مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
الجزء التاسع
سورة الكافرون
في
تسميتها عدة أطروحات
:
الأولى :الكافرون .وبذلك تكون ذات اسم متدني . لانه منسوب إلى قوم متدنين .ولا
يجوز أن نقول سورة الكافرين,لان المراد اللفظ لا المعنى .لأن السورة ضد الكافرين
وليست معهم
.
وبتعبير أخر : إن انتساب إلى شئ أخر يتحقق بكونه ملكاً له أو معلولاً له .
ولايمكن القول بذلك اتجاه هذه السورة . فإذا قلنا سورة الكافرين فقد نسبناها
إليهم بوجه ما ,وهو واضح الفساد
.
الأطروحة الثانية :ما فعله الشريف الرضي في كتابه حقائق التأويل من القول إنها :
السورة التي ذكر فيها الكّافرُنّ .وبذلك يندفع الإشكال المسجل على الأطروحة
الأولى .
الأطروحة الثالثة : أن يشار إلى السورة برقمها في المصحف الشريف وهو : 109
.
سؤال
:ما هو سبب في تكرار الآية : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ؟
وبذلك
نكون قد بدأنا بأوضح واهم الاستفسارات في هذه السورة المباركة
.
جوابه
:من اكثر من وجه واحد
:
الوجه
الأول : التأكيد . وهو ما ذكرته مصادر المفسرين واكدت عليه . ومع ذلك فيمكن ان
نقول : ان التكرار يحتاج الى سبب فما هو ؟ ولماذا بهذا الأسلوب دون غيره ؟
ولتوضيح الجواب نحتاج الى مقدمات
:
المقدمة الأولى : اننا قلنا في المقدمة :ان الأعم الأغلب من سور القرآن الكريم
ليس لها هدف معين ,او لا يمكن التعرف على هدفها على الأقل .لكن قلنا ان بعض السور
وخاصة القصار منها . تكون واضحة الهدف .وسورة الكافرون منها . فأن سيقها واحد
وبيانها وغرضها واحد
.
المقدمة الثانية : في بيان صغرى هذه الكبرى .وهو السؤال عن هدف هذه السورة .فنقول
:هو المزايلة والمباينة بين أهل الحق وأهل الباطل . كما ورد في بعض الأخبار ((
فسطاط إيمان لا كفر فيه , وفسطاط كفر لا إيمان فيه )) فهما منفصلان ومتباينان ,
لا يكمن الانفصال التام واللانهائي بين الحق والباطل
.
ان
قلت : ان قصدنا من المعبود :الله .فهو معبود الجميع .بل هو معبود عبدة الأصنام
ايضاً ,كما قال سبحانه :مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى(الزمر: من الآية3). وإن قصدنا الهوى والنفس والشيطان .فهو معبود الجميع
أيضاً , كقوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)(الجاثـية: من الآية23)وهو معنى شامل حتى للمسلمين .فليس
هناك مباينة ومفارقة بين الطائفتين . فيكون قوله سبحانه (لا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ.وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) مجملا غير واضح المعالم
.
قلت :
جواب ذلك مستويين
:
المستوى الأول : إن الملحوظ بالدقة القرآنية هما الجانبان المستقطبان . وهما
الكفر الخالص والإيمان الخالص .وما لدى الأعم الأغلب من المسلمين :إيمان مشوب
بكفر .وما لدى الكافرين كفر مشوب بإيمان .فهنا يعطي القرآن النموذج المثالي , وهو
الكفر الذي لا إيمان معه والإيمان الذي لا كفر فيه ,وهذان لا يجتمعان أبداً
.
المستوى الثاني :أن ننظر إلى الجانب المختلط بين الكفر والإيمان على إختلاف
درجاته .ومع ذلك فهؤلاء مؤمنون وإن عبدوا الهوى والشيطان . لأن هدفهم عبادة
الرحمن وأولئك كفار وإن عبدوا الله تعالى, لأن هدفهم الحقيقي هو العصيان والشيطان
. فهنا قد نظر القرآن إلى الهدف الحقيقي الأساسي لكلا الفريقين . فالمباينة
والمفارقة موجودة .وهدف السور بيان ذلك
.
