مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
الجزء الرابع
سورة الفيل
مكتب
السيد الشهيد الصدر (قد) في عفك
في
تسميتها ثلاث اطروحات فقط
:
أولا
: سورة الفيل
.
ثانياً :السورة التي ذكر فيها الفيل
.
ثالثاً : إعطاؤها رقمها في تسلسلها من المصحف وهو (105)
.
سؤال
: ما هو محتوى الاستفهام في قوله تعالى : ألم ؟
جوابه
: أن له شكلين من المحتوى
:
الشكل
الأول : أن يكون اعتيادياً ، وليس استفهاماً استنكارياً وذلك إذا كان متعلقاً
بحادثة الفيل . لأن الحادثة أخذت في السورة مسلمة الصحة ، كما هي كذلك . غاية
الأمر انه استفهام عن العدم الذي لم يتحقق لا عن الوجود الذي حصل
.
الشكل
الثاني : أن يكون استفهاماً استنكارياً . في ما إذا كان متعلقة الرؤية , وليست
أصل الحادثة . كما هو الأوفق بالوجدان
.
فأنه
قد يتوهم أن المتعلق هو الحادثة الرئيسية كما قلنا , إلا أنه ليس بصحيح لاكثر من
وجه واحد :
أولا
: أن مدخوله الروية في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ)(الفيل: من الآية1)
.
ثانياً : أنه خصص حرفاً استفهاميا أخر لحادثة الفيل هو كيف فقال ( كَيْفَ فَعَلَ
رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)(الفيل: من الآية1) . فخص القرآن لكل منهما أداة
استفهام . فالأول استفهام عن الرؤية والآخر عن شكل الحادثة
.
سؤال
: ما لمراد بالرؤية في قوله : (أَلَمْ تَرَ) ؟
جوابه
: من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : ما ذكره في الميزان (1) من أن : المراد بالرؤية العلم الظاهر ظهور الحس
.
أقول
: فيكون المعنى : ألم تعلم علماً قريباً من الإحساس . فكأنه مشاهد للحادثة وأن لم
يكن كذلك فعلا لأنها . لأنها قريبة من تاريخهم ومتواترةٌ ومهمة . ولم يكن العرب
قد شاهدوا الفيل قبل ذلك الحين
.
الوجه
الثاني : أن المخاطب ليس هو النبي (ص) بل غيره , من قبيل إياك أعني فأسمعي يا
جارة .لأن الفاصل بين نزول الوحي والحادثة . أربعون سنة . ولم يكن النبي (ص) قد
شاهدها ، إلا أن هناك الكثير من كبار السن الموجودين في ذلك المجتمع ممن شاهدها
فعلاً . وهم المخاطبون بالآية الكريمة
.
الوجه
الثالث : أن يراد به رؤية النبي(ص) بالعلم الباطن ، يكشفها الله تعالى له0
أن
مؤدي الاستفهام عن الرؤية استنكاري ،فيؤدي إلى الجزم بالإثبات ، عن حصول الرؤية
والعلم .
سؤال
: من هم أصحاب الفيل ؟
جوابه
: ابرهة ،وهو صاحب الفيل وقد عبر عن الجيش كله بأصحاب الفيل. مع انه صاحبه واحد
.
فان
قلت: فانه لماذا عبر عن الجيش بأصحاب الفيل ؟
قلت :
لعدة وجوه :
أولا:
لانهم اتباع ابرهة صاحب الفيل ، وهو الذي خطط لهم بان يكون سيرهم حيث سار الفيل
ووقوفهم حيث وقف
.
ثانيا: إن الفيل متقدم على الجيش كالقائد .فيكون ابرهة نفسه مسيرا من قبل الفيل
.وهم
مسيرون من قبل ابرهة ، فيكون المجموع مسيرا من قبل الفيل .فصحة النسبة إلى الفيل
.
ثالثا:إن المكيين لو نظروا إلى الجيش العادي لقالوا:جاء الفيل مع جيشه المواكب له
.ولعل أفراد الجيش نفسه لا يلتفتون دائما انهم في معية الفيل .ولكن هذا الشعور
يكون
...........................................................................
ج 20
،ص 361
واضحا
لدى المشاهدين في مكة ،والقران نزل من زاوية فهم أهل مكة لا من زاوية فهم الجيش
العادي.
سؤال
: لماذا قال: (فِي تَضْلِيلٍ)(الفيل: من الآية2) ولم يقل في إضلال ؟
جوابه
: ما قاله في الميزان (1) من أن التضليل والإضلال واحد . أقول : فا لثلاثي : ضل
ضلالاً . وهو لازم . والرباعي منه يكون بالتضعيف : ضلل تضليلاً . والتهميز : أضل
إضلالا ويكون متعديا على النحوين . وكلتا المادتين موجودتان في القرآن ، غير انه
لم يرد بالتضعيف إلا في هذا المورد . وذلك لاجل حفظ النسق القرآني في السورة :
الفيل . تضليل . ابابيل . سجيل
.
سؤال
: كيف جعل الله تعالى كيدهم في تضليل ؟ مع إن المفهوم منه هو التيه في الصحراء ،
ولم يحصل .
جوابه
: لعدة وجوه
:
الوجه
الأول : الإشارة إلى ضلال هدفهم أساسا وبطلانه ، وهو هدم الكعبة المشرفة . وانما
جعل الله تعالى كذلك لاستحقاقهم بخباثة أنفسهم
.
فان
قلت : أن جعلهم ضالين ، بهذا النحو يلزم منه القول بالجبر
.
قلت :
أولاً : إننا يمكن أن نتنازل عن هذا الوجه إلى الوجوه الأخرى ، فلا يلزم القول
بالجبر .
