابطة , وجواباً عما قبلها . فهي إذاً نازلة دفعة واحدة , فلا يمكن أن تكون نازلة في أول الوحي .
أن قلت : يمكن أن نؤول الناهي من كونه أحد مشركي العرب كأبي جهل أو أبي لهب , الى أمر آخر كالشيطان أو النفس الأمارة بالسوء .
قلت : اننا نتحدث عن النبي ( ص ) وهو معصوم عن تأثير الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء .
ان قلت : إنكم قلتم بأن " عَبْدَاً " غير متعين بالنبي ( ص ) بل يراد به مطلق الناس , فيناسب ان تكون السورة نازلة في أول البعثة . لأن المقصود غير النبي ( ص ) الذي لم ينهه أحد عن الصلاة .
قلت : كما ان النبي ( ص ) لم ينه عن الصلاة , كذلك لم ينه أحد غيره , فانه لم يُرَ أحد قد صلى لكي يُنهَّون .
فإن قلت : نفهم من الصلاة مطلق الطاعة , وهي موجودة على طول البشرية , والنهي عن الطاعة موجود من قبل البشر او من قبل الشيطان او من النفس الأمارة بالسوء , لأننا الآن نفهم منها معنى كلياً لا شخصياً .فلا بأس ان تكون نازلة عند أول الوحي .
قلت : قالوا : ان الطاعة لم تكون موجودة في ذلك الحين , لان الاوامر والنواهي انما تكون في فروع الدين , والدين في ذلك الحين كان على النصرانية والحنيفية , وكلاهما في اصول الدين لا في فروعه .
فان قلت : ان الحنيفية فيها فروع من فروع الدين , فقد ورد ان الحنيفيين لم يسرقوا ولم يشربوا الخمر ولم يحلوا سراويلهم على حرام . كحمزة سيّد الشهداء وابي طالب وغيرهم . وكل ذلك من فروع الدين .
قلت : هناك فرق مفهومي بين النهي عن الطاعة كالصلاة , والامر بالمعصية كشرب الخمر . وما تعرضت له الآية الكريمة هو النهي عن الطاعة وليس الامر بالمعصية . ولم تكن هناك طاعات واجبة عليهم لكي يكون النهي متوجهاً اليها . واما الفروع المذكورة , فانما كانت من قبيل التروك للحرام لا الفعل للواجب . فلا يتعين ان تكون السورة منزلة في اول الوحي .
سؤال : عن تكرار الفعل : أَرَأَيْتَ في الآيتين : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى .أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى .


قال في الميزان (1) : والمفعول الاول لقوله : أَرَأَيْتَ الأول : قوله : الَّذِي يَنْهَى , اقول : وهو اسم كان ايضاً , اما بكونه مقدر او مضمر او مستتر . يعني ان كان هو . والمراد به : الذي رأيته ينهى . وسيأتي الكلام فيما اذا كان بالإمكان التفكيك بينهما .
وقال ايضاً : ولا رأيت الثالث ضمير عائد الى الموصول . أقول : مرجع الضمير في أَرَأَيْتَ الأولى والثالث : هو هو . وهو الناهي ايضاً .
واضاف قدس سره : والمفعول الثاني لأرأيتَ , المواضع الثلاث قوله : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى .
أقول : وهذا واضح الفساد لاكثر من أمر واحد :
أولاً : لامكان حملها جميعاً على الرؤية البصرية نحوياً . فلا محتاج الى مفعول ثان .
ثانياً : ان قوله : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى , جملة وردت مرة واحدة . ولا يمكن ان يعمل فيه عوامل متعددة دفعة واحدة . بل كل واحد يحتاج الى مفعول مستقل غير صاحبه . فهذه الجملة ان صلحت مفعولاً , فإنما هي للفعل الذي تليه فقط .
فان قلت : انه مقدر في الاثنين الآخرين , من قوله : أرأيت , مثله .
قلت : ان التقدير يكون مع المتأخر لا مع المتقدم , وهنا – في الآية – بالعكس , فلا يصلح التقدير .
ثالثاً : انه لم يعهد في اللغة ان تكون الجملة مفعولاً به . وان كانت قد تكون حالاً أو معطوفة , الا انها لا تكون مفعولاً به أو تمييزاً .
نعم , يصلح ان يكون قوله : أَلَمْ يَعْلَمْ جواباً على أحد أمرين :
احدهما : ان يكون جواباً لأرأيت الأخير , هو الأقرب اليه لفظاً . مع التنبيه على ان أرأيت السابق يشبه في هذا الصدد .
