مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
الجزء
الخامس
سورة التوحيد
بسم
الله الرحمن الرحيم
ينبغي
الحديث عن الاسم , وهو طبقاً لما يشبهه الأطروحات السابقة يمكن أن يكون على عدة
أشكال محتملة
:
الشكل
الأول : الاسم المشهور , وهي سورة التوحيد . لأنها فعلا تحمل معنى الوحيد . وقد
ورد إنها تتضمن أو تتكفل نسبة الرب (1)
الشكل
الثاني : تسميتها باللفظ الذي تبدأ به (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ... أو : قُلْ
هُوَ .. كما يعبر بعضهم
.
الشكل
الثالث : تسميتها أو الإشارة إليها برقمها في المصحف وهو السورة 112.
سؤال
:تكاثرت الروايات عن طريق الفريقين في أن هذه السورة تعدل ثلثي القرآن .فما هو
تفسير ذلك ؟
جوابه
: إن له عدة تفاسير محتملة
:
التفسير الأول : إنها تحمل ثلث الثواب , أي إن لقارئها ثلث الثواب بالنسبة إلى من
قرأ القرآن كله
.
التفسير الثاني : إنها تحتوي على علوم ثلثي القرآن الكريم , الذي يحوي علوم الكون
كله , وبذلك تكون الفاتحة أعلى منها , لأنها تحتوي على كل علوم القرآن كما
سبق.وليس على ثلثها
.
التفسير الثالث : إن علوم القرآن فيما نفهمه , تنقسم إلى ثلاثة أقسام :عقائد
وتشريع وتاريخ ,والباقي كله يندرج ضمن هذه الثلاثة .أو قل: ان علوم القرآن هي
أصول الدين وفروع الدين وأخبار . ويراد بالإخبار ما يشمل أخبار الماضي والحاضر
والمستقبل ,وكله من قبيل التاريخ بالمعنى العام , وهو بهذا المعنى يشمل أخبار
الدنيا والآخرة
.
.........................
(1)انظر
نحوه في الميزان بعده ألفاظ ج2 ص390 وانظر توحيد الصدوق ص93 , وانظر الوسائل ج 2
ص 681
أذن ,
فالسورة المباركة إلى واحد من هذه العناوين الثلاثة :وهو التوحيد . ومن هنا صدق
كونها ثلث القرآن
.
فان
قلت :إن أصول الدين خمسة , والتوحيد أصل واحد منها , فلا يكون التعرض إلى التوحيد
تعرضاً لاصول الدين كلها ليكون ثلث القرآن ؟
قلت
:ما دل على التوحيد دل على كل العقائد , فان الأصول الأربعة مندرجة فيه , لأن
التوحيد أساسها . والله هو الذي أرادها وشرعها واوجدها . وقد ورد عن الإمام
الكاظم عليه السلام (1) : اللهم أني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد , ولم
أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر , فاغفر لي ما بينهما
.
سؤال
: لماذا بدأت السورة بفعل الآمر : قُلْ ؟
جوابه
:المراد من السورة ليس هو إخبار بأن ( الله أَحَدٌ ) وانما الراد الامر هو
الإقرار بذلك , لكي يتبع الفرد الهدى , ويشهد بالتوحيد , ووهو – بالطبع – يدل
ضمناً على صدق ما قاله , وإلا كان الامر به أمراً باطل . فهو أمر وإخبار في نفس
الوقت .
وقلنا
في كتابنا (2) فقه الخلاق : أن امتثال هذا الامر بأحد أسلوبين
:
الأسلوب الأول : ما ورد عن الإمام الرضا (3) من أنه حين يقرأ آية : (قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ) فأنه كان يقول بصوت خافت : اللَّهُ أَحَدٌ , يعني امتثالاً لقوله
. والتزماً بمضمونه
.
الأسلوب الثاني :ما ورد في أخبار أخرى (4) من أنه يقول بعد الانتهاء من السورة :
كذلك الله ربي
.
وبحسب
فهمي فأن أحد الأسلوبين مجزئ ومغني عن الأخر , بل لا معنى للجمع بينهما – كما لا
يخفى – وان كان لا يخلو من وجه ضعيف
.
وعلى
أي حال , فمع ترك هذين الأسلوبين معا , وذلك بقراءة السورة كما هي,
.........................................
(1)
عن
البلد الأمين مفاتيح الجنان ص 114:
(2)
فقه
الأخلاق . ج1 ص 202
.
