القسم الأول

 

في إرهاصات الظهور  ومقدماته

بما فيها من أسس عامة وظواهر خاصة .

وفيه بابان :

 

الباب الأول

في الاسس العامة لظهور المهدي (ع)

ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعد ، بما يحتويه من ظهور المهدي (ع) ودولته العالمية العادلة . ويتكون هذا الباب من عدة فصول :


الفصل الأول

ارتباط الظهور بالتخطيط الإلهي العام

 

يكون التخطيط الإلهي العام المنتج لشرائط الظهور، قد انتهى ، وتكلل بنتيجه الكبرى ، وهو حصول اليوم الموعد .

وحاصل الفكرة التي فصلناها في التاريخ السابق(1) : اننا انطلاقاً من قوله تعالى : ( وما خلقتُ الجن وَالإنسَ إلا ليَعْبُدُون)(2) نفهم : ان الغرض الإلهي الاسمى من ايجاد الخليقة . وامدادها بالادراك والاختيار ، هو التوصل بها إلى الكمال ، وهو تمحيض العبادة الحقيقة لله تعالى ، والغرض الإلهي لا يمكن ان يتختلف .

وقد ذكرنا هناك معنى العبادة الحقيقية(3) ... وبرهنا(4) على ان وجود هذا الهدف يتوفق على عدة شرائط ، هي كما يلي :

أولاً : وجود الاطروحة العادلة الكاملة المبلغة إلى البشر من قبل الله تعالى. لتكون هي القانون السائد في المجتمع .

ثانياً : وجود القيادة الحكيمة التي يقوم بتطبيق تلك الاطروحة في اليوم الموعود .

ثالثاً : وجود العدد الكافي من المخلصين المؤازرين للقائد بتطبيقه العالمي المنشود .

أما الشرط الأول : فقد خطط الله تعالى لا يجاده وتربية البشرية عليه . ضمن خط الانبياء الطويل ، حتى تكلل هذا التخطيط بالنجاح بانجاز هذا الشرط ضمن الاطروحة الاسلامية المبلغة من قبل خاتم الانبياء (ع) .
 

صفحة (33)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 233 وما بعدها الى عدة صفحات. (2) الذاريات:51/65. (3) تأريخ الغيبة الكبرى ص234

(4) المصدر 476 وما بعدها.


وقد سبق هناك ان برهنا ان الاطروحة العادلة الكاملة هي الاسلام(1) .

وأما الشرط الثاني : فقد وفره الله تعالى في المهدي (ع) كقائد امثل للبشرية ليكون هو المطبق لتلك الاطروحة الكاملة في اليوم الموعود . .  . واكد على بقائه الطويل خلال اجيال عديده من البشر . ذلك البقاء الذي سنرى في الفصل الآتي ، كونه ضرورياً لتولية القيادة المألولة في اليوم الموعود ، وقد اعطينا طرفا ً مختصراً عن ذلك في التاريخ السابق(2) .

وأما الشرط الثالث : فقد خطط الله تعالى لايجاده بعد الاسلام . فإن تربية الفرد على تفهم وتطبيق مناهج سابقة غير الاطروحة العادلة الكاملة . والتي سبق(3) ان برهنا على مرحليتها وضيق مضمونها باعتبار ان الذهن البشري لم يكن قابلاً لأكثر من ذلك . ان التربية على تفهم وتطبيق هذه المناهج مما لا يكون مجديا ً في تحقيق  العدل في اليوم الموعود .

وانما لا بد من تربية الامة الاسلامية على الاطروحة الكاملة نفسها . من حيث تفهمها واستيعاب مضمونها ـ من ناحية ـ والكفاءة لتطبيقها واطاعة مواد قانونها من ناحية ثانية . . . ليكون اللافذاذ الممحصين من هذه الامة شرف المشاركة في انجاز اليوم الموعود ، وتوطيد دعائم الدولة العالمية العادلة .

ومن هنا كان لا بد ان تمر الامة الاسلامية بخط طويل من التربية ، وبظروف معينة من الامتحان والتمحيص ، من الناحيتين الفكرية والعاطفية .

أما من الناحية الفكرية ، فتتربى الامة ، وبشكل غير مباشر كل البشرية . بما يقدمه لها المفكرون الاسلاميون من بحوث وتدقيقات لدينهم الحنيف ، لكي تكون الأمة ، ومن ثم : البشرية كلها ، على مستوى تفهم الافكار والتشريعات الجديدة التي تعلن في اليوم الموعود .

وأما التربية من الناحية العاطفية ، أي من جهة تعميق الايمان والاخلاص فالاسلوب الرئيسي لذلك : هو ان تمر الامة بظروف  صعبة من الظلم والمصاعب والانحراف ، ويكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف ، ويكون لدى النخبة الصالحة منها من الاخلاص والايمان وقوة الارادة ، بحيث يكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف رد فعل مخلص متضمن للتطبيق الكامل للاطروحة الكاملة ، او الإطاعة التامة للاسلام .

 

صفحة (34)
ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 261. (2) المصدر ص 501 وما بعدها. (3) المصدر ص 255 وما بعدها و ص 258 وما بعدها.

 

وتستمر التربية جيلا بعد جيل على هذا الاساس ، يتزايد خلالها هؤلاء الخلصون ، كما يتطرف العديدون إلى جانب الظلم والانحراف ، حتى يأتي اليوم الذي يتوفر العدد الكافي من هؤلاء المخلصين لقيادة اليوم الموعود وتنفيذه . وعندئذ يكون الوعد الإلهي ضروري التطبيق . بعد توفر شرائطة الثلاثة .

ومعه نستطيع ان نفهم بكل وضوح ، مدى ارتباط يوم الظهور الموعود بالتخطيط العام للبشرية ، فانه في الحقيقة هو اليوم الذي يتحقق فيه السبب الرئيسي لايجاد العبادة الكاملة لله تعالى في خلقة . . . وبايجاده يتحقق الهدف الاسمى لخلق البشرية ككل .

إذاً فيوم الظهور ، ليس يوماً ولا عرضاً عارضاً ، ولا ظاهرة موقتة ، وانما هو النتيجة الطبيعة المقصودة لله عز وجل من خلقة . وعلى طريقة كانت جهود الانبياء والأولياء والشهداء . اولئك الاعاظم الذين لم تتكمل جهودهم بالنتيجة الاساسية المأمولة في عصورهم ، بل بقيت مذخورة ومخططة لليوم الموعود .

 وعلى طريقة كانت تضحيات البشر والآمهم ، وما قاسوه من المصاعب والمصائب على مر التاريخ . وما مروا فيه من ظروف الظلم والعسف والنحراف . فهو غياث المستغيثين وامل الآملين ورافع كرب المكربين وظلم المظلومين ، ومحقق العدل العظيم .

وسيأتي فيما يلي من البحث، المزيد من التفضيل والايضاح لهذه الفكرة .
 

صفحة (35)
 

الفصل الثاني

في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور

بالنسبة إلى كل من الإمام المهدي (ع) نفسه ،
وبالنسبة إلى أصحابه وخاصته ،

وإلى الامة الإسلامية بشكل عام ، بل إلى البشر أجمعين
 

 تنقسم الغيبة الكبرى في مفهومها الضخم الذي حققناه في التاريخ السابق غلى ثلاثة مداليل :

المدلول الأول : تأجيل اليوم الموعود إلى امد بعيد ، وإلى موعد مجهول .

المدلول الثاني : طول عمر الامام القائد المذخور للمهمة ، ومعاصرة العالمية في اليوم الموعود . . . كما يقتضية الفهم الامامي للمهدوية ، معاصرة هذا القائد لتاريخ طويل واجيال كثيرة للامة الاسلامية .

المدلول الثالث : غيبة هذا القائد خلال ذلك ، وعدم اطلاع الناس على شخصه، ومكانه واسلوب حياته . . . بالمعنى الذي ذكرناه من الغيبة في التاريخ السابق(1). ولكل من هذه المداليل تأثيره الحقيقي الفعال في اليوم الموعود .

أما المدلول الأول : فهو مدلول ثابت ومنتج سواء على الفهم الامامي للمهدي او على الفهم الآخر . لان قضية التأجيل امر واضح للمسلمين عموماً من صدر الاسلام وإلى المستقبل .  .  . لا يختلف الحال فيه بين ان يكون القائد المهدي (ع) موجوداً خلال هذا الاجل الطويل او لم يكن ، او غائباً او ليس بغائب .


صفحة (37)
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص34


 

ولهذا المدلول ، اعني التأجيل الطويل ، فوائد المهمة وآثارة العميقة على اليوم الموعود والدولة العالمية، من عدة نواحٍ :

الناحية الأولى : مرور الامة الاسلامية بظروف التمحيص والاختيار . التي توضح حقيقة افرادها وتكشف عن ايمان المؤمنين فيها . وتجعلها على طريق  تعميق الاخلاص والوعي .

الناحية الثانية : ان ظروف التمحيص الطويل تنتج العدد الكافي من الافراد المخلصين الكاملين لغزو العالم بالعدل ، الذين يكون لهم شرف القيادة في اليوم الموعود . الأمر الذي عرفنا اهميته في التاريخ السابق مفصلاً.

الناحية الثالثة : ان هذه المدة الطويلة كفيلة باكمال تربية الاجيال من الناحية الفكرية والعاطفية او - بتعبير آخر : على فهم الاطروحة العادلة الكاملة ، أولاً ، والتدرب على اطاعتها والتضحية في سبيلها .

وقد سبق ان عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى فكرة مفصلة عن ذلك ـ وهذه التربية لا تختص بخصوص الممحصين الكاملين ، بل هي عامة تشمل سائر الأفراد على مختلف المستويات ، كما برهنا ، وهي تؤثر في الامة من زاوية جعلها على مستوى فهم القوانين والافكار والمفاهيم التي تعلن في الدولة العالمية والتي يكون اعلانها ضرورياً لاستتباب العدل الكامل في الارض .

وهذه النواحي الثلاث ، كما قلنا ، لا ترتبط بوجود الامام الغائب ، بل يمكن تصور انتاجها لفوائدها بدون الايمان بذلك ، طبقاً للتصور غير الامامي للمهدي  . . . حتى ما إذا علم الله تعالى إكماله للنتيجة بحسب ما هو المقصود في تخطيطه الطويل ، اوجد الامام المهدي في عصره ، فأخذ بقيادة الامة الاسلامية والبشرية إلى شاطئ العدل والسلام .

الا ان هذا مما لا ينبغي المبالغة في نتيجته ، وان كان صحيحاً على أي حال ...وذلك بعد ان نلتفت إلى مجموعة امرين :

الامر الأول : ما تسالمت عليه مذاهب المسلمين على اختلافها ، من ان الحق منحصر في مذهب واحد على الاجمال ، وام المذاهب الاسلامية الاخرى بعيدة عن واقع الاسلام بقليل او بكثير غاية الامر ان كل مذهب يدعي هذه المزية لنفسه .

الأمر الثاني : ان التمحيص الإلهي الضروري لايجاد اليوم الموعود ، لا يكون الا على الحق ، والتجارب والمحن لا تنطلق الا من طاعته والاخلاص له . واما المذهب او المذاهب التي يكون في واقعها بعيدة عن الاسلام ، فالتربية على اساسها والتدريب على طاعتها تدريب على الباطل وان اتخذ صفة الاسلام .


صفحة (38)
 

اذاً ، فالتمحيص  ينحصر في المذهب الواحد الحق المطابق للاسلام والمرضي لله تعالى من المذاهب المتعددة في الاسلام ، وهو  ـ على اجماله ـ الذي يقوم فيه المخلصون الكاملون بقيادة البشرية بين يدي الامام المهدي في اليوم الوعود .

ومعه ، فالفوائد المبينه على أساس المدلول الأول والناتجة عنه ، لا تترتب الا على ذلك المذهب الحق ، ولا يمكن ان يترتب على مجموع مذاهب المسلمين .

وأما المدلول الثاني : وهو عمر الامام المهدي (ع) ومعاصرته لتاريخ طويل للامة الاسلامية خاصة وللبشرية عامة . . . فما يترتب عليه من الفوائد يختص بالفهم الامامي للمهدي (ع) ولا يعم فهم المذاهب الاخرى له . فإذا عرفنا ما لهذا المدلول من فوائد في تكميل وترسيخ العدل في عصر الظهور ، امكننا ان نعرف افضلية التصور الامامي على غيره من هذه الجهة . وان الله تعالى حين يريد افضل اشكال العدل للدولة العالمية ، فهو يختار التخطيط للغيبة . وبذلك نستكشف صحة التصور الامامي وتعين الاخذ به في التخطيط الإلهي .

وقد بحثنا ذلك في التاريخ السابق(1) طبقاً لمنهج معين ، ونريد ان نبحثه الآن طبقا لمنهج آخر ، قد يكون اكثر تحليلاً :

وخلاصة القول في ذلك : ان الاطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) في حدودها الصحيحة المبرهنه التي عرضناها في التاريخ السابق : تتضمن ـ في حدود المدلول الثاني الذي نحن بصدده ـ عدة خصائص مهمة .

الخصيصة الاولى : الايمان بعصمة الامام المهدي (ع) ، باهتباره الثاني عشر من الائمة المعصومين.

الخصيصة الثانية : الايمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، طيلة زمان وجوده ، سواء كان غائباً أو حاضراً .

الخصيصة الثالثة : معاصرته لاجيال متطاولة من الامة الاسلامية خاصة والبشرية عامة .

الخصيصة الرابعة : كونه على مستوى الاطلاع على الاحداث يوماً فيوماً وعاماً فعاماً عارفاً باسبابها ونتائجها وخصائصها .

 

صفحة (39)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر : التخطيط الخاص بايجاد القائد ص497 وما بعدها.
 

الخصيصة الخامسة :  كونه على ارتباط مباشر بالناس خلال غيبتة ، يراهم ويرونه ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه ، لا انهم لا يعرفون بحقيقة الا نادراً جداً ، وذلك طبقاً لـ ( اطروحة خفاء العنوان ) التي اخترناها وبرهنا عليها في تاريخ الغيبة الكبرى(1) .

وكل هذ الخصائص مما يفقدها الفهم غير الامامي للمهدي ، بكل وضوح . وانما المهدي  بحسب تلك الاطروحة شخص يولد في زمانه ، وييسر له الله عز وجل ظروف الثورة العالمية . فهل هذا العمل الكبير ممكن التنفيذ من قبل شخص غير معصوم ، احسن ما فيه انه يمثل ثقافة عصره ودرجة وعيه من الناحية الاسلامية ؟ ! .. 

الحق ، اننا ينبغي ان نذعن بان مثل هذا الانسان ، لا يمكن ان يؤهل للقيادة العالمية بأي حال ، وان خصائص المهدي في التصور الامامي ليست بالخصائص الطارئة أو الثانوية ، وانما هي اساسية في تكوين قيادته وتمكنه من تحقيق المجتمع العادل ، كما أراده الله تعالى وكما وعد به .

أما الخصيصة الأولى : وهي عصمة الامام المهدي (ع) فتترتب عليها عدة فوائد ، يمكن ان نشير إلى اربعة منها :

الفائدة الأولى : كونه وارثاً علم الامامة المتضمن للاسس الرئيسية للفكر القيادي العالمي . . . عن آبائه المعصومين عن رسول الله (ص) عن الله عز وجل . وأنى لمن يوجد في العصور المتأخرة الحصول على ذلك، الا بوحي جديد من الله عز وجل، وهو ما حصل الاجماع من قبل سائر المسلمين على عدم حصوله للمهدي(ع).

ولا يخفى ما في الاطلاع على هذه الاسس الرئيسية من زيادة في القدرة على القيادة العالمية ، ان لم تكن ـ في واقعهاـ الطريق الرئيسي الوحيد لذلك وتعذر القيادة العالمية بدونها ، وكلما تعين شيء  للقيادة العالمية او كان افضل لها . كان الله تعالى من منجزاً له لا محالة ، لكونه واقعا في طريق الهدف البشري الأعلى ، وكون اختيار عكسه ظلم للبشرية وموجب لتخلف الهدف وكلاهما محال على الله عز وجل ؟

الفائدة الثانية : الشعور بالابوة للبشر اجمعين ، فهو حين يحارب الكافرين والمنحرفين ويقتل العاصين ، لا يشعر تجاههم بحقد او ضغينة وانما يحاربهم من اجل مصالحهم انفسهم ونشر العدل والسعادة في ربوعهم . وايصال الحق إلى اذهانهم .


صفحة (40)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر ص34 وما بعدها.

واجتماع هاتين العاطفتين ، اعني الشعور بالابوة مع قصد القتل ، لا تتوفر لدى أي أحد في التجربة الفعلية للفتح الاسلامي الا اذا كان معصوماً .

ومن هنا رأينا الفتح الاسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه ، قد تحول إلى مقاصد اخرى لا تمت إلى الشعور بالعطف الابوي على الشعب المغلوب ، بأي صلة ... وانما اصبح الفتح تجارياً محضاً، كما سمعنا طرفاً منه في (تأريخ الغيبة الصغرى)(1).

فإذا كان هذا الشعور متعذراً لغير المعصوم في الفتح الاسلامي العالمي ذو النطاق المحدود ،فكيف بالفتح الاسلامي العالمي،  بما تزهق فيه من نفوس ، وماتحصل فيه من اموال ، وما يتسع فيه من سلطان .

الفائدة الثالثة : عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الاسلامي الصحيح الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي والتمسك بدفة الحكم والجشع الشخصي . .  . هذه الآثار السيئة والعواطف المنحرفة التي لا يكاد تنفك عن كل من يحكم رقعة من الأرض، او دولة معينة ، فكيف إذا أصبح الحكم عالمياً واصبحت السيطرة والنفوذ في القمة من السعة والشمول .ان الفرد مهما كان صالحا ونقيا قبل هذه القيادة ، سيكون مثل هذه القيادة محكا لانحرافه وطمعه ، لمدى ضغط  الدافع الشخصي والمصلحي على الفرد الحاكم ، مالم يكن معصوما بالفعل عن ارتكاب كل قبيح ومعصية في التشريع الاسلامي .

 

الفائدة الرابعة: الدقة الكاملة في التطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة ومن ثم الأخد بزمام المجتممع للعبادة المحضة لله عز وجل ، التي هي الهدف الأساسي من ايجاد الخليفة .

وهذه الدقة يمكن ان تتوفر للمعصوم بكل سهولة ، بناء على الفهم الامامي للعصمة . وهو ان المعصوم ممتنع عليه الخطأ والنسيان مضافاً إلى عصمته من الذنوب ، وان الامام ( متى أراد ان يعلم شيئا اعلمه الله تعالى ذلك) كما نطقت به الاخبار(2) . فان المشاكل العالمية مهما كثرت وتعقدت ، يمكن للامام التصف بهذه الصفات ، ان يهيء لحلها اقرب الاسباب.


صفحة (41)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر ص96 وما بعدها. (2) أنظر: الكافي (الاصول)  لثقة الإسلام الكليني (مخطوط) في باب بعنوان: أن الائمة إذا شاءوا بعلموا علموا .

 

ولعل هذا هو السر الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم واتصافه بها مع انه لا تترتب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي .

وذلك: انه قد يستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة ، بان : غاية ما دل عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب وعن الكذب في التبليغ والدعوة ، لكي يكون كلامه مؤثراً في الآخرين ومقنعاً لهم .  بخلاف ما لو عرفوه محتمل الكذب في حياته السابقة ، فان هذا التأثير لا يحصل لا محالة ، اما عصمته عن الخطأ والنسيان فهو مما لا يشمله ذلك الدليل  لإمكان تدراك ما فات بعد الالتفات .

والجواب عن ذلك ، على ضوء النتائج السابقة ، ان العصمة عن الخطأ والنسيان مما يتوقف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل(1) . وخاصة في مهمته الأولى، وتحويل  العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل ، والمفروض في كل معصوم ان يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظرياً . اعني ان يكون له من القابليات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها . باعتبار ان ايكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مستحيل على الله عز وجل ، بل لا بد ان تنسجم دائما مدعيات الدعوة الالهية من الناحية النظرية مع امكان التطبيق على طول الخط .

هذا حال المعصوم ، ام الغير المعصوم ، فيتعذر عليه تماما قيادة العالم بالعدل ، وخاصة في تحويل لأول مرة من الظلم إلى العدل ، الأمر المملوء بالمشاكل والعقبات .

ولعل أطرف ما يبرر ذلك ، ما روي عن ذي القرنين حين اوكل إليه الله تعالى قيادة العالم ، ولم يكن حاكماً من الناحية العملية إلا على بعض العالم . . . وقد أوحى الله تعالى ، ( يا ذا القرنين انت حجتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس الى مغربها . وهذا تأويل رؤياك .

 

صفحة (42)

ــــــــــــــــــ

(1) ولا ينافي هذا ما قلناه في التاريخ السابق عن القاعدة القائلة: اذا أراد الامام أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك. فاننا حددناها هناك (ص517) ببعض القبود. ولكنها في ضمن تلك الحدود تكون كافية للقيادة العالمية ، ولا يقتضي الدليل الذي ذكرناه هنا ما هو أوسع من ذلك.

 

فقال ذو القرنين : ياإلهي انك ندبتني لأمر عظيم ، لا يقدر قدره غيرك . فأخبرني عن هذه الأمة ، بأية قوة اكابرهم ، وبأي عدد أغلبهم وبأي حيلة أكيدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أكلمهم . وكيف لي بأن اعرف لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر انقدهم ، وبأي حجة اخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم . وبأي علم اتقن امرهم ، وبأي حلم اصابرهم ، وبأي معرفة أفضل بينهم ، وبأي عقل احصيهم. وبأي جند أقاتلهم ، فإنه ليس عندي مما ذكرت يارب شيء ! فقوّني عليهم ، فانك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ) (1).


فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي . ولئن ذللت المدينة الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما ، فانها اضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة . تزيد في الطين بلة . ولولا ان الله عز وجل وعده بعد ذلك ـ لو صحت الرواية ـ بالتوفيق والتسديد ، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله.

 

نعم ، ترتفع هذه الاستحالة ويقل التعذر ، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق(2) ، وسيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ . وسيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه .

وعلى أي حال ، فقد كان المقصود البرهنه على أهمية الخصيصة الأولى للمهدي (ع) وهي صفة العصمة ، وانه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية.

وأما الخصيصة الثانية للامام المهدي (ع) في الفهم الامامي ، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، حتى في حال غيبته . . . فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته . فان اثرها الكبير في تعميق التمحيص الإلهي وتوسيعه .

 

صفحة (43)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق ( نسخة مخطوطة).    (2) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 477 وما بعدها.

 

فإن الفرد المؤمن بقيادته حال غيبته ، حين يكون على محك التمحيص الإلهي ، الساري المفعول لاجل صقل ايمانه وتعميق اخلاصه وتكميل نفسه . . . إذا اخذ الفرد مفهوم القيادة المهدوي في ذهنه ، فانه سوف ينعكس على سلوكه بكل وضوح . وسيتجه إلى العمل والتضحية اكثر من الفرد الخالي من هذه الفكرة بطبيعة الحال ، وذلك ، لا قتران مفهوم القيادة المهدوية في ذهنه بعدة حقائق .

الحقيقة الأولى : كونه جندياً مأمورا موجها بالفعل للعمل في سبيل الله واطاعة احكامه . وان أوامر قائده المهدي (ع) موجودة ومتوفرة لدية متمثلة بالاحكام الاسلامية ، فان المهدي هو المثل الحقيقي للاسلام ، فأوامر الاسلام أوامره ، ورغبات النبي (ص) في امته رغباته .

الحقيقة الثانية: كونه مسوؤلا ومحاسبا امام هذا القائد ، ولو بشكل غير مباشر .

كيف وأن صوت القائد موجود في ضميره الاسلامي يحمله على الخير ويردعه عن الشر . وهذا الفرد يعلم ان قائده حي مطلع على ما يصدر منه من اعمال ويقيم ما يقوم به من حسنات او سيئات ، فأحرى به ان يدخل السرور عليه بحسناته وان لا يخجل امامه بسيئاته وانحرافه .

الحقيقة الثالثة : الشعور بمظلومية هذا القائد حال غيبته ، وبمظلومية البشر البائسة التي اوجبت لها غيبة امامها ومرورها بعصور الظلم والانحراف ، كثيرا من القمع والاضطهاد .

الحقيقة الرابعة : الشعور باتنظار هذا القائد ، واحتمال ظهوره وقيامه بدولة الحق في اي لحظة من الزمن . وهذا يستدعي ، بطبيعة الحال ، ان يرعي الفرد تعميق اخلاصه وايمانه وتضحياته في سيبل دينه .  .  . ليكون له الزلفة لدي امامه وقائده عند ظهور واهلية شرف المشاركة بين يديه في اصلاح العالم وقيادته .

إلى غير ذلك من الحقائق التي تكون كل واحدة منها فضلا عن مجموعها من اكبر المحفزات للفرد المؤمن على مزيد العمل والتضحية في الخط الاسلامي الصحيح . وهذا نفسه يوجب النجاح في التمحيص الإلهي بشكل اعمق واسرع بطبيعة الحال . ولا يمكن ان يترتب شيء من هذه الفوائد مع عدم الايمان بقيادة الامام المهدي (ع) وغيبته .

وهناك فوائد اخرى تترتب على ذلك ، تكون مشتركة مع الخصائص الآتية بحسب التطيبق والوجود ، ومن هنا كان الأفضل ذكرها مع تلك الخصائص .