ثانياً :ليس كل إضلال يلزم منه الجبر ، وان كان الإضلال الابتدائي كذلك ، إلا أن
هناك أنواعا من الإضلال إنما يحصل كعقوبة على ذنوب سابقة ، وهي من العقوبة
المعجلة في الدنيا ، سواء كانت ظاهرية أو معنوية
.
فمن
العقوبات الظاهرية قوله تعالى : (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود:82)
ومن
العقوبات المعنوية المعجلة قوله تعالى : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي
قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ
وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) (التوبة:77)
وقوله
سبحانه : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ)(الجاثـية: من الآية23)
الوجه
الثاني : إن المراد إفشالهم في حملتهم تلك . والضلال هو الفشل ، أما مجازاً ، أو
باعتباره حصة منه بنحو المشترك المعنوي
.
وهذا
هو الأظهر ، بل إن هدف السورة هو الحديث عن تلك المعجزة الإلهية التي أوجبت
النعمة بفشل الجيش المعادي
.
الوجه
الثالث : إن الضلال لا ينحصر في التيه ، بل هو التخطيط القاصر وعدم توقع الحوادث
. فانهم مهما كانوا قد اخذوا الأمور بنظر الاعتبار ، لم يكونوا يتوقعون حصول
المعجزة بردهم ، عن الكعبة . فعدم التوقع هذا ، ضلال وقصور . مع انه المناسب
لقدسية البيت من ناحية أخرى
.
فيكون
تخطيطهم قاصراً وضالاً ، لانهم لم يحسبوا كل الاحتمالات . ولو حسبوها ما فعلوا
ولاجاؤا.
بل
نرى إن ابرهة بعد أن سمع من عبد المطلب رضوان الله عليه ، قوله : (1) للبيت رب
يحميه . لم يتعظ . واستمر على عزمه على هدم الكعبة . وجدد الحملة في اليوم الثاني
.
سؤال
: ما هو الوجه في تكرار الاستفهام في الآيتين ، ثلاث مرات قال تعالى : (أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (الفيل:1)
(أَلَمْ
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) (الفيل:2)
جوابه
: ذلك لاجل التركيز على هدف السورة، وأهمية المعنى .والتنبيه المتزايد للمخاطب
المباشر ، وهو النبي (ص) والمخاطب غير المباشر وهم المسلمون بل الخلق أجمعين .
وتكرار الاستفهام من الجوانب البلاغية المهمة . أي انتبهوا إن لم تكونوا منتبهين
.
قوله
تعالى : )وَأَرْسَلَ)(الفيل: من الآية3)
.
الواو
هنا – حسب مشهور المفسرين – عاطفة ، وقال في الميزان (2) : ولاية التي تتلوها عطف
تفسير على قوله : (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) (الفيل:2)
.
.............................................................................
(1)
الدر
المنثور ج 8 ، ص628
(2)
ج20 ،
ص362
أقول
: ويمكن أن يكون تفصيلاً بعد إجمال . كأنه يريد ذكر تفاصيل الحادثة أو أسلوب
التضليل والإفشال لجيش الفيل . وذلك بعد الإشارة الإجمالية له . ويكون المعنى :
انه جعل كيدهم في تضليل عن طريق إرسال الأبابيل
.
فالواو وقعت بعد الأجمال وقبل التفصيل . وإذا كانت وظيفتها هكذا . أمكن أن نجعل
عدة أدوات محلها : إذ أرسل أو كما أرسل . فتكون كلها بمعنى واحد
.
على
إن قوله عن الواو إنها عاطفة ، لا يخلو من تسامح ، فإنها على أي حال ، من عطف
جملة على جملة لا من عطف المفرد . وفي مثلها تسمى الواو استئنافية ولا يقال لها :
عاطفة .
سؤال
: من أي مادة صيغة لفظة : (أَبَابِيلَ)(الفيل: من الآية3) ؟
جوابه
: قال في الميزان(1) : الأبابيل – كما قيل – جماعة في تفرقة زمرة زمرة . وقال
الراغب: (2) متفرقة كقطعان الإبل
.
أقول
: أي إن العرب اشتقوا اسمها من الإبل لشبهها بقطعانه ، المتفرقة . ولكن هذا قابل
للمناقشة لاكثر من وجه
:
الوجه
الأول : إذا كان المطلب هكذا أمكن الاشتقاق منه : تأبل يتأبل ، أي اصبح مثل الإبل
. ولم يشتق منه العرب .إذن ، لا توجد صلة اشتقاقية بين الإبل والأبابيل . وانما
المتشابهة من أجل الصدفة لاغير
.
الوجه
الثاني : انه لفظ خماسي أو سداسي . ولا يمكن الاشتقاق منه
.
وعلى
ضوء ذلك يمكن القول : أن العرب لم يكونوا مسبوقين بهذه اللفظة ، بل لعلها نازلة
لاول مرة في القرآن الكريم . ويكون استعماله على أحد الوجوه التالية
:
الأول
: إن تكون معربة أو منقولة من لغة أخرى
.
الثاني : أن تكون الكلمة نحتاً فورياً أو شخصياً ، غير مستند إلى اللغة . وهذا
وان كان في نفسه محتملاً ، إلا أن الكلمة عندئذ تكون غير موضوعة في اللغة وغير
مفهومة عرفاً
.
الثالث : انه اسم عرفي لنوع من الطير (العصافير) مسمى بذلك كأنه كنية كأبي بريص
وأبي قردان
.
الرابع : إن اسمها مأخوذ من صوتها الممدود : بيل ، فيكون أبابيل تعبيراً عن
مقطعين من صوتها . أو بمعنى ذو الصوت المشابه لكلمه بيل
.
