مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن

الجزء التاسع

 

سورة الكافرون
في تسميتها عدة أطروحات :
الأولى :الكافرون .وبذلك تكون ذات اسم متدني . لانه منسوب إلى قوم متدنين .ولا يجوز أن نقول سورة الكافرين,لان المراد اللفظ لا المعنى .لأن السورة ضد الكافرين وليست معهم .
وبتعبير أخر : إن انتساب إلى شئ أخر يتحقق بكونه ملكاً له أو معلولاً له . ولايمكن القول بذلك اتجاه هذه السورة . فإذا قلنا سورة الكافرين فقد نسبناها إليهم بوجه ما ,وهو واضح الفساد .
الأطروحة الثانية :ما فعله الشريف الرضي في كتابه حقائق التأويل من القول إنها : السورة التي ذكر فيها الكّافرُنّ .وبذلك يندفع الإشكال المسجل على الأطروحة الأولى .
الأطروحة الثالثة : أن يشار إلى السورة برقمها في المصحف الشريف وهو : 109 .
سؤال :ما هو سبب في تكرار الآية : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ؟
وبذلك نكون قد بدأنا بأوضح واهم الاستفسارات في هذه السورة المباركة .
جوابه :من اكثر من وجه واحد :
الوجه الأول : التأكيد . وهو ما ذكرته مصادر المفسرين واكدت عليه . ومع ذلك فيمكن ان نقول : ان التكرار يحتاج الى سبب فما هو ؟ ولماذا بهذا الأسلوب دون غيره ؟
ولتوضيح الجواب نحتاج الى مقدمات :
المقدمة الأولى : اننا قلنا في المقدمة :ان الأعم الأغلب من سور القرآن الكريم ليس لها هدف معين ,او لا يمكن التعرف على هدفها على الأقل .لكن قلنا ان بعض السور وخاصة القصار منها . تكون واضحة الهدف .وسورة الكافرون منها . فأن سيقها واحد وبيانها وغرضها واحد .
المقدمة الثانية : في بيان صغرى هذه الكبرى .وهو السؤال عن هدف هذه السورة .فنقول :هو المزايلة والمباينة بين أهل الحق وأهل الباطل . كما ورد في بعض الأخبار (( فسطاط إيمان لا كفر فيه , وفسطاط كفر لا إيمان فيه )) فهما منفصلان ومتباينان , لا يكمن الانفصال التام واللانهائي بين الحق والباطل .
ان قلت : ان قصدنا من المعبود :الله .فهو معبود الجميع .بل هو معبود عبدة الأصنام ايضاً ,كما قال سبحانه :مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى(الزمر: من الآية3). وإن قصدنا الهوى والنفس والشيطان .فهو معبود الجميع أيضاً , كقوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)(الجاثـية: من الآية23)وهو معنى شامل حتى للمسلمين .فليس هناك مباينة ومفارقة بين الطائفتين . فيكون قوله سبحانه (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ.وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) مجملا غير واضح المعالم .
قلت : جواب ذلك مستويين :
المستوى الأول : إن الملحوظ بالدقة القرآنية هما الجانبان المستقطبان . وهما الكفر الخالص والإيمان الخالص .وما لدى الأعم الأغلب من المسلمين :إيمان مشوب بكفر .وما لدى الكافرين كفر مشوب بإيمان .فهنا يعطي القرآن النموذج المثالي , وهو الكفر الذي لا إيمان معه والإيمان الذي لا كفر فيه ,وهذان لا يجتمعان أبداً .
المستوى الثاني :أن ننظر إلى الجانب المختلط بين الكفر والإيمان على إختلاف درجاته .ومع ذلك فهؤلاء مؤمنون وإن عبدوا الهوى والشيطان . لأن هدفهم عبادة الرحمن وأولئك كفار وإن عبدوا الله تعالى, لأن هدفهم الحقيقي هو العصيان والشيطان . فهنا قد نظر القرآن إلى الهدف الحقيقي الأساسي لكلا الفريقين . فالمباينة والمفارقة موجودة .وهدف السور بيان ذلك .