صفحة (44)
 

 الخصيصة الثالثة : وهي عبارة عن معاصرة الامام المهدي (ع) لاجيال طويلة من البشرية . . . ولها عدة فوائد نقتصر منها على فائدتين تعود احداهما على الامام نفسه وتعود الأخرى على البشرية :

أما الفائدة التي تعود الى الامام ، فهي ما عرضناه في التاريخ السابق(1) وأقمنا عليه القرائن من ان معاصرة الامام للأجيال توجب اطلاعه المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه ، الأمر الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في عمق قيادته بعد ظهوره.

وأما الفائدة التي تعود الى البشر ، فهي باعتبار ما ورد في اخبار المصادر الخاصة من الحاجة إلى وجود الامام حاجة كونية قهرية مضافاً إلى الحاجة القيادية .

منها : ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي(2) بإسناده عن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي عبدالله ـ الصادق ـ (ع) : تبقى الأرض بغير إمام؟

قال: لو بقيت الأرص يغير إمام لساخت .

وما أخرجة بسنده عن أبي هراسة عن أبي جعفر الباقر ـ(ع) ، قال : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لما بأهلها كما يموج البحر بأهله .

وهي تدل بظاهرها  ـ بغض النظر عن إمكان حملها على الرمزية  ـ بأن بقاء الإمام ضروري لحفظ بقاء الأرض ومن عليها ، حتى يكون لها وجود ونظام كوني كامل يمكن تنفيذ الوعد الإلهي وإنتاج التخطيط العام من خلاله . وهذا إنما يتم مع وجود الإمام معاصراً لكل الأعوام والأجيال البشرية  .  . . وخاصة بعد الاعتقاد الإمامي المؤيد باخبار العامة(3)  بأن الأئمة اثنا عشر للحصول على هذه الفائدة .

وقد يكون هذا هوالمراد من قوله امام المهدي (ع) ، فيما روي عنه : واني لأمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم امان لأهل السماء (4).\


صفحة (43)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 514 وما بعدها. (2) انظرباب:ان الارض لا تخلو من حجة اصول الكافي ، (نسخة مخطوطة).
 وكذلك ما بعده . وانظر أيضاً: الغيبة للشيخ الطوسي ص 92 ط النجف.

(3) أخرجها البخاري: انظر ج9  ص101 ومسلم انظر ج 6 ج 3-4  وغيرهما من الصحاح وكتب الحديث.

(4) انظر ناريخ الغيبة الكبرى ص 54 عن الاحتجاج للطبرسي.

الخصيصة الرابعة : كون الأمام المهدي (ع) على مستوى الاطلاع على الاحداث ، يوماً فيوماً وعاماً فعاماً ، عارفاً بأسبابها ونتائجها .

وتحتوي على عدد من الفوائد مضافاً إلى الفائدة الأولى من الخصيصة الثالثة ، أهمها : الحفاظ على المجتمع المسلم ودفع البلاء الواقع عليه من أعدائه عليه .

فإن الإمام المهدي (ع) حين يعلم يجريان الأحداث وأسبابها ومسبباتها ، وما قد تؤول إليه من مضاعفات ، وحين يكون  مكلفاً إسلامياً برفع الأضرار والدواهي عن المجتمع المسلم ، في بعض الحدود التي ذكرناها في التاريخ السابق(1) ... وقد وعد هو (ع) بذلك فيما وري عنه(2) ... حين يكون كذلك ، فانه لا محالة يقوم بوظيفة المقدسة خير قيام . وقد عرضنا(3) الأسلوب الذي يمكنه (ع) به أن يقوم بالأعمال النافعة خلال غيبتة.

هذا مضافا إلى تقييمه للناس والمجتمعات ، طبقا للميزان العميق الذي يحمله ويعرفه ، الأمر الذي يوفر عدة نتائج : منها : اطلاعه على درجة إيمان المؤمنين وإخلاص المخلصين ، واتجاهاتهم السلوكية والعقائدية في الحياة .

ومنها : اطلاعه على سلوك المنحرفين والكافرين ، ومحتملات نتائجة على الإسلا م والمسلمين ، لأجل التوصل من ذلك إلى محاولة الحد من تأثيره.

ومنها : معرفته بتحقيق شرط اليوم الموعود ، الذي هو يوم ظهوره ، وهو وجود العدد الكافي من الناصرين والمؤازرين له على فتح العالم ومباشرة حكمه بالعدل طبقاً لاحد المحتملات في أسلوب تعرفه على يوم ظهوره، مما سوف يأتي عرضه واختيار الصحيح منه.

الخصيصة الخامسة : وهي اتصال الإمام المهدي (ع) بالناس ومحادثته لهم وتفاعله معهم ... ولها  ـ على الاقل ـ فائدتان ، إحداهما خاصة بالإمام المهدي (ع) والأخرى عامة للمجتمع المسلم كله.


صفحة (46)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 53 وما بعدها. (2)  المصدر ص 167 و ص175.

(3) المصدر ص 176.


أما الفائدة الخاصة به (ع) ، فهو اختلاطه بالناس وارتفاع الوحشة عنه ، تلك الوحشة المشار إليها في بعض
الأخبار(1) والثابته له على تقدير بعده عن الناس وسكناه في الصحارى والقفار ، كما ورد في رواية ناقشناها في التاريخ السابق(2) . هذا ،مضافاً إلى قضاء حوائجة الشخصية الضرورية لكل إنسان ، بشكل أسهل من أي أسلوب آخر يتخذه في الحياة .

وأما الفائدة التي تعم المجتمع كله ، بانصال المهدي (ع) بأفراده ، فهي انه (ع) ، حين يتصل بالناس ، يقوم بوظيفة الإسلامية تجاههم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقريبهم من الطاعة وإبعادهم عن المعصية وحثهم على الأعمال العامة النافعة وبذور الصلاح في الأفراد والمجتمع ... في الحدود وبالشكل الذي سبق ان حولناه على التاريخ السابق .

ومن ثم السير قدماً بتحقيق الشرط الثالث من شرائط الظهور، باعتبار أن الناس كلما ازداد إيمانهم واخلاصهم ، كلما كان احتمال تحقق العدد الكافي لغزو العالم أقرب وأوضح .

وهذا وينبغي أن نعرف في نهاية الحديث عن خصائص الإمام المهدي (ع) في غيبته : انها خصائص متساندة ومتعاضدة ، باعتبار أن المتصف بها شخص واحد ، فمن المنطقي أن تكون الفوائد المشار إليها منطلقة من مجموع الخصائص وإن كانت بواحدة الصق ونحوها أقرب .

وبهذا يتم الكلام عن المدلول الكبرى.

وأما المدلول الثالث للغيبة الكبرى ،  وهو استتار الامام القائد وخفاء شخصه وعمله ومكانه على الناس ، اعني بصفته الحقيقية .

. . . ففائدته الكبرى بالنسبة إلى اليوم الموعود ، هو حفظه (ع) من شر الأعداء للقيام  ليبقى مذخوراً بالمهام الكبرى في ذلك اليوم المجيد .


صفحة (47)

ــــــــــــــــــ

(1) عن الامام الباقر(ع) انه قال: لا بد لصاحب هذا الامر من عزلة،ن ولا بد في عزلته من قوة، وما بثلاثين من وحشة...الحديث.
أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص 47 عن غيبة الشيخ الطوسي.
(2) وهو ما ورد عن المهدي(ع) نفسه يقول عن أبيه (ع): وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا عفرها..الحديث.

المصدر ص 72.

وهذا ما أشرنا إليه في الأخبار :

أخرج الشيخ الطوسي في الغيبة(1) بإسناده عن زرارة ، قال : ان للقائم غيبة قبل ظهوره ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف القتل .

وفي حديث آخر(2) عن زرارة بن أعين أيضاً ، قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن للغلام غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف . وأوما بيده إلى بطنه .

وأخرج الشيخ الصدوق في إكمال الدين(3) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سيد العابدين علي بن الحسين يقول : في القائم منا سنن من سنة الأنبياء (ع) . . . إلى أن قال : وأما موسى فالخوف والغيبة ... الحديث .

وفي حديث آخر(4) عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان ، قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقال لي ، مبتدئاً : يامحمد بن مسلم ان في القائم من آل محمد (ص) شبهاً من خمسة من الرسل . . . إلى أن يقول : واما شبهه من موسى فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته . . . الحديث

ولعل هذه الفائدة ، هي المصلحة الوحيدة التي بينتها الأخبار للغيبة الكبرى . باعتبارها المصلحة الوحيدة المناسبة مع المستوى الفكري والثقافي الذي كان موجوداً في عصر صدور هذه الأخبار.

وثبوت هذه الفائدة واضح ، بعد التسليم بأمرين :

الأمر الأول : الفهم الإمامي القائل : بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين (ع) . الذي هو الفهم الذي ننطلق منه في إثبات أكثر مداليل الغيبة الكبرى كما عرفنا .
 

صفحة (48)

ــــــــــــــــــ

(1) ص201 . (2) نفس المصدر ص202 . (3)نسخة مخطوطة غير مرقمة  الصفحات.

(4) نفس المصدر.


الأمر الثاني: ان الإمام المهدي (ع) لو كان ظاهراً معروفاً بحقيقته ، قبل اليوم الموعود ، لقتله الظالمون لا محالة...  بعد التسالم الواضح على أن هدفه الأساسي هو تطهير الأرض من الظلم وتبديل أوضاع الظالمين . إذاً ، فكل من لا يرضى بهذا التبديل ، انطلاقاً من  انحرافه ومصالحة الشخصية ، سيكون ضده.

  وسيكون القضاء على المهدي (ع) متيسراً بأسهل طريق . لأنه ليس له من ينصره أو يدافع عنه ، أو ويوجد من لا يكفي لذلك ، لما عرفناه مفصلاً من أن نصره متوقف على تمخض التخطيط العام عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل . وان هذا لا يتم الا قبيل ظهوره . واما خلال المدة المتخللة قبله فان التخطيط لم ينته بعد ولم ينتج هذا العدد الكافي . إذا فقيامه بالثورة العالمية متعذر تماماً ، ودفاعه عن نفسه بدون ذلك متعذراً أيضاً ، لاقتران وجوده في اذهان الناس بالثورة العالمية . . . إذا فتعين أن يكون غائباً غير معروف وان لا تنكشف حقيقته إلا يوم ظهوره في اليوم الموعود . وذلك من أجل جل أن يبقى مذخوراً لتلك المهمة الأخرى. ومن الواضح أن مقتله يفقد اليوم الموعود قائدة ، الذي لا يوجد غيره . بحسب الفهم الإمامي ، ومن ثم يخل بالدولة العالمية ، وبالهدف العام من خلق البشرية.

 

وقد يخطر في الذهن : ان المهدي (ع) يمكن أن يكون معروفاً ، الا ان الله تعالى يحفظة عن طريق المعجزة ، لأجل تنفيذ اليوم الموعود والهدف العام ... بعد أن عرفنا(1) من قانون المعجزات ، كالطريق الطبيعي غير الاعجازي، متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة .

وجواب ذلك : اننا عرفنا إلى حنب ذلك من قانون المعجزات انه متى أمكن السير نحو الهدف بدون معجزة ، كان الطريق الطبيعي غير الاعجازي ،متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة .

فبالنسبة إلى المهدي (ع) حين كان هو الامام الثاني عشر من المعصومين (ع) ، ولا إمام بعده ، كان حفظه لليوم الموعود واطالة عمره متعينا بالمعجزات ، ولا بديل لذلك . ومن أجل هذا حدثت المعجزة وطال عمره . وأما حفظه لذلك اليوم بمعنى دفع القتل عنه ، فهذا يتعين عن طريق المعجزة . بل يمكن أن يكون عن طريق الغيبة أيضاً ، وهي طريق طبيعي واضح ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) لا يتضمن في أساسه الا غفلة كل أفراد البشر عن حقيقته وعدم العلم بكونه هو المهدي ، ومن ثم لا يوجد عند أحد القصد إلى قتله . بصفته مهدياً . وقلنا انه إذا أمكن الطريق الطبيعي ، ولا تقوم المعجزة بتنفيذه.
 

صفحة (49)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص38 .

 


وبمعرفتنا مداليل الغيبة الكبرى ونتائجها الكبرى بالنسبة إلى الأمة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . وبالنسبة
 إلى الإمام المهدي (ع) خاصة وتنفيذ اليوم الموعود عامة ... يتبرهن لدينا بوضوح أهمية الغيبة الكبرى ، وكونها رئيسياً في التخطيط الإلهي العام لا يمكن الإستغناء عنه .

واما مع الأخذ بالفهم غير الإمامي للمهدي وكونه شخصاً يولد في زمانه وسيوقف للثورة العادلة في حينه . ان مثل هذه القائد لن يستطيع بأي حال قيادة العالم قيادة عادلة عادة ، ولو فرضنا  ـ جدلاً ـ انه استطاع ذلك لفترة، فهو لا يستطيع ضمان بقاء التطيبق الإسلامي على الدوام ، كما هو المفروض في دولة المهدي وسيأتي الإستدلال عليه .

وينطلق الحكم بعدم استطاعة مثل هذا الإنسان القيام بهذه المهمة ، من حقيقة عدم لياقته لذلك ، وقصوره عنه قصوراً  تاماً ، بعد كونه فاقداً لكل النتائج التي عرفناها للغيبة الكبرى . وبخاصة صفة العصمة التي يكون فاقداً لها ولكل خصائصها المهمة . وأما المدلول الأول الذي يشمل الفهم غير الإمامي للمهدي ، فنتائجه تظهر في الأمة أو البشرية ، وليس لها نتائج خاصة بالمهدي كما مر.


صفحة (50)
 

الفصل الثالث

توقيت الظهور

من ناحية شرائطه وعلاماته .
 

إن اهم الفروق بين شرائط الظهور وعلاماته ، هو أن الشرائط عدة خصائص لها التأثير الواقعي في ايجاد يوم الظهور والنصر فيه وانجاز الدولة العالمية ، ولولاها لا يمكن أن يتحقق سواء وجدت أو لم توجد وانما هي أمور جعلت من قبل الله سبحانه وبلغت إلى البشر من قبل الصادقين قادة الإسلام الأوائل . بصفتها دوالاً وكواشف عن قرب الظهور، إذا كانت منم العلامات القريبة ، أو عن أصل حصوله ، لو كانت من العلامات البعيدة ، وذلك : ليكون الأفراد المنتظرون لذلك اليوم المختارون للعمل فيه نتيجة لنجاحهم التام في التمحيص ، بحالة التهيؤ النفسي الكامل لا ستقباله عند حدوث العلامات القريبة .

وهذا هو الذي قلناه في التاريخ السابق وعرفنا فيه عدة فروق بين الشرائط والعلامات بالنسبة إلى ما بعد الظهور .

عرفنا في الفصل الأول : أن المهم المتبقي مما لم يحدث إلى الآن من شرائط الظهور ، ولم يتمخض التخطيط الإلهي عن ايجاده ، أمران :

الأمر الأول : تربية الأمة ككل من الناحية الفكرية ، حتى يكون لها القابلية لاستيعاب وفهم وتطبيق القوانين الجديدة التي تعلن بعد الظهور.

الأمر الثاني : تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين الكاملين الممحصين ، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة .

 صفحة (51)
 

وهذان الأمران  يحدثان تدريجاً نتيجة للتربية الطويلة البطيئة للأمة ، تحت الظروف والخصائص التي سبق ان عرفناها . وسوف لن يتمخض التخطيط الإلهي لايجادهما الا قبيل الظهور . وبتعبير آخر: انهما عندما يتحققان يكون اليوم الموعود نافذاً بجميع شرائطة ، ومعه لا يمكن أن يكون متخلفاً أو متأخراً عن ذلك .

واما الاطلاع على انهما تحققا فعلاً أو لم يتحققا ، فهو مما لا يمكن أن يعرفه الناس الا عند الظهور ، لأنه يكون دالاً على تحققهما قبله لا محاله ولا يحصل هذا الاطلاع عند البشر إلا للإمام المهدي نفسه ، على ما سنذكره في فصل قادم .

وهذان الشرطان يكونان مقترنين في تطورهما التدريجي ، والوصول إلى الغاية المطلوبة . وبخاصة وهما لا يتضمنان في مفهومهما مقداراً محدداً غير قابل للزيادة . إذ في الامكان تطور الأمة من الناحية الفكرية والإخلاص على الدوام . غير أن لهذين الأمرين (حد ادنى) يصلح أن يقوم عليه اليوم الموعود ومع تحقق هذا الحد الأدنى لكلا الشرطين معاً يكون اليوم الموعود واقعاً ونافذاً لا محالة . ويكون التطور الزائد في جوانب الأمة الإسلامية موكولا ً إلى ما بعد الظهور .

وهذان الشرطان متشابهان في التطوير إلى حد كبير ، تبعاً لازياد الظلم والانحراف ، المنتج لهما معاً . ولكن لو فرض أن أحدهما كان اسرع من الأخر ، فترة من الوقت ، بحيث وصل إلى الحد الإدنى المطلوب قبل الآخر كما يتصور ـ عادة ـ في الجانب الفكري ، فانه أسرع تطوراً من جانب الإخلاص وقوة الإرادة ، كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) ... هو حصول الحد الأدنى من العدد الكافي من الجيش الفاتح للعالم ، مع تعمق القابلية الفكرية للأمة أكثر دقة ورسوخاً . وكذلك لو فرض تطور الإخلاص أكثر من القابلية الفكرية ، فإنه مما لا ضير فيه ، إن لم يكن أكثر نفعاً بالنسبة إلى يوم الظهور .
 

صفحة (52)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص265 .


 

وعندما يتكامل هذان الشرطان ، تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد . فالأطروحة العادلة

الكاملة موجودة بين البشر ،  متمثلة بتعاليم الإسلام  كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) .والأمة قد ترتب على فهمها بدقة واتقان ، وأصبحت قابلة لتفهم القوانين الجديدة التي تكون على وشك الصدور في اليوم الوعود . والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره . والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي متوفر لفتح العالم ونشر العدل والسلام بين ربوعه مع وجود العامل المساعد المهم وعو انكشاف نقاط الضعف لكل التجارب البشرية والمبادئ والقوانين الوضعية السابقة على الظهور ، واليأس من حل بشري جديد ، كما سبق أن اوضحناه  في التاريخ السابق(2).

وإذا اجتمعت هذه الشرائط . كان تنفيذ الوعد الإلهي والغرض الأهم من الخلق ضرورياً ،لاستحالة تخلف الوعد والغرض في الحكمة الإلهية الأزلية .

ومن هنا نعرف أن وقت الظهور ، منوط باجتماع هذه الشرائط .

ومن أجل ذلك ، قد يخطر في الذهن منافات ذلك مع  ماورد في اخبار المصادر الخاصة من نفي التوقيت وتكذيب الوقاتين .

كرواية الفضيل ، قال : سألت أبا جعفر (ع) : هل لهذا الأمر وقت ؟ ... فقال : كذب الوقاتون كذب الوقاتان ، كذب الوقاتون .

وعن أبي عبد الله الصادق (ع) : كذب الوقاتون وهلك المستعجلون  ، ونجا المسلمون ، وإلينا يصيرون .

وعنه (ع) : من وقت لك من الناس شيئاً ، فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتاً(3) .

وأخرج النعماني عن أبي بكر الحضرمي ، قال : سمعت أبا عبدالله ( ع) يقول : انا لا نوقت هذا الأمر(4).

وهذه الأخبار بعدد قابل للإثبات التاريخي ، وواضحة الدلالة على نفي التوقيت . فلو كان ما ذكرناه من اقتران اليوم الموعود بشرائطة توقيتاً له . إذا يجب تكذيبه جملة وتفصيلاً .


صفحة (53)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 261. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص249  وغيرها. (3) الغيبة للشيخ الطوسي ص262 ... الاخبار الثلاثة كلها

(4) الغيبة للنعماني ص 155.

 

إلا أنه من حسن الحظ ! ان التوقيت المنفي ليس هو ذلك بل المراد به ـ بوضوح ـ تحديد الوقت بتاريخ معين ، كما لو قيل ـ مثلا ـ إن الظهور أو اليوم الموعود ، يكون في سنة الفين ميلادية أو في سنة الفين هجرية .

والقرينة على ذلك ، ما ورد من الأخبار التي تنفي توقيتاً معيناً : كالذي أخرجه النعماني(1)  باسناده عن عمار الصيرفي قال: سمعت ابا عبدالله (ع) يقول : قد كان لهذا الأمر(2) وقت ، كان في سنة أربعين ومائة ، فحدثتم به وأذعتموه ، فأخره عزوجل .

وعن أبي الثمالي قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول : يا ثابت ان الله كان قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين . فلما حدثناكم بذلك أذعتم وكشفتم قناع الستر ، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب .

وفي هذه الأخبار بعض المفاهيم وبعض المناقشات ، لا مجال للدخول فيها . ولكنها لا تضر بما نريده الآن من انها دالة على أن المراد من التوقيت تحديد الوقت بتاريخ معين ، فإن الروايات الأخص تكون قرينة على الأعم .

وهذا النحو من التوقيت فيه عدد من نقاط الضعف :

النقطة الأولى : إنه جزاف بدون أي دليل . كيف وقد أجمع المسلمون على أن وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله عزوجل . مع الغموض التام بالنسبة إلى الناس .. بل ظاهر الرواية الأخيرة انه خفي حتى على المعصومين  أنفسهم . ومن هنا يكون ذكر أي تاريخ معين جزافاً محضاً وكذبأً صريحاً .

النقطة الثانية : ان تاريخ الظهور لو كان محدداً معروفاً ، لكان من أشد العوامل على فشل الثورة العالمية وفناء الدولة العادلة ، فإنه يكفي أن يحتمل الأعداء ظهوره  في ذلك التاريخ ، ولو اعتبار المسلمين ذلك . فيجتمعوا على قتله في أول أمره وقبل اتساع ملكه واستتباب أمره .

 

صفحة (54)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 157 وكذلك الخبر الذي بليه.
(2)  المراد من هذا الأمر ما يشمل ظهور المهدي(ع) وليس خاصاً بذلك. وفي بعض الروايات ما هو خاص به كذلك أخرجه
النعماني عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) قال قلت له:جعلت فداك متى خروج القائم عليه السلام . فقال: يا أبا محمد ، إنا
أهل  بيت لا نوقت. وقد قال محمد (ص) كذب الوقاتون ... الحديث ( غيبة النعماني ص155 وما بعدها).

 

ولذا اقتضى التخطيط الإلهي ، من أجل إنجاح اليوم الموعود ، أن يكون الظهور فجائياً ، مثاله مثال الساعة لا يجليها لوقتها ، كما نطقت بذلك الأخبار وسنرى ما لعنصر المفاجأة من أثر فعال في نصره .

النقطةالثالثة : ان الامة الاسلامية حين يكون التخطيط الالهي قد انتج نتيجته فيها ، ولم يصبح بعد على مستوى مسؤولية اليوم الموعود ، فإنها تكون مقصرة بالنسبة إلى كل حدود ومقدماته ... وتكون هذه الحدود والمقدمات فوق مستواها العقلي والثقافي والديني . ومن هنا لم يتورع الناس عن افشاء التوقيت الذي كان فيما سبق ، ولو أعطوا وقتاً جديداً لأفشوه أيضاً لا محالة . . . ومن هنا الغي التوقيت ، كما سمعنا من هذه الأخبار .

وهذا أيضاً أحد الأسباب في تحريم تسمية الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الصغرى ، كما سمعنا في تاريخها(1) فإنهم ان عرفوا الاسم أذاعوه وإن علموا بالمكان دلوا عليه .

وهذا القصور العام في الأمة هو المشار إليه في بعض الأخبار ، كقول الإمام موسى بن جعفر (ع) : يابني عقولكم تضعف عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله . ولكن إن تعيشوا تدركوه(2) .

فإن المراد بالعقول ما نسمية بالمستوى الفكري والثقافي ، والمراد بالأحلام ما نسمية بالإخلاص وقوة الإرادة وكون الأمة على مستوى المسؤلية . . . وكلاهما ضعيفان بمنطوق الرواية .كما دل عليه البرهان أيضاً .

وليس المراد من هذه الرواية وأمثالها ما يفهمه بعض الناس ، من امتناع التعرف على مصلحة الغيبة ، وخفاء مصلحة وجود الإمام خلالها . . . بعد كل الذي سبق أن عرضناه في كتب هذه الموسوعة مستفاداً من القرآن الكريم والسنة الشريفة نفسها .

النقطة الرابعة : ان وقت الظهور وإن كان محددا في علم الله الأزلي ، لكنه بالنسبة إلى علله وشرائطة ينبغي أن لا يفترض له وقت محدد .
 

صفحة (55)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص277 وما بعدها.
(2) روته النعماني في غيبته ص78 ونقلناه في تأريخ الغيبة الكبرى ص11.

 

فإن تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مستويين :

المستوى الأول : علم الله الأزلي بالأشياء منذ القدم ، المتعلق بكل الممكنات أو المخلوقات بأسبابها ومسبباتها.

المستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علته ، فإن المعلول يحدث متى حدثت علته ، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا ً .

مثاله : إننا لو نسبنا تاريخ اكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادية والبشرية العاملة فيه ، كان تاريخه منوطاً بتحقيق هذه المكونات ، حتى ما إذا وضع البناء آخر حجر في كيان الدار ، تكون هذه الدار قد انتهت ، بغض النظر عن طول زمن البناء وقصره . . .فانه قابل للاختلاف حسب الظروف والطوارئ والقابليات والإمكانيات .

وحيث يبرهن فلسفياً بأن علم الله تعالى الأزلي المتعلق بالأشياء ليس علة لها ، وانما يتعلق بها ويكشف عنها على ما هي عليه في الواقع ، إذا، ففي الإمكان قصر النظر عن تعلق ذلك العلم به معه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحاً ، ويكون وجود الشيء منوطاً بوجود علته واجتماع شرائطة ومكوناته ، من دون أن يكون الزمن ملحوظاً في تحديد حدوثة على الاطلاق . . . بل قد يكون قابلاً للزيادة والنقص ، كما قلنا .