الخامس : ما احتمله بعضهم من إن المراد بكلمة : بيل : المسحاة وقد كان منقار هذا
الطير عريضاً كالمسحات . فسميت ابابيل . أي ذات المسحاة
.
السادس : أن يكون تشبيها بالمسحاة من ناحية عرض ذيلها . لامنقارها
.
دخول
الألف واللام عليه : الطير الأبابيل . مع انه ورد في الآية منكراً
.
قلت :
لأنه إن عرف . لكان مفاده إرسال كل أفراد هذا النوع إلى الجيش المعادي . مع أن
الذي حصل انه سبحانه أرسل بعض أفراد النوع . أو قل : أفراداً قليلة منه ، ومع ذلك
حصل به هلاك الجيش كله . وهذا بحد ذاته معجز معجزة
.
سؤال
: كيف أن طيراً مفرد وابابيل جمع . مع أن القياس خلافه ؟
جوابه
: من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : أن طيراً اسم جنس بمنزلة الجمع . وهو أدل على الجمع من طيور ، لأن الأخير
محدد بالكثرة والقلة ، بينما أسم الجنس غير محدد ، بل يصدق على أفراد لا متناهية
. ومعه يكون اسم الجنس أقوى دلالة . ومنه قوله تعالى : (ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
الْمُكْرَمِينَ)(الذريات: من الآية24) . أي ضيوفه
.
الوجه
الثاني :انهما متماثلان في الأفراد . لأن أبابيل أسم لكل فرد من هذه الطيور .
وكلاهما – أي طير وأبابيل – أسم جنس . لذا قال : (تَرْمِيهِمْ )(الفيل: من
الآية4) . ولم يقل : يرمونهم
.
فان
قلت : لماذا قال ترميهم ؟
قلت :
لوجهين :
أولا
: إن الجمع بمنزلة المؤنث في الذوق العربي ، فيتعين التأنيث
.
ثانيا
: إننا لو تنزلنا عن تعين التانيث ، كان المتكلم مخيراً بينهما . ومن المعلوم أن
ترميهم ، فاعله لا يعقل ويرمونهم لمن يعقل . لوجود واو الجماعة .فيتعين الأول
أيضاً . ولا اقل من انه أختار الأولى أكيدا
.
ولكن
هذا الوجه (وهو كونهما متماثلين في الأفراد) قابل للمنقاشة بنص أهل اللغة(1) .
على انه جمع . وقيل لاواحد له وقيل أن مفرده : بال أبول أو بيل
.
ولكن
يمكن الإيراد عليه : انه يمكن القول : إننا نسمي الواحد منها أبابيل . كما نسمي
فرداً من الملائكة : ملائكة ، ولا نقول: ملك . وهو مطلب عرفي . لأن العرف يختار
ما هو الأسهل له . فهذا لايدل على أن المراد بالأبابيل في الآية الجمع ، وان كان
جمعاً لغةً
.
الوجه
الثالث : إن محل( ابابيل) من الأعراب , لا يخلو من أربعة احتمالات ، تصوراً : وهي
أن تكون خبراً أو صفة أ, حالاً أو بدلاً . وما قيل من لزوم التجانس في الأفراد
والجمع ، إنما يصدق على المبتدأ والخبر وعلى الصفة والموصوف . وليس المورد منها
.
ولكنه
أما أن يكون حالاً ، بمعنى : جماعات متفرقين ، وليس التطابق بالأفراد والجمع
ضرورياً بين الحال وصاحبه
.
واما
أن يكون بدلاً ، إذا كان (علم جنس) ولابأس أيضاً بعدم التطابق بين البدل والمبدل
منه .
وهنا
نكتة لا ينبغي الأعراض عنها ، وهي : أن هذه السورة رغم صغرها ، استعملت ألفاظاً
غير عربية عديدة ، وهي : الفيل والأبابيل ، والسجيل ، ونسبتها إلي السورة ككل
كبيرة. بل هي أكبر نسبة من أي من سور القرآن الكريم
.
وهذا
الاستعمال وامثاله ، لا ينافي عربية القرآن الكريم ، لان هذه الألفاظ كانت سائدة
ومستعملة بين العرب . فاتصفت بكونها عربية ، فاستعملها القرآن بهذه الصفة
.
مضافاً إلى انه يمكن القول : بات استعمالها تطبيق من تطبيقات قوله تعالى : (مَا
فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ)(الأنعام: من الآية38) . أي استعمال عدة
لغات في القرآن الكريم
.
سؤال
: كيف يمكن لهذه الحيوانات غير المدركة ، ان تهلك هذا الجيش العظيم ؟
جوابه
: من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : أنها يمكن أن لاتكون حيوانات فعلاً ، بل هي خلق أخر ، على شكل طير أبايل
. وهي مدركة وليست قاصرة ، كأن تكون جناً أو ملائكة . كما روي (2) : إن كل طيرفي
........................................................................
راجع
لسان العرب وغيره
الميزان . ج 20 ص363
........................................................................
منقاره حجر وفي رجليه حجران . وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى فلا يقع حجر من
حجارتهم تلك إلا خرقه . ولا عظم أوهاه وثقبه . وفي رواية أخرى (1) : إنها كانت
تحاذي رأس الرجل ثم ترميها على رأسه ، فيخرج من دبره ، حتى لم يبق منهم أحد
.
فهذا
التسديد في العمل ،ليس من وضيفة الطير المعروف حقيقة
.