(3)
أنظر
الوسائل ج4 ص 756
.
(4)
انظر
وسائل الشيعة ج4 . ص 754 . و75 و755 و757
.
.فأنه
سيكون السياق بلسان الله لا بلسان العبد . وهو لا ينفع العبد . ما لم يوافق على
صحته . ويذعن بصدقه . وهو إنما يعلن عن ذلك بأحد الأسلوبين السابقين
.
سؤال
: إن " قل " فعل أمر ظاهر بالوجوب . وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر . فقد يقال
: أن علماء الكلام قالوا : إن الإيمان بالعقائد لا معنى للتشريع فيه . وانما هي
واجبة بحكم العقل . والأوامر الواردة إنما هي إرشاد إلى حكم العقل . والله تعالى
ينبه هنا على حكم العقل . فلا يجب علينا طاعة هذا الامر , لانه ليس تشريعاً , فلا
يجب علينا اتخاذ أحد الأسلوبين السابقين
.
قلنا
: هذا قابل للمناقشة
:
أولاً
: إنما طرق سمعك من إن الأوامر إرشادية , إنما هو لخصوص وجود الله سبحانه . فهو
سبحانه يُدرَك بالعقل . فإذا ورد عن الله بمضمون : اعترف بوجودي . فإنما هو إرشاد
إلى حكم العقل . وهذا صحيح . ولكن سائر أصول الدين ليست كذلك . حتى التوحيد نفسه
. فقد شهد الله سبحانه نفسه بتوحيده . قال تعالى : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) . فالله الذي ثبت
بالعقل . وجوده , هو يخبرنا عن توحيده . وهذا – في الحقيقة – من أدلة التوحيد
.
أذن ,
فالعبد , في هذه السورة , مأمور تعبدا من قبل الله سبحانه بان يذعن بتوحيده . فلا
يكون الأمر إرشاديا , بل تشريعياً
.
ثانياً : أننا لو تنزلنا عما قلناه أولاً , وسلمنا أن الامر بالتوحيد أيضا إرشادي
, كالاعتراف بوجود الله سبحانه . عند إذ يكون أصل الدخول في الإسلام , عقلي
إرشادي . إلى أن غرض السورة لا يكون هو الدخول إلى الإسلام ,. وانما هو لاجل
أغراض أخرى كالصلاة والتبرك ونحوها . فيكون : قل , تشريعياً . حيث يقرؤها الفرد
بألفاظها من أجل الاستفادة منها : فرجع الحال إلى كون الآمر تشريعياً لا إرشاديا
.
سؤال
:من هو المخاطب ب( قُلْ ) ؟
جوابه
: هناك عدة أطروحات لذلك ., نذكرها من الأضيق إلى الأوسع
.
أولا
: أن المخاطب هو النبي (ص) , بصفته المخاطب المباشر
.
ثانياً : أن المخاطب هو كل المسلمين , ولا خصوصية للنبي ص
.
ثالثاً : أن المخاطب هم كل البشر فأن دين الله إنما هو لاصلاح البشر جميعاً .
والقرآن لهدايتهم , حتى لو كانوا كفاراً
.
رابعاً : أن المخاطب كل الخلق . أي كل أجزاء الكون من بشر وملائكة وجن وأي خلق
أخر . فأن التوحيد غير مختص بطائفة . لانه متعلق بالخالق الأزلي الحقيقي . وهذه
الصفة الحقيقية ينبغي فرضها وتوزيعها وسيطرتها على كل الخلق . وكل من عصى , فقد
ظل عن سواء السبيل
.
سؤال:
هل يجوز حذف : قل , بمعنى جعل قراءة السورة ابتداء , امتثالا لهذا الأمر
.
جوابه
: هذا على مقتضى القاعدة جائز , لكنها تخرج عن كونها قرأناً .لان ( قُلْ ) جزؤها
القرآني .والقرآن إنما هو بلسان الله لا بلسان العبد
.
سؤال
: لماذا أختار الله سبحانه الضمير هو , ولم يقل : قل الله أحد ؟
الجواب : أنه يمكن تفسير هذا الضمير بحسب معناه أولاً , وبحسب إعرابه ثانياً :
أما الكلام في معناه ,فانه يحتمل أمرين
:
الأمر
الأول : ما ذكره صاحب الميزان قدس سره حين قال : (1) هو ضمير الشأن والقصة , يفيد
الاهتمام بمضمون الجملة التالية , أي ان الحال والشان هو الله أحد
.