ومن هذا القبيل ، يوم الظهور . فإننا لو غضضنا النظر عن علم الله الأزلي لم يبق لدينا أي وقت محدد له ، وأنما هو منوط بحصول شرائطه وعلله . فمثلا ً نقول : متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل . من المخلصين الممحصين ، كان يوم الظهور ناجزاً ، سواء كان زمان وجودهم والفترة التي تحققهم طويلة جداً أو قصيرة .

وهذا دليل آخر على أن التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المعين جزاف محض .

وهذا هو مرادنا من التوقيت الذي برهنا عليه . وهو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالومان تماماً . فلا يكون قولاً جزافاً  ولا واجب التكذيب . كما لا يكون تحديده الإجمالي خطراً على الأمام المهدي وموجباً لفشل مهمته بعد الظهور .

 هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار  شرائطة .

 وأما توقيت الظهور باعتبار علاماته . فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات ، وفحصنا   ادلتها ودقفنا في معانيها . . .  ولنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التأريخ.
 

صفحة (56)
 

والمهم هنا هو أن نعرف ان العلامات على  قسمين :

 

القسم الأول : علامات واردة في الأخبار ، ولا على تقع قبل الظهور بزمن قليل بل على ان تقع قبله ، ولو بزمان بعيد وأمد طويل .

وقد عرفنا في التاريخ السابق ان أغلب هذه العلامات قد تحققت وصدقت بها الأخبار . إلا إنها في واقعها لا تحتوي على أي توقيت بالنسبة إلى الظهور. وإنما لها فوائد أخرى . أهمها : أن الخبر الوارد إذا قرن الحادثة بالظهور وانها واقعه قبله في الجملة .

ثم رأينا الحادثة قد حدثت ، فنعرف أن الخبر صادق في بإخباره عن الحادثه علامة على الظهور .
القسم الثاني : من العلامات ما صرحت الأخبار بقرب حصوله من زمن الظهور .

وقد قلنا في التاريخ السابق(1) ان هذا النحو من العلامات وإن لم يكن له ارتباط سببي بيوم الظهور ، إلا أنه مما جعله الله تعالى تنبيهاً لخاصة أوليائه المخلصين الممحصين علامة على قرب الظهور ، ليكونوا على الأستعداد التام من الناحية النفسية والعقائدية لاستقبال إمامهم وقائدهم ، وتلقي مهامهم ومسؤولياتهم عنه .

بل إن التهيؤ النفسي غير خاص بالممحصين ، بل شامل لكل مسلم مسبوق بوجود هذه العلامات ، وخاصة بعد تحققها والتأكد من صدق الإخبار السابق عنها . غير أن تهيؤ الأفراد لاستقبال الظهور يختلف باختلاف درجة ثقافتهم وايمانهم ووعيهم ويكون أحسن أشكال التهيؤ صادراً ـ بطبيعة الحال ـ من المخلصين  الممحصين . وسيكون لهذه الفكرة نتائجها في مستقبل هذا البحث .

وهذا القسم من العلامات يتضمن التوقيت بوضوح ، ويشير إلى قرب حصول الظهور ومن هنا أمكن التهيؤ لاستقباله .

إلا إنه قد يخطر في الذهن سؤالان حول ذلك :

 السؤال الأول : إن هذه العلامات كما تنبه المخلصين الذين يعدون أنفسهم للفداء بين يدي المهدي (ع) : كذلك تكون منبهة لاعداء المهدي (ع) ، فيعدون أنفسهم للقضاء عليه وطمس حركته ، في أول حدوثها.


صفحة (57)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص530.
 

 

وهذا سؤال أثرناه في التاريخ السابق ، وأجبنا عنه مفصلاً(1). ومجمل الفكرة : أن الأعداء سوف لن يلتفوا إلى حصول هذه العلامات ، ولو التفتوا فإنهم لن يعلموا انها من قبيل العلامات إلى ظهور المهدي (ع) . ولو علموا فإنهم لن يستطيعوا التألب عليه . لأنه يظهر في زمان غير مناسب لذلك ، على ما سنرى في فصل قادم .

ولو فرضنا أنهم التفتوا وتألبوا ، فلا يكون ذلك مجدياً أيضاَ ، لما سنعرفة في المستقبل البحث من أن المهدي (ع) ، لن يعلن عن أهدافه الكاملة لأول وهله ، ومن هنا فلن تلتفت الدول إلى خطره المباشر عليها ، إلا بعد أن تقوى شوكته ويتسع سلطانه . إذاً ، فلو كانوا تألبوا فإنهم سوف لن يستعملوه ضده إلا بعد فوات الأوان .

السؤال الثاني : إن التوقيت بهذه العلامات ، مناف للأخبار النافية للتوقيت والآمرة بتكذيب الوقاتين .

والجواب على ذلك ، يكون على مستويين :

المستوى الأول: أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات كزماننا هذا ... ونقول : بأن هذه العلامات لو وقعت لدلت على قرب الظهور . وهذه قضية صادقة لا تشمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق وانما هي توقيت إجمالي ، كالذي قلناه في شرائط الظهور تماماً من أنها : لو حصلت لظهر المهدي (ع) . فإن عدم الاطلاع على زمان وقوع هذ العلامات مستلزم بطبيعة الحال لجهالة زمان الظهور وعدم تحديده ، ذلك التحديد المنفي من الاخبار.

المستوى الثاني : أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات وبين الظهور فإن كل فرد يشاهد إحدى العلامات القريبة ، من حقه أن يقول : أن المهدي (ع) سيظهر بعد قليل  . ويمكن أن نفهم هذا القول على شكلين :

الشكل الأول: إن هذا القول لا يحتوي على تحديد معين للوقت ، باعتبار أنه يبقى مردداً بين اليوم والأيام ، بل بين العام والأعوام ، فإن تخلل عشرة أعوام مما بين ظهور العلامة القريبة وظهور المهدي (ع) ، غير ضائر بكونها قريبة ، لضآلة هذه الأعوام العشرة تجاه الزمان الطويل السابق عليها ومعه فلا تكون تحديداً ، ولا تندرج في الأخبار النافيه للتحديد.


صفحة (58)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص 532.

الشكل الثاني : ان نتنازل عما قلناه في الشكل الأول ، ونقول : إن هذا القول ، أعني : أن المهدي سيظهر بعد قليل ... يتضمن التحديد والتوقيت إذاً ، فلا بد من الالتزام بأن الأخبار الدالة على وقوع العلامات القريبة مخصصة لأخبار التكذيب وخارجة عن مدلولها . وتكون النتيجة : ام كل تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض إلا إذا كان مستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة ، فإنه يكون صادقاً وجائز التلقي بالقبول.

 ولأجل ذلك ـ في الحقيقة ـ وضعت هذ العلامات ، وهو تأكد المخلصين الممحصين من قرب الظهور . ومعه فمن غير المحتمل بقاء التحديد كاذباً ومحرماً إلى ذلك الحين .كما أنه ليس جزافاً من القول بعد استناده إلى العلامة التي سمع بوقوعها في يالأخبار ، وقد رآها متحققة في عالم الوجود .

مع العلم ، ان هذ العلامات لا تدل على أكثر من أقتراب اليوم الموعود وأما تحديده باليوم والشهر ونحوه . فيبقى سراً في علم الله تعالى ، حتى يتحقق الظهور.

 

صفحة (59)

الفصل الرابع

الايديولوجية العامة التي يتبناها المهدي (ع)

 تجاه الكون والحياة والتشريع
 

والذي نريد التعرف عليه في هذا الصدد ، هو الاطلاع الكامل على العمق الحقيقي للوعي الذي ينشره الإمام المهدي في المجتمع ، ولا تفاصيل الأسس العامة التي تبتني عليها الايديولوجية يومذاك . فإن ذلك مما يتعذر الإطلاع عليه قبل يوم الظهور ، كما ذكرنا في التمهيد .

وانما الذي نثير التساؤل عنه ونحاول التعرف عليه الآن ، هو بعض العناوين العامة التي يتصور اتجاه الايديولوجيه المهدوية نحوها أو التي قد يخطر في الذهن ذلك منها . معه يكون التساؤل مثاراً عن أمور أربعة:

الامر الأول : الدين يعتنيه المهدي (ع) ، ويعلنه في العالم .

الأمر الثاني : المذهب الذي يتخذه (ع) .

الأمر الثالث : التساؤل عما إذا كان  يتبنى بعض المفاهيم المحددة الضيقة كالعنصرية والقومية والوطنية ونحوها .

الأمر الرابع : التساؤل عما إذا كان نظامه مشابهاً في المفهوم أو المدلول مع الأنظمة السابقة على الظهور ، كالرأسمالية والإشتراكية ، أو لا ؟
ونتكلم عن كل من هذه التساؤلا ت الأربعة ، في ضمن جهة من الكلام .

الجهة الأولى : في الدين الذي يتبناه الإمام المهدي (ع) ويحكم العالم على أساسه .

وهو دين الإسلام بصفته الأطروحة الكامله التي تحقق العبادة الحقيقية العبادة الحقيقية المستهدفه من خلق البشرية أساساً ، كما سبق أن عرفنا .

 

صفحة (61)

 

ويتم الاستدلال على ذلك بعدة أساليب ، نذكر منها ما يلي :

الأسلوب الأول : أن نستعرض بعض الظواهر المهمة لنتائج العدل السائدة في دولة المهدي ... فإذا عطفنا على ذلك انحصار العدل الكامل بالإسلام ، إذا ، فهذا الأسلوب  متوفق على مقدمتين :

المقدمة الأولى : استعراض بعض الظواهر المهمة والنتائج العظيمة للعدل السائد في دولة المهدي العالمية .

وهذا بتفاصيله موكول إلى الباب الثالث  من القسم الثاني من هذا التاريخ وإنما نقتصر في المقام على ذكر بعض الأمثلة .

فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجه(1) عن أبي سعيد الخدري : أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي .  . . فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا مثلها قط . تؤتي اكلها ولا تدخر منهم شيئاً . والمال يومئذ كدوس ، فيقوم الرجل فيقول : يا مهدي عطني فيقول  : خذ .

وما يرويه البخاري(2) عن ابي هريرة : أن رسول الله ( ص) قال ، ـ في حديث ـ : ومتى يكثر فيكم المال فيفيض ،حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، ومتى يعرضة فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي به .

وقد برهنا في التاريخ السابق(3) بانحصار حدوث هذه الكثرة من المال في دولة  المهدي (ع)  دون ما قبلها . مضافاً إلى دلالة هذه الأخبار المروية هنا .

وما أخرجه مسلم في صحيحه(4) عن ابي سعيد وجابر بن عبدالله قالا : قال رسول  الله (ص) : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده .

وما أخرجه الشيخ المفيد في الإرشاد(5) عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : ان قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها . إلى أن قال : وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الأرض على وجهها . ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته ، فلا يجد أحداص يقبل منه ذلك ، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله .

 

صفحة (62)
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر السنن ج2  ص1367. (2) انظر الصحيح ج9  ص74 .

(3) انظر نـريخ الغيبة الصغرى  ص 231 و ص335.

(4) ج8 ص 185 . (5) أنظر ص342.


 

ومثل ذلك ما ورد في كتاب العهدين في وصف دولة العدل المنتظرة ، كقوله(1) : وتنفتح أبوابك دائماً(2) نهاراً وليلاً لا تغلق ، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملكهم ، لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد ، وخراباً تخرب الأمم .

كقوله : بل يقضى بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ،ويميت النافق بنفخة شفتيه ....فيسكن الذئب مع الخروف و يربض النمر مع الجدي ... والبقر والدبة ترعيان ، تربض أولادهما معاً . والأسد كالبقر يأكل تبناً .ويلعب الرضيع على سرب الصل .ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان ، لا يسوؤن ولا يفسدون . في كل جبل قدسي .لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب (1).

إلى غير ذلك من النصوص في كتب العهدين . ولكل من هذه النصوص تحليله وتفسيره الذي سيأتي في مستقبل  البحث ... وإنما المراد الإلمام في الجملة بحالة السعادة والرفاه التي يعيشها شعب المهدي (ع) – وهو كل البشرية – في دولته وتحت نظامه .

المقدمة الثانية : انحصار العدل الكامل في الإسلام .

وهذا يحتاج إلى بحث عقائدي لسنا الآن بصدده ، وإنما نشير الآن إلى خلاصة نتائجه : وهي أننا بعد أن علمنا الإسلام هو آخر الشرائع السماوية ، وأن العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم .وأن الله تعالى وعد في كتابه الكريم بتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة على وجه الارض، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخلق .


صفحة (63)
ــــــــــــــــــ

 (1) أشعيا :60/ 13

(2) مرجع ضمير المؤنث المخاطب هو (اورشليم ) عاصمة بني اسرائيل في نظر اليهود .ولكننا سنبرهن في الكتاب  القادم على انحصار  صحة هذه النبؤات بدولة المهدي (ع) ، وإنما ذكرت اورشليم باعتبارها العاصمة الدينية المهمة في نظر اليهود .فإن انتقلت الأهمية إل غيرها انتقلت النبؤات أيضاً ، لأنه تتبع الدين الحق حيث يكون.

 (3) أشعيا : 11/ 4-8
 

إذن فينحصر أن يكون هذا العدل المشار إليه هو الإسلام لعدم إمكان حصوله من العقل  البشري وعدم إمكان نزول شريعة أخرى بعد الإسلام .

وإذا تم الأسلوب الأول وبكلا مقدمتيه ، عرفنا أن كل ما ذكر من أنحاء وأنواع السعادة والرفاه الموجود في دولة المهدي (ع) ، دولة الحق والعدل المنتظرة ، هو في الحقيقة نتيجة لتطبيق مفاهيم وقوانين ألإسلام فيها

إذاً فقد تبرهن : أن الدين الإسلامي الذي يعتنق والقانون الذي يتخذ في تلك الدولة هو الإسلام ، بقيادة القائد العظيم الإمام المهدي (ع) .

الأسلوب الثاني : أن نستعرض نصوص الأخبار الدالة على أن الإمام المهدي (ع)  يطبق الإسلام بالخصوص . وهي على عدة أقسام :

القسم الأول : الأخبار الدالة على أن المهدي من النبي (ص) ومن عترته ومن أمته ومن أهل البيت .وإذا كان المهدي متصفاً بهذه الصفات ، فهو على دين الإسلام بالضرورة .

أخرج أبو داوود(1) ونعيم بن حماد والحاكم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي مني ... الحديث.

وأخرج أحمد والباوردي في المعرفة وأبو نعيم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) :أبشركم بالمهدي رجل من قريش من عترتي ... الحديث

وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة : سمعت رسول الله (ص) يقول : المهدي منا أهل البيت ، رجل من أمتي ...الحديث.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي قال: قال رسول الله (ص) :المهدي منا أهل البيت ... الحديث .

وأخرج (2) ابن أبي شيبة و الطبراني والدارقطني في الإفراد وأبو نعيم والحاكم عن ابن مسعود ، قال: قال رسول الله (ص) : لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي  ... الحديث .


صفحة (64)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر الحاوي للفتاوي للسيوطي ج2 ص124 .وكذلك الأخبار الأربعة التي تليه .

(2) المصدر ص125 و كذلك الخبر الذي يليه .

 

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيه رجل من أهل بيتي.

إلى ذلك من الأخبار ، ودلالتها على المطلوب أوضح من أن تخفى .

القسم الثاني: الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يحكم الأمة الإسلامية على الأخص .وهو حين يحكمها بصفتها الإسلامية ، فسوف لن يكون حكمه إلا بالإسلام .

أخرج الترمذي (1) وحسنه ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: إن في أمتي المهدي يخرج الحديث. أقول : يخرج فيها يعني يحكمها .

وأخرج نعيم بن حماد وابن ماجة عن أبي سعيد ، أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي ... الحديث .

وأخرج (2) أحمد ومسلم عن جابر، قال: قال رسول الله (ص)  يكون في أهر أمتي خليفة... الحديث.
القسم الثالث : الأخبار الدالة على تطبيق المهدي (ع) للإسلام و سنة النبي (ص) .

أخرج الطبراني في الأوسط (3) وأبو نعيم عن أبي سعيد : سمعت رسول الله (ص) يقول : يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنتي . الحديث .

وأخرج – يعني نعيم بن حماد -(4) عن علي عن النبي (ص ) ، قال :

 المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي ، كما قاتلت أنا على الوحي .

وأخرج ابن حجر في الصواعق (5) قال : وصح انه (ص) قال : يكون اختلاف عند موت خليفة ...إلى أن قال : ويعمل في الناس بسنة نبيهم (ص) ويلقى الإسلام بجرانه على الأرض .


صفحة (65)
ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص126 وكذلك الخبر الذي يليه . (2) المصدر ص131.

(3) المصدر والصفحة  (4) المصدر ص148. (5) انظر ص98.

 

 

وروى الشيخ الطوسي في الغيبة (1) عن أبي جعفر الباقر (ع) ، قال : ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد (ص) .. الحديث .

 واخرج أبو يعلى(2) عن أبي هريرة قال : حدثني خليلي أبو القاسم  (ص) قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي  ، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق ... الحديث . أقول : الحق في نظر رسول الله هو الإسلام .

وروى الشيخ المفيد في الإرشاد(3) عن المفضل  بن عمر الجعفي ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم لى حقه ، وأن يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله .... الحديث .

 

القسم الرابع : من لأخبار ، ما دل على أن المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً .

 وهي أخبار متوترة مروية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل .وهم يرون أن القسط والعدل هو الإسلام ليس إلا ، فيكون المعنى اعتناق وتطبيق الإمام المهدي (ع) للإسلام عقيدة ونظاماً .

وقد أحصى الصافي في منتخب الأثر (4) لهذه العبارة الكريمة مائة وتسعة وعشرون حديثاً ، وقد روتها المصادر العامة بكثرة بما فيها الصحاح كأبي داود وابن ماجة والترمذي إلى مصادر أخرى كثيرة ذكرناها في التاريخ السابق(5) مضافاً إلى مصادر علماء الإمامية ومصنفيهم فإنها أكثرمن أن تحصى .

 

صفحة (65)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 283 (2) الحاوي للفتاوي ص131

(3) انظر ص 342 وما بعدها. (4) انظر ص478.

 ·    (5) تاريخ الغيبة الكبرى ص281 وما بعدها .

وسيأتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ما يزيد هذه الأخبار بأقسامها الأربعة وضوحاً.

وهذها الأسلوبان من الإستدلال على حقيقة الدين الذي يتخذه المهدي (ع) ثابتان بغض النظر عن الدليل القائم على أساس التخطيط الإلهي والقائل بأن الأطروحة العادلة والكاملة المطبقة في اليوم الموعود في دولة المهدي (ع) هي الإسلام .وتصلح نتيجة هذين الأسلوبين للإستدلال على هذه الحقيقة . بأن نقول:

إن المهدي (ع) يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية ، كما ثبت في التخطيط العام وهو يعتنق ويطبق الإسلام . كما ثبت بهذين الأسلوبين الأخيرين .....إذاً فالإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة .

وكذلك يصح الإستدلال بالعكس ، بأن نغض النظر عن هذين الأسلوبين ونتساءل من جديد عن حقيقة الدين الذي يعتنقه المهدي ( ع) فنقول : إن المهدي يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته ، كما ثبت في التخطيط العام .والإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة ، كما  استدللنا في التاريخ السابق (1) وسيأتي الحديث عن ذلك في الكتاب الآتي أيضاً ...إذاً ، يثبت أن الدين الذي يعتنقه المهدي (ع) ويطبقه هو الإسلام ، إذ لا يحتمل أنه يطبق الإسلام وليس بمسلم ...فإن التطبيق الإسلامي سوف لن يكون تاماً وعادلاً إلا إذا كان الرئيس الأعلى مسلماً ، كما ثبت في الفقه الإسلامي .ويصلح أن يكون هذا أسلوباً ثالثاً إلى جنب الأسلوبين السابقين .

إذاً ، فهاتان الحقيقتان وهما :

1- إن دين المهدي (ع) هو الإسلام .

2- إن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة يمكن الإستدلال بإحداهما على الأخرى ، بعد أخذ إحداهما مسلمة والأخرى محلاً للإستلال ، وكلتاهما مدعمتان بأدلة أخرى غير هذه .

وإذا تبرهن على أن المهدي (ع) يطبق الإسلام في اليوم الموعود .باعتبار النظام الذي يتكفل  العدل الكامل... فإنه يترتب على ذلك عدة نتائج فيما إذا قورنت دولته بالدولة الحاضرة . وهذا ما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب ، ونذكر الآن بعضها على سبيل المثال .

 

 صفحة (67)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 261 منه.
 

منها: توحيد المعتقد الديني في العالم بدين الإسلام ، طبقاً لقوله تعالى :

" من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " على أساس أن هذا الدين هو الذي ينظم العالم ويحل مشاكله ويحقق له العدل الكامل . ويأتي هذا التوحيد تحت ظروف معينة يهيؤها القائد المهدي ، نشير إليها في مستقبل البحث .

ومنها : أن العالم سوف يحكم بأطروحة قانونية واحدة ،لا يحق فيها التجزئة ولا يجوز عليها الخروج .

ومنها اتحاد السياسة والدين في سير التطبيق و التاريخ ، كما كان عليه الحال في زمن النبي (ص) والخلافة الأولى ، وإنهاء فكرة : فصل الدين عن الدولة .

ومنها : ابتناء الحكم ، ابتناء التكامل الفردي والإجتماعي على الأساس الإلهي .ويتم القضاء تماماً على أي اتجاه مادي في العالم مهما كان نوعه .

ومنها : إنهاء فكرة كحق تقرير المصير . فإن مصير البشر قد تقرر من الأعلى ، من التخطيط الإلهي العام ولن يكون منبثقاً من البشر أو ناتجاً عن آرائهم الناقصة .

 

إلى غير ذلك من النتائج ، التي سيأتي التعرض لأسبابها ونتائجها مفصلاً .

الجهة الثانية : المذهب الذي يتخذه المهدي (ع) من مذاهب الإسلام ، يمكنأن يراد من المذهب أحد المعنيين :

المعنى الأول : أن يراد بالمذهب مجموع الأفكار المتبناة من العقائد والفقه السائد بحيث يكون كلام شيوخ المذهب وعلمائه دخيلاً في بلورته وصقل فكرته .

المعنى الثاني : أن يراد بالمذهب العقائد الرئيسية التي تشكل حجر الزاوية فيه والأساس الرئيس له ...كالقول بالعدل والإمامة الذين كانا محل الخلاف بين الإمامية وغيرهم من المسلمين .

فإن أردنا المعنى الأول من المذهب، فينبغي لنا أن نجزم بأن المهدي (ع) سيغار في تفاصيل تشريعه كل مذاهب المسلمين الموجودة قبل ظهوره ، ولايحتمل فيه أن يكون منسوباً إلى أي من المذاهب السائدة . لأن الكثير من أفكار كل مذهب. ناتج عن أفكار مفكريه واستنتاجات علمائه ، وهي– على أي حال - قابلة للخطأ والصواب. ما لم تكن من ضروريات الدين أو واضحات العقل .
 

صفحة (68)
ــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 3/ 85.

والمهدي (ع) سيطبق عند ظهوره الإسلام الواقعي كما جاء به النبي (ص) سواء وافق الأحكام المعروفة للمذاهب أو خالفها . وسيأتي بقوانين إسلامية جديدة لتنظيم العالم . ليجعله كله على عتبة الرقي والتكامل .

ولذا صرح عدد من علماء العامة ومفكريهم في مناسبات مختلفة . بعد انطباق أحكام المهدي مع شيء من المذاهب الأربعة . ولا غيرها .

 قال ابن العربي في الفتوحات المكية (1) في كلامه عن المهدي : به يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص .أعداؤه مقلدة العلماء أهل الإجتهاد لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم ....

 وقال السيوطي : (2) عن الحكم الذي سيمارسه عيسى بن مريم (ع) - وهو العضد الأيمن للمهدي (ع) ، كما سنعرف -، في دولة الحق ، قال: وإذا قلتم أنه يحكم بشرع نبينا ، فكيف طريق حكمه به المذهب من المذاهب الأربعة المقررة ، أو باجتهاد منه ؟! .

هذا السؤال أعجب من سائله !!!!! وأشد عجباً منه قوله  فيه : بمذهب من المذاهب الأربعة !!!! .فهل خطر ببال السائل : أن المذاهب في الملة الشريفة منحصرة قي أربعة ، والمجتهدون من الأمة لا يحصون كثرة ...فلأي شيء خصص السائل المذاهب الأربعة .

ثم  كيف يظن بنبي أنه يقلد مذهباً من المذاهب ، والعلماء يقولون : إن المجتهد لا يقلد مجتهداً ، فإذا كان المجتهد من آحاد الأمة لا يقلد ، فكيف يظن بالنبي أنه يقلد .

إلى غير ذلك من الكلمات التي لا حاجة إلى استقصائها .

وأما موقف الإمامية من ذلك ، فواضح .فإنهم يعتبرون المهدي (ع) ، مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي ، بصفته الإمام الثاني عشر من ائمتهم (ع) . فمن غير المحتمل لديهم رجوعه في التشريع أو غيره إلى أحد علمائهم أو إلى أكثر بل هو يستقيل ببيان التشريع الإسلامي ، ويكون واجب الطاعة في غيبته .