المقدمة الثالثة : ان التأكيد قد يحصل بالتكرار مرتين إلا إن أقصى التأكيد هو
التكرار ثلاث مرات . وبذلك يدهم الخاطب به وأما التكرار أكثر من ثلاث مرات فسيكون
سمجأ عرفا وذوقاً . بخلاف المرات الثلاث .فإنها تفيد التركيز الشديد , مع
الموافقة للفصاحة والبلاغة.والتأكيد في القرآن الكريم قد يكون بالتكرار , وقد
يكون بغيره . وهنا قد اختار الله سبحانه التكرار , لأجل زيادة التوضيح وقد ورد
ذلك في موارد أخرى من القرآن كقوله سبحانه : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (التكاثر:4) . وقوله :فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ
قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر:20)
.
والتكرار في هذه السورة ثلاث مرات . لا مرة واحدة كما قد يخطر بالبال
.
فقوله
: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ كرر مرتين بنفس اللفظ
.
لا
أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . مكرر مع مغايرة اللفظ في قوله تعالى :ولا أنا عابد ما
عبدتم .
وقوله
: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .هو بمنزلة التكرار لكل منهما فيكون كل وجه مكرر
ثلاث مرات .
وبعد
الاجتماع هذه المقدمات الثلاث , نقول : هذه التكرارات الثلاث , هي أقصى مقدار من
التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين و أو قل هي أقصى
مقدار من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين , أو قل
: هدف المؤمنين وهدف الكافرين , وهو أمر مهم بدرجة عالية جداً , لا يمكن التقصير
فيه أو التغافل عنه . فإنه لا يوجد هدف أعلى من عبادة الله الواحد الأحد . وأكثر
مضادة من الشرك الكامل والصريح . وبما إن هذه المباينة موجودة , فهي تستحق
التأكيد والتكرار . سيكون هذا الوجه صحيحاً , وإن لم تكن الوجوه الأخرى الآتية
.
الوجه
الثاني :ما ذكره القاضي عبد الجبار , حيث قال (4) : انه لا تكرار في ذلك , لان
قوله تعالى : لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . المراد به المستقبل وقوله تعالى :
وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ المراد بها الحال . وقوله تعالى : وَلا
أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ , المراد به المستقبل وفي الحال . أي لا أعبد ما
تقدمت عبادتكم له . ومن يعد ذلك تكراراً . فمن قلة معرفته وتدبره لأنه ينظر إلى
اللفظ ويعدل عن تأمل المعنى
.
أقول
يرد عليه عدة إشكالات
:
أولاً
: ان هذه القيود التي ذكرها , غيره ظاهرة من العبارة القرآنية . بل لعل الظاهر
خلافه . فكلامه مجرد إقتراح بلا قرينة . وإنما ينبغي ان يكون ما ذكره مطابقا
لظاهر القرآن . وهذا ليس كذلك
.
ثانياً : انه لم يعين رجوع الحال والاستقبال الى أي من المجموعتين . من حيث انه
يعود الى عبادة الواحدة أو العبادتين . أو إن أحدهما للحال والأخر للاستقبال , أو
ان كليهما للحال , أو كليهما للاستقبال
.
ثالثاً : انه لم يجب عن التكرار الأخر في قوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ
مَا أَعْبُدُ . وهو عين الآية الثانية . فانه تكرار باللفظ نفسه . فلا يحتمل ان
يراد به شيئاً أخر غير ما قصد بالسابق من الزمان والمكان . ولم يتعرض لها بشيء ,
بالرغم من قوله : ومن يعد ذلك تكراراً , فمن قلة معرفته وتدبره . لانه ينظر إلى
اللفظ ويعدل عن تأمل المعنى . وجوابنا : إن المعنى يستفاد من اللفظ . فإذا تكرر
اللفظ تكرر المعنى , لان اللفظ دال على المعنى وليس مهملا . فإذا تكرر الدوال
تكررت المدلولات , وهي المعاني
.