ثانيهما : كلا الأمرين : النهي عن الصلاة والتكذيب معاً . وهو متعدٍ الى مفعول واحد . ولو كان متعدياً الى مفعولين , أمكن تقديرها من القرائن الموجودة : أرأيته ناهياً او مكذباً او عاصياً .
سؤال : انه مع التنزل عن كون الرؤية بصرية , وقلنا انها قلبية تحتاج الى مفعولين , كما اخذ ذلك الطباطبائي مسلماً , فما هو مفعولها الثاني ؟
جوابه : نعرف ذلك من حذف المفعول الثاني , لانها لو كانت قلبية , لأخذت مفعولاً ثانياً , وحيث انها لم تأخذه اذا فهي بصرية . وظاهر القرآن انها بصرية .
ومع التنزل عنه نقول : ان المفعول الثاني مقدر . والتقدير : أرأيته ناهياً او مهتدياً او آمراً بالتقوى . وكذلك أرأيت الثالثة يكون تقديره فيها : أرأيته مكذباً ومتولياً .
وفي هذا الاحتمال الأخير يمكن ان نقول – كأطروحة – ان إن وردت بالكسر في القراءة المشهورة . ولكن قد تكون هناك قراءة بكونها مفتوحة : أن كذب وتولى . فتسبك مع ما بعدها بمصدر , وهو بمنزلة المفرد فيكون مفعولاً ثانياً .
ثم قال في الميزان (2) : وقيل : المفعول الأول لأرأيت في جميع المواضع الثلاث هو الموصول او الضمير العائد اليه .
اقول : أي ان الرأي بأن أرأيت الأولى مفعولها : الذي وأرأيت الثالثة مفعولها الضمير العائد اليه وكلاهما يراد به الانسان الطالح . والمفعول لأرأيت الثانية يعود الى الانسان الصالح .
هذا يخالف وحدة السياق . اذ يقال : ان أرأيت الثلاثة ذات سياق واحد . فهي متشابهة من حيث الأوصاف ما لم يدل على خلافه . اذن فالمراد من مفاعيلها الثلاثة واحد . وهو الانسان الطالح لا الصالح . وتقريبه : ان الأولى والثالثة : تعود الى الانسان الطالح . واما فنشك بعود الضمير اليه , فنلحقه به باعتبار وحدة السياق . او قل : نلحقه بالأعم الأغلب , فتكون كلها تعود الى الطالح .
ان قلت : ولكن قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى : فيها صفات تعود الى الانسان الصالح . فكيف يناسب ان يكون الضمير عائداً الى الذي ينهى عن الصلاة وهو موصوف بالتقوى ؟!
أجاب الطباطبائي (3) بما محصله: ان المعنى يكون : أرأيت هذا الذي ينهى عن الصلاة ان كان مهتدياً ومتقياً . فكيف ينبغي ان يتصرف . وهل ينهى المصلين عن صلاتهم ؟ فيستقيم المعنى . وتكون وحدة السياق
....................................
(1)
ج20,ص326 .
(2)
ج20,ص326 .
(3)
المصدر والصفحة .
مثبتة لوحدة الضمائر ووحدة العائد .
أقول : هذا مطعون صغرى :
اولاً : ان ننكر وحدة السياق للبعد اللفظي .
ثانياً : مع التنزل عن ذلك والقبول بوحدة السياق , فانها قرينة ظنية . فاذا كان الدليل على خلاف نأخذ به , وهو موجود في هذا الصدد . أي ان الضمير في أرأيت الثانية لا يعود الى الطالح بل الى الصالح , وهو أنسب مع الظهور القرآني , فتسقط قرينة وحدة السياق .
سؤال : عن المفعول به لقوله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى . فان مادة الرؤية هنا لم يقدر لها أي مفعول . وهي تأخذ مفعولا واحداً على أقل تقدير . وهو محذوف . فضلاً .عما إذا كانت تأخذ مفعولين .
أما المفعول الأول فهو مما لا بد منه , وهو مقدر لا مضر أي يراه . او قل : يرى عمله . وهذا أكيد .