وأما إذا أردنا بالمذهب ، ما يعود إلى  المقومات الرئيسية كالإعتقاد بالعدل والإمامة وعدمه ...

 

صفحة (69)
ــــــــــــــــــ

(1) ج3 ص327.  (2) انظر الحاوي للفتاوي، للسيوطي ج2 ص280.

 

فالملاحظ بالنسبة إلى المهدي (ع) سكوت الأخبار الواردة في مصادر العامة والجماعة عن مذهبه ، سكوتاً تاماً، في حدود اطلاعنا . فلو أردنا الجواب على مثل هذا السؤال وهو : ان المهدي من أهل السنة ، يؤمن بأصولهم الإعتقادية ، أو بالأهم  منها على الأقل ... كان ذلك متعذراً عن طريق الأخبار .

ومن هنا سكتت كلمات محققيهم عن التعرض لذلك .. واكتفوا بالقول بأنه يطبق الدين الحقيقي ، من دون اي إشارة إلى أنه ممن يوافقهم في المذهب أولاً .

نعم ، من يرى منهم بأن المهدي (ع) يعمل بفقه أحد المذاهب الأربعة يرى – بطبيعة الحال - أنه ملتزم عقائدياً بما يعتقدونه ، غير أن محققيهم اعترضوا على هذا القول واستنكروه ، كما سمعنا .

إذاً، فلم يتم الإثبات التاريخي الكافي لذلك .

نعم ، تبقى هناك فكرتان :

إحداهما أشمل من الأخرى ، لا بد من عرضهما  في هذا الصدد:

الفكرة الأولى : فيما تقتضيه القواعد العامة ، من تعين مذهبه على وجه الإجمال .

من المسلم به بين المسلمين كون أحد المذاهب الموجودة بين مذاهبهم حقاً . وأن المذاهب الأخرى باطلة غير مطابقة للعقائد الإسلامية الصحيحة .وسبق أن قلنا أن اصحاب الإمام المهدي (ع) الممحصين في عصر الغيبة ، إنما يكونون من ذلك المذهب أياً كان – دون غيرهم . ليتم تمحيصهم عل الحق وإخلاصهم له، لا على غيره، كما هو واضح .

ومعه فلا بد من الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) هو ذلك المذهب الحق الذي يختار له الله تعالى عليه اصحابه. ولا يحتمل أن يكون مخالفاً لهم في المذهب لانه يلزم منه أن لا يكون أحدهما على الحق وهو باطل بالضرورة.

واما تعيين هذا المذهب الحق وتسميته من دون المذاهب الأخرى ... فهذا راجع إلى وجدان كل مسلم ، وما قام الدليل عنده من صحة أي مذهب من المذاهب . ستكون الفكرة الأولى لدى الفرد المسلم أن يقول : إن المذهب الحق هم مذهبي ، والدليل على صحته قائم عندي، إذا فالمهدي يكون عليه ، هكذا يقول أهل كل مذهب ...، يبقى مذهب المهدي – بعد ذلك – مجملاً .
 

صفحة (70)
 

 

وقد لا يكون هذا ضائراً ، فإن التعرف الإجمالي على مذهبه ، بالشكل الذي قلناه ، كاف على المستوى الذي يقنع سائر المسلمين . ويكون البحث فيه إسلامياً عاماً غير طائفي . ويكون المهدي (ع) – في ذاته – مختاراً في تطبيق المذهب الذي يريده على العالم .

الفكرة الثانية : وهي اخص من سابفتها ، فإنه يمكن القول : بأن المهدي (ع) على المذهب الإمامي الإثني عشري . وذلك باعتبار القرائن والمراجحات التالية :

المرجح الأول : ما ورد أن المهدي (ع) من أهل البيت ومن العترة وقد سمعنا عدداً من هذه الأخبار فيما سبق .ومنها ما هو موجود في الصحاح الستة ،  التي سنقتصر على النقل عنها :

أخرج أبو داود(1) وابن ماجة (2) عن أم سلمة ، قالت : سمعت رسول الله (ص) قول إن المهدي من عترتي من ولد فاطمة .

وأخرج أبو داود أيضاً(3) قوله (ص) : لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث .

وأخرج ابن ماجة (4) قوله (ص) : المهدي منا أهل البيت ... الحديث.

وأخرج الترمذي (5) قوله (ص) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي .

إلى غير ذلك من الأخبار .

وإن أخص موارد انطباق مفهومي العترة وأهل البيت هم : بنت النبي (ص) الزهراء وزوجها وولداها ، وقد يشمل سلمان الفارسي رضوان الله عليه الذي ورد في شأنه قول النبي (ص) : سلمان منا أهل البيت(6) . فليكن الإمام المهدي (ع) على مذهبهم . وليس هو غامضاً ولا مجملاً في التاريخ .

·     

صفحة (71)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر السنن ج 2 ص 422.  (2) انظر السنن ج2 ص 1368.

(3) انظر السنن ج2 ص 422.   (4) انظر السنن ج2 ص 1367.

(5) انظر الجامع الصحيح ج 3 ص 343 . (6) انظر اسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الاثير 2 ص331 . ذكر من رواية .

/*

المرجح الثاني : ما ورد من الأخبار في مصادر العامة من أن الأئمة اثنا عشر بعد النبي (ص)... أما بالنص على أن المهدي (ع) هو آخرهم أو بدون ذلك . فإنها تنطبق على الإتجاه الإمامي في فهم الإسلام بالتعيين ، دون غيره ، ومعه ، يتعين الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) موافق لهذا الإتجاه .

أخرج البخاري(1) عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي (ص) يقول : يكون اثنا عشر أميراً . فقال كلمة لم أسمعها .فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش .وأخرج مسلم (2) نحوه .وذكر  له أسناد عديدة إلى جابر بن سمرة.

وأخرج الترمذي (3) عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله (ص) : يكون من بعدي اثنا عشر أميراً .قال : ثم تكلم بشيء لم أفهمه .فسألت الذي يليني ، فقال : كلهم من قريش . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقد روى من غير وجه عن جابر بن سمرة .

وأما ما رواه أحمد وغيره في خارج الصحاح .فكثير.

وإذا تعين صحة الإتجاه الإمامي ، بهذه الأخبار ، ثبت كون المهدي هو الثاني عشر من هؤلاء الأمراء الذين يشير اليهم النبي (ص) .وهو المطلوب .

كالذي أخرجه القندوزي في ينابيع المودة (4) نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : قدم يهودي يقال له : نعثل فقال :يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ... إلى أن يقول : فما من نبي إلا وله وصي ، وأن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون ، فقال : إن وصيي علي بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين . قال :يا محمد قسمهم لي : قال : إذا  مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه جعفر . فإذا مضى جعفر فإبنه موسى ، فإذا مضى  موسى فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه  الحسن ، فإذا مضى الحسن فإبنه الحجة محمد المهدي .

فهؤلاء اثنا عشر .


صفحة (72)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر الجامع الصحيح ج 9 ص 101.  (2) انظر صحيح مسلم ج 6 ص 3-4 .

(3) انظر الجامع الصحيح ج3 ص 240 .  (4) انظر ص 529 ط النجف . وص 369 ط الهند عام 1311 هـ .

 

وهذه النتيجة ، وهي صحة الإتجاه الإمامي في فهم المهدي (ع) ،ومن ثم  القول : بأن المهدي إمامي المذهب وأنه أحد الأئمة الإثنا عشر ....هذه النتيجة لازمة لكل من يقول من علماء العامة : بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري ، كإبن عربي في الفتوحات المكية على ما نقل عنه في إسعاف الراغبين (1) ، إذ نسمعه يقول: " وهو عترة رسول لله (ص) من ولد فاطمة رضي الله عنها . جده الحسين بن علي بن أبي طالب. ووالده الإمام حسن العسكري بن الإمام علي النقي بالنون ابن الإمام محمد (التقي بالتاء ابن الإمام علي)(2) الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد ( التقي بالتاء ابن الإمام علي ) الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . يواطىء اسمه اسم رسول الله (ص) ..."

وكذلك الشعراني في اليواقيت والجواهر(3)، إذ قال هناك : المهدي من ولد الإمام حسن العسكري . وذكر موافقة الشيخ حسن العراقي وسيدي علي الخواص على ذلك .

وكذلك كمال الدين بن طلحة في مطالب السؤول(4) حيث قال : الباب الثاني عشر: في أبي القاسم بن محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب . المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر (ع) ورحمة الله و بركاته .


صفحة (73)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 142

(2) ما بين القوسين عبارة نقلت من  محله إلى المحل الذي اثبتناه بين القوسين فيما يلي وهو خطأ مطبعي غريب . وهي في الاول صحيحة وفي الثاني خاطئة.

(3) انظر ص 288 ط 1306 وانظر اسعاف الراغبين ص141.

(4) انظر ص 79.

 

وكذلك الحافظ الكنجي في كتابه البيان(1) حيث قال : وأما بقاء المهدي (ع) : فقد جاء في الكتاب والسنة ...ثم شرح ذلك إلى أن قال :وأما ألإمام المهدي (ع) : مذ غيبته عن الأبصار إلى يومنا هذا لم يملا الأرض قسطاً وعدلاً ، كما تقدمت الأخبار في ذلك . فلا بد أن يكون ذلك مشروطاً بآخر الزمان .فقد صارت هذه الأسباب لإستيفاء الأجل المعلوم (2) .أقول : وهذا الكلام منه واضح في اختيار الإتجاه الإمامي في فهم المهدي .

وكذلك ابن الصباغ في الفصول المهمة (3) إذ نجده يتحدث عن المهدي مفصلاً ، وقال- فيما قال - :وأما نسبه أماً وأباً ، فهو ابو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب  صلوات الله عليهم أجمعين ...وأما لقبه : فالحجة والمهدي والخلف الصالح والقائم النتظر وصاحب الزمان ... الخ .

وذكر الحافظ القندوزي في ينابيع المودة ، عدداً من العلماء الذاهبين إلى ذلك : منهم : الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح الدائرة(4) وشيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي والشيخ عطار النيشابوري وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي والسيد نعمة الله الولي والسيد النسيمي(5) والشيخ عزيز بن محمد النسفي(6) مضافاً إلى من ذكرناهم قبل قليل .

المرجح الثالث : اعتراف الأئمة المعصومين السابقين عليه به عليه وعليهم السلام .....بل تنويههم به والحث عى إطاعته وانتظاره في عدد من الأخبار تفوق حد التواتر . وقد نقل عنهم بعض هذه الأخبار عدد من مصادر العامة كالبيان للكنجي ، وينابيع المودة للقندوزي وغيرهما .


صفحة (74)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 109 (2) انظر ص111 من البيان
(3) انظر ص310 (4) انظر ينابيع المودة ص 565 ط النجف وص 293 ط الهند.

(5) المصدر ص 566 ط النجف وص 293 ط الهند . (6) المصدر ص 569 ط النجف وص 359 ط الهند .

أما علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) :

فأخرج عنه الكنجي(1) وابن ماجة (2) وغيرهما ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة .

وأما فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص) فقد قال لها أبوها .

 كما أخرجه عنه للكنجي في البيان (3) وابن الصباغ في الفصول المهمة (4) وغيرهما ، واللفظ للكنجي –: أنا خاتم  النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله ، وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك ... ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيدا شباب أهل الجنة . وأبوهما – والذي بعثن بالحق – خير منهما . يا فاطمة والذي بعثني بالحق  وإن منهما مهدي هذه الأمة ، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن .... الحديث .

والإمام الحسن الزكي بن علي (ع) نظر إليه النبي (ص) – فيما رواه السيوطي -(5) فقال: إن ابني هذا سيد ، كما سماه النبي (ص) ، سيخرج من صلبه رجل يسمى اسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبه في الخلق .

واخرج السيوطي (6) عن ابن عساكر عن الحسين (ع) أن رسول الله (ص ) قال : أبشري يا فاطمة ، المهدي منك.

وأخرج أيضاً (7) عن الدار قطني في سنته عن محمد بن علي (وهو الإمام الباقر عليه السلام) قال: إن لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ... الحديث .

وأخرج عنه (ع) أيضاً بكنيته : أبي جعفر(8) بعض الأخبار .


صفحة (75)

ــــــــــــــــــ

(1)انظر البيان ص 65 . (2) انظر السنن ج2 ص 1367 .

(3) انظر ص 56 . (4) انظر ص 314  وما بعدها.

(5) انظر الحاوي للفتاوي ص 125 ج 2 . (6) نفس المصدر ص 137 .

(7) المصدر ص 136. (8)المصدر ص 141.


 

واما الإمام  أبو عبد الله الصادق (ع) ، فقد كان له في ذكر الإمام المهدي (ع) موقف عاطفي عظيم ...أخرج القندوزي(1) عن المناقب عن سدير الصيرفي قال دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وإبان بن تغلب على مولانا ابي عبد الله جعفر الصادق(رضي الله عنه) فرأيناه جالساً على التراب وهو يبكي بكاءً شديداً ويقول : سيدي غيبتك نفت رقادي وسلبت مني راحة فؤادي .قال سدير : تصدعت قلوبنا جزعاً . فقلنا : لا ابكى الله يا ابن خير الورى عينيك . فزفر زفرة انتفخ منها جوفه . فقال : نظرت في كتاب الجعفر الجامع صبيحة هذا اليوم ...وتأملت فيه مولد قائمنا المهدي وطول غيبته وطول عمره وبلوى المؤمنين في زمان غيبته ... الخ الحديث وهو مطول .

والإمام الرضا علي بن موسى (ع) بشر بالمهدي (ع) أيضاً :

أخلرج القندوزي(2) عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين بإسناده عن دعبل بن علي الخزاعي قال :أنشدت قصيدة لمولاي الإمام علي الرضا ، رضي الله عنه . أولها:

            مدارس آيات خلت من تلاوة       ومنزل وحي مقفر العرصات
إلى أن قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة عنده فلما انتهيت إلى قولي :

           خروج الإمام لا محالة واقع      يقوم على اسم الله والبركات

           يميز فينا كل حق وباطل         ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا بكاء شديداً . ثم قال : يا دعبل نطق روح القدس بلسانك .أتعرف هذا الإمام ؟ قلت : لا . الا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . فقال : إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم .وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره ، فيملأ  الأرض قسطاً وعدلاً  كما ملئت جوراً وظلماً . الحديث .

 

صفحة (76)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ينابيع المودة ص 454 ط النجف وص 379 ط الهند.

(2) المصدر ص 544 ط النجف وص 379  ط النجف  


 

وروى القندوزي في الينابيع(1) حادثة ولادة المهدي (ع) . وفيها بشارة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) بولادته ... منها قوله عن أمه رضي الله عنها :أنه سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل  يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

فهذا ما روته المصادر العامة عن الأئمة المعصومين (ع) ، وقد أخرجت عن كل منهم عدداً من الأحاديث ، ذكرنا قسماً منها كنموذج .واما المصادر الإمامية فقد روت عن جميع المعصومين عدداً وافراً من الأخبار  في التبشير بالمهدي (ع) ، لا حاجة إلى نقلها .

والأئمة المعصومين عليهم السلام ، بغض النظر عن المفهوم الإمامي عنهم ، أناس أتقياء علماء صالحون ، لا يوجد لهم في المصادر العامة إلا الذكر الجميل ومذهبهم الإسلامي أشهر من أن يذكر . فإنهم جميعاً إماميون اثنا عشريون يؤمن كل منهم بإمامة نفسه وإمامة الباقين من آبائه وأولاده .

ومن هنا ينبثق عندنا تقريبان  لتعيين مذهب الإمام  المهدي على هذا الضوء :

التقريب الأول : إنه من غير المحتمل أن يقوم الأئمة المعصومون بهذا التأييد للإمام المهدي (ع) وينوهوا به هذا التنويه المتواصل الشديد ، وهو شخص يختلف عنهم في المذهب ، ويغايرهم في الفهم والمعتقد الإسلامي إذاً فيتعين ان يكون الإمام المهدي على مذهبهم واتجاههم واعتقادهم ، وهو المطلوب .

التقريب الثاني : إننا لو قلنا بأن المهدي (ع) يختلف عنهم في المذهب ، للزم الإلتزام  ببطلان مذهبه أو مذهبهم ... باعتبار وضوح أن المذهب  الحق واحد في الإسلام بالضرورة والإجماع ، وهذا مما لا يمكن التفوه به تجاه الأئمة المعصومين ولا تجاه المهدي .إذاً فهم جميعاً على مذهب واحد .

 

صفحة (77)
ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص450 ط النجف وص376 ط الهند . وانظر ص464 ط النجف.

المرجح الرابع : ما اعترف به عدد من علماء العامة والجماعة ، من أن المهدي (ع) لا يفضل عليه أبو بكر وعمر .

روى السيوطي في العرف الوردي(1) بسنده عن محمد بن سيرين أنه ذكر فتنة تكون. فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر . قيل : أفيأتي خير من أبي بكر وعمر. قيل أفيأتي خير من أبي بكر وعمر ؟!

قال : قد كان يفضل على بعض .

قال السيوطي: قلت : في هذا ما فيه . وقال ابن أبي شيبة في المصنف في باب المهدي : حدثنا أبو أسامة عن عوف بن محمد – هو ابن سيرن -  قال : يكون علي هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر.

قال السيوطي : قلت هذا اسناد صحيح ، وهذا اللفظ أخف من الأول ... إلى آخر كلامه. وظاهر اللفظ أنه خبر عن ابن سيرين نفسه لا عن النبي (ص) . إذاً فابن سيرين يرى عدم أفضلية الشيخين على المهدي .ووافقه البرزنجي في الإشاعة ، حيث قال بعد نقل مل ذكره السيوطي(2) :وتقدم عن الشيخ في الفتوحات أنه معصوم في حكمه مقتف أثر النبي(ص) لا يخطىء أبداً ، ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين وأن الأمور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله. فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما. وإن كان لهما فضل الصحبة ومشاهدة الوحي والسابقة ، وغير ذلك .والله اعلم .

قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي ومما يدل على أفضليته : أن النبي (ص) سماه خليفة الله ، وأبو بكر لا قال له إلا خليفة رسول الله .انتهى كلام البرزنجي .

وإذا تم ذلك ، فمن البعيد جداً، إن لم يكن من القبيح عقلاً واتباع الأفضل للمفضول ومسايرته في فهمه واتجاهه ... مع أن سر فضله كامن في الأطلاع على الحقائق والإتساع في النظر والعمل بشكل غير موجود لدى المفضول .

إذاً ، فكل واحد من هذه القرائن ، يبرهن على أن مذهب الإمام المهدي (ع) من حيث الأصول الرئيسية ، هو المذهب الإمامي الإثنا عشري ، بحسب الأدلة التي ينبغي أن يعترف بها سائر المسلمين .

 

صفحة (78)
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر الحاوي للفتاوي ج2 ص 153.

(2) أنظر الإشاعة في اشراط الساعة ص 113.

 

وأما عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، فهذا من الضروريات القطعيات ، التي لا يمكن أن يرقى إليها الشك. وتدل عليه أعداد غفيرة من أخبارهم في المهدي ، مما لا حاجة إلى الإفاضة فيه . يكفي في ذلك أن نعرف أنهم يرون أن المهدي إمامهم الثاني عشر ، وأنهم يرون وجوب طاعته ولزوم انتظاره .

وفي أخبار المصادر العامة ما يدل على ذلك ، وقد سمعنا قبل قليل بعضها وفيها تعبير الأئمة المعصومين عنه (ع) بقائمنا ومهدينا ونحو ذلك فليرجع القارىء إليها .

الجهة الثالثة : موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية وأمثالها .

وهي عدة مفاهيم ذات مدلول أناني ضيق يتضمن تفضيل عنصر على عنصر من البشر على أساس الدم أو اللغة أو اللون أو الوطن أو القبيلة  أو نحو ذلك . ولنصطلح عليها جميعاً بالعنصرية ، من أجل تخفيف التعبير .

والرأي الذي لا بد من الجزم به ، باعتبار الأدلة الآتية ، هو أن موقف الإمام  المهدي (ع) من العنصرية دائماً موقف سلبي ومعارض ...بل دعوته ودولته عالمية تصل إلى كل البشر على حد سواء بدون تفضيل لجماعة على أخرى .

ويمكن إقامة الدليل على ذلك على عدة مستويات :

المستوى الأول: أن دعوة المهدي (ع) قائمة على ألإسلام ، كما برهنا فإنه إنما يطبق الإسلام على وجه الأرض ، ويرفض أي عنصرغريب عنه أو أجنبي .

ونحن نعرف أن الإسلام نص بكل صراحة على إلغاء العنصرية ، بمثل قوله تعالى :

" يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم .إن الله عليم خبير"(1) .وقول النبي (ص) المشهور عنه : " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"

والإسلام دين الناس أجمعين وليس خاصاً بأحد ، قال الله تعالى : " قل: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً "(2) .


صفحة (79)

ــــــــــــــــــ

(1) الحجرات : 49/ 13.   (2) الأعراف : 7/ 158.

وقال عزوجل : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن اكثر الناس لا يعلمون "(1).

وقد أعطى الإسلام للتفاضل أسساً جديدة ، لا تمت إلى أي شكل من أشكال العنصرية بصلة . وهي ثلاثة :

الأساس الأول : العلم . قال الله سبحانه :" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .إنما يتذكر أولوا الألباب "(2) .

الأساس الثاني : التقوى : قال تعالى " إن أكرمكم عند الله اتقاكم "(3) ويدل عليه الحديث النبوي الشريف السابق أيضاً .

الأساس الثالث : الجهاد : قال الله تعالى :" لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة ،وكان الله غفوراً رحيماً"(4) .

هذا بعد التساوي بالإسلام وحسن العقيدة والتطبيق بطبيعة الحال. ولا يبقى ذلك في الإسلام أي تفاضل. وإنما الناس سواسية كأسنان المشط ، تجاه عدله الكامل ... يكون العظيم عنده صغيراً حتى يأخذ منه الحق ، والحقير عنده عظيماً حتى يؤخذ  له الحق .

فإذا كان هذا هو الرأي الصريح للإسلام ، وهو الأمر العادل بحكم العقل أيضاً وفطرة الفكر ، كما أشار إليه سبحانه حين قال :" إنما يتذكر أولوا الألباب ".إذاً ، فالمهدي (ع) سوف يسير على ذلك أيدولوجيته العامة ، وتفاصيل تشريعه وقضائه ، وكيف لا ، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويطبق الأطروحة العادلة الكاملة.

وقد يخطر في الذهن هذا السؤال :إن الإسلام مهما شجب العنصرية ، فإننا نعرف إلى جنب ذلك: أن الإمام المهدي (ع) سيأتي بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد. فلعل فيما يأتي به من الأمور انفاذ العنصرية والإعتراف ببعض حدودها ومعه لا يكون الدليل تاماً.


صفحة (80)

ــــــــــــــــــ

(1) سبأ : 24/ 28 . (2) الزمر: 39 /9.

(3) الحجرات :49/13 .(4) النساء :4/95-96 .

 

 

وجواب ذلك :انه سيأتي في مستقبل البحث –أيضاً – أن ما يعلنه المهدي في دولته ، مهما كان جديداً وعميقاً ومفصلاً ، إلا أنه يتعدى مستوى التطبيقات والتنظيمات للمجتمع الذي يحكمه ، بالشكل الذي لا يكون خارجاً بأي حال على التشريعات والمفاهيم الرئيسية في الإسلام ولا مضاداً لها .ومن الواضح أن شجب العنصرية بكل أشكالها من واضحات الأسلام ونص الكتاب والسنة .إذاً ، فمن غير المحتمل أن يقوم الإمام المهدي (ع) بتغيير ذلك .

المستوى الثاني :إن دعوة المهدي (ع) ودولته عالمية ، كما هو ضروري الوضوح لكل معترف به من المسلمين ، وسيأتي التعرض للنصوص الدالة على ذلك بصراحة .

والدعوة العالمية على طول الخط منافية مع العنصرية .ولذا نرى سائر المبادىء في التاريخ :ممن طمعت بالإستيلاء العقائدي على العالم ، تقف من العنصرية موقفاً ، سلبياً ، وتعتبرها نظرة ضيقة لا ترقى إلى اسلوبها الواسع وأفقها الرحب .

وحيث كانت دعوة المهدي (ع) عالمية ، إذاً ، فهي تنافي العنصرية كأي دعوة عالمية أخرى .بمعنى أنه بمجرد أن يتخذ بعض شعارات العنصرية فإن دائرة دعوته ستكون ضيقة ، وسيتعذر عليه بأي حال ، أن تبقى دعوته عالمية ، وهذا خلاف الضرورة والتواتر عن دعوة المهدي (ع) .وسيخل بتأسيس الدولة العالمية ،وهو خلاف ما استهدفه هذا القائد العظيم في ظهوره والغرض الأساسي الذي وجد التخطيط الإلهي من أجله .

وقد يخطر في الذهن : أن ما دل عليه الدليل القطعي . بالضرورة والتواتر هو استيلاء المهدي (ع) على العالم بأجمعه واتساع رقعته ،وهذا لا ينافي الإعتراف من قبله ببعض أشكال العنصرية .

والجواب على ذلك :أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ، إن كان غزواً عسكرياً مجرداً ، فهذا الذي قاله السائل صحيح .فإن الغزو العسكري المجرد لأجل الحصول على السلطة ، يناسب مع الإعتقاد بالعنصرية ومع رفضها فلا يكون  مجرد الإستيلاء على العالم دليلاً على شجب العنصرية .