الوجه
الثالث : أن ننظر إلى العبادة والمعبود كمعنى مصدري . فهناك عبادتان ومعبودان :
الله وعبادته والأصنام وعبادتها . وفي السورة أربع آيات , خص كل واحدة منها
بواحدة . وبيان ذلك يتوقف على مقدمة . وحاصلها : إن ( ما ) إما موصولة أو مصدرية
. فإن كانت موصولة كانت بمعنى المعبود , أي المعبود الذي تعبدونه . وإن كانت
مصدرية كانت بمعنى العبادة أي :لا أعبدُ عبادتكم ولا انتم تعبدون عبادتي .فتوزع
المطالب الأربعة على الآيات الأربعة , ولا يحصل تكرار أصلاً .( يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وهذه مصدرية لا أعبد عبادتكم , (وَلا
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهي مصدرية أي عبادتي (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا
عَبَدْتُمْ) وهما موصولة بمعنى معبودكم (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ )
موصولة بمعنى معبودي
.
ويمكن
فهم المعنى بالعكس . بالنسبة إلى المصدرية والموصولة , فنجعل ما موصولة في الآية
الأولى والثانية ومصدرية في الثالثة والرابعة
.
ويكون
قوله : , (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) مكرراً لفظاً لا معنى , فيندفع
ما ذكرناه من الإشكال على القاضي عبد الجبار
.
الإ
إن هذا الوجه قابل للمناقشة : فلإن توزيع ما الصدرية والموصولة, بهذا الترتيب او
ذاك , أمر اقتراحي لاجل تصحيح السياق ليس إلا . ولا توجد قرائن متصلة عليه
.
مضافاً الى السياق يدل على وحدة المدلول . ووحدة السياق قرينة ظهورية صحيحة في
علم الأصول .فاما ان نحمل ( ما ) على الموصولية في جميع الآيات , او نحملها على
المصدرية , فيرجع التكرار في كلتا الحالتين
.
فإن
قلت : إن التكرار لغوي ولا يصدر منه سبحانه
.
قلت :
ان اللغوية إنما تعين هذا الوجه مع الانحصار به . وليس الأمر كذلك لصحة بعض
الوجوه الأخرى غير هذا الوجه , كما سبق
.
الوجه
الرابع : إن الاشتقاق يختلف . فإذا أختلف اختلف معنى المادة . فإن احدهما فعل
نضارع وهو( لاَ أَعْبُدُ ) والأخر وهو قوله (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ)
وباختلاف الاشتقاق , نحصل على عدة نتائج في مصلحة تغير المعنى وعدم التكرار
.
الأولى : الفرق اللغوي واختلاف الانطباع العرفي , بينهما
.
الثانية : إن الفعل المضارع يفيد الاستقبال .واسم الفاعل يفيد الحال
.
الثالثة : إن الفعل المضارع يفيد التأييد بإطلاقه , يعني لا أعبد إلى الأيد أو
إلى الأزل , وهذا ما لا يفيده أسم الفاعل
.
فأي
من هذه النتائج أخذنا به , كان في مصلحة عدم التكرار , لولا وجود التكرار اللفظي
الكامل في قوله تعالى ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) وهو ما لا يشمله هذا الوجه ف
يكون تاما في نفسه
.
الوجه
الخامس : إن الاشتقاق هنا يلاحظ بشكل أخر . ف( تَعْبدون ) فعل مضارع يفيد الحال.
و( عَبَدْتُم ) فعل ماضي . , ومعناه وانطباعه اللغوي يختلف , بطبيعة الحال . فلا
يوجد تكرار من هذه الناحية
.
ويرد
عليه نفس الإشكال السابق , من ان قوله: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)
مكررة بنفس اللفظ والمعنى ,فلا يصلح ان يكون وجهاً مستقلاً
.
وهنا
بعض الأطروحات للتركيب لبن هذه الوجوه السابقة
.
الأطروحة الأولى : ان يكون التركيب المقترح كمايلي : قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ , لا أَعْبُدُ ( في المستقبل ) وَلا أَنَا عَابِدٌ( الآن ) مَا
عَبَدْتُمْ ( في الماضي ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ (الآن ) مَا أَعْبُدُ ( في
المستقبل )
.
إلا
إن هذا بمجرده غير كاف. لأنه تفصيل اقتراحي غير منضبط . بل قد يشوه السياق . ولا
اعتقد إن هذه المضامين مقصودة للحكيم تعالى
.
الأطروحة الثانية : انه لا يراد من ذلك الماضي والمستقبل . وإنما يراد به مطلق
الشأنية المنسلخة عن الزمان والمكان
.