ولكن يبقى السؤال عن الرؤية , هل بصرية أم قلبية ؟
ظاهره ان الله يرانا . فهي أذن بصرية , ولا يحتاج الى مفعول ثاني . ولكن علماء الكلام لا يقبلون بهذا الجواب . لانهم يقولون ان الله ليس له جارحة لكي يرى كما نرى . وهذا في نفسه صحيح . ولكن علم الكلام لا ربط له بعلم النحو . حيث كونه مطالباً نحوياً نقول : أن يرى تكون في نسبتها الى كل راء . على حد واحد . أي انه يرى كما نرى وإلا لحصل النقص في كثير من الخلق كجبرائيل والجن . لانهم ليسوا بجسم أيضاً .فالرؤية هنا بصرية أو بمنزلتها . وتأخذ مفعولاً واحداً .
ومع التنزل وقبول كونها قلبية , فلا بد من التقدير أي يراه مكذباً أو عاصياً أو ناهياص عن الصلاة , ونحو ذلك .
ثم ان متعلق النهي في قوله ينهى عبداً إذا صلى هو الصلاة , وهو وان كان في اللفظ مطلقاً , الا ان إطلاقه غير محتمل .
ثم ان جواب الشرط لقوله : ان كان على الهدى محذوف نعرفه من السياق : فان كان المفعول لقوله أرأيت التي قبلها هو العبد المصلي , فيكون المعنى : لا تنهه عن الصلاة , أو لماذا تناه ,
وان كان المفعول هو الناهي : فيكون المعنى ما أشار اليه في الميزان وهو ما ذكرناه من انه إذا كان مهتدياً ومتقياً , فكيف يجوز له ان ينهى المصلين عن صلاتهم .
واما التفكيك بين مفعول أرأيت وأسم كان بأن يكون المفعول هو الناهي وأسم كان هو المصلي . فهذا غير محتمل , فان وحدة السياق هنا قطعية والضمير يرجعان الى مرجع واحد .فمن جملة ما يمكن ان نقول : ان أسم كان ضمير راجع الى الصالح قطعاً . وبوحدة السياق رجع مفعول أرأيت الى الصالح أيضاً .وأما أن نقول : ان أسم كان قد لا يعود الى الرجل الصالح . فنرجع الضميران الى الطالح معاص . وتبقى وحدة السياق .
وقوله أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى . فيه إرجاع للضمير إلى أي حد ز حتى المصلي إذا حصل منه التكذيب بعد ذلك . ولهذا مبرره , وهو قوله :أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى فالناهي كلي والمنهي كلي . أو قل انه ضمير كلي يعود الى مرجع كلي . فأي إنسان ان يكذب فينبغي ان يعلم بانه تحت أشراف الله ونظره . وهذا معنى راجع الى الخلق , وليس الى البشر فقط .
وقوله تعالى : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ . جواب لسؤال أو ما هو بمنزلة السؤال . وهو قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى جوابه الأول قوله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى . والجواب الخرق وله تعالى : : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ .او نقول : انه جواب الجواب , او نقول : انه صعود في الجواب وتشديد في التهويل . فالله تعالى فقط , بل ينزل عليه بلاء وعقوبة في الدنيا والآخرة .
والمعنى لئن لم ينته عن عمله , وهو نهيه للمصلين , فسوف نعاقبه .. لنسفعاً بالناَّصية .
وهناك نحو من التشابه بين مادتي النهيين – قلما يلتفت اليه – فهو يجب ان ينتهي عن النهي عن الصلاة معاً .

ومتعلق النهي هنا غير مذكور .( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ) عن أي شيء ؟ بل يراد المقدر . وهو النهي عن الصلاة او عن عمله الشائن أو عن مطلق الضلال .
سؤال :ان نهي من النهي وانتهى من الانتهاء وهو الوصول الى النهاية . فهما مادتان مستقلتان لغة . فماذا يكون معنى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ؟
جوابه : كلاهما من النهاية : تقول انتهيت الى أمرك . أي أطعتك . فالمعنى : لئن لم ينته الى الأمر الذي نأمره به فله العقوبة الكذائية . أو نقول : ثانياً : ان النهي لاجل الزجر عرفاً . والزجر يوجب انتهاء العمل السابق المنهي عنه , والبداية بالعمل اللاحق .
فان قلت : ان المر ليس كذلك , وذلك لان النهي يتعلق بإيجاد العمل , فيتبدل الى الترك . لكن المر يتعلق بتبديل العدم الى والوجود .فما الذي ينتهي هنا ؟
هذا له تفسيران :الأول : انه كما ينتهي الفعل بالنهي عنه , كذلك ينتهي الترك بالأمر به .
الثاني : وهو تفسير مجازي وهو ان نتصور ان يسير على طريق , فينتهي الطريق به الى إطاعة المر . ولذا يقال انتهيت الى أمرك .