الأمر
الثاني : أن ( هُوَ ) ضمير عائد على ذات الله سبحانه : أي : ذات الله هو أحد
.
واما
إعرابه , فيحتمل وجهين
:
الوجه
الأول : أن يكون هو ضمير لا محل له من الأعراب . كالذي يقع بين المبتدأ والخبر ,
كقول :زيد هو عالم , ولا يفيد إلا التأكيد
.
ففي
الآية الكريمة يكون لفظ الجلالة مبتدأ واحد خبر . سواء قلنا أن معناه ضمير الشأن
أو أنه عائد على الذات
.
الوجه
الثاني : نذكره بنحو الأطروحة . وهو أن يكون ( هُوَ ) مبتدأ . سواء فهمنا منه
ضمير الشأن أو كونه عائداً الى الذات . واما خبره , فله عدة أطروحات
:
الأطروحة الأولى : أن هذا الضمير مبتدأ ولفظ الجلالة مبتدأ ثاني واحد خبر المبتدأ
الثاني .
.........................
(1)
ج 20
ص 387 .
والجملة خبر المبتدأ الأول . مثل قولنا : زيد أبوه عالم . غاية الفرق أن الابتدأ
هناك بالظاهر وهنا بالضمير
.
وهذا
ممكن سواء كان هو ضمير شأن أو راجعاً إلى الذات . ولكنه أوضح واوكد مع رجوعه إلى
الذات . يعني : أن الذات المقدسة التي لا يشار إليها ولا يعبر عنها ولا تحد ,
يصدق عليها هذان الاسمان
.
الأطروحة الثانية : أن يكون ضمير : هو , مبتدأ ولفظ الجلالة خبره . و( أحَدُ )
بدل أو عطف بيان أو معطوف بحذف حرف العف . فتكون الذات المعبر عنها بهو , مبتدأ
واسمها , وهو لفظ الجلالة الخبر
.
الأطروحة الثالثة : أن يكون هو متبدأ ولفظ الجلالة خبر أول واحد خبر ثانٍ للمبتدأ
الأول . كقولنا : زيد عالم حاذق . أو زيد عالم في الدار
.
الأطروحة الرابعة : أن يكون قوله : هو الله مبتدأ وخبر . ويكون " أحد " خبراً
لمبتدأ محذوف دل عليه ما سبق . يعني : هو أحد
.
الأطروحة الخامسة : ما ذكره العكبري حين قال(1) : ويجوز أن يكون الله بدلاً, واحد
الخبر . أقول : يعني خبر هو
.
سؤال
: لماذا وجد الضمير : هو في هذا المحل من الآية الكريمة ؟
جوابه
: متفرع على ما قلناه في معناه وإعرابه . وهو أربع صور
:
الصورة الأولى : أن يكون معناه ضمير شأن وإعرابه ضمير فصل . فهو للتأكيد , لجل
الترسيخ الإيماني
.
الصورة الثانية : أن يكون معناه ضمير الشأن . وإعرابه : مبتدأ وخبره الجملة التي
بعد ه . فعندئذ لا يفيد التأكيد , بل مجرد الأخبار بأن الشأن والحال : إن الله
أحد , ويكون الاستغناء عنه أولى . ومن هنا فسد هذا الوجه . وأن كان مستفادأ من
مطاوي كلمات الميزان
.
الصورة الثالثة : أن يكون معناه كونه دالاً على الذات وإعرابه كونه ضمير فصل .
فهو غير محتمل ., لوجود التنافي بين هذين الاحتمالين . مضافاً إلى لزوم كون الدال
علي الذات مكترراً في الآية , وهو الضمير ولفظ الجلالة
.
الصورة الرابعة : أن يكون معناه دالا على الذات , وإعرابه أنه مبتدأ وهو المتعين
::على معنى الذات تتصف بهاتين الصفتين أو الاسمين
.
إن
قلت :أن أسم الجلالة دال على الذات مكرراً
قلت
أولاً :أن لفظ الجلالة من الأسماء الحسنى . فأن توخينا مطلق الدلالة على الذات ,
كانت كل الأسماء الحسنى دالة عليه . ك(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ
الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(الحشر: من الآية23) . وان توخينا لخص من ذلك ,
كالعلمية لذاته سبحانه , كما في لفظ الجلالة , فهذا لا يخرجه من كونه من الأسماء
الحسنى .