الوجه
الثاني : انهم – بالرغم من كونهم حيوانات – فانهم موجهون بالمعجزة والتسديد
الإلهي . حفظا للبيت العتيق . حيث آمرو بحسب غرائزهم بذلك ، فأنتجت فشل جيش الفيل
.
الوجه
الثالث : وهو ما يمكن أن يجاب به الماديون وإضرابهم .بأن نقول : انه ثبت إن بعض
الحيوانات كالطير الزاجل يمكن أن ترسل إلى مسافات بعيدة حاملة معها رسائل ونحوها
. وان كثيراً من أنواع الحيوانات الداجنة كالقطط والدجاج والماعز ، تهتدي لبيوت
أصحابها . فليكن هذا الطير شيئاً من هذا القبيل
.
سؤال
: إن فاعل ترميهم ، هوالابابيل . وفاعل : جعلهم ، هو الله سبحانه ، والسياق ينبغي
أن يكون واحداً ، فلماذا قال : فجعلهم ولم يقل : فجعلتهم ؟
جوابه
: أولا : إن الأفعال في السورة كلها منسوبة إلى الله : فعل ويجعل وارسل وجعلهم .
ألا ترميهم فانه يعود إلى الابابيل . لأن الله بهذا السبب جعلهم كعصف مأكول .
وهذا هو هدف هذه السورة ، وهو بيان إلا انتقام الكبير بإرسال الابابيل
.
ثانيا
: إن القرآن قد نسب الكثير من معلولات الأسباب إلى نفسه . قال تعالى :
(وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (القمر:13) . وقال :
(فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً)(الإسراء: من الآية103) . وقال :
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) (الواقعة(63*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ
نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة:64) وقال : (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا
أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) (الواقعة:72)
.
والفاعل الحقيقي في كل هذه الآيات هو الله سبحانه
.
................................................
(1)
الميزان ج20 ص363
والقرآن في هذه الآيات يعترف بالأسباب ويعترف بفعل الله تعالى . أي إن كلها نتيجة
لفعل الأسباب ، وهي _ في نفس الوقت _ كلها نتيجة لفعل الله سبحانه . وهذا ما ثبتت
صحته منطقيا وفلسفيا وعرفيا . وليس ألان مجال شرحه
.
والنتيجة : هي انه مرة نسب الفعل إلى السبب وهو الابابيل . فقال : ترميهم . وأخرى
نسبه إلى نفسه فقال : فجعلهم . . وكان بالإمكان نظرياً أن يجعل كلتا النسبتين
إليه سبحانه أو كلتيهما إلى الابابيل . إلا انه اختار ما هو ألطف بلاغيا وعر
فانيا .
وبتعبير أخر : أن الفعل فعل الله أصلاً ، وهو الذي أوجد النتيجة الاان الوسط أو
الخريطة أو السبب هو ما أشير إليه في صدر السورة . وهو الأبابيل
.
قوله
تعالى : (تَرْمِيهِمْ)(الفيل: من الآية4)
قال
العكبري (1) : وترميهم . نعت لطيراً . والكاف مفعول ثاني
.
أقول
: لأن الجمل بعد النكرات صفات . وجعل تأخذ مفعولين أي : جعل الله إياهم كعصف
مأكول .
وقوله
: والكاف مفعول ثاني . يعني في قوله : كعصف . وهو لا يخلو من تسامح لأن حرف الجر
لا يكون مفعولاً . بل الاسم هو المفعول الثاني . وهو العصف المجرور بالكاف
.
وهذا
يمكن أن نضم إلى ذلك عدة أفكار
:
أولا
: إن الجار والمجرور ليس بنفسه مفعولا به . بل يحتاج إلى متعلق . وهو محذوف أو
مقدر . وهو المفعول الثاني
.
ثانيا
: إن وجود الجار والمجرور يتبادلان . وذلك : في المنصوب بدل المجرور ، ويسمى
المنصوب بنزع الخافض . أي بتقدير حرف الجر ويمكن أن يكون العكس أي الاستغناء عن
النصب عن طريق وجود حرف الجر المناسب له والآية من هذا القبيل
.
فبالرغم من دخول الكاف الجارة عليه ، ولم يخرج عن كونه مفعولاً ثانياً ، فيكون
منصوباً محلاً . ويكون وجود الكاف كعدمها . فكأنه قال : فجعلهم عصفاً مأكولاً.
ثالثا
: إن نواصب المفعولين ، ليس بالضرورة ، إن تنصب مفعولين بل قد تنصب مفعولاً
واحداً ، إن أراد المتكلم ذلك ، والله تعالى اختار مفعولاً واحداً . واما الثاني
فهو جار ومجرور . وبتعبير أخر : إننا إنما تحتاج إلى المفعولين عند عدم الدلالة
على المعنى . وامااذا صح المعنى وتم ، فلا حاجة إلى وجود المفعول الثاني . فقد
حذف للدلالة عليه . بل إن وجوده يجعل اللفظ سمجاً . فيكون القرآن قد اختار في
التعبير افضل الفردين ، لأنه تشبيه بلاغي لطيف
.
.................................................
ج2 ،
ص158
.................................................
رابعا
: إن الجار والمجرور ، سد مسد المفعول الثاني . أو نقول : انه قد أوضح معناه ودل
عليه .
خامسا
: قالوا : أن الكاف يأتي اسما بمعنى مثل . فيصح ما قاله الكعبري من كونها مفعولا
ثانيا .
إلا
أن هذا غير تام لاكثر من وجه واحد
:
أولا
: أنه يحتاج إلى شاهد لغوي سابق من شعر أو نثراً
.
ثانياً : أن الكاف حرف . فما هو محل أعراب مدخوله ؟ أن قلت : أنه مضاف إليه .