وعلى أي حال يكون المعنى : اذا لم ينته عن نهيه عن الصلاة . أو نقول : اذا لم ينته عند نهينا عن الصلاة . وكل ذلك صادق .
ولابد ان نلتفت : الى ان هذا السياق يحتوي على عدة تأكيدات على عقوبة العاصي. وهــــــي :
1-
التهديدات برقابة الله سبحانه . وهو قوله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى.
2-
التهديد بالعقوبة من شكل أخر . وهو قوله تعالى : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ .
3-
قوله : كـَــــــل ّ .
4-
لام التأكيـد الداخلة على الجملة الشرطية في قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ .
5-
لام : لنًسًفْعاً . وهي للتأكيد أيضاً .
6-
نون التوكيد الخفيفة في قوله :لنًسًفْعاً .
7-
سياق العموم الذي يفيد التهويل . لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ , ولم يقل بناصيــــــــة .
فهو معنى كلي لاجل الإيحاء بالتهويل والشدة . كما انه يفيد العموم لكل فرد , ولا يراد به فرد معين .
سؤال : لماذا تكبت النون في قوله : لَنَسْفَعا بالآلف ؟
جوابه :الحقيقة ان كتابة المصحف إجحافا كثيراً . لأن كتبة القرآن لم يكونوا عن معرفة بقواعد الخط , فكتاباتهم للقرآن انما هي على حسب ما يملكونه من ثقافة وإطلاع . ونحن لا ينبغي ان نتعبد بكتابة الخاطئين ,فانها – على أي حال – ليست من عمل المعصومين عليهم السلام .
وهنا اصبح في نظر الفرد الاعتيادي ان صوت نون التوكيد الخفيفة في : لَنَسْفَعا مثل نون التنوين المنصوب في الأسماء مثل : زيداً وأرضاً وسماءاً .فحسبوها تنويناً فكتبوها مثله . أو حسبوا ان نون ساكنة تكتب بالآلف . وكلاهما خاطئ .
قال العكبري (1) : قوله تعالى لَنَسْفَعا . اذا وقف على هذا النون أبدل منه آلف لسكونها وانفتاح ما قبلها .
أقول : كأن هذا على نحو اعتذار عن كتابة المصحف بالآلف . ولكنه قابل للمناقشة بأمرين :
الامر الاول :انها عندئذ ينبغي ان تكتب نوناً وتقرأ الفاً عند الوقوف . فالآلف انما هو نطقي وليس كتابياً .
الامر الثاني : ان الوقوف غير مفروض في قراءة الآية . وهناك مواضع كثيرة في الآيات غير قابلة للوقوف عليها . وانما هي تقع في الدرج دائما . وهذا منها . وهذا يعني ان لوقوف عليها خطأ عرفاً , اذن آلف خطأ عرفاً ايضاً .
سؤال : عن معنى السفع وعن معنى النَّاصية ؟
قال الراغب (2) : السفع الاخذ بسعفة الفرس أي سواد ناصيتها . قال تعالى :ِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . وباعتبار الســواد قيل للأثافي سفع . وبه سفعة غضب اعتباراً بما يعلوا من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب . وقيل للصقر :اسفع , , لما به من لمع السواد . وأمرأة سفعاء اللون ( سمراء أو شديدة السمرة )
وقال أيضاً (3) : النَّاصية قصاص الشعر ,ونصوت فلاناً وانتصيته وناصيته أخذت بناصيته وقوله تعالى :مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا . نْاَصَِية . وحديث عائشة: مالكم تنصون ميتكم . أي تحدون ناصيته . وفلان ناصية قومه كقولهم : رأسهم وعينهم . وانتصى السفر : طال .
أقول : فلا يراد به في الآية الكريمة قصاص الشعر بالذات أو الشعر بالضبط بل المراد به – مجازا – اما الجبهة , وأما الوجه كله , وأما الرأس كله , واما الانسان كله .
...........................
(1)
ج20 , ص156 .
(2)
المفردات مادة (( سفع )).
(3)
المصدر مادة (( نصا )) .
والسفع هو أيجاد السواد – كما عرفنا – فيكون معنى : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ في عدة أطروحات :
أولاً : سواد الشعر النازل على ناصيته أو من ناصيته . وهذا غير محتمل . لسياق الغضب والعقوبة , وهذا ليسمنها .