المقدمة الثالثة : ان التأكيد قد يحصل بالتكرار مرتين إلا إن أقصى التأكيد هو التكرار ثلاث مرات . وبذلك يدهم الخاطب به وأما التكرار أكثر من ثلاث مرات فسيكون سمجأ عرفا وذوقاً . بخلاف المرات الثلاث .فإنها تفيد التركيز الشديد , مع الموافقة للفصاحة والبلاغة.والتأكيد في القرآن الكريم قد يكون بالتكرار , وقد يكون بغيره . وهنا قد اختار الله سبحانه التكرار , لأجل زيادة التوضيح وقد ورد ذلك في موارد أخرى من القرآن كقوله سبحانه : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (التكاثر:4) . وقوله :فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر:20) .
والتكرار في هذه السورة ثلاث مرات . لا مرة واحدة كما قد يخطر بالبال .
فقوله : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ كرر مرتين بنفس اللفظ .
لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . مكرر مع مغايرة اللفظ في قوله تعالى :ولا أنا عابد ما عبدتم .
وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .هو بمنزلة التكرار لكل منهما فيكون كل وجه مكرر ثلاث مرات .
وبعد الاجتماع هذه المقدمات الثلاث , نقول : هذه التكرارات الثلاث , هي أقصى مقدار من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين و أو قل هي أقصى مقدار من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين , أو قل : هدف المؤمنين وهدف الكافرين , وهو أمر مهم بدرجة عالية جداً , لا يمكن التقصير فيه أو التغافل عنه . فإنه لا يوجد هدف أعلى من عبادة الله الواحد الأحد . وأكثر مضادة من الشرك الكامل والصريح . وبما إن هذه المباينة موجودة , فهي تستحق التأكيد والتكرار . سيكون هذا الوجه صحيحاً , وإن لم تكن الوجوه الأخرى الآتية .
الوجه الثاني :ما ذكره القاضي عبد الجبار , حيث قال (4) : انه لا تكرار في ذلك , لان قوله تعالى : لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . المراد به المستقبل وقوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ المراد بها الحال . وقوله تعالى : وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ , المراد به المستقبل وفي الحال . أي لا أعبد ما تقدمت عبادتكم له . ومن يعد ذلك تكراراً . فمن قلة معرفته وتدبره لأنه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمل المعنى .
أقول يرد عليه عدة إشكالات :
أولاً : ان هذه القيود التي ذكرها , غيره ظاهرة من العبارة القرآنية . بل لعل الظاهر خلافه . فكلامه مجرد إقتراح بلا قرينة . وإنما ينبغي ان يكون ما ذكره مطابقا لظاهر القرآن . وهذا ليس كذلك .
ثانياً : انه لم يعين رجوع الحال والاستقبال الى أي من المجموعتين . من حيث انه يعود الى عبادة الواحدة أو العبادتين . أو إن أحدهما للحال والأخر للاستقبال , أو ان كليهما للحال , أو كليهما للاستقبال .
ثالثاً : انه لم يجب عن التكرار الأخر في قوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وهو عين الآية الثانية . فانه تكرار باللفظ نفسه . فلا يحتمل ان يراد به شيئاً أخر غير ما قصد بالسابق من الزمان والمكان . ولم يتعرض لها بشيء , بالرغم من قوله : ومن يعد ذلك تكراراً , فمن قلة معرفته وتدبره . لانه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمل المعنى . وجوابنا : إن المعنى يستفاد من اللفظ . فإذا تكرر اللفظ تكرر المعنى , لان اللفظ دال على المعنى وليس مهملا . فإذا تكرر الدوال تكررت المدلولات , وهي المعاني .