فهذا مما لا يمكن أن يقبله مدعى هذا القول . فأنه لا يوجد مثل ذلك في الأسماء
الحرفية , لو صح التعبير , كالضمائر وأسماء الإشارة , أي أن يكون لها مضاف إليه
.
وان
قلنا : أن مدخوله مجرور بالحرف . فله لازم باطل . لانه يكون بالنسبة إلى ما قبله
اسماً وبالنسبة إلى ما بعده حرفاً . وهذا جزاف من الكلام
.
وعلى
ذلك فمن الصعب أن نعتبر الكاف أسماً بمعنى : مثل . فيكون تصحيح كلام العكبري من
هذه الناحية متعذراً
.
سؤال
: ما هو السجيل ؟
جوابه
: قال الراغب في المفردات (1) : الجسَّل الدلو العظيمة . وسجلت الماء فانسجل أي
صببته فانصب . واسجلته أعطيته سجلاً
.
(1)
المفردات / مادة سجل
أقول
: انه حسب فهمي فأن سَدَلَ وسّجَلَ , مؤداهما واحد .وحاصله : تسليط جاذبية الأرض
على الجسم . فسدل تستعمل للجمادات , مثل : سدل الستار . وسجل تستعمل للمائع ,
كسجل الماء أي صبه
.
واضاف
الراغب (2) والسجل , قيل : حجر كان يكتب فيه , ثم سمي كل ما يكتب فيه سجلا
.
قال
تعالى : ( كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ )(الانبياء: من الآية104)
أقول
: أي محل التسجيل . كما نسمي الدفاتر سجلا . وقوله تعالى : ( كَطَيِّ السِّجِلِّ
لِلْكُتُبِ ) . فيه أطروحتان للفهم
:
الأولى : السجل : مكان المكتوب أو ظرفه مثل الجرارة . تطوى في داخلها الكتب .
وهذا هو الفهم المشهوري
.
الثانية : الكتب هي نفس الكتابة . والجمع منها :الكتابات . والسجل : أي شيء من
ورق أو طين , يطوي الكتابات في داخله . والكتاب بمعنى الكتابة موجود في اللغة
ومنه قول النبي ص فيما ورد أنه أمر أحد أصحابه فقال : تعالم كتاب يهود . أي لغتهم
وكتابتهم .قال : فتعلمتها في ثلاثة أيام
.
هذا ,
وقد وردت لفظة التسجيل في القرآن الكريم في ثلاث مواضع . أحدهما في هذه السورة ,
والأخريات في سورة هود آية( 82) وفي سورة الحجر الآية( 74) , لوصف الانتقام من
قوم لوط : قال تعالى : (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود:82)
.
وفي
هذه الآية عقوبتان : الأولى : جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا . والثانية :
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . فقد يقال : أن
العقوبة الأولى تكفي للقضاء عليهم , فلا معنى للأمطار بالحجارة , بعد أن يجعل
عاليها سافلها
.
وجوابه : من وجهين كلاهما نسوقهما كأطروحة محتملة
:
الوجه
الأول : أنه ليس المراد من جعل عاليها سافلها المعنى المادي على ما رويه في رواية
ضعيفة السند (2)
بل
المراد المعنى المعنوي , وهو : أذلا أعزائها وسلب السلطنة عن متوليها . فالمعجزة
المادية هي الرجم بالحجارة , وليس الانقلاب الحقيقي للأرض
.
الوجه
الثاني : أن الله تعالى جمع بين العقوبتين زيادة في النكاية عليهم . لانهم كانوا
شديدي الفسق , ومتجاهرين باللواط . فقلب الأرض ورجمها , ليس حقداً , بل تسجيلا
اعلامياً لاجل إفهام الآخرين من الناس , بأنه يستحقون ذلك , وبالتالي يؤدي إلى
هداية الأخريين وتفقههم . وقال تعالى : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
يَعْمَهُونَ) (الحجر:72) (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) (الحجر:73).
(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ
سِجِّيلٍ) (الحجر:74) : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر 75)
.
فأشار
سبحانه إلى نفس القصة . ولكن بألفاظ أخرى . وعاليها سافلها بالمعنى المادي أو
المعنوي على ما مر
.
والمراد من : مشرقين : وقت إشراق الشمس . ولامعنى لان يكون المراد به المكان ،
لان كل مكان فهو شرق لغيره
.
سؤال
: ذكر في سورة هود عقوبتين . وفي سورة الحجر ثلاث عقوبات . فما هو وجه الجمع بين
الآيتين ؟
جوابه
: لعدة وجوه
:
أولا
: انه ليس في الآية التي في سورة هود مفهوم مخالفة ، بحيث ينفي حصول شيء أتخر فما
لم يذكر فيها لايعني عدم وجوده
.
ثانيا
: إن الصيحة المذكورة في سورة الحجر ، هي نفس انقلاب الأرض . العقوبة ثالثة .
ويدعمه الترتيب بالفاء ، كأن الصيحة هو صوت انقلاب الأرض ، فهي معلول وليس علة
.
ثالثا
: إن نحمل ( عاليها سافلها ) في سورة الحجر ، على المعنى المعنوي . ومعه لا يكون
هناك دليل على انهم ماتوا جميعاً من الصيحة . بل يمكن انهم أغمي عليهم ، ثم قضي
عليهم بالرجم
.
هذا
وقد ورد لفظ مشابه للسجيل نطقاً ومعنى في القرآن الكريم وهو السجين . وكلاهما من
أصل غير عربي . قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ)
(المطففين:7) (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) (المطففين:8) (وَمَا أَدْرَاكَ مَا
سِجِّينٌ) (المطففين:8)
.