فهذه
الألفاظ : عبد , عابد , تعبدون عبدتم , ألفاظ لغوية وبيانات تدل على معنى اعمق من
سطحها وتفصيلها العرفية , وهو معنى الشانية . ويكون المعنى :انه ليس من شأنهم أن
يعبدوا الله كما ليس من شأن النبي (ص) ن يعبد الأصنام
.
وأما
التعبير بالماضي أو الحال أو اسم الفاعل ونحو ذلك , فلا أهمية له .بل المهم
الفارقة والمزايلة بين فسطاطين من القلوب , وليس من شأن أي واحد منهما أن يدخل في
الأخر .
فان
أخذنا بنظر الاعتبار إن التكرار , كان لاجل التأكيد الشديد , كما قلنا في الوجه
الأول ,صح ذلك تماما. وإلا لم يتم . لان التكرار بالشأنية سيكون بلا موجب ,
واختلاف الزمان لا اعتبار به ,كما مال اليه القاضي عبد الجبار (1) . وهنا نلاحظ
أمرين :
الأمر
الأول : أن قوله ( ولا انتم عابدون ما أعبد ) فيه دلالة على ما يعبده النبي (ص)
واحد . لذا تم تكراره باللفظ لعدم وجود دال آخر عليه . بخلاف الطرف الأخر أي
الكفار .فأن ما يعبده الكفار متعدد .كالأصنام والنفس قال تعالى : )أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ )(الجاثـية: من الآية23) والشياطين قال تعالى
)وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)(الأنعام: من الآية121) وغيرها ,
ولذا ورد بصيغة المضارع تارة , وبصيغة الماضي تارة أخرى .فان عبادة كهذه تكون
بحسب الشهوة والمصلحة الدنيوية , فيعبد شيئاً في الماضي , ثم يعبد شيئا اخر في
المستقبل , وهكذا
.
.........................
(1)
يعني
انه مال الى اعتبار الزمان كما سبق
....
الأمر
الثاني : قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ,يُعَدَّ تكراراً بحسب
المعنى العام للسورة .ويفيد التأكيد تأكيداً . وبحسب البلاغة ينبغي تغير العبارة
بتغير اللفظ . فهو بمنزلة النتيجة للمقدمات التي سبقته . يعني : بما إنكم لا
تعبدون ما أعبد وبما اني لا أعبد ما تعبدون . أذن لكم دينكم ولي دين
.
وها
يرد سؤال : انه قد يستشعر إمضاء أديان الكافرين . وسيأتي جوابه عند الحديث عن هذه
الآية الكريمة
.
هذا
كله , بالنسبة للمضمون العام للسورة , وهو التكرار , وندخل الان في تفاصيل السورة
, ضمن الأسئلة الآتية
:
سؤال
: لماذا قال : يا أيها , ولم يقتصر على حرف النداء أو أحد هذين اللفظين ؟
جوابه
:حسب فهمي : ان يا للنداء , أما ( أيها ) فهي ليس للنداء بل هي وصلة وتسبيب لدخول
حرف النداء . فلا تصلح للنداء وحدها . وإن حصلت وحدها كانت بتقدير الحرف قبلها لا
محاله .
فمدخول ( يا ) هو كلمة خالية من الآلف واللام . أما المعرف بها , فلا يمكن أن
يكون مدخولا لها , فتأتي أيها لأجل التوصل الى ذلك . وهذا بحسب الذوق العربي ,
واضح . وبحسب استقراء الاستعمالات القرآنية , إن أيها لم تأتي مفردة , وإنما جاءت
مدخولا لحرف النداء
.
إذن ,
فلا بد من وجود الاثنين , ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الأخر
.
سؤال
:هل ان ظهور القرآن في هذه السورة يدل على الجبر ؟
هذه
الشبهة مأخوذة من بعض ما قلناه ,وما قاله صاحب الميزان قدس سره , فلا بد من ذكر
لمقدمات , لفهم هذه الشبهة . ومن ثم الإجابة عليها
.