الوجه الثالث : أن ننظر إلى العبادة والمعبود كمعنى مصدري . فهناك عبادتان ومعبودان : الله وعبادته والأصنام وعبادتها . وفي السورة أربع آيات , خص كل واحدة منها بواحدة . وبيان ذلك يتوقف على مقدمة . وحاصلها : إن ( ما ) إما موصولة أو مصدرية . فإن كانت موصولة كانت بمعنى المعبود , أي المعبود الذي تعبدونه . وإن كانت مصدرية كانت بمعنى العبادة أي :لا أعبدُ عبادتكم ولا انتم تعبدون عبادتي .فتوزع المطالب الأربعة على الآيات الأربعة , ولا يحصل تكرار أصلاً .( يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وهذه مصدرية لا أعبد عبادتكم , (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهي مصدرية أي عبادتي (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) وهما موصولة بمعنى معبودكم (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) موصولة بمعنى معبودي .
ويمكن فهم المعنى بالعكس . بالنسبة إلى المصدرية والموصولة , فنجعل ما موصولة في الآية الأولى والثانية ومصدرية في الثالثة والرابعة .
ويكون قوله : , (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) مكرراً لفظاً لا معنى , فيندفع ما ذكرناه من الإشكال على القاضي عبد الجبار .
الإ إن هذا الوجه قابل للمناقشة : فلإن توزيع ما الصدرية والموصولة, بهذا الترتيب او ذاك , أمر اقتراحي لاجل تصحيح السياق ليس إلا . ولا توجد قرائن متصلة عليه .
مضافاً الى السياق يدل على وحدة المدلول . ووحدة السياق قرينة ظهورية صحيحة في علم الأصول .فاما ان نحمل ( ما ) على الموصولية في جميع الآيات , او نحملها على المصدرية , فيرجع التكرار في كلتا الحالتين .
فإن قلت : إن التكرار لغوي ولا يصدر منه سبحانه .
قلت : ان اللغوية إنما تعين هذا الوجه مع الانحصار به . وليس الأمر كذلك لصحة بعض الوجوه الأخرى غير هذا الوجه , كما سبق .
الوجه الرابع : إن الاشتقاق يختلف . فإذا أختلف اختلف معنى المادة . فإن احدهما فعل نضارع وهو( لاَ أَعْبُدُ ) والأخر وهو قوله (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) وباختلاف الاشتقاق , نحصل على عدة نتائج في مصلحة تغير المعنى وعدم التكرار .
الأولى : الفرق اللغوي واختلاف الانطباع العرفي , بينهما .
الثانية : إن الفعل المضارع يفيد الاستقبال .واسم الفاعل يفيد الحال .
الثالثة : إن الفعل المضارع يفيد التأييد بإطلاقه , يعني لا أعبد إلى الأيد أو إلى الأزل , وهذا ما لا يفيده أسم الفاعل .
فأي من هذه النتائج أخذنا به , كان في مصلحة عدم التكرار , لولا وجود التكرار اللفظي الكامل في قوله تعالى ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) وهو ما لا يشمله هذا الوجه ف يكون تاما في نفسه .
الوجه الخامس : إن الاشتقاق هنا يلاحظ بشكل أخر . ف( تَعْبدون ) فعل مضارع يفيد الحال. و( عَبَدْتُم ) فعل ماضي . , ومعناه وانطباعه اللغوي يختلف , بطبيعة الحال . فلا يوجد تكرار من هذه الناحية .
ويرد عليه نفس الإشكال السابق , من ان قوله: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) مكررة بنفس اللفظ والمعنى ,فلا يصلح ان يكون وجهاً مستقلاً .
وهنا بعض الأطروحات للتركيب لبن هذه الوجوه السابقة .
الأطروحة الأولى : ان يكون التركيب المقترح كمايلي : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ , لا أَعْبُدُ ( في المستقبل ) وَلا أَنَا عَابِدٌ( الآن ) مَا عَبَدْتُمْ ( في الماضي ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ (الآن ) مَا أَعْبُدُ ( في المستقبل ) .
إلا إن هذا بمجرده غير كاف. لأنه تفصيل اقتراحي غير منضبط . بل قد يشوه السياق . ولا اعتقد إن هذه المضامين مقصودة للحكيم تعالى .
الأطروحة الثانية : انه لا يراد من ذلك الماضي والمستقبل . وإنما يراد به مطلق الشأنية المنسلخة عن الزمان والمكان .