سؤال
: فما هو معنى سجين ؟
جوابه
: قال الراغب (1) : السجين : اسم لجهنم بأزاء عليين . وزيد لفظه تنبيهاً على
زيادة معناه وقال الرازي
(2)
في
هامش العكبري : إن سجينا اسم للأرض السابعة ، وهو فعيل من السجن
.
..............................................................
(1)
المفردات مادة سجن
..
(2)
ج2
ص146
أقول
: كاطروعة : إن سجين صيغة مبالغة من (سجن) فالسجن بالكسر هو المكان والسجين
بالتخفيف ، مكينة أي المسجون . والسجين بالتشديد صيغة، مبالغة ، باعتبار إن السجن
له مراتب تختلف شدة ضعفاً والصعب منه سجين ، أي شديد السجن
.
إن
قلت : انه اسم لجهنم نفسها ، وليس لمن يسجن فيها ويعذب
.
قلت :
هو تسمية المكان بالمكين ، فالمكان هو جهنم ، والمكين هو من يعذب فيها . لأنها
سبب عذابهم
.
وهذه
اللفظة ، اعني سجين ، وردت في القرآن مرتين ، كلتاهما في سورة المطففين . قال
تعالى : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (المطففين:7)
(وَمَا
أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) (المطففين:8)
(كِتَابٌ
مَرْقُومٌ) (المطففين:9)
.
وهي
تقابل عليين ، كما قال الراغب (1) ، لقوله في نفس السورة : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ
الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين:18)
(وَمَا
أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ) (المطففين:19)
(كِتَابٌ
مَرْقُومٌ) (المطففين:20)
وفي
قوله : في سجين ، إشارة إلى المكان المدلول عليه بفي . ومحل إعراب الجملة : (كتاب
مرقوم ) هو كونه خبراً لمبتدأ محذوف تقديره : سجين
.
ومن
هنا ينشأ إشكال ، وحاصله : إن سجين في الآية السابقة بمعنى المكان . وهي بمعنى
الكتاب ، لأنه يقول بعد التقدير : سجين كاب مرقوم . فما جوابه ؟
أقول
: انه نشأ الأشكال على ضوء التقدير بأعتبار كونه هو المبتدأ المحذوف : سجين . إما
لو كان التقدير هو كتاب مرقوم ، فهو استفهام لتعظيم شأنه وبيان حرمته ، فينتهي
السياق بقوله : ما أدراك ما سجين . ثم يقول بعد ذلك : إن كتاب الفجار هو كتاب
مرقوم ولا حاجه إلى رجوعه إلى سجين . وان كان سجين اقرب لعوده إليه . ولكن ينشأ
الأشكال معه وما يقال في سجين يقال في عليين
.
ولكن
مع ذلك نقول : إن هذا الكلام من قبيل المجاز ، لأنه ليس في جهنم كتاب مرقوم ، أي
مكتوب . وانما : أما إن نفهم من كتاب مرقوم : أي كتابة مكتوبة . كأنهما لفظان
مترادفان . أو أن نفهم من الكتاب : المجلد الذي فيه اقتضاء الكتابة أو أوراق
الكتابة .
................................................
المفردات مادة سجين
.
...............................................
وما
ذكر في الآية رمز للكتاب التكويني . وهو قد رقم وسجل بالإرادة التكوينية . ما هو
؟ هو نفس علمنا : عمل الفجار وعمل الأبرار
.
وعلى
ضوء كل ما تقدم نقد السؤال الأتي
:
سؤال
: ما هي المقارنة بين السجيل والسجين ؟
جوابه
: انه يوجد بينهما نحو تشابه ، ونحو اختلاف
.
فوجه
التشابه إن كليهما سبب للعذاب . ومن ناحية اثباتية : (كلامية أو بلاغية ) فقد
استعمله القرآن الكريم من أجل إرهاب القارئ وتخويفه ، مضافاً إلى إظهار عظمة الله
سبحانه ، وابراز أهمية البيت الذي حصل الدفاع عنه
.
ووجه
الاختلاف في المعنى : إن السجيل عبارة عن حجر ، والسجين عبارة عن جهنم وما يحصل
فيها . وكلاهما سبب للعذاب . وتعبير عن غضب الله سبحانه
.
ويتحصل من ذلك عدة نتائج
:
فأننا
قد نزعم إن أحدهما عين الأخر ، هو هو . كأنه قال : ترميهم بحجارة من سجين وقد
استعمل آلام اختياراً
.
ويترتب على ذلك بعض النتائج المحددة . منها : أن الحجارة إذا كانت من سجين ، فهي
قاتلة بالضرورة . لأنها ليست طيناً . لعدة احتمالات
:
أولا
: إن نقول : إنها حجارة من جهنم . مع افتراض إن الطير قد أخذها من جهنم ورما بها
الجيش المعادي . لكن هذا لايتم إلا بافتراض انهم لم يكونوا طيراً بل خلقاً أخر
على صورة الطير ، وهم متسلطون على الدنيا والآخرة ، فأن جهنم في الآخرة ، فقد
أخذوا الحجر من الآخرة ورموه في الدنيا ، بأعتبار كونهم مخولين من قبل الله
سبحانه بذلك
.
وحجر
جهنم قاتل بلا شك ، كما يروي في قوله تعالى : (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا
سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ)(الحاقة: من الآية32) . عن الصادق عليه السلام
(1) : لو إن حلقة واحدة من السلسلة وضعت على الدنيا لذابة الدنيا لذابت الدنيا من
حرها .
ثانيا
: إن نقول : إن سجيل لم يرد بها جهنم وانما هي حارة إلى حد تشبه حرارة جهنم .