ولذا
لم يقل الفلاسفة أنه عين ذاته , كما قالوا : في العالم والرحمن ,أنه عين ذاته ,
بل قالوا أنه علم خارج الذات , فكونه علماً لا يخرجه عن كونه أحد الأسماء الحسنى
. و قل هو أ÷م الأسماء الحسنى
.
إذن
,يكون المقصود أن الذات يصدق عليها هذان الاسمان : الله والحد
.
ثانياُ : إن دلالة (هو) على الذات أعمق من دلالة لفظ الجلالة عليه . لبساطة لضمير
واحاطته , فيكون من هذه الناحية شبيهاً ببساطة الذات وأحاطتها . بخلاف لفظ
الجلالة ,فأنه لا يخلو من تعقيد بالتشديد وتكرار اللامات
.
بل
يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر ,بأن نقول بنحو الأطروحة :ان لفظ الجلالة : الله هو
تعريف للضمير ,بإدخال الآلف واللام على الهاء مع انه غني عن التعريف ولا يتعرف
بمخلوقاته .بل بذاته , وهنا يكون وجود الضمير , بدون التعريف أولي
.
سؤال
: قال الرازي في هامش (العكبري ) (2) : المشهور في كلام العرب أن الأحد يستعمل
بعد النفي .والواحد يستعمل بعد الأثبات . يقال : في الدار واحد. وما في الدار أحد
.وجاءني واحد.وما جاءني أحد .ومنه
................
(1)
ج2 ص
159 .
(2)
ج2 ص
160 .
وقوله
تعالى : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)(البقرة: من الآية163)وقوله تعالى : (
الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ )
)ِ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ )( فَمَا مِنُكمْ مِنْ "أحد"
هنا في الإثبات
.
جوابه
:
أولا
: ا قاله الرازي أيضاً (1) : قال :ابن عباس رضي الله عنهما : لا فرق بين والأحد
في المعنى . واختاره أبو عبيدة . ومؤيده قوله تعالى : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ
بِوَرِقِكُمْ )وقولهم أحد وعشرين وما أشبهه . وإذا كنا بمعنى واحد , لا يختص
احدهما بمكان دون مكان . وأن غلب استعمال احدهما في النفي والآخر في الاثبات
.
ثانياً : ما أشار اليه الرازي أيضاً بقوله (2) : ويجوز أن يكون العدول عن الغالب
,رعاية لمقابلة الصمد , أقول : يعني : لحفظ النسق في نهايات هذه الآيات
.
ثالثاً: ويعرض كاطروحة
:
أن
أحد من الأسماء الحسنى والواحد ليس منها . وانما هو صفة إعلامية فقط ,تتضمن
الاخبار عن كونه تعالى واحد لا شريك له . ناسب ذلك ترك " الواحد
" .
سؤال
: لماذا كرر لفظ الجلالة , في قوله تعالى : اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ؟
جوابه
: أولا : أنه لإفادة التأكيد , بتقدير تكرار العامل وهو الأمر السابق , أي :
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ .وإفادة تكرار العامل أوضح لدى
تكرار لفظ الجلالة , ولو اكتفى بالصمد . لما أفاد هذه الفائدة
.
ثانياً : لسماجة عدمه , لو قال : الله أحد الصمد , فالصفة البلاغية تقتضي تكرار
لفظ الجلالة
.
سؤال
:لماذا قدم " يَلِدْ " وهو من حقه التأخير ؟ لانه بعده في الزمن عادة
.
أولاً
: أننا إن نظرنا إلى الزمان العرفي , كان السؤال وارداً . إلا انه ملغى بحق ذات
الله سبحانه . فلم يبق فرق في التقديم والتأخير . وهو فوق الزمان ولامكان , وقد
ورد عنهم عليهم السلام . لا تحده الأزمنة ولا تحيط به الأمكنة ولا يأخذه نوم ولا
سنة .
هذا
إذا كان الفعلان منفيين كما هما في السورة
.
ثانياً : انهما لو كانا مثبتين لاي ذات , كان من حق الأخر التقديم . لانه إن حدث
كان متقدماً في الزمان , ولحاظ الزمان عرفي . إلا أن لحاظهُ في ذات الله عز وجل
مسند . مضافاً إلى أنهما في السورة في سياق النفي الإثبات
.