فهذه الألفاظ : عبد , عابد , تعبدون عبدتم , ألفاظ لغوية وبيانات تدل على معنى اعمق من سطحها وتفصيلها العرفية , وهو معنى الشانية . ويكون المعنى :انه ليس من شأنهم أن يعبدوا الله كما ليس من شأن النبي (ص) ن يعبد الأصنام .
وأما التعبير بالماضي أو الحال أو اسم الفاعل ونحو ذلك , فلا أهمية له .بل المهم الفارقة والمزايلة بين فسطاطين من القلوب , وليس من شأن أي واحد منهما أن يدخل في الأخر .
فان أخذنا بنظر الاعتبار إن التكرار , كان لاجل التأكيد الشديد , كما قلنا في الوجه الأول ,صح ذلك تماما. وإلا لم يتم . لان التكرار بالشأنية سيكون بلا موجب , واختلاف الزمان لا اعتبار به ,كما مال اليه القاضي عبد الجبار (1) . وهنا نلاحظ أمرين :
الأمر الأول : أن قوله ( ولا انتم عابدون ما أعبد ) فيه دلالة على ما يعبده النبي (ص) واحد . لذا تم تكراره باللفظ لعدم وجود دال آخر عليه . بخلاف الطرف الأخر أي الكفار .فأن ما يعبده الكفار متعدد .كالأصنام والنفس قال تعالى : )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ )(الجاثـية: من الآية23) والشياطين قال تعالى )وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)(الأنعام: من الآية121) وغيرها , ولذا ورد بصيغة المضارع تارة , وبصيغة الماضي تارة أخرى .فان عبادة كهذه تكون بحسب الشهوة والمصلحة الدنيوية , فيعبد شيئاً في الماضي , ثم يعبد شيئا اخر في المستقبل , وهكذا .
.........................
(1)
يعني انه مال الى اعتبار الزمان كما سبق ....
الأمر الثاني : قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ,يُعَدَّ تكراراً بحسب المعنى العام للسورة .ويفيد التأكيد تأكيداً . وبحسب البلاغة ينبغي تغير العبارة بتغير اللفظ . فهو بمنزلة النتيجة للمقدمات التي سبقته . يعني : بما إنكم لا تعبدون ما أعبد وبما اني لا أعبد ما تعبدون . أذن لكم دينكم ولي دين .
وها يرد سؤال : انه قد يستشعر إمضاء أديان الكافرين . وسيأتي جوابه عند الحديث عن هذه الآية الكريمة .
هذا كله , بالنسبة للمضمون العام للسورة , وهو التكرار , وندخل الان في تفاصيل السورة , ضمن الأسئلة الآتية :
سؤال : لماذا قال : يا أيها , ولم يقتصر على حرف النداء أو أحد هذين اللفظين ؟
جوابه :حسب فهمي : ان يا للنداء , أما ( أيها ) فهي ليس للنداء بل هي وصلة وتسبيب لدخول حرف النداء . فلا تصلح للنداء وحدها . وإن حصلت وحدها كانت بتقدير الحرف قبلها لا محاله .
فمدخول ( يا ) هو كلمة خالية من الآلف واللام . أما المعرف بها , فلا يمكن أن يكون مدخولا لها , فتأتي أيها لأجل التوصل الى ذلك . وهذا بحسب الذوق العربي , واضح . وبحسب استقراء الاستعمالات القرآنية , إن أيها لم تأتي مفردة , وإنما جاءت مدخولا لحرف النداء .
إذن , فلا بد من وجود الاثنين , ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الأخر .
سؤال :هل ان ظهور القرآن في هذه السورة يدل على الجبر ؟
هذه الشبهة مأخوذة من بعض ما قلناه ,وما قاله صاحب الميزان قدس سره , فلا بد من ذكر لمقدمات , لفهم هذه الشبهة . ومن ثم الإجابة عليها .