فتلقى على جسد الإنسان فتقتله
.
......................................................
انظر
تفسير الصافي ج2 ، ص74
.......................................................
ثالثا
: إن تكون هذه الحجارة سريعة جداً . والسرعة هي المؤثرة في القتل . كما لو تصورنا
ان سرعتها أكثر من سرعة الضوء
.
والقدرة هذه ، أما إنها أتت من نفس هذا الحيوان . أو إنها حدثت بعد انفصالها من
منقاره بقدرة الله سبحانه ، فتدخل في سرعتها من أحد الجانبين وتخرج من الجانب
الأخر .
رابعا
: إن تكون قنبلة تحملها الطير تسقط على الفرد وتقتله ، أو نقول : إنها لاتحملها
الطير بل الأجهزة الخاصة المناسبة لها . والأبابيل ليس طيراً بل جيشاً مضاداً يقف
أمام جيش ابرهة
.
ولكن
مثل هذا الوجه مخالف لظاهر القرآن ، فلا يكون حجة . لما ورد عنهم عليهم السلام من
أن (1) : ما خالف قول ربنا زخرف باطل . اضرب به عرض الجدار مضافا إلى اليقين
التاريخي ، بعد وجود مثل هذا الجيش المحارب في الجزيرة العربية وعدم وجود مثل هذا
السلاح أيضاً ز
هذا
وقد ذكر القاضي عبد الجبار (2) في هذا الصدد سؤالين
:
سؤال
: كيف يصح في الطير الصغير أن يرسل الحجر ، فيؤثر في الناس التأثير الذي ذكره
تعالى في السورة؟
جوابه
: من وجوه :
الوجه
الأول : بأن يزيد الله تعالى في قوة الطيور بحيث يؤثر ذلك الحجر ذلك التأثير
العظيم .
الوجه
الثاني : إن يكون الله تعالى عند رمي الطير ، جعل فيه الانحدار الشديد بحيث يؤثر
هذا التأثير
.
أقول
: الوجه الأول لا يكفي وذلك : لان قدرة الطير لايعني قدرة الحجارة من الطين بحيث
تكون قاتلة . والوجه الثاني غير بمجردة أيضاً
.
إلا
أن نذكر له وجهين أخرين وهما
:
الأول
: ما ذكرناه سابقاً من السرعة الشديدة للحجر وفي الطائر كأن تكون كسرعة الضوء .
وبالتالي تخترق الجسم البشري
.
.........................................................
انضر
الوسائل كتاب القضاء ج18 ص78-79
تنزيه
القرآن عن المطاعن – ص480
...........................................................
الثاني : وجود الحرارة العالية جداً في الحجارة ، باعتبارها من (سجيل) . فلا تكن
قابلة للانطفاء فتبقى متوقدة إلى حال خروجها . ولا تنالها رطوبة جسم الإنسان
.
ويمكن
الجمع بين هذين الوجهين أعني السرعة والحرارة . ولولا ذلك لما كان لما قاله
القاضي عبد الجبار أي اثر
.
سؤال
: ما هو العصف ، في قوله تعالى كعصف مأكول
.
جوابه
: قال الراغب في المفردات (1) العصف والعصفة الذي يعصف من الزرع . ويقال لحطام
النبت الميكسر عصف قال : والحب ذو العصف والريحان – كعصف مأكول – ريح عاصف .
وعاصفة ومعصفة تكسر الشيء فتجعله : كعصف . وعصفة به الريح ، تشبيها بلك
.
أقول
: يتحصل من ذلك : إن عاصفة بمعنى كاسرة لما تمر عليه ، من النبات ، وذلك في الريح
الشديدة .
وقال
في الميزان (2) العصف ورق الزرع والعصف المأكول ورق الزرع الذي أكل حبه ، أو قشر
الحب الذي أكل لبه
.
أقول
: أي إن العصف هو ورق الزرع ، كورق الحنطة والشعير . وقوله : قشر الحب الذي أكل
لبه ... فيه تسامح . وحقه أن يقال : هو الحب الذي أكل لبه ، يعني ما بداخل قشره
.
هذا ،
ويمكن الجمع بين الوجهين – التكسر والحب ، بالحب المتكسر . لأن الحب يتكسر بعدة
أمور طبيعية وعرفية . أهمها : حين ينبت منها النبات . مضافا إلى تقشيره من أجل
طحنه وأكله . وكذلك النوى غير المأكول، فإنها كلها تتعصف بنباتاتها
.
سؤال
: لماذا لم يقل : فجعلهم عصفاً مأكولا ؟
جوابه
: في هذا الوجه نقطتا ضعف
:
الأولى : أنه لم يجعلهم كذلك بنحو الحقيقة . بل جعلهم كعصف مأكول ، أي مثل العصف
. والجثث المتناثرة ، ليست عصفاً مأكول ، بل كالعصف
.
الثانية : إننا مع التنزل عن الوجه الأول ، ممكن أن نقول : فجعلهم عصفاً مأكولاً
مجازاً . ولكن تأتي مسألة حفظ النسق ووحدة السياق اللفظي . وهو مقتضى الحكمة
والفصاحة .
...........................................
المفردات مادة (عصف
)
ج20
ص36
..........................................
سؤال
: كيف نتصور العصف المأكول ؟
جوبه
: ما فهمه المفسرون . بما فيهم صاحب الميزان ، من أنها جثث ساقطة على ألأرض .
ويؤيده النقل الخارجي والتاريخي
.
أقول
: ولكن بذلك لم يحصل تقطع وعصف . ويجيب المشهور بأن التقطع حصل في الجيش .
بأعتبار فشله وتقطع أفراده وهو نحو من التقطع المعنوي
.