إلا أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ليس مجرد غزو عسكري بل هو دعوة عقائدية وأطروحة عادلة يريد نشرها وتطبيقها على البشرية أجمعين و تربية البشر على أساسها تربية صالحة . لتتحقق العبادة المحضة لله عز وجل على وجه الأرض ،كما هو الغرض الأساسي من الخلق ومن اليوم الموعود .


صفحة (81)

 

والدعوة إذا كانت عالمية هذا الشكل ، فإنها تكون منافية للعنصرية بالمرة وذلك بعد الإلتفات إلى مجموع أمرين :

الأمرالأول : إن التطبيق الحقيقي للعدل والتربية العادلة ، لا يمكن إتمامه إلا بجو من الإنسجام والتقبل النفسي للفرد والجماعة ، لكي تترسخ القواعد الأساسية والسلوك الصالح في عالم الحياة .وأما مع جو الإنزجار والتأفف والتباعد ، فلا يمكن أن تنال البشرية مثل تلك النتائج الصالحة ، ومن ثم لا يمكن تطبيق العبادة الكاملة على تلك الجماعة فيكون مخلاً بالغرض الأساسي لخلق البشرية .

الأمر الثاني :إن الإعتراف بالعنصرية بأي شكل من أشكالها ، يعني أن العنصر الآخر ، الذي لم يعترف به من البشر ، وقام النظام على الإلتزم  بتسافله وخسته أمام العنصر المفضل، إن هذا العنصر سوف يشعر بالغربة في ذلك النظام وبالتعقيد النفسي والإنزجار والتأفف تجاهه. بطبيعة الحال.

ونحن إذا لاحظنا العالم ككل لم نجد أي عنصر من العناصر التي يتبناها العنصريون يشكل أكرية في العالم ، وإنما يشكل الأقلية على طول الخط . وهذا يعني بكل وضوح ، أن الدولة العالمية لو تبنب أي عنصر من العناصر، وفضلته على غيره ، فإنها تتبنى مصالح الأقلية من شعبها وتعتبر أكثريتهم من الجنس الأخس الأدنى إذاً فستحس الأكثرية بالتعقد والإنزجار تجاه تلك الدولة بحكم كونهم محكومين بالخساسة والتسافل في نظامها. و بالتالي ستتعذر تربيتهم الالحة المطلوبة ، ويكون الغرض من أصل الخليقة متخلفاً وفاشلاً .

وباستحالة تخلف هذا الغرض ، نعرف لزوم كون الدولة العالمية المهدوية سلبية تجاه العناصر البشرية ، وحيادية تجاه التفاضل بينها ، وملغية لها كأساس للتفاضل تماماً ...توصلاً إلى التربية العادلة للبشرية اجمعين

وقد يخطر في الذهن كان الفكر الحديث قد طور مفهوم العنصرية ، فقد أصبحت لا تعني تفضيل عنصر على عنصر ،وإنما كل ما تعنيه هو الإهتمام بمصالح مجموعة معينة مشتركة في اللغة أو الوطن ـ وغير ذلك ، انطلاقاً من اشتراكها بالمصالح والتاريخ والآمال، وهذا لا يتضمن تفضيلاً لأحد .

وجواب ذلك : إنه بغض النظر عن أن هذا التطوير لا يخرج بالفكرة عن التحديد والأنانية ، ومن ثم عن العناصر نفسها ... بغض النظر عن ذلك ، فإنها أوضح بعداً عن الفكرة العالمية المهدوية من  العنصرية نفسها ، لأن المفروض فها أفهتمام بمجموعة معينة لا بمجموع البشر ..ومن الواضح إلى حد الضرورة أن الدولة العالمية تهتم بمصالح و تربية وآمال مجموع البشرلا بمجموعة معينة مهما كانت صفتها .


صفحة (82)


وقد يخطر في الذهن: أن هذا الإتجاه لا يصح في الدولة العالمية ، ولكنها قد تعطي للشعوب أو العناصر المختلفة الإهتمام بصفاتها تلك . من دون أن يكون للحكم المركزي نفسه تركيز على جهة دون جهة .

وجواب ذلك إن هذا غير محتمل أيضاً ، لمخالفة هذا الإتجاه مع العدل الكامل من عدة جهات ، أوضحها ما يحدث بين العناصر المختلفة من التشاحن والتعاقد نتيجة لحرية التفاخر والتركيز العنصري ..الأمر الذي ينافي كل المنافات مع العدل الكامل .

نعم . قد تبقى اتجاهات فردية متفرقة ، ناشئة من (لا شعور ما قبل الظهور) تتضمن الإحساس بأهمية العنصر أو الطبقة ... ولكنها تذوب تدريجياً تحت التربية المركزة والمستمرة التي تقوم بها الدولة العالمية طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة .

المستوى الثالث : الإستدلال بما وردنا من الأخبار الدالة على نفي العنصرية وعلى وجود الفكرة المنفتحة والمتعادلة من هذه الناحية في دولة المهدي (ع) .

وهي على أنحاء :

النحو الأول : ما دل على أن حكم المهدي (ع) يكون قاسياً وشديدا على العرب ...باعتبار فشل أكثرهم في التمحيص الإلهي حال الغيبة ، وتقصيرهم تجاه الشريعة الإسلامية . فلو كان الإمام المهدي (ع) عنصرياً لكان يميل إلى أبناء لغته ، على كل حال .

والأخبار بذلك متظافرة لدى الفريقين : فمنها : ما أخرجه البخاري(1) عن زينب بنت جحش،  أنها قالت: استيقظ النبي (ص) من النوم  محمراً وجهه يقول كلا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ... الحديث .

وتأسف النبي (ص) وتحذيره منصب على انحراف العرب وخروجهم على شريعته بقرينة الحديث الذي يليه ، والذي يقول فيه .

 

صفحة (83)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر صحيح البخاري ج9 ص60

فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر(1). ورواه الترمذي(2) وقال :هذا حديث حسن صحيح .وأخرجه ابن ماجة في سنته (3).

وأخرج ابن ماجة(4) عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله (ص)  : تكون فتنة تستنظف العرب .قتلاها في النار .اللسان فيها أشد من وقع السيف .

وفيه دلالة واضحة على فشل العرب في التمحيص في عصر الفتن والإنحراف خلال الغيبة الكبرى ، وهو ما حدث فعلاً ،وحيث نعلم موقف الإمام المهدي (ع) من كل فاشل في التمحيص .كما سيأتي مفصلاً ، نعرف موقفه من هؤلاء العرب الفاشلين ،

ومنها : ما أخرجه النعماني في الغيبة (5) :

عن أبي بصير ، قال ك قال أبو جعفر(ع) :  يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد  وقضاء جديد . على العرب شديد ، ليس شأنه إلا  السيف ... ولا يأخذه في الله لومة لائم .

وفي حديث آخر (6) عن أبي عبد الله (ع) ، انه قال :

إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف ... الحديث .

إلى غير ذلك من الأحاديث ، الدالة على  أن الميزان الصحيح في نظر القائد المهدي (ع) هو الإيمان والنجاح في التمحيص ، وليس هو اللغة ولا القبلية .فهو لا يميل إلى أهل لغته : العرب ، ولا إلى قبيلته : قريش . بل يأخذهم أخذاً شديداً نحو طاعة الله تعالى ، ويعاقبهم على ما سلف منهم من الذنوب.


صفحة (84)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر والصفحة .      (2) انظر الجامع الصحيح للترمذي ج3 ص325

(3) انظر ج2 ص1305منه. (4) المصدر ص1312

(5) ص122                  (6) المصدر والصفحة.

 

وفي هذه احاديث عديدة ، اقتصرنا منها على مقدار النموذج .

النحو الثاني : ما دل من الأخبار على أن أصحابه الممحصين الخاصين الذين يجتمعون إليه ويحاربون بين يديه . ليسوا من عنصر واحد و بل هم من مختلف بلدان العالم .

فمن ذلك :

ما أخرجه الشيخ في الغيبة(1) عن أبي بصير عن عبد الله يقول فيه عن أبي عبد الله (ع) يقول فيه عن أصحاب القائم (ع ) : فيتوافون من الآفاق ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً وعدة أهل بدر .

اقول : وفيه دلالة على ورودهم إليه من مختلف البلدان في العالم .

وما أخرجه النعماني في غيته(2) بإسناده عن علي (ع) يقول فيه :

ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ،ما بين الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والثمانية والتسعة والعشرة .

أقول : وهو نص في عدم التمييز بين القبائل والأنساب في أصحابه ، وإنما الميزان هو عمق الإخلاص وقوة الإيمان والإرادة .

وأخرج(3)في خبر آخر عن الإمام الباقر (ع) وقال :

أصحاب القائم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً . من أولاد العجم بعضهم .

أقول : والمراد بالعجم غير العرب لا خصوص الفرس ، كما هو معروف في اللغة .

فليس الميزان هو اللغة أو الدم أو العنصر، وإلا لا يقبل المهدي (ع) القائم في أصحابه إلا العرب ، بل الميزان أمور أخرى اوسع واعمق .

النحو الثالث : ما دل من الأخبار على مشاركة غير العرب في حكم العالم وهداية الناس تحت ظل دولة المهدي (ع) .


صفحة (85)

ــــــــــــــــــ

(1) ص284 وما بعدها .  (2) غيبة النعماني ص168.

(3) المصدر ص170.

 

فمن ذلك : ما رواه النعماني في غيبته بسنده عن الإصبغ بن نباته قال:

سمعت علياً (ع) يقول : كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن ، كما أنزل :

اقول : وهذا إما يحدث في دولة المهدي (ع) لأنهم إنما يعلمون القرآن على أساس معانيه الواقعية ، مأخوذة من الإمام المهدي (ع ) نفسه . واما قبل ذلك فهو متعذر بطبيعة الحال .

المستوى الرابع : في الإستدلال على موقف المهدي (ع) من العنصرية إننا نضم فكرتين اثنتين واضحتين ، تنتجان نتيجة واضحة .

الفكرة الأولى :إن الإمام المهدي (ع) يسير بسيرة النبي (ص) ويطبق منهجه على المجتمع والحياة. وهو ما سبق أن أقمنا عليه الدليل . 

الفكرة الثانية : إن سيرة النبي (ص) في أصحابه ومجتمعه ، كانت بالضرورة على نفي العنصرية وشجبها بكل أشكالها ، وإعلان عقيدة الإسلام  ونظامه عاماً عالمياً لكل الناس .وقد جمع في اصحابه بين عبيد المجتمع وأحراره وبين عربه وعجمه وبين مختلف القبائل، وراسل ملوك العالم في عصره دعوهم إلى الإسلام ، وكلهم لم يكونوا عرباً .وإن أشهر أصحابه من غير العرب سلمان الفارسي وبلال وصهيب الحبشيان ...وهناك الكثير وغيرهم .

وأود بهذه المناسبة أن أروي ما أخرجه الترمذي (1) عن أبي هريرة ، قال :

كنا عند رسول الله (ص) حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها .فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)(2) قال له رجل : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا .فلم يكلمه .قال : وسلمان الفارسي فينا .

قال: فوضع رسول الله (ص) يده على سلمان ، فقال:والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجل من هؤلاء .

قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقد روى من غير وجه عن النبي (ص) .


صفحة (86)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر الجامع الصحيح: ج5 ص383.

(2) الجمعة : 62/ 3.             

أقول: وهو يدل بوضوح على مشاركة غير العرب بالإيمان العميق، عقيدة وتطبيقاً ... إذا كان المراد جعل سلمان الفارسي (رض) ممثلاً لهم .مع احتمال أن يكون المراد جعله ممثلاً لمستوى معين في الإخلاص و التفكير ويكون قوله (ص): رجال من هولاء ... يعني من كان متصفاً بذلك المستوى .

وعلى أي حال، فإن الملاحظ أن هذا الخبر غير دال بالمرة على أن سلمان الفارسي  من الآخرين الذين لم يلحقوا بهم ، المذكورين في الآية الكريمة ، بل هو دال على العكس ،كما هو واضح لمن يفكر. وأما السؤال عن معنى الآية فقد أعرض النبي (ص) عن جوابه .

وعلى أي حال :فما دامت دولة النبي (ص) خالية من العنصرية . إذاً فستكون دولة المهدي (ع) كذلك ، لأنه يستن بسنته ويسير بسيرته .

 

الجهة الرابعة : نظام الدولة المهدوية، هل هو مشابه لبعض الأنظمة السابقة عليه ، كالرأسمالية أو الإشتراكية أو غيرهما ، أولا ؟ .

والذي ينبغي الجزم به أساساً هو النفي المطلق ، وأن شيئاً من الأنظمة الاسبقة على الظهور، لا تصدق على نظام المهدي ولا تشمله .

و الدليل الحسي التطبيقي ، سوف لن يظهر ، إلا بعد الظهور، حين يتم تطبيق نظام الإمام المهدي (ع) ودولته العالمية ،ويكون في الإمكان مقارنته بالأنظمة السابقة عليه مقارنة حسية . وهذا لا يتم في العصر الحاضر بطبيعة الحال .

ولكننا نستطيع طبقاً للأدلة التالية ، الجزم بأن نظام المهدي (ع) مباين ومغاير تماماً مع أي نظام سابق عليه. وذلك : باعتبار الأدلة التالية :

الدليل الأول: أننا عرفنا أن ألإمام المهدي (ع ) سوف يطبق الإسلام وبصفته الأطروحة العادلة الكاملة ....وقد تم البرهان في بحوث الفكر الإسلامي على مغايرة  نظام الإسلام لسائر الإنظمة الأخرى .وأنه أطروحة مستقلة لحل مشاكل البشرية لا تمت إلى الحلول الأخرى بصلة .

ولا مجال لسرد تلك الأدلة في هذا التاريخ ، بطبيعة الحال ، إلا أنها تنتج بعد التسليم بصحتها مغايرة نظام الإمام المهدي (ع) للأنظمة السابقة عليه ... لأن نظامه هو الإسلام المغاير لتلك الأنظمة .

 

صفحة (87)
 

الدليل الثاني: إننا ننطلق من فكرة الحديث النبوي المتواتر ، القائل :إن المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ....ننطلق منه إلى النتيجة المطلوبة . فإننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1) أن البشرية عامة والأمة الإسلامية خاصة ، لا بد أن تمر بظروف صعبة وقاسية من الظلم والجور والإنحراف ... لكي تتمخض في نهاية المطاف عن عدد من المخلصين الممحصين يكفي للقيام بمسؤولية الدولة المهدوية ،ونتيجة لتلك الظروف (تمتلىء الأرض ظلماً وجوراً) وبجهود هؤلاء المخلصين تحت قيادة الإمام المهدي (ع) تمتلىء الأرض قسطاً وعدلاً) .

وإذا تساءلنا عن أسباب هذه الظروف ، تكشفت لنا خلال التاريخ المعاصر والسابق ، عن سلسلة متصلة ومتواصلة من الأسباب الكبيرة ... التي من أهمها أساليب الحكم الفردي الدكتاتوري التي مورست خلال التاريخ، وجود الكيان الرأسمالي الأوروبي – الأمريكي وما تبعه من الاستعمار بشكليه القديم والحديث .وما لاقى منه العالم بشكل عام والأمة الإسلامية بشكل خاص من بلايا وأضرار وكذلك محاولة فرض الحلول المدعاة لمشاكل العالم على الشعوب عن طريق الغزو الفكري للعالم (2) كما قامت به الشيوعية ، وهي تعلن إيمانها بحق تقريرالمصير للشعوب ، فيبدو موقفها متهافتاً غريباً .

ولئن كان الرأي العام العالمي ، قد أحيط علماً بحسب التجربة التاريخية القاسية التي عاشوها بالأضرار الناتجة عن الحكم الفردي والإستعمار الرأسمالي ،فإن الأعوام الآتية كفيلة بكشف ما في النظام الشيوعي من هنات ونقاط ضعف ومنطلقاً من ذلك نستطيع أن نعمم ونقول إن أي نظام وضعي بشري المولد ، موجود قبل الظهور ، يمثل في واقعه أهم أسباب الظلم والإنحراف في العالم ، إن كان بدوره ناتجاً عن ظلم وانحراف سابقيين .... ومعه فستكون المهمة الرئيسية للإمام المهدي (ع) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، أن يقوم بتغيير هذه الأنظمة والقضاء على جذورها وتفاصيلها .

الدليل الثالث: إن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية قائمة على المادية .وإسقاط العنصر الإلهي عن نظر الإعتبار، إما بالصراحة كالشيوعية والوجودية ، أو بالخفاء كالرأسمالية والفاشية والنازية والقوانين الرومانية والجرمانية ، ومتفرعاتها الحديثة ، فأنها قائمة على أساس دنيوي مادي صرف لا أثرللروح أو لله تعالى فيه .


صفحة (88)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص246 وما بعدها .

(2) بل قامت الشيوعية بالغزو العسكري المباشر ، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا عام 1969 وفي انغولا  هذا العام أعني 1976.

 

وقد علمنا أن نظام المهدي (ع) سيقوم على ربط الإنسان بربه وتربيته لجسمه وروحه . والربط بين هذه العناصر ربطاً عادلاً وعميقاً . وستكون كل  القوانين المطبقة قوانين إلهية إسلامية . حتى إن المهدي (ع) نفسه إنما يكون واجب الإطاعة باعتباره أحد أئمة المسلمين المخولين من قبل الله  تعالى للحكم والتقنين والتطبيق .

إذا فسوف لن يكون في دولة المهدي مجال للمادية بشكليها الصريح والخفي وسوف يتم القضاء عليها قضاء تاما ً.

الدليل الرابع: الإنطلاق من زاوية أخرى من القواعد التي فهمناها عن فكرة المهدي ... وقد أشرنا إليها في التاريخ السابق .(1)

وهي : أن التخطيط الإلهي قائم على اكتساح التمحيص الدقيق للأفراد والمبادىء ، وبذلك ينكشف بشكل حسي مبرهن ومدعم بالتجارب الكثيرة والمريرة، عن فشل كل دعوة تدعي لنفسها حل مشاكل العالم وتذليل مصاعبه، حتى ما إذا انكشفت وبان زيفها ونقاط الضعف فيها وأيست البشرية من أن تضع حلها لنفسها ...انبثق الأمل في أنفسها من جديد إلى حل جديد ونظام جديد ينقذها من وهدتها و يخرجها من ورطتها ،وهذا الأمل إحساس نفسي مجمل لازال في طريق التربية في نفوس البشر، كما هو المحسوس الآن بالوجدان ولا زالت الحوادث وما ينكشف من مساوىء الأنظمة والفلسفات الوضعية تؤيده وتدعمه .

وهو أمل مجمل ، لا يشيرعلى التعيين إلى الإسلام أو إلى نظام المهدي (ع) .ولكن الله تعالى يكون قد أعد لخلقه الإنقاذ الحقيقي والعدل الكامل على يد القائد المهدي (ع) ومخلصيه ،فإذا رأت البشرية نظامه وعدله ، فإنها ستؤمن بكل وضوح أفضليته على كل التجارب والمدعيات السابقة التي مرت بها ،وانه الحل الأساسي الذي ينقذها من ورطتها ، وبالتالي هو الصورة الحقيقية لذلك الأمل المجمل .وقد أشير إلى هذا التخطيط في المصادر  الخاصة ، في بعض الأخبار ، كالخبر الذي رواه الشيخ المفيد في الإرشاد (2) والطبرسي في أعلام الورى (3) .و الذي يقول فيه :

إن دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ، لئلا يقولوا إذا راوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء .وهو قوله تعالى  : والعاقبة للمتقين .

 

صفحة (89)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص249 وما بعدها .

(2) انظر ص 344.

(3) انظر ص 432.
 

وليس المراد بحكم (أهل بيت لهم دولة) حكم(الأسر) أو القبائل  بل المراد بهم الجماعة الذين يتخذون أيدولوجية معينة  في دولتهم. بقرينة قوله في الحديث : (إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء) فإن من يقول ذلك إنما هم مثل تلك الجماعة ، لا الحاكم القبلي وهو يخلو حكمه من أي هدف اجتماعي أو عادل ، بحيث لا يكون قابلاً للمقارنة أساساً . وإنما عبر الحديث الشريف بهذا التعبير بقانون (كلم الناس على قدر عقولهم ) .

وفي رواية أخرى(1) عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (ع) وانه قال :ما يكون هذا  الأمر " يعني دولة المهدي (ع) " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا من الناس " يعني باشروا الحكم فيهم" حتى لا يقول قائل :إنا لو ولينا لعدلنا . ثم يقوم القائم بالحق والعدل .أقول: لأنهم لو قالوا ذلك بعد ظهور القائم المهدي (ع) فإن جوابهم يكون واضحاً ، وهو أنكم حكمتم وفضلتم في حل مشاكل العالم ، بل كان حكمكم وظلمكم من جملة مشاكله وويلاته .

إذاً فالتخطيط قائم على كشف الحلول المدعاة للعالم أمام الرأي العام العالمي ، قبل تولي دولة العدل للحكم وممارستها إياه في الخارج ...وإعطاء روح اليأس من تلك الحلول عالمياً ، بشكل لا يؤمل معه وجود حل بشري  جديد ..كما هو المفهوم من الحصر الموجود في هذه الأخبار " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا قد ولوا من الناس" المستفاد من الإستثناء بعد النفي .

وهذا معناه بكل بساطة وصراحة تنافي نظام دولة المهدي (ع) مع النظم السابقة وقيامها على انقاضها وبعد انكشاف زيفها وبطلانها .وهل من المحتمل أن يتبع القائد المهدي في دولة العدل المطلق ، إحدى النظم التي بان زيفها وفشلها .

إذاً . فقد تبرهن عدم أخذ الإمام المهدي (ع) في دولته بشيء من النظم الاسبقة على ظهوره .واستغنائه . بالعدل الإلهي المعد لتطبيقه في دولته .

 

صفحة (90)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ً389 نقلاً عن غيبة النعماني .

 

 وسوف يشعر الرأي العام العالمي ، بكل وضوح ، بهذا الإستغناء ، فإن من يتخذ أحد هذه المبادىء الحاضرة مذهباً له وطريقة في الحياة ، يستهدف لا محالة أما الهدف الشخصي في الحصول على المال والشهرة و السعادة ، أو الهدف العام في الدفاع عن الفقراء والمضطهدين باعتقاده .وكلا هذين الهدفين يتحقق بأجلى مظاهره في دولة المهدي (ع) ، على ما سمعناه مجملاً من كثرة المال لدى كل الأفراد في عصره ، وما سنسمعه من سائر التفاصل في مستقبل البحث .إذاً و يكون بإمكان الهادفين في العالم أن يحققوا النتائج الجيدة التي يعتقدونها لأهدافهم نظام المهدي (ع) ،  ويتخلصوا- في نفس الوقت – من نقاط الضعف التي كانت فيها .

وبالنتيجة ، فالعنوان العام لأيدولوجية دولة المهدي (ع) وهو الإسلام بصفته النظام العادل الكامل كما جاء به النبي الأعظم (ص) ولا يمت إلى النظم السابقة عليه ، بصلة .


 
صفحة (91)   

الفصل  الخامس

التخطيط الإلهي لما بعد الظهور

 

كما يوجد لعصر ما قبل الظهور تخطيطه العام ، وهو الذي شرحناه مفصلاً في التاريخ السابق ، يوجد لعصر ما بعد الظهور تخطيطه أيضاً .

وهذا القسم هو محل الحديث الآن ، فأن التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية ، لا يكون منقطعاً بحصول نتيجة التخطيط السابق ، بل يكون مواكباً مع البشرية إلى نهايتها بمقدار استحقاقها في وضعها العادل الجديد .... وسيهدف عندئذ نتيجة أبعد تمت إلى عميق العدل والتربية البشرية بصلة .

فهذا التخطيط وهو الإمتداد الطبيعي السابق ، والموافق – أيضاً – للموازين الثايتة في الفلسفة الإسلامية   القائلة : بأن الله تعالى يفيض نعمة الكمال على كل موجود بقدر استحقاقه ،فإذا كانت درجته من الكمال دانية كان استحقاقه منحصراً في الرتبة الكمالية التي فوقها مباشرة .وإذا كانت درجة الموجود عالية في الكمال ، كان استحقاقه لدرجة أعلى من الكمال متحققاً ، والله تعالى كريم مطلق فيفيض عليه الكمال الجديد .فإنه سيستحق رتبة أخرى ، وهكذا يسير في طريق الكمال اللانهائي .

وإذا طبقنا ذلك محل الكلام  ، نقول : إن البشرية بعد اجتماع شرائط الظهور ، طبقاً للتخطيط السابق . تكون مستحقة لدرجة جديدة من الكمال وهو تطبيق العدل الكامل فيها ، بواسطة ظهور المهدي (ع) .

وبتطبيق العدل تكون البشرية قد بلغت درجة أعلى من الكمال تستحق بعدها درجة أعلى وهو عمق هذا العدل وترسخه ، إلى أن تصل إلى استحقاق صفة " العصمة " حيث يوجد المجتمع المعصوم كما سوف نشير في مستقبل البحث .

 

  صفحة (93)   


وبهذا يتبرهن فلسفياً ما بعد الظهور ....

إلا أن انتاج هذا التخطيط لنتائجه النهائية منوط ببقاء البشرية مدة كافية من الدهر لكي تتربى على عمق العدل ورسوخه ولكي نصل في نهاية المطاف إلى الكمال الإنساني الأعلى .وأما إذا انتهت حياة البشرية جميعها وقامت القيامة خلال زمن قصير ينسد باب الترقي و التكامل بطبيعة الحال .

ومن هنا ينفتح احتمالان :

الإحتمال الأول : قصرعمر البشرية بعد الظهور ، وتحقق اليوم الموعود .

الإحتمال الثاني : بقاء البشرية لفترة طويلة من الدهر بعد ذلك .