ثالثاً : نعرضه كأطروحة وهو كون النظر إلى الصفة الحالية أو الفعلية . ثم الصعود
منها الى الصفة الأخرى ( الصفة التاريخية أو الماضية ) أي : انه ليس فقط لم يلد
بل لم يولد أيضاً
.
رابعاً : لحاظ المشكلة المثارة اجتماعيا بين الأديان , من ان الله سبحانه له ولد
. تعالى عما يقولون علواً كبيراً . فمن هنا أكتسب الأهمية فيكون الأهم مقدماً ,
وهو نفي الولد . باعتبار ما قيل من أن عُزيرّ أبن الله وان المسيح أبن الله ,
ونحو ذلك . كما ننطق به القرآن الكريم .(3) . فقد قدم الأهم . وقام بتأخير ما
دونه في الأهمية الاجتماعية
.
خامساً: أن ( لَمْ يَلِدْ )مُُُساقة للشأنية لا الفعلية . فالمراد نفي الشأنية .
ومن لم يكن من شأنه أن يلد ليس من شأنه أن يولد . ولو كان من شأنه ان يلد لكان من
شأنه أن يولد . كما في الخلق . فقدم ( يلد ) لكونها حاصلة من فعل في حالة جل
جلاله . لتكون بمنزلة البرهان إثباتاً على صحة الأخرى التي بعدها . بنحو الدليل :
الانّى , الذي يستدل به من المعلول على العلة . قال تعالى : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
كُفُواً أَحَدٌ) (الاخلاص:4)
فقوله
تعالى أحدٌ , أسم كان مؤخر , وهنا يحصل السؤال .وحاصله : ما هو خبر كان ؟
جوابه
: أن في خبرها وجهتين
:
الوجه
الأول : أن خبرها : كفواً . وعلى هذا يجوز أن يكون ( له ) حالا من كفواً أو صفة
له , لان التقدير : ولم يكن أحد كفواً له . وان يتعلق بَيكُنْ
.
الوجه
الثاني : أن يكون الخبر : له . وكفواً حال من أحد . أي ولم يكن له أحد كفواً . أو
لم يكن أحد له كفواً
.
...............................................
(1)
المصدر والصفحة
(2)
المصدر والصفحة
(3) (وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ )(التوبة: من الآية30)
فلما
قدم النكرة نصبها على الحالية
.
سؤال
: لماذا قدم سبحانه : له كفواً , على أحد ؟
جوابه
: أولا : لاختلال نسق الآيات بتقديم أحد . وهذا واضح . كما لو قال : لم يكن له
أحد كفواً .
ثانياً : قالوا في اللغة الحديثة : أن التقديم يفيد التقديم والالتفات والتركيز .
والأمر هنا كذلك في النفي والمنفي , يعني نفي الكفوء . فأنه لا يحتمل أن نتصور له
كفواً وكل شئ فهو حقير بالنسبة اليه . فينبغي أن يؤخر تجاه عظمة الله سبحانه .
قال تعالى : )وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الاسراء:111)
سؤال
: ماهي أرجح القراءات في ( كُفُوَا ) ؟
جوابه
: هي سكون الفاء مع الهمزة ( كفواً ) لانه يعني في اللغة المساوي والنظير , فيكون
هو الأحوط لاعتبار دوران الأمر بين الأفصح وغيره , فيتعين الأفصح . غير أننا نعرف
أن القراءات الأخرى لهذه الكلمة , هي وجوه منسوبة إلى بعض القراء السبعة , وهي
ممضاة كلها من قبل الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين . وخاصة في المصحف ,
بقراءة حفص بن عاصم . وذلك بضم الفاء وترك الهمزة . وقد استشكل بعض المتأخرين (
1) من قراءتها بسكون الفاء وترك لهمزة , لضعف نسبتها إلى القراء السبعة
.
أقول
: ولكنها محرزة بالنسبة إلى أحد القراء العشرة , فيكفي في جواز القراءة بها على
ذلك . كما ذكرنا ذلك في منهج الصالحين (2) . وأعترف به هؤلاء المتأخرين في
رسائلهم . (3)
......................................
(1)
أنظر
مستند العروة الوثقى ( ج3 ص483 ) حيث قال : وأما الوجه الأخير أعني مع الواو
وسكون الفاء فهو وإن نسب إلى بعضهم لكنه لم يثبت , فالاحوط تركه
...
(2)
الجزء
الأول, مسألة 785.
(3)
انظر
منهاج الصالحين للخوئي , ج1 , ص165 , ط 29
.