ثانياً: التهديد بالبلاء الدنيوي من فقر أو مرض أو أية شدة , فيضعف الجسد ويسود لونه ز وهذا يلازم لسواد الوجه عادة .
ثالثاً : ان يسود وجه من الضرب الشديد . أما في الدنيا أو القبر أو في عالم أخر . فهو سفع .
رابعاً : ان يدخل النار و فيســــــود وجهه من الاحتراق أو من دخان .
خامساً : المراد به حمرة الغضب . فغضب الفسق يدخله في بلاء لا يرتاح منه , او يصبح في صعوبة نفسية الى حد يصبح بفي وجهه سفع ز وهذا لا يحصل لكل واحد و بل يحصل لمن ليس له تسليم ورضا بقضاء الله وقدره . وهو دأب الفسق الفاجر .
سادساً : ان يسود وجهه في الدنيا .فان المؤمن في وجهه نـور الإيمان . والفاسق في وجهه ظلام وسواد . قال تعالى : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً(يونس: من الآية27) وقال : إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)(النور: من الآية40).
وقال في الميزان (1) :
قال في المجمع :السفع الجذب الشديد :يقال :سفعت بالشيء اذا قبضت عليه وجذبته جذباً شديداً .
أقوال : انه قدس سره تمسك بمعنى الأخذ وأهمل معنى السواد تماماً وفرقه عن كلام الراغب أمران :
الاول : اننا ينبغي ان نقيد كلام اللغويين بعضه ببعضٍ فنقول : هو أخذ مع حصول السواد فيكون كلاهما عنصراً في معنى السفع .
الثاني : أننا قلنا في المقدمة اننا ينبغي ان نأخذ التفاسير اللغوية التي تكون أسبق رتبة من القرآن الكريم , يعني الأمور التي ذكرها اللغويون بغض النظر عن الآيات القرآنية وأما ما كان متأخراً رتبة عن الآية , فلا نأخذ به , وانما يكون الرأي يكون خاصاً بصاحبه وليس حجة على غيره , وكذلك الحال في الرأي الذي نقله صاحب الميزان عن المجمع وقوله : ( ناصية ) الثاني من الناصية ( الاولى ) وقوله : نَاصّيِةٌ كَاذِبة ٌ خَاطِئة ٌ , بمنزلة بيان التسبيب للعقوبة .أو تعليل للسفع . وقوله : كاذبة :نعت لناصية . وقوله خَاطِئَة : نعت ثان لناصية أو نعت لكاذبة .
فان قلت : بالنسبة الى تعليل العقوبة , أليس السبب مبيناً في السياق , فلا حاجة الى بيان سبب جديد فلماذا قال : كاذبة خاطئة ؟
جوابه : من عدة وجوه : أولا: التأكيد لما سبق .
ثانياً :بيان ما فعله من امور هي كذب وخطأ .
ثالثاً :ان أفعاله انما تنشاء من النفس الامارة بالسوء .فناصيته كاذبة وخاطئة . يعني كله كاذب وخاطئ . حينما تحثه نفسه على نهي المصلي عن الصلاة .
قال في الميزان (2) :وفي توصيف الناصية بالكذب والخطأ , وهما وصفا صاحب الناصية , مجاز .
أقول لا بد من الاشارة الى أمرين :
الامر الاول : فيما يخص لفظ التوصيف .فقد استعملها الكثير من علماء الاصول , وخاصة من غير العرب , بالرغم من عدم ورودها في اللغة العربية , وانما ورد لفظ :وصف ......بدلها من وصف يصف وصفاً .وتوصيف رباعية ( أو مزيدة ) لا يوجد لها فعل خاص بها .
ولكن الحق معهم , الى حد ما , لاجل التدقيق في التعبير . في ذلك :لأن الوصف كاسم مصدر يراد به نفس الصفة الخارجية كاللون . والتوصيف , كمصدر , يراد به أحد أمرين :
الاول : جعل الصفة على الموصوف ثبوتاً , كما لو صبغ الثوب باللون الأحمر .
الثاني :الوصف الإثباتي , أي بيان صفته والتعبير عنها .
فالصعوبة انما تحصل في اللغة العربية , فيما اذا جاء لفظ الوصف كمصدر , لانه يحصل منه الاشتباه بين الأمرين الثبوتي والإثباتي .
..............................
(1)
ج20 , ص326 .
(2)
ج20 , ص326.