المقدمة الأولى :الظهور بالشأنية وهذا ما قلناه من ان شأن الكافرين ان لا يؤمنوا وأن لا يعبدوا ما يعبد الرسول (ص) , وهو التوحيد . وليس المراد الفعلية والعمل والسلوك . بل المراد من شأنهم حالهم وديدينهم. فإن الحال والديدن من قبيل اللازم الذي يصعب تغيره . وهذا يعطي إشماماً بالجبر .
واوضح منه :
المقدمة الثانية : وهو ما ذكره صاحب الميزان , وهو من غرائبه قدس سره . حيث قال(1): ( لا اعبد ) نفي استقبالي , فإن (لا ) لنفي الاستقبال , كما ان ( ما ) لنفي الحال . والمعنى لا أعبد أبداً ما تعبدون اليوم من الأصنام .
أقول : فيكون هذا المعنى على هذا التقدير : ان النبي (ص) سوف لن يعبد ما يعبد الكفار .وهو صحيح . زلكن العكس لا يصح أي : ان الكفار سوف لن يعبدوا اللع تعالى .فظهور (لا) للتأييد والاستقبالية المؤبدة مشعر بالجبر . فهل هذا صحيح ؟
جوابه إن القرآن غير ظاهر بالجبر. وذلك على عدة مستويات :
المستوى الأول : إن المراد بالكافرين , أما الكلي أو الجزئي . لأن الألف وللام اما جنسية أو عهدية . فإن دل على الجنس دل على امتناع دخول كل كافر في الإسلام . وهو غير محتمل , بل دخولهم حاصل , وكل ما هو حاصل ممكن كما قيل :ادل دليله لي إمكان وقوع الشيء حصوله . فمنشؤه باطل بالقياس الاستثنائي . لأنه لو كان ممتنعاً لما حصل , وقد حصل ,أذن هو ليس بممتنع , وإن اريد العهد أي من كان في ذلك الحين , فهو أيضاً غير محتمل , بنفس التقريب . للدخول كثير منهم في الإسلام
وإن أريد الجنس , القيد , كأبي لهب , فهذا الاختصاص يحتاج الى اقرينة وهي مفقودة .
المستوى الثاني : يعرض كأطروحة , وهو فهم القضية الحيثية , وانها ليست قضية جزمية , أو قل : إنها قضية إقضائية لا علية .
يعني ان الكفار من حيث هو كافر وبصفته كافراً لا يعبد الله ز
فالكفر مقتضى لعدم عبادة الله وليس علة تامة لذلك . ويشابه في القضايا الموجهات قولهم : الإنسان متحرك الأصابع مادام كاتباً . أي بصفته كاتباً .
فأن قلت : انها تكون عندئذ بمنزلة القضية بشرط المحلول . كما لو قلنا : يا أيها الكافرون انتم لا تعبدون الله بصفتكم كافرين . فتصبح الجملة منحلة الى عدة قضايا بشرط المحمول مثل قولنا : يا أيها الكافرون انتم كافرون . يا من لا تعبدون الله انتم لا تعبدون الله وهكذا .
قلت : ان المحمول يختلف عن الموضوع . لأن الكفر ليس مجرد عدم الإيمان بالله تعالى بذاته . بل هو عقائد مستقلة ,وهو معنى قائم بذاته , له نواح اثباتية كالإيمان بموسى وعيسى عليهم السلام . ونواحٍ سلبية ( أو نفي) كعدم الإيمان بالتوحيد وبالرسالة المحمدية وبالقرآن . وهكذا .
وهذا ما تؤكده السورة ويدل عليها سياقها . والهدف الذي قلنا انه أنزلت السورة من اجله . وهو المفارقة والمزايلة ين الحق والباطل .
والسياق مع القرائن المتصلة تدعم هذا تأييد هذا الهدف , وهو إن الكفار من حيث كونهم كفاراً لا يؤمنون بالله والمؤمنون من حيث كونهم لا يعبدون الأصنام كائنا ما كان ذاك الصنم . وهو يؤيد ما روي ( فسطاط إيمان لا كفر فيه وفسطاط كفر لا إيمان فيه ) أما قوله تعالى : (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يّـس:7) ........الآية , فهو صحيح , سواء قصد الكلي أو الجزئي .لان عدم الهداية بمنزلة المعلول أو بمنزلة العقوبة لافعالهم السابقة , ومن المعلوم : إن الأكثر هنا لا يراد به ظاهراً أناس معنيون .