المقدمة الأولى :الظهور بالشأنية وهذا ما قلناه من ان شأن الكافرين ان لا يؤمنوا
وأن لا يعبدوا ما يعبد الرسول (ص) , وهو التوحيد . وليس المراد الفعلية والعمل
والسلوك . بل المراد من شأنهم حالهم وديدينهم. فإن الحال والديدن من قبيل اللازم
الذي يصعب تغيره . وهذا يعطي إشماماً بالجبر
.
واوضح
منه :
المقدمة الثانية : وهو ما ذكره صاحب الميزان , وهو من غرائبه قدس سره . حيث
قال(1): ( لا اعبد ) نفي استقبالي , فإن (لا ) لنفي الاستقبال , كما ان ( ما )
لنفي الحال . والمعنى لا أعبد أبداً ما تعبدون اليوم من الأصنام
.
أقول
: فيكون هذا المعنى على هذا التقدير : ان النبي (ص) سوف لن يعبد ما يعبد الكفار
.وهو صحيح . زلكن العكس لا يصح أي : ان الكفار سوف لن يعبدوا اللع تعالى .فظهور
(لا) للتأييد والاستقبالية المؤبدة مشعر بالجبر . فهل هذا صحيح ؟
جوابه
إن القرآن غير ظاهر بالجبر. وذلك على عدة مستويات
:
المستوى الأول : إن المراد بالكافرين , أما الكلي أو الجزئي . لأن الألف وللام
اما جنسية أو عهدية . فإن دل على الجنس دل على امتناع دخول كل كافر في الإسلام .
وهو غير محتمل , بل دخولهم حاصل , وكل ما هو حاصل ممكن كما قيل :ادل دليله لي
إمكان وقوع الشيء حصوله . فمنشؤه باطل بالقياس الاستثنائي . لأنه لو كان ممتنعاً
لما حصل , وقد حصل ,أذن هو ليس بممتنع , وإن اريد العهد أي من كان في ذلك الحين ,
فهو أيضاً غير محتمل , بنفس التقريب . للدخول كثير منهم في الإسلام
وإن
أريد الجنس , القيد , كأبي لهب , فهذا الاختصاص يحتاج الى اقرينة وهي مفقودة
.
المستوى الثاني : يعرض كأطروحة , وهو فهم القضية الحيثية , وانها ليست قضية جزمية
, أو قل : إنها قضية إقضائية لا علية
.
يعني
ان الكفار من حيث هو كافر وبصفته كافراً لا يعبد الله ز
فالكفر مقتضى لعدم عبادة الله وليس علة تامة لذلك . ويشابه في القضايا الموجهات
قولهم : الإنسان متحرك الأصابع مادام كاتباً . أي بصفته كاتباً
.
فأن
قلت : انها تكون عندئذ بمنزلة القضية بشرط المحلول . كما لو قلنا : يا أيها
الكافرون انتم لا تعبدون الله بصفتكم كافرين . فتصبح الجملة منحلة الى عدة قضايا
بشرط المحمول مثل قولنا : يا أيها الكافرون انتم كافرون . يا من لا تعبدون الله
انتم لا تعبدون الله وهكذا
.
قلت :
ان المحمول يختلف عن الموضوع . لأن الكفر ليس مجرد عدم الإيمان بالله تعالى بذاته
. بل هو عقائد مستقلة ,وهو معنى قائم بذاته , له نواح اثباتية كالإيمان بموسى
وعيسى عليهم السلام . ونواحٍ سلبية ( أو نفي) كعدم الإيمان بالتوحيد وبالرسالة
المحمدية وبالقرآن . وهكذا
.
وهذا
ما تؤكده السورة ويدل عليها سياقها . والهدف الذي قلنا انه أنزلت السورة من اجله
. وهو المفارقة والمزايلة ين الحق والباطل
.
والسياق مع القرائن المتصلة تدعم هذا تأييد هذا الهدف , وهو إن الكفار من حيث
كونهم كفاراً لا يؤمنون بالله والمؤمنون من حيث كونهم لا يعبدون الأصنام كائنا ما
كان ذاك الصنم . وهو يؤيد ما روي ( فسطاط إيمان لا كفر فيه وفسطاط كفر لا إيمان
فيه ) أما قوله تعالى : (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ) (يّـس:7) ........الآية , فهو صحيح , سواء قصد الكلي أو الجزئي .لان
عدم الهداية بمنزلة المعلول أو بمنزلة العقوبة لافعالهم السابقة , ومن المعلوم :
إن الأكثر هنا لا يراد به ظاهراً أناس معنيون
.