ولكل من الإحتمالين مرجحاته، على ما سنذكر – على حين لم يكن للإحتمال الأول وجود في التخطيط السابق. باعتبار ضرورة انتاجه لليوم الموعود . وذلك لأكثر من دليل :

الدليل الأول : كونه وعداً إلهياً . والله لا يخلف الميعاد .وذلك في قوله عز وجل :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ،وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..."(1)

الدليل الثاني: كونه غرضاً أصلياً في خلق البشرية ، ومن المستحيل أن يزول الشيء من الكون قبل أن يستوفي غرضه . وقد سبق في التاريخ السابق(2) أن برهنا على كونه غرضاً .وسيأتي في الكتاب الآتي تركيزه بشكل أوسع وأعمق .

وهذا هو الذي اشارت إليه الأخبار من الفريقين . فمنها :

ما أخرجه النعماني في الغيبة(3) بسنده إلى أبي هاشم الجعفري ، قال : كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) ، فجرى ذكر السفياني ، وما جاء في الرواية من أن أمره المحتوم . فقلت لأبي جعفر (ع) : هل يبدو لله في المحتوم . قال :  نعم .قلنا له : فنخاف أن بدو في القائم . فقال : إن القائم من الميعاد ، والله لا يخالف الميعاد .


صفحة (94)   
ــــــــــــــــــ
(1) النور: 24/55.   
(2) تأريخ الغيبة الكبرى ص225.

(3) ص142.
 

ومنها : ما أخرجه أبو داود (1) عن زر عن عبد الله عن النبي (ص) قال:

لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني – أو من أهل بيتي - يواطىء اسمه اسمي ... الحديث .

وأخرج أيضاً (2) عن علي (ع) عن النبي (ص) : قال:

 لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث .

وهذه التأكيدات في الأخبار كثيرة ومتضافرة ، وكلها دالة على ضرورة تمخض التخطيط الإلهي السابق عن وجود اليوم الموعود . وعدم فناء البشرية قبله.

وأما بالنسبة إلى التخطيط الموجود بعد الظهور . حيث يكون الوعد قد تحقق والغرض الأساسي من خلق البشرية قد انجز ، فقد يبدو أنه لا حاجة لبقاء البشرية بعد ذلك ،ولا دليل عليه .

وستأتي مناقشة ذلك مفصلة في القسم الثالث من هذا التاريخ ، غير أن الصحيح هو طول عمر البشرية ، لأجل دليلين رئيسين :

الدليل الأول : أننا فهمنا في التاريخ السابق(3) من قوله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "(4)، فهمنا : أن الغرض الأساسي من خلق البشرية هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها .وفهمنا هناك (5) من العبادة الكاملة وجود المجتمع الصالح والدولة العالمية الصالحة .

فلو أننا اقتصرنا على هذا المقدار من الفهم ، لكان الغرض من خلق البشرية متحققاً بمجرد تأسيس المهدي (ع) لدولته العالمية العادلة .ومعه فقد يخطر في الذهن :أن المقصود هو إيجاد هذا النوع العالي من العبادة ولو في فترة قصيرة من الزمن . فلا بقى أي دليل على استمرار البشرية بعد ذلك ردحاً طويلاً من الزمن ، إن لم يكن ذلك مستحيلاً ، لأن بقاء الشيء بعد استيفاء لأغراضه محال في الحكمة المطلقة .

 

صفحة (95)   
ــــــــــــــــــ
(1)
ج2 ص42.
(2) المصدر والصفحة .

(3) تاريخ الغيبة الكبرى ص235. (4) الذاريات : 51/56.

(5) ص224.

 

لكننا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوة جديدة في فهم هذه الآية .وهي :إن المعنى الذي ذكرناه للعبادة وإن كان مهماً ورئيسيأ جداً ...إلا أنه ليس نهائياً بحال . بل هناك مراتب أعلى من العبادة تكون تلك المرتبة الأولى مقدمة لها وإعداداً لإيجادها ، وكلها ممكنة الحصول من البشرية واتصفاها بها في المدى الطويل ، كما سيتضح عند استعراضها .

وبطبيعة الحال، كما تصورنا مرتبة من العبادة ممكنة للبشرية ، كانت مندرجة في مدلول الآية الكريمة ، لعدم وضع الآية أي تحديد على مفهوم العبادة فيكون إيرادها مطلقة ، دليلاً على إيراد العبادة المطلقة .

إذاً ،  فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مجرد وجود الدولة العالمية ، وإنما وجدت هذه الدولة العظيمة .وخططلها في تاريخ البشرية الطويل من أجل هدف أعلى وأمامها . ويكفينا الآن أن نعبر عنه بـ(العبادة المطلقة) لخالق الكون ، حتى يأتي في مستقبل البحث ما يلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم .

إذاً، فوجود الدولة العالمية ، لا يعني نجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية وتحققه في عالم الوجود ، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة ،  ولازال أمام البشرية الكثير لكي تصل إليه .

إذاً ، فلا معنى لقصر عمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة ، بل لا بد أن تبقى حتى تستوفي لغرضها الأعمق ، إذ يستحيل تخلف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية .

الدليل الثاني : أنه يستبعد ان يكون زمان النتيجة اقصر بكثير من زمان المقدمات .

فإننا عرفنا كم من الزمان يستغرق إعداد البشرية لليوم الموعود ...وهو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نجاز ذلك اليوم العظيم .وهو ما لا يقل عن عدة الآف من السنين ، إن لم يكن أكثرمن ذلك ، كما عليه أنصار الفكر الحديث .وقد استوعبت هذه المدة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية وآلامها ومظالمها . ومن جهود الأنبياء والأولياء والمصلحين والشهداء ، ومن ظروف التمحيص الإلهي ، وما أدته البشرية من خيرات وما ارتكبته من جرائم ، فإن كل ذلك  ، كان مقدمة لليوم الموعود ، وإعداداً لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحققه بدونه ، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور .

وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مفصلاً .


صفحة (96)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر الفصل الخاص بالتخطيط الإهي ص233.

 

فهل من المعقول أن تستمر المقدمات آلافاً من السنين ، ثم لا تكون النتيجة غير تسع سنوات أو أقل، كما تدعي الفكرة التقليدية .إن هذا في غاية البعد بحكم العقل .فإنه يعني بكل وضوح استخدام الأجيال البشرية المتطاولة في سبيل إسعاد جيل أونصف جيل !! إن هذا قبيح عقلاً ومستحيل في الحكمة المطلقة الأزلية .

وتبقى هذه الإستحالة سارية المفعول ما لم تصل النتائج أعني أجيال ما بعد الظهور . إلى حد من الكثرة بحيث تكون التضحية بالأجيال السابقة في سبيلها من قبيل التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة ، أو بالمصلحة القليلة في سبيل المصلحة الكبيرة فليكن القارىء متذكراً لذلك .حتى يأتي موضع الحاجة منه وإيضاحه .

 وإذا تم البرهان على طول عمر البشرية بعد الظهور ، وعدم وصولها إلى هدفها الأسمى بمجرد حصوله: إذاً، فمن اللازم التخطيط لهذا الهدف خلال هذا العمر إذ لا يوجد شيء مهمل في هذا الكون .ولا بد من إعداد البشرية بالشكل الذي يمكنها الوصول إلى ذلك الهدف ، كما كانت قد أعدت للتشرف بلقاء اليوم الموعود .

ومعه يكون قد تبرهن هذا التخطيط وثبت ثبوتاً كاملاً . ولا بد لنا فيما يلي أن نعطي المؤدى العام لهذا التخطيط. فنتعرف على صياغته وخطواته ، كما تعرفنا على صياغة وخطوات التخطيط السابق عليه .

ما بين التخطيطن :

إذا كان المقصود من التخطيط الإلهي السابق ، هو التوصل إلى ظهور المهدي (ع) وحسب ، إذا ً، يكون هذا التخطيط منتهياً  في لحظة الظهور.

إلا أن التخطيط الجديد سوف لن يبدأ بلحظة الظهور بطبيعة الحال، لأن تخطيط للعالم الذ يتم فيه تطبيق العدل للسير باتجاه (العبادة المطلقة) . وهذا التطبيق لا يتم في اللحظة الأولى ...بل يحتاج إلى جهود عميقة وواسعة من قبل القائد المهدي (ع) وأصحابه المخلصين . في غزو العالم عسكرياً وثقافياً والسيطرة عليه تماماً .فإذا تمت وأثمرت هذه الجهود . يكون التخطيط قد بدأ .

ومن ثم نواجه في فهم الموقف ثلاث اطروحات محتملة :

الأطروحة الأولى :أن هناك ما بين التخطيطين ، فترة من الزمن محدودة ، ذات  تخطيط خاص بها ، يستهدف سيطرة القائد المهدي (ع) على العالم واستتباب الدولة العالمية العادلة ...


صفحة (97)
   
 

حتى ما إذا  أثمرت جهوده ، وتم تطبيق العدل الكامل على العالم ، كان اول يوم لذلك ، وأول يوم لتطبيق العام الجديد .

الأطروحة الثانية :إن الأطروحة الاولى لا تخلو من تسامح في التصور .فإن ظهور الإمام المهدي (ع) لم يخطط لإيجاده بمجرده ، بل خطط له من أجل تأسيس الدولة العالمية العادلة ، وقد كانت شرائط الظهور التي عرفناها ، وبرهنا عليها في التاريخ السابق (1).

شرائط لهذا الهدف ... وإنما كانت شرائط للظهور نفسه ، باعتبار كونه المقدمة الرئيسية الأخيرة له أيضاً .

إذاً فإنتاج التخطيط الاسبق كاملاً لا يكون إلا بتأسيس الدولة العالمية ، ومعه تكون جهود الإمام المهدي (ع) وأصحابه للسيطرة على العالم داخلة في التخطيط السابق نفسه ، باعتبارها الحلقة الأخيرة لهذه النتيجة الكبيرة

فإذا تم تطبيق العدل وتأسيس الدولة العادلة ، يكون التخطيط السابق قد انتهى .

وبلحظة البدء بتطبيق العدل تكون بداية التخطيط الثاني ، ولا يكون التخطيطين فاصل زماني ملموس .

الأطروحة الثالثة : إن فترة السيطرة على العالم بالعدل والجهود المبذولة في هذا السبيل ، داخلة في التخطيط الجديد ، لافي التخطيط السابق .

وذلك: بأن نفترض ان الهدف من التخطيط السابق هو الظهور نفسه ، بصفته كاشفاً عن القائد العالمي المؤسس لدولة العدل الكبرى . بهذا ينتهي هذا التخطيط عند الظهور . ولا معنى لبقائه بعد تحقق نتيجته .

ويبدأ التخطيط الجديد من حين الظهور فصاعداً ، وتكون فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة فيه، باعتبارها مقدمة لهدفه ،فإنه يستهدف إيجاد (العبادة المطلقة) في ربوع البشرية ، وهذا الهدف يحتاج إلى مقدمته الرئيسية وهي إيجاد الدولة العالمية العادلة ، وهذه الدولة تحتاج إلى السيطرة على العالم بطبيعة الحال في أو لتأسيسها . ومن هنا تكون الجهود المبذولة في هذه السيطرة واقعة في هدف التخطيط الثاني ، فتكون مندرجة فيه .

 

صفحة (98)   
ــــــــــــــــــ

(1) تأريخ الغيبة الكبرى ص476 وما بعدها.

 

وبالرغم من أن ما عرضناه خلال الأطروحة الثانية كاف للقول بأنها هي الصحيحة وإلا أن نتيجة هذا البحث تبدو وكانها مجرد اصطلاح ، فإنه سواء كانت فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة في التخطيط السابق أو في التخططي اللاحق ، فإنها واقعة في خط تكامل البشرية العام الذي لا بد منه باستمرار . وإنما عقدنا هذا البحث لأجل إيضاح جوانب الفكرة لا أكثر.

 

صفحة (99) 
 

الأسس العامة

 لتخطيط ما بعد الظهور


إذا أردنا التعرف على أسس وتفاصيل التخطيط العام لما بعد الظهور ، لا بد لنا من التفاتة إلى ما سبق أن قلناه في التمهيد ، من أنه يتعذرعلى الباحث الذي يعيش الفترة السابقة على الظهور أن يدرك العمق الحقيقي الإتجاهات القانونية والفكرية العميقة التي تكون سائدة بعد الظهور ، وعند تطبيق العدل الكامل على العالم .

ومن هنا ينبغي أن تبقى التفاصيل والتفريعات مصونة في الغيب إلى حين تحققها ، وإنما غاية جهد الباحث أن يدرك الخطوط العريضة والقضايا العامة المهمة التي يمكن الإطلاع عليها في حدود الثقافة الإسلامية الموجودة في العصر الحاضر .

وبذلك نعرف إحدى نقاط الإختلاف بين التخطيطين .فإن التخطيط الإلهي السابق متخذ للسير بالبشرية الماضية والحاضرة إلى نتائجها المطلوبة ....

وبتعبير أوضح أننا بحسب وجودنا  في هذا الزمن نعيش التخطيط الساري المفعول فيه .

ومن هنا يكون اطلاعنا على تفاصيل هذا التخطيط  ممكناً ومتيسراً إلى حد كبير ، عن طريق القواعد العامة المعروفة وعن طريق ما هو مشاهد بالوجدان مما قد تحقق من حلقاته وتفاصيله . كما سبق أن عرضنا ذلم مفصلاً في التاريخ السابق .

وإما تخطيط ما بعد الظهور ، فيحتوي على عدة نقاط ضعف في التعرف عليه :

أولاً : بعدنا الزماني عنه ، بحيث لا يمكن مشاهدته بالوجدان ،ولا أن يصل منه شاهد عيان .

ثانياً : أننا نقتصر في الغالب - في التعرف عليه القواعد العامة ، وهي لا تعطي  إلا العموميات ، ولا يمكنها الوصول إلى التفاصيل.

ثالثاً : أننا نجهل القوانين الجديدة والنظم التي ستكون معلنة في ذلك العصر، الأمر الذي يوفر لنا طريقاً سهلاً، في معرف ة التخطيط لو كان متوفراً ،

إلى غير ذلك ، مما يحدونا إلى الكفكفة من غلواء البحث ، والإقتصار في النتائج على مقدار الإمكان .

 

 صفحة (100) 

 

والكلام في ذلك يقع ضمن جهات ثلاث :

الجهة الأولى : في الخصائص العامة للمجتمع الذي ينطلق منه التخطيط ، وهو المجتمع العالمي الذي يتم فيه حكم الإمام المهدي (ع) وتطبيق العدل الكامل لأول مرة .

وإزالة العوائق التي يمكن أن تشكل خطراً عليه . وليس معناه صياغة كل نفوس الأفراد صياغة إسلامية عادلة كاملة لأول وهلة .

إن المهدي (ع) سيقتل عدداً كبيراً من الأفراد ممن فشل في التمحيص الموجود في التخطيط الإلهي السابق ، وأصبح يشكل خطراً على العدل الكامل في المجتمع الجديد، على ما سيأتي تفصيله... ولكن سيبقى – مع ذلك– عدة فجوات ونقاط ضعف في العالم ، يكون على التخطيط الجديد بشكل عام ، وعلى المهدي (ع) بشكل خاص، ملؤها وتذليل مصاعبها مما لا يؤثر فيه الفتح العسكري عادة .

النقطة الأولى : وجود أهل الذمة ، وهم الشعوب التي تؤمن بالأنبياء السابقين على الإسلام .وسيسمح لها – بمقتضى القواعد الإسلامية المعروفة الآن – البقاء على دينها مع دفع الجزية ... ويكون لها أن تدخل في دين الإسلام طواعية .

النقطة الثانية : وجود المذاهب المتعددة من معتنقي الإسلام ، ممن لا يظهرون معارضة للنظام الجديد .

النقطة الثالثة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، بالنسبة إلى العالم الذي يواجه قوانين الإسلام لأول مرة  ، وهي الشعوب التي كانت كافرة قبل الظهور ، ورضيت بالإسلام ديناً  بعده .

النقطة الرابعة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، في الأمة الإسلامية نفسها ، نتيجة لبعدها عن الإسلام في عصور الفتن والإنحراف .

النقطة الخامسة : نقص الثقافة الإسلامية في الأمة خاصة وفي البشرية عامة ، بالنسبة إلى القوانين الجديدة التي يصدرها القائد المهدي (ع) والأفكار العميقة التي يعلنها ، ريثما يتم إعلانها وتوضيحها للناس .

صفحة (101)
 

النقطة السادسة : نقص الإخلاص وقوة الإرادة لدى الأعم الأغلب من المسلمن فإن غاية ما تمخض عنه التخطيط الإلهي الأول ، هو وجود الإخلاص العميق لدى جماعة من المسلمين ، ولم يؤثر – بطبيعة الحال- نفس الأثر في مجموعهم كيف وإن الأرض امتلأت ظلماً وجوراً .

فهذه أهم نقاط الضعف  من الناحية الدينية ، التي يزخر بها المجتمع الدي يواجهه المهدي (ع ) لأول وهلة . وهي النقاط الأهم تأثيراً في بناء الدولة العالمية ، باعتبار ما عرفناه ، من أن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة التي يقوم الإمام المهدي (ع) بتطبيقها ، والأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة في خضم  تلك الجهود البانية للدولة . فأي صعوبة في هذه الأمة تعني الصعوبة في نيل الهدف أيضاً .

وأما الصعوبات (الدنيوية) لو صح هذا التعبير ، وأعني بها الصعوبات  ونقاط الضعف الموجودة في الإتجاهات غير الدينية ، وما انتجته النادية والعلمانية من ويلات في العالم فهي أكثر من أن تذكر او تحصر.

وإذ يواجه نظام الإمام المهدي (ع) كل هذه المصاعب ، سيكون مسؤولاً عن اتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لحل كل مشكلة وتذليل كل عقبة ، وسيكون على مستوى المسؤولية بعد أن كان متدرعاً بالسلاح  ومتذرعاً بالإخلاص ، ومنطلقاً من الأطروحة العادلة الكاملة ، ومتصفاً بصفات شخصية عليا ، حاولنا أن نحمل عنها فكرة في التاريخ السابق (1) الأمر الذي قلنا أنه ييسر له القيادة والتطبيق العادل في اليوم الموعود .

 الجهة الثانية : يستهدف هذا التخطيط الثاني ، الكمال الإنساني الأعلى للبشر، في الحدود الممكنة له على هذه الأرض ، فهو يوفر الأرضية الكافية لتكامل الإنسان إلى غاية ما يمكن أن يحصل عليه من الكمال ... حتى يكون بالتدريج البطيء في إمكان الفرد أن يكون معصوماً ، وأن يتكامل في عصمته(2).


صفحة (102)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر : من صفحة 504 إلى ص520.

(2) أعني من العصمة ما يسمى ب(العصمة غير الواجبة) وهي التي ينعدم فيها احتمال الظلم والعصيان دون الخطأ والنسيان . وسيأتي إيضاحه في الكتاب الآتي ،وأما التكامل فيما بعد العصمة فقد برهنا ممن التاريخ السابق على إمكانه .

 

وليس معنى ذلك أن البشر جميعاً يكونون لأول وهلة ، على هذا المستوى العالي .بل معناه توفير الطريق لأن ينال كل فرد من هذا الهدف بمقدار قابلياته الشخصية ، وبمقدار ما يؤدي من إطاعة وتضحيات في سبيل الحق والعدل .

وهو من هذه الناحية يشبه ما رايناه في التخطيط السابق على الظهور .فإنه كان يستهدف – فيما يستهدف إليه - تعميق الثقافة الإسلامية في الأمة(1) وتقوية الإرادة الإيمانية تجاه المشاكل .وقد راينا كيف يأخذ الناس من هذه الأهداف بمقدار قابلياتهم ومقدار ما يؤدونه من تضحيات ، وكيف ينتج هذا التخطيط تكاملهم التدريجي البطيء.

غير أن هذا التخطيط الجديد يختلف عن سابقه في نتيجته ، فإنه بينما رأينا في التخطيط السابق أنه لم يتصف بالنجاح الحقيقي خلاله إلا عدد قليل نسبياً . فإن هذا التخطيط الجديد سيشمل بالنجاح أكثر الأفراد ، وسيصل في المدى البعيد كل الأفراد إلى المستوى المطلوب ، بالتدريج البطيء.

وسيأتي في مستقبل هذا البحث أن المجتمع البشري ، نتيجة للتدابير الآتية التي تضعها الدولة العالمية ، سيمر بمرحلتين من العصمة :

المرحلة الأولى : أن يكون الأفراد غير معصومين ولكن الرأي العام المتفق عليه بينهم معصوماً .وقد أشرنا في التاريخ السابق(2) إلى ذلك مختصراً . وسيأتي في مستقبل البحث ما يزيده أيضاحاً .

المرحلة الثانية :أن يكون كل الأفراد معصومين ... بتلك العصمة القائمة على أساس العدل الكامل مفاهيمياً وتشريعياً ، الذي كان ولا زال - في تلك الفترة - مطبقاً منذ عهد بعيد . وسيأتي ما يوضح ذلك أيضاً .

الجهة الثالثة : في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي  العام لما بعد الظهور وأسسه العامة بمقدار الإمكان. تلك التفاصيل والأسس التي يمكنها أن تحول المجتمع الذي عرفنا نقاط ضعفه في الجهة الأولى ، إلى الصفات الكبرى التي حملنا عنها فكرة كافية في الجهة الثانية .


صفحة (103)
   
ــــــــــــــــــ

(1) يسير هذا العمق إلى جنب الشعور الديني ..ومن هنا لم يكن وجود هذا العمق في الثقافة الإسلامية لدى عدد كبيرفي الأمة ، منافياً مع وجود الضحالة من هذه الجهة لدى عدد كبير  أيضاً ، كما أشرنا غير بعيد ، في النقطة الثالثة من نقاط الضعف .

(2) تاريخ الغيبة الكبرى ص481.

ونحن إذ نتحدث عن هذه الأسس ، إنما نتحدث عما يمكن أن  يكون  كذلك في الفترة  الأولى للدولة العالمية ، وهي التي تسبق المجتكع المعصوم بكلا قسميه ، فإن هذا أقرب إلى إمكان التعرف عليه من تلك المجتمعات العليا المتأخرة . فإننا سبق أن أكدنا عجز الباحث عن إدراك العمق الحقيقي للفكر والتشريع لما بعد الظهور، وهذا ثابت منذ تأسيس الدولة العالمية ، فضلاً عن المجتمعات المعصومة .إذاً فليس لنا أن نعرف عن المجتمعات المعصومة شيئاً مفصلاً.

وما يمكن لنا الآن تصوره ولإثباته بالقواعد العامة ، من الأسس لتلك الفترة . ما يلي :

الأساس الأول : تربية العالم ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي أو العدل الكامل الذي يقوم عليه نظام المهدي (ع) في دولته العالمية .

ويعطي من ذلك لكل فرد ولكل شعب ما يحتاجه من اساليب التثقيف ومقداره ، بشكل تدريجي وعلى مراحل . وكلما طويت مرحلة ، استحق الفرد أو الجماعة مرحلة جديدة من القافة .

فالشعوب غير المسلمة ، سوف تدعى إلى الإسلام . وسوف  يعتنقونه باقتناع وسهولة ، نتيجة لأسباب التي سوف نذكرها بعد ذلك . وكل من اسلم من جديد أو هو مسلم سلفاً سوف يربى على الثقافى الإسلامية العامة الضروية لوجود الطاعة والإبتعاد عن المعصية . إن لم  يكن قد نال ذلك نتيجة للتخطيط الإلهي السابق .

وكل من تربى إلى هذه الدرجة ، فإنه يعطي الثقافة التي تؤهله إستيعاب الأفكار  والمفاهيم والقوانين الجديدة التي تعلن في ذلك العهد . طبقاً للمصالح الموجودة يومئذ.

ثم يبدأ التصاعد والتكامل الثقافي من هذه الدرجة أيضاً ، ويأخذ كل فرد من البشر من ذلك بقدر قابلياته وجهوده أيضاً.

ولئن كانت المراحل الأولى والاسس الرئيسية من هذا التثقيف ، سينجزها الإمام المهدي (ع) بسهولة وسرعة، على ما سوف نسمع في هذا التاريخ إلا أن المراحل المتأخرة التي تعتبر تفريعاً وتطبيقاً للأسس وسوف تكون تدريجية وبطيئة ، طبقاً تربية كل أمة .

الأساس الثاني : تربية البشرية من حيث الإخلاص وقوة الإرادة تجاه المسؤوليات الجديدة في دولة العدل.

ويكون الأسلوب العام في ذلك مشابهاً في الفكرة للأسلوب الذي كان متخذاً في التخطيط الأول .وهو مرور الفرد بمصاعب وعقبات تجاه العدل ، ليرى موقفه منها ورد فعله تجاهها  ، فإن وقف موقفاً إسلامياً عادلاً كان ناجحاً في هذا التمحيص وإلا كان فاشلاً .

 

صفحة (104) 

 

لكن يختلف سبب التمحيص في التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد ، فإننا قلنا في التخطيط الأول أن ظروف الظلم والإنحراف كافية في التمحيص ، من حيث رد الفعل الإسلامي الصحيح من الفرد تجاهها .واما التخطيط الثاني . فسوف لن يكون لعصور الظلم وظروف الفساد اي  أثر وإنما ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسؤوليات التي يفرضها التمسك بالعدل الكامل وتطبيقه ، والمحافظة على بقائه في علاقة الفرد مع نفسه ومع ربه ومع الآخرين ومع النظام القائم ... تلك العلاقات التي يتوقع من الفرد خلالها رد فعل إسلامي عادل كامل .