وأما قوله تعالى : (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يّـس:10) .فيراد به المتعصبون .
........................
(1)
ج20 , ص 374 .
وهو صادق سواء كان المراد : الجزئي أو الكلي
فإن قلت : انه في هذه السورة يراد المتعصبون أيضاً .
قلت : يحتاج ذلك الى قرينة وهي مفقودة .
فإن قلت : ان القرينة هناك أيضاً مفقودة .
قلت : إن قوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ قرينة عليه .
فإن قيل : ان ظهور (لا ) بالاستقبال دال عليه .
قلنا : هذا لا يكفي لأن ظهورها بالاستقبال يكفي فيه يوم واحد . واما استفادة التأييد , فهو غير محرز إلا بالاطلاق . فنفهم من الإطلاق أمراً عقائدياً مهماً مخالفاً للواقع .فهذا غير ممكن , بخلاف الآيتين فيهما قرائن لفظية .
سؤال : لماذا قال الله تعالى : (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) ولم يقل ( من ) مع انه القياس ؟
جوابه لعدة وجوه :
الوجه الأول: ما اختاره الرازي في هامش العكبري (3) وصاحب الميزان (4) بما مضمونه : ان ذلك لأجل حفظ السياق اللفظي , فلو أبدلها ب( من ) لاختل السياق .
........................
(3)
ج20 , ص 158.
(4)
ج20 , ص 274 .
الوجه الثاني : ما ذكره الرازي (1) أيضا في أن (ما) أي لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي .
الوجه الثالث : ان قوله : ما اعبد وما تعبدون . لا يتعين فيها شيء واحد وأمر فارد . بل هو أشياء كثيرة . فنحمل العبادة هنا على معنى الطاعة فيكون المطاع من عدة أمور من كلا الجانبين .
ففي جانب الكفر , يكون المطاع : الشيطان والشهوات والأصنام وحب الدنيا والطواغيت . وغيرها .
أما في في جانب الحق , فالمطاع القرآن والوحي والتشريع والمعصومون ونحوها .
ففي كلا الجانبين هناك من يعقل ومن لا يعقل , والمركب ممن يعقل ومالا يعقل , لا يعقل لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين . ولذا عبر ب (ما) التي هي لمن لا يعقل .
الوجه الرابع : إرجاع الموصول إلى المعبود بصفته معبوداً , لا بصفته شخصاً
والسؤال إنما يتوجه باعتبار إن الموصولة يراد بها الله تعالى أي ( عابدون لله ) وفي هذا الوجه تعود الى عنوان المعبود .
وهذا هو الموافق مع ظاهر مادة أعبد و ومفادها كلي العبادة , فيكون المراد من الموصول كلياً , والكلي لا يعقل . ويكون المعنى : انتم لا تعبدون معبودي وأنا لا أعبد معبودكم.
الوجه الخامس : أن ل (من ) الموصولة حدين : حد أدنى وهو المشهور , حيث قالوا : أنها لمن يعقل ولغير العاقل . وحداً أعلى , وهو ما نعبر عنه بعالم الخلق أو عالم الإمكان أو عالم المحدودية .
أما ما كان أعلى من هذه العوالم الثلاث وهي الإمكان والخلق والمحدودية , فهو خارج عن حد ( من ) الموصولة . وهو الله تعالى . فانه أعلى من عالم الإمكان لانه واجب الوجود , وأعلى من عالم الخلق لانه الخالق . واعلى من عالم المحدودية . لانه متناهي بذاته وصفاته . إذن فهو أعلى من أن نعبر عنه ب(من) لأنه أعظم من كل من (( يعقل))
إذن , فمن , حدها الأدنى البهائم , وحدها الأعلى من كانت حكمته وعقله غير محدود . فلا نعبر عن كلا الحدين بمن التي هي للعاقل . فيتعين التعبير عنه بأسماء موصولة أخرى .