وأما
قوله تعالى : (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ) (يّـس:10) .فيراد به المتعصبون
.
........................
(1)
ج20 ,
ص 374 .
وهو
صادق سواء كان المراد : الجزئي أو الكلي
فإن
قلت : انه في هذه السورة يراد المتعصبون أيضاً
.
قلت :
يحتاج ذلك الى قرينة وهي مفقودة
.
فإن
قلت : ان القرينة هناك أيضاً مفقودة
.
قلت :
إن قوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ قرينة عليه
.
فإن
قيل : ان ظهور (لا ) بالاستقبال دال عليه
.
قلنا
: هذا لا يكفي لأن ظهورها بالاستقبال يكفي فيه يوم واحد . واما استفادة التأييد ,
فهو غير محرز إلا بالاطلاق . فنفهم من الإطلاق أمراً عقائدياً مهماً مخالفاً
للواقع .فهذا غير ممكن , بخلاف الآيتين فيهما قرائن لفظية
.
سؤال
: لماذا قال الله تعالى : (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) ولم يقل ( من
) مع انه القياس ؟
جوابه
لعدة وجوه :
الوجه
الأول: ما اختاره الرازي في هامش العكبري (3) وصاحب الميزان (4) بما مضمونه : ان
ذلك لأجل حفظ السياق اللفظي , فلو أبدلها ب( من ) لاختل السياق
.
........................
(3)ج20
, ص 158.
(4)
ج20 ,
ص 274 .
الوجه
الثاني : ما ذكره الرازي (1) أيضا في أن (ما) أي لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون
عبادتي .
الوجه
الثالث : ان قوله : ما اعبد وما تعبدون . لا يتعين فيها شيء واحد وأمر فارد . بل
هو أشياء كثيرة . فنحمل العبادة هنا على معنى الطاعة فيكون المطاع من عدة أمور من
كلا الجانبين
.
ففي
جانب الكفر , يكون المطاع : الشيطان والشهوات والأصنام وحب الدنيا والطواغيت .
وغيرها .
أما
في في جانب الحق , فالمطاع القرآن والوحي والتشريع والمعصومون ونحوها
.
ففي
كلا الجانبين هناك من يعقل ومن لا يعقل , والمركب ممن يعقل ومالا يعقل , لا يعقل
لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين . ولذا عبر ب (ما) التي هي لمن لا يعقل
.
الوجه
الرابع : إرجاع الموصول إلى المعبود بصفته معبوداً , لا بصفته شخصاً
والسؤال إنما يتوجه باعتبار إن الموصولة يراد بها الله تعالى أي ( عابدون لله )
وفي هذا الوجه تعود الى عنوان المعبود
.
وهذا
هو الموافق مع ظاهر مادة أعبد و ومفادها كلي العبادة , فيكون المراد من الموصول
كلياً , والكلي لا يعقل . ويكون المعنى : انتم لا تعبدون معبودي وأنا لا أعبد
معبودكم.
الوجه
الخامس : أن ل (من ) الموصولة حدين : حد أدنى وهو المشهور , حيث قالوا : أنها لمن
يعقل ولغير العاقل . وحداً أعلى , وهو ما نعبر عنه بعالم الخلق أو عالم الإمكان
أو عالم المحدودية
.
أما
ما كان أعلى من هذه العوالم الثلاث وهي الإمكان والخلق والمحدودية , فهو خارج عن
حد ( من ) الموصولة . وهو الله تعالى . فانه أعلى من عالم الإمكان لانه واجب
الوجود , وأعلى من عالم الخلق لانه الخالق . واعلى من عالم المحدودية . لانه
متناهي بذاته وصفاته . إذن فهو أعلى من أن نعبر عنه ب(من) لأنه أعظم من كل من ((
يعقل))
إذن ,
فمن , حدها الأدنى البهائم , وحدها الأعلى من كانت حكمته وعقله غير محدود . فلا
نعبر عن كلا الحدين بمن التي هي للعاقل . فيتعين التعبير عنه بأسماء موصولة أخرى
.
فهذه
أيضاً أطروحة صالحة للجواب
.