فجيء بلفظ : التوصيف ليكون دالاً على المعنى الإثباتي .أي بيان الصفة . ويبقى لفظ الوصف للمعنى الثبوتي .وهذا نحو اعتذار لهم
ولكن ذلك – في نفسه – لا يصلح , ان يكون جواباً لهم لامرين :
احدهما : لعدم وروده في اللغة .واللغة توقيفية , كما عليه مبنى المشهور ومناهم .
ثانيهما : ان ظاهر لفظ الوصف , هو الجانب الإثباتي ,وهو بمعنى التوصيف , في قصدهم . فقولنا : وصفه . لا يعني : لونه بالبياض , بل بمعنى انه بين أنه أبيض . فالوصف مشعر بالإثبات لا بالثبوت . اذن يكون لفظ الوصف مغنياً عن لفظ التوصيف . مع كونه أفصح منه .
المر الثاني : ( حول عبارة السيد الطباطبائي ): انه قد يرد إشكال من ناحية ظهور القرآن الكريم , وحاصله : ان الكاذبة والخاطئة أصبحا وصفان للناصية , وهي لا تكون كذلك لانها جزء من الانسان . فما المراد منها حينئذ ؟
جوابه : احد أمرين :
الاول : ان يراد به ذو الناصية , أي الانسان , وتكون النسبة يسن الوصف والموصوف مجازية .
الثاني : ان يراد بالناصية الانسان ابتداء , حقيقة لا مجازاً .
فان قلت : ولكن هناك قرائن متصلة تدل على ان المراد من الناصية جزء الانسان لا كله .
وهما أثنتان :
الاولى : قوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ , أي بالجبهة أو قصاص الشعر , لا الانسان كله . فتكون قرينة بوحدة السياق على ان المراد بالناصية الثانية هي جزء الانسان أيضاً وليس كله .
الثانية : وجود التأنيث في قوله : كاذبةٌ خاطئة ٌ . لانه لو أراد الانسان كله لذكره مذكراً , لا مؤنثاً .
قلت : كلتا القرينتين فاسدتان :
اما القرينة الأولى : فجوابها احد أمرين :
الامر الاول : ان نقول : ان الناصية يراد بها كل الانسان , وان السفع والضرب يكون على كل البدن مضافاً الى كونه على الوجه .وكذلك سواد القلب يشمل كل الجسم والنفس , وليس الوجه فقط . اذن , فالانسان كله مسفوع وليس وجهه فقط . بأي معنى من معاني السفع أخذناه .
الامر الثاني : ان نقول : ان المراد من الناصية جزء الانسان , ولكن ننفي وحدة السياق وهي قرينة ظنية , فتكون معتبرة ما لم تقم قرينة أخرى على خلافها .
والامر هنا كذلك , فان القرينة على ان المراد بالناصية الثانية الانسان , وان كان المراد من الناصية الاولى جزء الانسان . وذلك كما قال في الميزان : لتوصيف الناصية بانها كاذبة وخاطئة . والناصية التي هي جزء الانسان لا توصف بانها كاذبة وخاطئة .
فيكون المراد من الناصية الثانية الانسان , وان كان المراد من الناصية الاولى جزء الانسان , ولا ملازمة عقلية أو عرفية بينهما .
وبتعبير آخر : ان هناك تعارضاً بين قرينتين متصلتين : بين قرينة وحدة السياق المنتجة لان تكون الناصية جزء من الانسان . والقرينة المنتجة بان الناصية كل الانسان . فنأخذ بالأهم والأظهر وهي الثانية , وهي الوصف بكونها : كاذبة خاطئة . وتسقط وحدة السياق . ويكون المراد بالناصية الثانية كل الانسان , لا جزأه ,بل قد يراد بالناصية الاولى ذلك أيضاً .
وأما ( القرينة الثانية ) وهي كون التأنيث يدل على جزء الانسان لا كله .
ففيها أكثر مـــــن جواب :
أولا ً : ان التأنيث ضروري لاجل تأنيث المرجع أو الموصوف . فان ناصية مؤنثة فتؤنث صفتها . وأما أن يكون معناها مذكراً , فهذا خارج عن حدود اللفظ . فان اللفظ يتبع اللفظ والمعنى يتبع المعنى . ولا ربط أكيد بينهما بحسب التوقع .
ثانياً : ان التذكير والتأنيث بالنسبة الى المؤنث المجازي , ينبغي ان يكون بالاختيار , وليس ثمة شيء حقيقي في اللغة . ولو ثنيت لنا الوسادة لجعلناها خنثى , كما هو الحال في بعض اللغات (1) . فاللغة العربية