فهذه أيضاً أطروحة صالحة للجواب .
سؤال : هل إن ما موصولة أم مصدرية ؟ حيث قال العكبري (2) يجوز ان تكون ما بمعنى الذي والعائد محذوف . وان تكن مصدرية ولا حذف . والتقدير: لا أعبد مثل عبادتكم .
جوابه : اننا نلاحظ هنا إن ما دخلت على الفعل المضارع ثلاث مرات , وعلى الماضي مرة واحدة , فنحن بين أمرين :
فأما أن نقول : إن المصدرية كما تدخل على الفعل المضارع فإنها أيضاً تدخل على الفعل الماضي , أو
إنها لا تدخل على الفعل الماضي لأنها تسبك مع الماضي بمصدر .
................................
(1)
ج20 , ص 158 . (2) ج2 ص158
إذن فقوله : ما عبدتم , لا يمكن ان توكن مصدرية .
فمن اجل وحدة السياق اما ان تكون كلها مصدرية او ان تكون كلها موصولة . ولا يمكن التاغير بينهما ومادام احدهما متعيناً بالموصلية ,وهي الداخلة على الفعل الماضي , فنحمل الباقي الذي هو مشكوك على ما هو متيقين . فتكون كلها موصولة , وليس فيها مصدرية .
سؤال : قواه تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ . قد يقال : إنه يعطي إشعاراً باقرار الدين الذيث هم عليه . بل أكثر من ذلك , وهو عدم الأمر بالخروج منه , وعدم المنازعة فيه . فهل هذا هو المقصود أم لا ؟
جوابه : إن ذلك على خلاف الحال القطعي للرسول (ص) وعقيدته ودعوته وحروبه وتكسيره الأصنام . مثل قوله تعالى : (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس:41)
وهذا ما التفت اليه صاحب الميزان حيث قال (3) : فالدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن , تدفع ذلك أساساً .
الوجه الثاني : قال في الميزان (4) : وقيل : الدين في الآية بمعنى الجزاء والمعنى :لكم جزاؤكم ولي جزائي .
...............................
(1)
ج20, ص 158.
(2)
ج20 , ص 374 .
(3)
ج20 , ص 375 .
أقول : يعني لكم ولي يوم للإدانة وتحمل المسؤولية ويوم للثواب والعقاب وهذا معنى جيد , ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال .
فأن هؤلاء الكفار المخاطبين بهذه السورة لا دين لهم , أي ليس لهم مبدأ وعقيدة , وكل فكرهم خراب لا أهمية له . وذلك بأحد تقريبين :
التقريب الأول : أن الدين هو الدين السماوي . وأما المخترعات الأرضية الدنيوية , كالماركسية وغيرها , فليست بدين . بل تكون كقوله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )(لنجم: من الآية23) فيكون الدين بالنسبة إليهم سالبة بانتفاء الموضوع .
وهذا يقرب إن المقصود في الآية التي هي محل الكلام من الدين ليس العقيدة , بل الجزاء .
التقريب الثاني : إن الدين أصول وفروع أو عقيدة وتشريع أو فقه . وأما الآراء التي لا تقبل الأصول والفروع . فهي بمنزلة التسيب عملياً وفقهياً وسلوكاً , فهم لا دين لهم . بل يكون أيضاً بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع . فيتعين معنى الجزاء .
الوجه الثالث : ان اللام في قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ , ليس للإقرار بل للاختصاص . وهناك قرينتان على ذلك :
الأولى : قرينة عامة , وهو هدف السورة , كما عرفنا , وهو الفرقة والانعزال بين الحق والباطل . والسياق العام للسورة حال على ذلك , مضافاً إلى الظهور اللغوي فأهل الباطل مختصون بكفرهم لا انهم مقرون عليه .
الثانية: قرينة خاصة , وهي ظهور اللام بالاختصاص لغة . وهذا ما يدم القرينة العامة .وليس في العبارة ما هو زائد على ذلك ليدل على الإقرار , بأي حال .
تمت هذه السورة والحمد لله رب العالمين