والذي
أفهمه أكثر من ذلك : إن الجسد الواحد منها كأنه أصبح قطعاً قطعاً . كالشجرة
الواحدة المتكسرة . ويؤيده وصفه بالمأكول
.
مضافا
: إلى أننا لو فهمنا من العصف الأغصان المتكسرة ، كفى أن يكون كل واحد منهم قد
انقطع إلى قطعتين أو أكثر . ولكن إذا فهمنا من العصف : الحب والنوى . وهي صغيرة
بطبيعة الحال . فلا بد أ، نتصور صاروا قطعاً صغيرة . وان لم تكن بحجم الحنطة
نفسها ، فأن التعبير مجازي على أي حال ، والمهم أن الجسم اصبح عشرات القطع فلايرى
هنالك جيش وجثث ، بل لحم متناثر
.
هذا ،
وللمأكول تقسيمان
:
التقسيم الأول : المأكول حقيقتاً ، كما في حب الحنطة ، والمأكول مجازاً ، أي على
شكل ما كان مأكولاً
.
التقسيم الثاني : المأكول فعلاً ، وهو المطبوخ في ما يحتاج إلى الطبخ والمأكول
اقتظاء . أي كونه قابلاً للأكل. وبضرب أثنين باأثنين تصبح الأقسام أربعة
:
القسم
الأول : القطع المأكولة مجازاً ، فأن العصف هو القطع الصلبة كالحجر والخشب إلا أن
هذا قطع لينه ، لأنها أجساد بشرية
.
القسم
الثاني : القطع المأكولة حقيقة ، كالحم المقطع المأكول . وهذا تشبيه مباشر . وفيه
إشعار بالتشبيه بالحيوانات
.
القسم
الثالث : الحب المأكول مجازاً ، فأن لحومهم متناثرة وغير مأكولة . وانما عبر ذلك
لكون منظرها كأنها لحوم مطبوخة.
القسم
الرابع : الحب المأكول حقيقة
.
وقد
ظهر وجه الشبه في المأكول فعلاً . وفيه منظر شديد لم يفهمه المفسرون ، لانهم
فهموا إن الجثث سليمة ، مع إنها لا تبدو كذلك ، باعتبار قوله : كعصف مأكول . فأن
هذا لايتم عادة في حجر واحد في كل إنسان واحد
.
إن
قلت : إنكم رجحتم في معنى العصف بأنه الأجزاء المتكسرة والنبات المتقطع . والحب
مصداق منها . باعتباره أجزاء صغيرة من النبات . بينما قال تعالى في سورة الرحمن :
(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن:12) . فوصف الحب بأنه ذو
العصف . فيكون من وصف الشيء بنفسه . وهو باطل
.
قلت :
جوابه من عدة وجوه
:
أولا
: نحن لم نقل أن العصف هو الحب بشرط لاعن الزيادة . بل هو مطلق الأجزاء المتكسرة
من النبات . فيرجع المعنى – ولو مجازاً – إلى المصدري وهو التكسر
.
ثانيا
: إن نقول : إن الحب هو كل قطعة مستقلة من الثمار . كالتفاح والرقي وغيرهما ،
وليس معناه منحصراً الحب الصغير كالعنب والتمر والحنطة والشعير . ومعه يكون الحب
- بهذا المعنى :- ذو العصف أي ذو حب في داخله . فنحمل معنى الحب على إحدى الحصتين
ونحمل معنى العصف على الحصة الأخرى
.
ثالثا
: انه بعد التنزل عن الوجه الثاني باختيار القول بأن الحب هو خصوص الحب الصغير ،
كالحنطة والشعير ولا يوجد في داخلها حب أخر ولكننا مع ذلك ، يمكن إن نفهم منه :
الحب ذو التكسر
.
وذا
تكسر الحب ظهر لبه . أي نفهم من الحب لبه والعصف قشره . كما يمكن العكس . وان كان
الأول ارجح على أي حال
.
السؤال الأخر : الذي ذكره القاضي عبد الجبار في كتابه (1)
:
كيف
يصح ذلك ، ولم يكن في الزمان نبي . وهذا من المعجزات العظام ؟
جوابه
: انه لابد من نبي في الزمان يكون هذا الأمر معجزة له . وقد كان قبل نبينا أنبياء
بعثوا إلى مخصوصين . فلا يمتنع إن يكون هذا الأمر ظهر على بعضهم . كما
..................................
تنزيه
القرآن عن المطاعن- ص480
..................................
روي
انه (ص) قال في خالد بن سنان :- ذلك نبي ضيعه قومه . وقال في قس بن ساعدة : انه
يبعث يوم القيامة أمة واحدة لقلة من قبل عنه . فهذه طريقة الكلام في هذا الباب
.
أقول
: يمكن أن نقبل نبوة هؤلاء كأطروحة . ولكن ذلك لا يكون جواباً على سؤاله الرئيسي
: لكبرى معينة ، وحاصلها : إن النبي يجب أن يكون صاحب معجزة ، بحيث يصدق ، بحسب
التسبيب انه أوجدها بدعاء ونحوه. وكلاهما لم يتسببا لوجود تلك المعجزة ، اعني
القضاء على الجيش المعادي . فتكون الصغرى مخدوشة ، وان صحة الكبرى إلا أن الصحيح
هو الطعن بالكبرى التي أخذها القاضي عبد الجبار مسلمة ، وهي انحصار حصول المعجزة
بوجود النبي . وانما نحتاج إلى معجزة لنصرة الحق ، وهو الذي حصل فعلاً ، انتصاراً
للبيت الحرام ، والكعبة المشرفة
.
=========================================