سؤال
: هل إن ما موصولة أم مصدرية ؟ حيث قال العكبري (2) يجوز ان تكون ما بمعنى الذي
والعائد محذوف . وان تكن مصدرية ولا حذف . والتقدير: لا أعبد مثل عبادتكم
.
جوابه
: اننا نلاحظ هنا إن ما دخلت على الفعل المضارع ثلاث مرات , وعلى الماضي مرة
واحدة , فنحن بين أمرين
:
فأما
أن نقول : إن المصدرية كما تدخل على الفعل المضارع فإنها أيضاً تدخل على الفعل
الماضي , أو
إنها
لا تدخل على الفعل الماضي لأنها تسبك مع الماضي بمصدر
.
................................
(1)
ج20 ,
ص 158 . (2) ج2 ص158
إذن
فقوله : ما عبدتم , لا يمكن ان توكن مصدرية
.
فمن
اجل وحدة السياق اما ان تكون كلها مصدرية او ان تكون كلها موصولة . ولا يمكن
التاغير بينهما ومادام احدهما متعيناً بالموصلية ,وهي الداخلة على الفعل الماضي ,
فنحمل الباقي الذي هو مشكوك على ما هو متيقين . فتكون كلها موصولة , وليس فيها
مصدرية .
سؤال
: قواه تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ . قد يقال : إنه يعطي إشعاراً
باقرار الدين الذيث هم عليه . بل أكثر من ذلك , وهو عدم الأمر بالخروج منه , وعدم
المنازعة فيه . فهل هذا هو المقصود أم لا ؟
جوابه
: إن ذلك على خلاف الحال القطعي للرسول (ص) وعقيدته ودعوته وحروبه وتكسيره
الأصنام . مثل قوله تعالى : (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا
تَعْمَلُونَ) (يونس:41)
وهذا
ما التفت اليه صاحب الميزان حيث قال (3) : فالدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن ,
تدفع ذلك أساساً
.
الوجه
الثاني : قال في الميزان (4) : وقيل : الدين في الآية بمعنى الجزاء والمعنى :لكم
جزاؤكم ولي جزائي
.
...............................
(1)
ج20,
ص 158.
(2)
ج20 ,
ص 374 .
(3)
ج20 ,
ص 375 .
أقول
: يعني لكم ولي يوم للإدانة وتحمل المسؤولية ويوم للثواب والعقاب وهذا معنى جيد ,
ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال
.
فأن
هؤلاء الكفار المخاطبين بهذه السورة لا دين لهم , أي ليس لهم مبدأ وعقيدة , وكل
فكرهم خراب لا أهمية له . وذلك بأحد تقريبين
:
التقريب الأول : أن الدين هو الدين السماوي . وأما المخترعات الأرضية الدنيوية ,
كالماركسية وغيرها , فليست بدين . بل تكون كقوله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا
أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا
مِنْ سُلْطَانٍ )(لنجم: من الآية23) فيكون الدين بالنسبة إليهم سالبة بانتفاء
الموضوع .
وهذا
يقرب إن المقصود في الآية التي هي محل الكلام من الدين ليس العقيدة , بل الجزاء
.
التقريب الثاني : إن الدين أصول وفروع أو عقيدة وتشريع أو فقه . وأما الآراء التي
لا تقبل الأصول والفروع . فهي بمنزلة التسيب عملياً وفقهياً وسلوكاً , فهم لا دين
لهم . بل يكون أيضاً بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع . فيتعين معنى الجزاء
.
الوجه
الثالث : ان اللام في قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ , ليس للإقرار بل للاختصاص .
وهناك قرينتان على ذلك
:
الأولى : قرينة عامة , وهو هدف السورة , كما عرفنا , وهو الفرقة والانعزال بين
الحق والباطل . والسياق العام للسورة حال على ذلك , مضافاً إلى الظهور اللغوي
فأهل الباطل مختصون بكفرهم لا انهم مقرون عليه
.
الثانية: قرينة خاصة , وهي ظهور اللام بالاختصاص لغة . وهذا ما يدم القرينة
العامة .وليس في العبارة ما هو زائد على ذلك ليدل على الإقرار , بأي حال
.
تمت
هذه السورة والحمد لله رب العالمين