وسوف يكون التمحيص شاملاً لكل فرد بمقدار قابلياته وثقافته ، لأنه يتناسب دائماً مع ارتفاع القافة تناسباً طردياً مطرداً ... إذ يقبح على الله عز وجل أن يوفر للفرد امتحاناً وتمحيصاً يكون الفرد فيه فاشلاً باليقين، فإن  ذلك خلاف العدل الإلهي ، وإنما يكون التمحيص على مقدار الثقافة والقابلية دائماً ، حتى ما إذا وصلت الثقافة قمة عالية . كان التمحيص في غاية الدقة والصعوبة ، وكان النجاح المتوقع منها نجاحاً مناسباً لتلك المرتبة ، والفشل الصادر فيها مسجلاً بأدق الموازين وبأهون العثرات .

وقد وردت في أخبار المصادر الخاصة ، نماذج التمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة الأولى من عهده ، تجاه الأمة عامة وتجاه وتجاه أصحابه الخاصين ممن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول – خاصة . على ما سوف نعرف تفصيله في ما يأتي .

وقد يخطر في الذهن :انه ما الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد ، وإنما كانت الحاجة في التخطيط الابق إلى التمحيص ، لإيجاد العدد الكافي من أفراد الجيس الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع) .وقد أنجز هذا الجيش عمله وانتفت الحاجة إلى مثله ،فلماذا يستمر التمحيص ساري المفعول  في البشر .وجواب ذلك : أن ناموس الله في خلقه هو تربيتهم عن طريق التمحيص .كما دل عليه  الكتاب الكريم في عدد من آياته ،والسنة الشريفة ، منها ، قوله تعالى :"ما كان الله ليذر المؤمين على ما أنت عليه ،حتى يميز الخبيث من الطيب"(1)


صفحة (105)
   
ــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 3/179.
 

فإنه قانون عام لإختبار طاعة الأفراد في عصر ما قبل التمحيص ... وهو كل عصر يواجه فيه الناس دعوة جديدة وتربية جديدة لم تختبر مواقفهم تجاهها ، ولم تعرف ردود فعلهم حيال المشاكل التي تعترضها فلا بد أن تمر الأمة المسلمة خلال هذا القانون ، ليكون له الأثر الفعال في تربية الأفراد وتعميق إخلاصهم وتقوية إرادتهم تجاه المشاكل .وبذلك يتميز الخبيث من الطيب ، ويعرف من يكون له موقف إسلامي صحيح تجاه المصاعب والعقبات . ومن يكون ذا موقف منحرف باطل .وهذا ميز واقعي بين الأفراد يمت إلى اختلاف قابلياتهم ومسبقاتهم الفكرية  والعقلية والنفسية بصلة ... قبل أن يكون مجرد انكشاف لدى الآخرين .

وقد سمعنا كيف أن هذا القانون ، كان شاملاً لدعوات الأنبياء السابقين على الإسلام ، ومشاركاً في تربيتهم مشاركة فعالة ، وقد شرحناه في التاريخ السابق(1) وقلنا(2) أن الحاجة – مع ذلك – تعن إلى سريان قانون  التمحيص إلى ما بعد الإسلام لتتربى البشرية طبقاً لمفاهيم وتشريع الأطروحة العادلة الكاملة .

وكما واجه المجتمع المؤمن دعوة جديدة في صدر الإسلام ، فكان مقتضى هذا القانون تمحيص الأفراد على أساسه خلال تربية الأجيال تربية بطيئة وطويلة وهذا هو التمحيص الساري في تخطيط ما قبل الظهور .كذلك سوف يواجه المجتمع المؤمن والبشرية جمعاء دعوة إسلامية جديدة بعد اندراس الإسلام وعوده غريباً أو نسيان وعصيان الكثير من أحكامه .وسيواجه في هذه الدعوة الجديدة نظاماً وقوانين ومفاهيم ، لم يكن له بها ساق عهد إلى القواعد الإسلامية السابقة .

ومن هنا يكون المجتمع بالنسبة إلى هذه الدعوة الجديدة ، مجتمع ما قبل التمحيص. ويحتاج بمقتضى هذا القانون الشامل إلى أن يمر بعصر التمحيص خلال تربية طويلة وبطيئة ، لتتميز مواقف الناس تجاه النظام الجديد والدعوات الجديدة .ويأخذ كل فرد على قدر قابلياته وجهوده من النجاح والتكامل خلال التمحيص ،ما يستطيع .

وبينما كان التمحيص السابق ، ينتج فشل الأعم الأغلب من البشر ، كما عرفنا فإن هذا التمحيص وبصفته مدعماً بالأسس ، التي  سنعرفها  ، ينتج نجاح الأعم الأغلب من البشر ، وسيكون النجاح مطرداً ، حتى تصل البشرية في النتيجة  إلى المجتمع المعصوم .


صفحة (106)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص255 وما بعدها .

(2) المصدر السابق ص266

 

 

الأساس الثالث للتخطيط الجديد: توفير جو من السعادة  والرفاه المادي المتزايد ، تحت جو من الأخوة والتضامن  والعدل الكامل . بأساليب معينة ستأتي في القسم الثاني الآتي من الكتاب .

والأساس النظري لإيجاد هذا الرفاه ، ليس هو مجرد نيل اللذة لأنها مهما كانت مهمة ، فإنها لا تكفي وحدها للسير بالبشرية  نحو هدفها المقصود النهائي ... وإنما يلاحظ الرفاه المادي بمقدار مايستطيع أن يؤثر في ذلك الهدف البعيد ويربي البشرية باتجاهه.

وذلك : من زاوية أن الرفاه المادي متناسباً مطرداً ، مع توفير الجو الكافي لذلك، ولايمكن أن يكون عائقاً عنه ، بعد أن يتشرب الناس ذلك الأساس النظري ، وهو ملاحظة الرفاه بصفته طريقاً نحو الهدف ، لا أنه بنفسه الهدف .ومن ثم ستكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية وترسيخ العدل ، ومن ثم المشاركة في بناء ذلك الهدف .

وهذا هو المؤدي الحقيقي لما سمعناه من الأخبار  في فصل سابق من كثرة المال فيعهد الإمام المهدي (ع) وأنه يقسم المال ولا يعده ... تلك الأخبار المروية من قبل الفريقين ، وقد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين .

وقد يخطر في الذهن : أن توفيرالمال والرفاه ، إنما يكون من زيادة العمل . فيكون متناسباً عكسياً مع الهدف، لأن زيادة العمل  في سبيل الرفاه سوف يمتص الجهد الذي يمكن أن يبذل في الجانب الأخلاقي والعبادي. ولاتكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية ، كما قلنا .

والجواب على ذلك واضح جداً ، لمن استطاع استيعاب المفهوم  الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح للعمل ، فإنه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقاً عن العمل مع أنه الأسلوب المهم في حصول الرفاه الأفتصادي المطلوب من أجل العبادة نفسها .وكيف يكون العمل عائقاً عن العبادة ، وهي الهدف الرئيسي للحياة . وبالنتيجة هم معاً واقعين في طريق الهدف البشري الأعلى .


صفحة (107)
   
 

ومن هنا يمكن أن ننطلق إلى الجواب على  مستويين :

المستوى الأول: أننا إذا فهمنا من العبادة  معنى لا ينطبق على العمل ، واصبح العمل  المتزايد  عائقاً عن العبادة ،فإن ذلك لايمكن أن يحدث تحت ظل النظام العالمي العادل ، إذ يمكن التوفيق بين العبادة والعمل ، وتنظمها تنظيماً عادلاً يكفل إيفاء كل منهما للحاجة التربوية ، وتحصيله لنتيجته المطلوبة ، تحت إشراف القانون والدولة .

المستوى الثاني: أننا نفهم من العبادة معنى ينطبق على العمل ، ولا يتنافى معه .فإن العمل نفسه يمكن أن يصبح عبادة .إذا كان واقعاً في طريق العبادة ومطابقاً للنظام العادل الكامل ، فإنه يصبح آنئذ من أفضل العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين ،ولانريد بالعبادة خصوص الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربه .وقد أعطينا في هذا الكتاب والكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك.

 ... لكن بشرط أن يشعر الفرد العامل بهذا الترابط ، وهذا الإستهداف فإن شعوره بذلك يجعله متصفاً من خلال عمله بالعبادة  ، وهو في معمله او متجره أو منجمه .

وهذا الشعور متوفر بطبيعة الحال تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة .

لكن  العمل إذا انطلق من المفهوم ، فلن يكون مستهدفاً لذاته ، أو لمجرد الحصول على المال ،فإن العمل ما دام في سبيل المصالح العامة وتحقيق العبادة التامة ...إذاً ، قلته .ولا معنى لأن يكون العمل معيقاً عن تحقيق المصالح والأهداف .

الأساس الرابع للتخطيط الثاني: الإشراف العام لدولة على تفاصيل التطبق من الناحيتيتن  القانونية والإجتماعية .

حيث تشرف الدولة العادلة على نشر الثقافة العامة ، وتقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع ،ونراقب الأفراد من حيث رقيهم في الدرجات المطلوبة من الكمال ، وتساعدهم على النجاح والتكامل بالمقدار اللازم ، وتسجل فيسجل ضميرها من نجح من الأفراد ومن فشل منهم في التمحيص ، ومن له قابلية الرقي ممن ليس له ذلك.

وسنرى كيف يكون للدولة من أثر مباشر في تربية الأفراد في العالم . والتدخل في حياتهم الروحية والعاطفية والعقلية والإجتماعية  .وهذا مما يؤكد نجاح الدعوة المهدوية والتطبيق الكامل للعدل ، كما يؤكد اجتياز الأفراد للمراحل الأولى من الكمال بنجاح وسرعة وسهولة وهذا الأساس  مما يفترق به هذا التخطيط عن سابقه ، نتيجة لإختلافهما في الأهداف ، فقد كان الهدف من التخطيط السابق . تمييز الخبيث من الطيب وتكريس جهود

الطيبين و تعميق اخلاصهم ليكونوا الطليعة الأولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود .ولم يكن هناك أي تاكيد على إنجاح الراسبين أو توفير فرص النجاح .بل إن الفرد إذا رسب في التمحيص وعصى الأحكام الإلهة الإسلامية ، فقد جنى بنفسه عل نفسه وسعى بظلفه إلى حتفه ، فليس وراءه إلا استحقاق العقاب .

صفحة (108)   
 

ولذلك لم يكن هناك حاجة للإشراف المركزي عل التثقيف أو التمحيص وإن كان هذا راجحاً ، إلا أنه في إمكان التخطيط العام  أن يصل إلى نتيجته وصولاً تلقائاً وفي كل  الظروف.

ولكن التخطيط الثاني يختلف عن الأول ، في هذه النقطة .وذلك لأنه لا يستهدف مجرد التمحيص ، بل الوصول إلى الهدف الأعلى للإنسانية على الصعيد العالمي كله .وهذا يستدعي القيام بأمرين مقترنين :

الأمرالأول : تعميق التمحيصات تبعاً لتعميق الثقافة الإسلامية المعلنة في العالم يومئذ ، وتشديد النكيرعل الراسبين في هذا التمحيص ، إلى حد قد يؤدي بهم إلى القتل ، لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع العدل المطلق .

الأمر الثاني : توفير الفرص الكافية للأفراد ، ممن لا يتصف بالقابلية  العليا والثقافة العميقة ، إلى النجاح ، تحت إشراف الدولة العادلة ، ليكون الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع وأسهل وأوسع .

وليس بين هذين الأمرين تناف ، بل هما متفقان في الإيصال المطلوب إلى النتائج المتوخاة ، وسوف يكون الأمر الأول أشد وضوحاً وأهمية مع وجود الأمر الثاني ، فإن من يرسب في التمحيص ، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح ، يكون أشد إجراماً وابعد عن الحق والعدل ، ممن يرسب بدون هذه الفرص ،كما هو واضح .

وهذا يشكل إحدى الفروق في النتائج بين هذا التخطيط وسابقه ، فبينما نجد أن التخطيط السابق يتمخض عن ضعف المسؤولية ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) نرى هذا التخطيط مساوقاً مع عمق المسؤواية ودقتها .

ويرجع ذلك لعدة أسباب، لعل من أوسعها وأوضحها ، كون تطبيق العدل  في التخطيط السابق مخالفاً للإتجاه العام المملوء بالظلم والجور ، حتى يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار ، كما ورد في بعض الأخبار .ومن الواضح أن القبض على الجمر يحتاج إل قوة إرادة عليا ، وإن عدم القبض  عليه لا يتضمن المسؤولية العليا والإجرام الكبير .بخلاف الحال في التخطيط الجديد ، فإن تطبيق العدل موافق للإتجاه العام المملوء قسطاً وعدلاً ، ومن هذه الجهة يكون موافقاً للهوى ، ويكون الإنحراف مخالفاً للإتجاه العام فتكون مسؤوليته ذات درجة عليا من الأهمية ومناستحقاق العقاب .

فهذه هي الأسس الرئيسية التي يمكن التوصل إليها الآن ، وبها وأشباهها يستطيع القائد المهدي(ع )  تربية الأمة ألإسلامية بسرعة وبسهولة .وأما بالنسبة إلى سائرأجزاء العالم فهذه الأسس سوفتشارك في تربيته بعد استتباب اسيطرة عليه ، وأما حصول هذه السيطرة فلا وكيفيتها ، فهو ما سنذكره مفصلاً في فصل قادم.


صفحة (109)
   
ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص 451 وما بعدها إلى عدة  صفحات .

 

 الباب الثاني

 حوادث ما قبل الظهور

ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل ، حسب ما نعرف من أدلتها ،وهو ما سبق أن أجلنا الحديث عن ألأعم الأغلب من "تاريخ الغيبة الكبرى" إلى هذا التاريخ ، باعتبار ما ألصق به . وإن كانت هذه الحوادث في واقعها ، تحصل في عصر الغيبة الكبرى ، إلا أن قصر الزمان نسبياً ، بينها وبين الظهور يجعلها أشد ، ارتباطاً به مما قبله ، كما سيتضح فيما يلي من البحث .

صفحة (111)   
 

 تمهيد

 

لا بد لنا –  في هذا الصدد – أن ناخذ بنظر الإعتبار ، عدة أمور :

الأمر الأول :أننا سرنا في التاريخ السابق (1) على اسلوب معين في فهم غالب الحوادث الواردة في الأخبار، وهو أسلوب الحمل على الرمزية ، لوجود الإطمئنان في كثير من الأحيان ، بأن المداليل اللفظية للأخبار الناقلة لهذه الحوادث غير مقصودة .وإنما المقصود من ورائها الإشارة إلى حوادث اجتماعية مما قد يتمخض عنها التخطيط السابق على الظهور .وإنما صيغت بأسلوب الرمز لمصالح معينة ... لعل من أهمها :

أولاً : عدم الموافقة بهذه الحوادث مع المستوى الفكري للعصر الذي صدرت فيه هذه الأخبار .

ثانياً : أنه لو صرح بهذه الحوادث وشرحت بوضوح ، لأمكن استغلالها واتخاذ مواقف سيئة منها ، بنحو يخل بالتخطيط الإلهي العام .

ثالثاً :إن مؤدى جملة كبيرة من الأخبار الناقلة للحوادث ، ظاهر بأنها تحصل عن طريق إعجازي غير طبيعي، بشكل يكون منافياً مع قانون المعجزات الذي برهنا على صحته . فيدور الأمر بين طرح الحديث أساساً وبين حملة الرمز، وقلنا هناك(2) بأن الحمل على الرمز أولى من الطرح ، وخاصة فيما إذا كانت الحادثة منقولة بأخبار كثيرة ، صالحة للإثبات التاريخي ، ولا يمكن طرحها .

وهنا نواجه هذه النقاط مرة أخرى ، وبشكل وآخر ، في الأخبار الناقلة لحوادث ما بعد الظهور، مع وجود اختلافين أحدهما نقطة قوة والأخرى نقطة ضعف . 

 

صفحة (113)   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر – مثلاً- ص212 منه.  (2) ص217 وما بعدها.

 

الإختلاف الأول : الذي يمثل نقطة القوة وهو أننا هنا لن نواجه العقبة التي قلناها في تمهيد هذا التاريخ ، وهي أننا لا نستطيع التعرف على العمق الحقيقي للحادثة أو لمجموع الحوادث ، وذلك :لأن ذلك إنما يصدق على حوادث ما بعد الظهور .وأما ما يكون موجوداً قبل الظهور ، كما هو شأن العلامات التي نتحدث عنها في هذا الفصل ، فاستيعاب فهمه متير إلى حد كبير .

الإخنلاف الثاني : الذي يمثل نقطة الضعف ، ينطلق من صعوبة اختيار المعنى المرموز إليه ، في الموارد التي نحتاج فيها إلى ذلك ، فإنه بعد أن يتبرهن الحمل على الرمزية ، قد لا يتعين المعنى المشار إليه بالرمز . ولعله من الممكن انطباقه على أكثر من مفهوم أو عدة وقائع .

ومع وجود هذه المصاعب ، قد لا يتعذر الإطلاع على المعنى المرموز إليه .إذ وجدت من القرائن والمثبتات حوله ما يكفي .ولكن مع تعذر ذلك لا بد أن نبني البحث على أسلوب الأطروحات بمعنى عرض أقرب المعاني المحتملة إلى الواقع وإلى القواعد العامة ، وقد لا يكون المعنى المحتمل بلحاظ ذلك أكثر من معنى واحد ، فيتعين ، وإن كان لايعدو كونه (اطروحة) باعتباره معنى محتملاً.

وتوجد هناك صعوبة أخرى ، قد نواجهها في فهم بعض الأخبار وهي أننا نجهل ما هو الرمزي من ألفاظ الروايات مما هو صريح ، فهل كل ألفاظها رمزية أو يوجد بعضها ما يمكن حمله على معناه الصريح .وهل يمكن التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد؟ وهل نحن محتاجون إلى هذه الرواية ، للحمل على الرمز أو لا ؟

أما من حيث أسس ذلك ، وهي إمكان التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد فالصحيح المطابق للفهم العام في الكلام ، أن ذلك ممكن إذا لم يكن مجموع الفهم من ألفاظ الحديث متنافراً ، بمعنى ضرورة الإنسجام بين المعاني التي فهمناها سواء الصريح منها والرمزي .

وأما الحاجة إلى الرمزية وعدمه ، فهو ما سبق أن بحثناه في التاريخ السابق(2) وخلاصته عدم إمكان الحمل على الرمز مع إمكان فهم المعنى اللفظي المطابقي نفسه .

مع إمكان الحمل على المجاز والكناية ، إذ مع إمكانه لا حاجة إلى الرمز.


صفحة (114)
   
ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص218 وما بعدها .

 

إنطلاقاً من هذه الأسس سنقوم بتذليل هذه الصعوبة : أعني تعيين الرمز من الصريح من الألفاظ ، عن طريق (القواعد العامة) ودلالة الأخبار الأخرى أولاً ، فإن تعذر ذلك ، كان أسلوب (الأطروحات) كفيلاً بتذليل هذه المشكلة ، لأننا حين نعرض الأطروحة المعينة القريبة إلى الذهن ، سنعرف بطبيعة الحال ما يدل عليها من الأخبار بنحو الرمز ، وما يدل عليها بنحو الصراحة .

الأمر الثاني :- من التمهيد - : في تمحيص ما ورد من الحوادث .

يمكن تقسيم هذه الحوادث من حيث إعرابها عن المعجزات إلى قسمين :

القسم الأول : ما كان بدلالته اللفظية ، أو بعد حمله على الرمزية ، دالاً على حوادث غير إعجازية ، اجتماعية أو طبيعية .

القسم الثاني : ما كان دالاً على حوادث إعجازية ، بشكل واضح ، لا يمكن صرفه عنها .

ويختص القسم الثاني بتحفظين لا حاجة إليهما في القسم الأول :

التحفظ الأول : إن هذا القسم مربوط بقانون المعجزات ، فما كان منه منسجماً معه أمكن الأخذ به لو تم فيه التحفظ الثاني الآتي ... وما لم يكن منسجماً معه ، فلا بد من رفضه على كل حال .

التحفظ الثاني : إن القسم الأول يمكن قبول حدوثه مع الإنسجام مع المنهج العام الذي قلناه في هذا التمهيد العام لهذا التاريخ ... في حين أن القسم الثاني يحتاج إلى درجة أعلى من التشدد في القبول ، كما عملنا عليه في التاريخ السابق(1) . ففي الوقت الذي قبلنا فيه الخبر الموثوق الواحد المجرد عن القرائن المثبتة في التمهيد... لم نكن قد قبلناه في التاريخ  السابق ، ولا نستطيع قبوله في اخبار القسم  الثاني المتكفل لنقل أخبار المعجزات ، باعتبار ما فينقلها من مظنة الخطأ والدس ، كما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق(2)، فنقتصر فيه على قبول الخبر المستفيض أو المحفوف بالقرائن الموافقة .

الأمر الثالث : سبق منا في التاريخ السابق(3) أن ذكرنا حوادث ما قبل الظهور،  مفصلة وعرفنا ما حدث منها وما لم يحدث .وما هو محمول على الرمزية وما ليس كذلك ، وعرفنا هناك خصائص كثيرة لا حاجة إلى تكرارها في هذا التاريخ .


صفحة (115)
   
ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص208 .  (2) المصدر ص204.

(3) المصدر فصل الأخبار الدالة على التنبؤ بالمستقبل ص280 وفصل علامات الظهور ص521.


إلا أن هذا التركيز فيما سبق ، كان على حوادث ما قبل الظهور ،ككل سواء منها البعيد عنه والقريب ..بل كان التركيزعلى البعيد عنه أشد ، الحديث عنه أوسع ...  باعتباره بعضاً من حلقات تاريخ الغيبة الكبرى .

ومع تجنب التكرار في هذا التاريخ ، والإستغناء عن ذكر الحوادث البعيدة أو المحتملة البعد عن يوم الظهور ، يبقى عل هذا الفصل أربعة مهام :

المهمة الأولى: التعرض إلى بعض العلامات التي لم تكن قد ذكرت في التاريخ السابق ، مع محاولة تمحيصها، وإعطائها الفهم اللازم .

المهمة الثانية : محاولة إثبات بعض العلامات التي سبق ذكرها ، طبقاً لتغيير المنهج في الإثبات التاريخي ، كما سبق أن أوضحنا في التمهيد.

المهمة الثالثة : محاولة إعطاء فهم جديد لبعض العلامات القريبة التي لم تكن قد أخذت حظها الكافي من البحث في التاريخ السابق ... أو عرض جوانب جديدة منها ، لم تكن قد عرضت هناك .

المهمة الرابعة : محاولة ضبط التسلسل التاريخي للحوادث مهما أمكن ، وهذا ما لم نتوفر عليه في التاريخ السابق ، في حين يكون استنتاجه مهماً في هذا التاريخ .

وإذا تمت هذه المهام ، فسيكون هناك فرق أساسي كبير بين بحث التاريخ السابق ، وبين هذا الباب ، كما سوف يظهر عند الدخول في التفاصيل .

وعلى أي حال ، فتنقسم هذه الحوادث ، أعني القريبة إلى الظهور ، إلى قسمين رئيسين :

الأول : الظواهر الطبيعية أو السماوية التي لا تمت إلى اختيار الناس بصلة .

الثاني: الظواهر الإجتماعية التي تعود إلى تصرفات الناس ، وما يعود إلى الحوادث التي تحصل للأمة الإسلامية بين آونة وأخرى .

وينبغي أن يقع الحديث عن القسم الأول سابقاً على الحديث عن القسم الثاني لأجل أن تتصل حوادث القسم الثاني بما بعدها من التاريخ ، حفظاً للتسلسل الزماني لها ، وسنتحدث عن كل قسم في فصل مستقل .


    صفحة (116)
     

الفصل الأول

الظواهر الطبيعية والسماوية

 

 

ونريد بها الحوادث المنقول حدوثها في الطبيعة ، و إن كانت صفتها إعجازية .

والمنقول منها أمور عديدة .ونحن نقتصر – اختصاراً للكلام وتمحيصاً للروايات – على ما كان متصفاً بشرائط ثلاث :

الشرط الأول: عقدنا من أجله هذا الباب ، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور .بحسب أدلتها دون البعيد منها .

الشرط الثاني: أن تكون الحادثة مما يمكن إثباته ، بحسب المنهج الذي اتخذناه مع محاولة تجنب ما لا يمكن اثباته .

الشرط الثالث: أن يكون مما ورد ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور المهدي (ع) وبهذا نختصر هذه الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية ،وليس في المصادر العامة منها إلا النادر .

 وما يبقى مندرجاً تحت هذه الشروط ، من  الحوادث ، عدة أمور ، نذكر كلا منها في جهة :

الجهة الأولى : الخسوف والكسوف :

 ويراد به حدوثهما بشكل يختلف عن الشكل الإعتيادي له . فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول الشهر و الخسوف في وسطه  . كما هو المعتاد ، فإن حدوثهما . سوف يكون بالعكس . فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله ... بشكل لم يسبق له نظير منذ أول البشرية إلى حين حدوثه.وهذا ما تعرب عنه عدد من الروايات ، ذكرنا ثلاث منها في التاريخ السابق (1) عن الشيخ  الطوسي والشيخ المفيد والشيخ النعماني .

 

صفحة (117)   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص574

 

وأخرج الشيخ الطوسي في ( الغيبة ) (1) أيضاً  بسنده عن بدر الأزدي ، قال :

قال أبو جعفر الباقر (ع) آيتان تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) إلى الأرض . تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره .فقال رجل : يا بن رسول الله ، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف .فقال ابو جعفر : إني لأعلم بما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (ع) .

وأخرج السيوطي في العرف الوردي(2) عن الدار قطني في سننه عن محمد بن علي الإمام الباقر (ع) ، قال:

إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ، ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض .

وفيما روينا هناك ما يدل على أن انخساف القمر يكون في الخامس والعشرين من رمضان ،واما أنكساف الشمس فهو في ثلاث عشرة أو أربع أو خمس عشرة منه .ويدل سياق هذه الرواية وأكثر من رواية أخرى على قرب هذه العلامة من قيام القائم أعني ظهور المهدي (ع) .

وهذا العدد من الروايات يكفي للإثبات التاريخي حتى مع (التشدد السندي)  الذي سرنا عليه في التاريخ السابق، وطبقناه هنا على الروايات الناقلة للمعجزات .

وقد أشرنا هناك إلى المبرر الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل الظهور .وهو –باختصار – ترسيخ فكرة المهدي (ع) عند حدوث هذه العلامة ، أولا ، والإيعاز إلى المخلصين من الخاصة إلى قرب الظهور ثانياً .

سيقى علينا الآن أن نتكلم عن المبرر الكوني لوجودها .وهل هو بطريق إعجازي أو طبيعي ... وإذا كان طبيعياً فكيف يحصل ... وهذا ما لم نفض فيه الحديث في التاريخ السابق .


صفحة (118)
   
ــــــــــــــــــ

(1)  ص270

(2) الحاوي للفتاوي ج2 ص136

 

إن لحدوث هذه الوقائع عدة اطروحات لا بد من استعراضها ونقدها :

الأطروحة الأولى: حصول الكسوف والخسوف بسببه (العلمي) الإعتيادي لكن مع اختلاف بسيط هو الإختلاف في الزمان .فإن ثبت في العلم الحديث أن الكسوف يحصل بتوسط الأرض بين الشمس والقمر ، أمكن حصول ذلك في زمان آخر جديد .

وهذه الأطروحة هي الأوفق بالظاهر الأولي من الروايات ، لو فرض الإلتزام بكون هذه الحوادث طبيعية غير إعجازية .

الإ أنها واضحة المناقشة طبقاً للنظرية العلمية الحديثة ، ومن ثم لا بد من التنازل عن هذا الظهور الأولي في الروايات .

فإن القمر – وهو يستمد نوره من الشمس ، والنور يسير بخطوط مستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً كبيراً – أن القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في وسط الشهر ، لأن انكساف الشمس به ، يلازم بالضرورة كون الوجه المظلم من القمر متوجهاً إلى الأرض ، وهذا ينافي بالضرورة كونه بدراً .

 كما أن خسوف القمر لا يكون إلا بوقوع ظل الأرض على القمر ، بعد توسطها بينه وبين الشمس .وهذا معناه :أن الأرض أقرب إلى الشمس من القمر . وهذا لا يحدث إلا في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً .

ولا يمكن دفع هذه المناقشة ، إلا بالطعن بالنظرية العلمية ، انطلاقاً من زاوية أن النظريات العلمية مهما تأكدت . فإنها قائمة على الحساب الظني ، وإن كان راجحاً ولا تنتج يقيناً تاماً بأي حال .وهذا موكول إلى وجدان القارىء .

الأطروحة الثانية : أن تكون رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض بل في مناطق أو كواكب أخرى من المجموعة الشمسية .

أما بالنسبة إلى كسوف الشمس ، فقد حدث فعلاً عام (1391 هـ – 1971م) حين كان بعض رواد الفضاء على القمر ، فشاهدوا الشمس  مكسوفة كلياً بتوسط الأرض بينهم وبينها .وهذا التوسط لا يحدث عادة إلا في وسط الشهر .

واما الخسوف فلم يحدث إلى حد الآن ، لكن في الإمكان تصور حدوثه فيما إذا انتقل بعض أفراد الإنسان إلى كوكب آخر من المجموعة الشمسية كالمريخ او الزهرة ، فإنه قد تصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب . فيحدث الخسوف في نظرهم.

صفحة (119)   
 

ومن الواضح :أن هذا غير مشروط بحدوثه في وسط الشهر القمري ، بل قد يحدث في أوله أو آخره أيضاً .

ويمكن المناقشة في هذه الأطروحة من أكثر من جهة :

أولاً : أن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث الكسوف بالنسبة إلى ساكني الأرض ، لا بالنسبة إلى من في القمر او المريخ .

غير أنه يمكن الإستغناء عن هذا الظهور ، من زاوية أن ظهورها في أن الإنسان هو الذي يرى هاتين الواقعتين ، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والمريخ ، ما دام الإنسان هو المشاهد .

ثانياً : إن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد ،هو شهر رمضان ، وهذا مما لم يتحقق في الخارج .

ثالثاً: إن الظهور الواضح لهذه الروايات – كما قلنا – يقتضي قرب هذه الوقائع إلى اليوم الموعود ، فإذا كان قد حدث أحدالأمرين، إذن فهو لم يحدث قريباً من اليوم الموعود  .

الأطروحة الثالثة : إن يحدث الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طارىء في الفضاء صدفة ، من الأجرام التي تعتبر علمياً تائهة في الفضاء ، أو ذات مدار ضخم جداً وغير محدد . فيحجب القمر عن الشمس ، فيحدث الخسوف ، أو يحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر ، فيحدث الكسوف .ومن الواضح أن مرور الجرم الطارىء غير محدد بزمان معين في الشهر .

وقد يؤيد ذلك بقوله في أكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (ع) .

فلعل جرماً ما قد اوجد هذه الظاهرة فبل وجود البشرية . ثم يكون وقت مروره بالمجموعة الشمسية منوطاً بتاريخ معين يصادف قبل ظهور المهدي بقليل.

وهذه الأطروحة لا ترد عليها المناقشة الأولى للأطروحة السابقة ، لفرض أنها ترى من الأرض .

وأما المناقشة الثانية : فمن حيث حصول الواقعتين  في شهر واحد ، أمر لا غبار عليه ، إذا التفتنا إلى أن جرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين .فإن المذنب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة واحدة ، بل يبقى مدة من الزمن حتى ينتهي عبوره فضاء المجموعة الشمسية ، فيمكن أن يحدث خلال وجوده كلا هذين الأمرين .

صفحة (120)   
 

وأما حدوث ذلك في شهر رمضان دون غيره ،فهذا على تقدير ثبوته ، لا بد من إيكال علمه إلى أهله .وسيأتي ما يوحه فيما يلي :

الأطروحة الرابعة : أن يحدث الكسوف و الخسوف بتوسط جرم آخر طارىء ، ولكنه من الأجرام المنطلقة من الأرض لبعض الغراض العلمية أو الحربية .إذ لعل  البشرية تتطور حتى تصل إلى المستوى الذي يؤهلها  لإطلاق الأجرام الضخمة المنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة .

وقد يرد في الذهن : أنه كان ذلك بفعل البشر ،فكيف يكون ذلك علامة على اليوم الموعود .

وجوابه من عدة وجوه :

أولاً : لعل البشر يطلقون الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف ، بالغرض آخر ، فيترتب عليه من حيث لا يعلمون . فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة قهرية الوقوع ، فهذه بمنزلة العامة القهرية.

ثانياً : أن البشر لو كانوا ملتفتين إلى إمكان حدوث الخسوف والكسوف من إطلاق الجرم ، إلا أن الذين يطلقونها لا يحملون عن المهدي (ع) وعلامات ظهوره أية فكرة ، فتكون هذه العملية بالنسة إلى فكرة علاميتها كالقهرية .

ثالثاً : أن البشر الذين يطلقون الجرم حتى او التفتوا إلى فكرة العلامية ، إلا أنهم لا يمكن أن يطلقونه إلا بعد بلوغهم مستوى (مدنياً) معيناً  ، فمن الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوى المدني العلمي وإنما ذكرت الروايات وجود  الكسوف والخسوف للإشارة إليه . بشكل لا ينافي المستوى الفكري العام لعصر صدور الأخبار .

وأما ورود المناقشات التي أوردناها عن الأطروحة الثانية ، فهو غير مهم ،كما هو واضح لمن يفكر ، سوى حصول ذلك في شهر رمضان وهو ما سيأتي إيضاحه .

وقد يخطر في الذهن: أن الروايات دالة على حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية ، فكيف ينسجم ذلك مع  هذه الأطروحة .

وجوابه واضح من زاوية ان الروايات لم تدل على أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ هبط آدم (ع)) واما حصوله قبل ذلك ، فليس لها ظهور تام في ذلك . وإن كانت مشعرة به قليلاً ، ويمكن الإستغناء عن هذا الإشعار مع تأكد هذه الأطروحة .

 

صفحة (121)   
 

فهذه جملة من الأطروحات الطبيعية أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام الطبيعة ، وهناك بعض الأطروحات الأخرى منها ما هو مبتنٍ على النظرية النسبية ، لا حاجة إلى التطويل بذكرها .

ويرد على هذه الأطروحة إشكال مشترك هو ما أشرنا إليه من التوقيت سواء منه التوقيت بشهر رمضان أو بقرب الظهور . فإنهما معاً قد يستشكل بعدم انسجامهما مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين بأي أطروحة كان . ويمكن الجواب على هذا الإيراد من اكثرمن وجه واحد نذكر منها ما يلي :

الوجه الأول : الطعن بصحة هذا التوقيت .والإلتزام بأن اقصى ما يثبت هو وجود هاتين الواقعتين قي غير أوانهما الطبيعي من الشهر ، فإن هذا المعنى تسالمت عليه الروايات ، وأما غير ذلك من الصفات فهم مما استقلت به البعض دون البعض . فلا يكون له الإثبات التاريخي الكافي . فلا يكون هذا الإشكال المشترك وارداً.

إلا أن هذا الوجه لا يتم في بعض الصفات الأساسية كحدوث الواقعتين قرب الظهور .. وإن صح الإستغناء عن بعض الصفات الأخرى . 

الوجه الثاني : أننا إذا سلمنا  بثبوت التوقيت ، لا يبق من إشكال إلا في اصل جعلها علامة على الظهور ، مع أنها حوادث مستقبلة ، وهي مما لا يمكن الإطلاع عليها من قبل أحد .وهذا ما سبق أن ناقشناه في الكتاب السابق(1) . ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبؤ بالمستقبل من قبل قادة الإسلام المعصومين (ع) ، وتسليم ثبوت هذه الصفات – كما قلنا - ... لايبقى لهذا الإشكال مجال  .

الأطروحة الخامسة : أن يحدث هذا الخسوف و الكسوف على نحو الإعجاز ، بخرق نواميس الطبيعة .

وقد تؤيد هذه الأطروحة ببعض القرائن المؤيدة :

القرينة الأولى :  قوله في اكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (ع) إلى الأرض ....إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود البشرية أكثر من مرة .


صفحة (122)
   
ــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص532.

 

إلا أن هذه القرينة لا تتم مع ثبوت إحدى الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما ، فإنهما يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمر البشرية ، فلا ينحصر أن يكون هذا إعجازياً .

القرينة الثانية :

إن إعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور ومنبهة للمخلصين الممحصين .وأما مع وجودها وجوداً طبيعياً ، فتضعف فكرة جعلاها علامة إلى حد كبير .

وهذه القرينة أيضاً قاصرة ، لأنها تتضمن غفلة عن معنى جعل العلامة ، الذ يسبق أن ذكرناه في التاريخ السابق(1) وعرفنا هناك أن السر الأساسي فيه ليس منطلقاً من الاعجاز ، بل من الإخبار نفسه ، حيث يختار قادة الإسلام (ع) شيئاً مهما ً ملفتاً للنظر فيخبرون به مرتبطاً بالظهور .حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط بها في الرواية ، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مطلقة ، او قربه إن كانت علامة قريبة .

وأضفنا هناك : ومن هنا لا معنى لكون بعض هذه الحوادث علامة ، إلا إذا ورد في الروايات ذكره  ، وجعل منها علامة على الظهور .

أقول فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الإعجاز ، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للإثبات التاريخي ، لا يكون حدوثها (الطبيعي) ، مخلاً بفكرة جعلها علامة .

هذا وينبغي الإلماع إلى أن في هذه الأطروحة الأعجازية ، نقطة ضعف ونقطة قوة ، بالنسبة إلى (قانون المعجزات) . فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية ، كما أسلفنا في التاريخ السابق(2) .وهذه نقطة قوته .ولكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها ، ولا أقل من الشك في ذلك ، ومعه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة فإذا انحصر الأمر  بالأطروحة الإعجازية ،  كان  اللازم رفض الأخبار الدالة عليها ، لإننا عرفنا عدم الإنحصار بها ، ومعه يتبين رفض هذه الأطروحة والحفاظ على الأخبار مع حملها على إحدى الأطروحات الطبيعية .

 

صفحة (123)   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص529 وما بعدها .

(2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص575.                                  

الجهة الثانية : الفزعة والصيحة

وهما أيضاً من الحوادث المنقولة في الأخبار ، وإنما دمجناهما في عنوان واحد ، لإحتمال أن يكون المراد بهما شيء واحد ، على ما سوف نشير .

أخرج الصدوق (1) بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) في حديث ، قال فيه :

ومن علامات خروجه (ع) ... وصيحة من السماء في شهر رمضان .

وأخرج ايضاً عن الحرث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله (ع) : الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان .

وأخرج عن عمر بن حنظلة ، قال :سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : قبل القائم خمس علامات محتومات ...وعد منها : الصيحة .

ونحوه أخرج النعماني في (الغيبة)(2) إلا أنه قال : والصيحة في السماء .

واخرج النعماني أيضاً (3) عن داود الدجاجي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال :

سئل أمير المؤمنين (ع) عن قوله تعالى :فاختلف الأحزاب من بينهم . فقال: انتظروا الفرج من ثلاث ! فقيل:  يا أمير المؤمنين ، وما هن ؟! ... فقال :... والفزعة في شهر رمضان .فقيل : وما الفزعة في شهر رمضان. فقال : أو ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن :  " إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء ، فظلت أعناقهم لها خاضعين " هي آية تخرج الفتاة من خدرها توقظ النائم ويفزع اليقظان .

وأخرج أيضاً عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال :

وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة من خدرها .

 

صفحة (124)   
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر اكمال الدين للصدوق (نسخة مخطوطة).   (2) ص 133.

(3) نفس الصفحة .  (4) انظر غيبة النعماتي ص 134 وكذلك الحديث الذي يليه.

 

وفي حديث آخر : عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث أنه قال :

الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان شهر الله – وهي صيحة – جبرئيل إلى هذا الخلق . ثم يقول – بعد حديث طويل – إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم . فعند ذلك فانتظروا الفرج ، وليس فرجكم إلا في اختلاف بني فلان ، فإذا اختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم ، إن الله يفعل ما يشاء .. الخبر .

ولعل من أهم ما دل عل وقوع الصيحة من الأخبار ، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير الرابع عن الإمام المهدي (ع) ، والذي أعلن فيه المهدي (ع) انتهاء السفارة بموت هذا السفير . يقول فيه :

إلا فمن أدعى المشاهدة  قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر .(1)

وأخرج القندوزي في ينابيع المودة بعض هذه الأخبار .

ونستطيع أن نعطي لفهم هذه الصيحة ، عدة اطروحات ، لنرى ما يصح منها وما لا يصح :

الأطروحة الأولى: إن الصيحة والفزعة بمعنى واحد ، ويراد بها صوت عظيم يكون في السماء ، يوقظ النائم ويفزع اليقظان ، ويخرج الفتاة من خدرها خوفاً وفزعاً . ومن هنا سميت بالفزعة . ويكون  الصوت حادثاً بالمعجزة ، ولايكون له مدلول كمداليل الكلام ، وإنما هو صوت كالرعد أو الهدة العظيمة .

إلا أن هذا مما لا يكاد يصح ، فإن أهم ما ينافيه في الروايات ، قوله :وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق .فإن صحته تكون - لا محالة – ذات معنى كمعاني الكلام ، لا أنها مجرد صيحة صامتة .وسيأتي ما يدل على ذلك في أخبار (النداء) .

الأطروحة الثانية : إن المراد بالصيحة هو النداء الآتي ذكره .وهو نداء جبرئيل على ما سنسمعه من الأخبار. وفي التعبير بأنها صيحة جبرئيل ، ما يؤيد ذلك .


صفحة (125)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر الإحتجاج للطبرسي ط النجف ص297وانظر تاريخ الغيبة الصغرى ص633 وما بعدها .

 

ويكون السبب في هذا الصوت شيء من قبيل المعجزة ، فإن سببه صادر من فوق الطبيعة المادية ، لأنه صوت أحد الملائكة الكرام كما سمعنا في الأخبار .

وعلى أي من هاتين الأطروحتين ويكون الصوت إعجازياً حادثاً من اجل مصالح معينة ، أهمها ما أشرنا إليه من التنبيه على قرب الظهور ، من اجل إيجاد الإستعداد النفسي لدى المخلصين والمسلمين لإستقباله .

الأطروحة الثالثة : أن يكون المراد بالصيحة والفزعة معان طبيعية غير إعجازية فالفزعة تعبير عن وجود رعب عام لسبب من الأسباب كتوقع حرب أو وباء مثلاً .ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر  من بعض القنابل أو الصواريخ ، أو من اختراق إحدى الطائرات حاجز الصوت ، أو انفجار بعض المستودعات ...ونحو ذلك

غير أن الأطروحة بعيدة للغاية عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام .وخاصة مع الإستدلال بقوله تعالى :" إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء فظلت أعناقهم لها خاضعين " (1) . وقد استدل بهذه الآية عل الفزعة ، كما سبق أن سمعنا ،وعلى الصيحة ، فيما رواه الصافي في منتخب الأثر(2) والقندوزي في الينابيع (3) عن أبي عبد الله (ع) ، وقال في آخره : فتلوت هذه الآية أي قوله تعالى :إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ..الآية ،وفقلت : أهي الصيحة ؟ قال: نعم .لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عز وجل .

وإنما تخضع أعناق أعداء الله نتيجة لحادث كوني كبير غير معهود ، فيه عنصر أعجازي ، لا لحادث بسيط كصوت صاروخ أو طائرة .

ولعل في تفسير الآية تارة بالصيحة وأخرى بالفزعة .ما يوحي بالأطروحة الأولى .

أو أن تكون الفزعة بمعنى الصيحة ،فإنهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه .

ويكون ذلك مطابقاً للأطروحة الثانية .ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبريل الأمين. في قلوب أعداء الله .. وأما المؤمنين فيكون الصوت بشارة كبرى لهم عن قرب الفرج وتوقع الظهور .

ومن أجل هذا يحصل الاهتمام الكبير بهذا الصوت و يستيقظ منه النائم ويفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة الحيية المخدرة من خدرها وولا تتحدث عن الفتيات غير المتصفات بالحياء .
 

صفحة (126)   
ــــــــــــــــــ

(1) الشعراء : 26/4. (2) ص404.

(3) ص 426.

 

هذا ، والظاهر من سياق هذه الأخبار ، وخاصة مثل قوله : فتوقعوا الصيحة وخروج القائم ...أن تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبياً ...وهو المقصود .

الجهة الثالثة: النداء .

والأخبار عن ذلك على ثلاثة أشكال :

الشكل الأول : ما كان دالاً على وجود النداء إجمالاً .وإنه من المحتوم .

اخرج الصدوق (1) بسنده إلى ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

خمس قبل قيام القائم ...وعد منها: المنادي ينادي من السماء .

وروى المفيد بسنده (2) عن أبي حمزة الثمالي ، قال :

قلت لأبي جعفر (ع) : خروج السفياني من المحتوم ؟ قال : نعم ، والنداء من المحتوم . الحديث .

وأخرج النعماني (3) بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :

النداء من المحتوم ..  الحديث .

الشكل الثاني : النداء بالحق وبالباطل .ويكون النداء بالحق أولاً . ثم النداء بالباطل .

أخرج الصدوق (4) بسنده إلى ميمون البان في حديث عن أبي جعفر (ع) قال :

ثم قال : ينادي مناد من السماء :إن فلان بن فلان هو الإمام أسمه ،وينادي ابليس لعنه الله من الأرض ، كما نادى برسول الله (ص) ليلة العقبة .

وأخرج النعماني في الغيبة(5) عن أبي بصيرعن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل ،قال فيه: ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب .لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ،فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب ، فإن الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين .


صفحة (127)
   
ــــــــــــــــــ

(1) إكمال الدين ( المخطوط ).  (2) الإرشاد ص338

(3) الغيبة ص134.   (4) انظر إكمال الدين المخطوط .ص134.

(5) ص134.

 

وقال (ع) : الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ، ليلة ثلاث وعشرين ، فلا تشكوا في ذلك ، واسمعوا وأطيعوا .

وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي :ألا إن فلاناً قتل مظلوماً ، ليشكك الناس ويفتنهم ، فكم ذلك اليوم من شاك متحير .قد هوى في النار .

فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان ، فلا تشكوا فيه أنه صوت جبرئيل وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم واسم أبيه (ع) وحتى تسمعه العذراء في خدرها ، فتحرض أباها وأخاها على الخروج .

إلى أن قال : فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير ان تفتنوا به . .. الحديث .

وأخرج السيوطي في العرف الوردي (1) قال : أخرج نعيم عن علي . قال :

إذا نادى مناد من السماء :إن الحق فيآل محمد .فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس ، ويشربون حبة ، ولايكون لهم ذكر غيره .

وأخرج أيضاً (2) عن نعيم بن حماد أيضاً و عن أبي جعفر، قال:

ينادي مناد من السماء : إن الحق في آل محمد ، ينادي مناد من الأرض :إن الحق في آل عيسى – أو قال : العباس شك فيه – وإنما الصوت الأسفل كلمة الشيطان ، والصوت الأعلى كلمة الله العليا .

وأخرج القندوزي في الينابيع شيئاً من ذلك .


صفحة (128)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر الحاوي للسيوطي ج2 ص140

(2) المصدر ص151.

القسم الثالث : النداء باسم القائم (ع ) بدون أن يكون في الأخبار تعرض إلى نداء آخر :

أخرج الصدوق(1) بسنده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (ع) ، في حديث ، قال :

ومن علاماته خروج السفياني ، ومناد نادي باسمه واسم أبيه .

وأخرج النعماني(2) بسنده عن أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) ، قال :

قلت له :جعلت فداك ، متى خروج القائم . فقال : يا ابا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت ...إلى أن قال : ولا يخرج القائم حتى ينادي بإسمه في جوف السماء ، في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ، ليلة جمعة .

قلت : بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه .إلا أن فلان بن فلان قائم آل محمد . فاسمعوا له واطيعوه.

وأخرج الشيخ في الغيبة(3) بسنده عن محمد بن مسلم ، قال :

ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع ما بين الشرق إلى الغرب .فلا يبقى راقد ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت .هو صوت جبرئيل الروح الأمين .

وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير (ع) قال : قال أبو عبد الله (ع) :

إن القائم صلوات الله عليه ، ينادي اسمه لله ثلاث وعشرين ...الجديث .

 إلى غير ذلك من الأخبار.


صفحة (129)
   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر إكمال الدين المخطوط .  (2) أنظرغيبة النعماني ص134.

(3) انظر ص274.  (4) الغيبة للطوسي ص274.

 

 

والمعنى المفهوم من مجموع هذه الأخبار واخبار الجهة السابقة : أن أخبار الصيحة والفزعة واخبارالنداء بأقسامها تشير إلى معنى مشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها .

وإن تعددت أساليب الأخبار .ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات الأخبار . ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات أكثر من صوتين .لو تم القسم الثاني من الأخبار.

وعلى ذلك عدة قرائن ، من هذه الأخبار نفسها :

منها : أن الصيحة و النداء معاً نسباً إلى جبرئيل (ع) بشكل مستفيض .

ومنها أن وقتهما معاً في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان .

ومنها :أنها جميعاً تورث الإهتمام الكبير. يستيقظ النائم ويقوم القاعد وتخرج العذراء من خدرها .

ومنها :أن الصيحة والنداء  من المحتوم . إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع .

وبعد حمل المطلق على المقيد والمجمل على المفصل، ما يلي:

1-إن المراد من النداء الذي هو من المحتوم هو نداء جبرائيل باسم القائم .

2- أن المراد من النداء الحق ليس إلا ذلك .

3- إن صيحة جبرئيل هي هذا النداء أيضاً .

4- إن الآية التي تخضع لها أعناق اعداء الله هو ذلك أيضاً .

5- إن الفزعة التي تخرج الفتاة من خدرها هو ذلك أيضاً .

6- إن التوقيت في الثالث عشر من شهر رمضان ، توقيته أيضاً .

فإن القسم الثالث من أخبار النداء ، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخص هذه الأخبار جميعاً ، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة ... فتصلح أن تكون مفسرة لها وشارحة لمدلولها .. كما ستكون الصفات الخرى المعطاة في تلك الأخبار ، صفة للنداء أيضاً ،  كالتوقيت والحتمية وغيرهما .

وإذا تم هذا الفهم العام ، كانت الأخبار الدالة ، على هذا المعنى المشترك متواترة بل تزيد على التواتر .فإن أخبار النداء وحدها مستفيضة ، فإذا أضفنا إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة .

كما أن بعض الخصائص المذكورة لها مستفيضة ، كحصول الإهتمام  المتزايد والتوقيت الذي عرفناه ،وكونها من المحتوم ،وكونها صوت جبرئيل الأمين ، وانها تكون بالحق وضد أنصار الباطل .

 

 صفحة (130)   
 

ولا يبقى بعد ذلك مجال للنقد إلا في مستويين .

المستوى الأول : ما هو محتوى النداء؟ هذا ما بينته الروايات التي سمعناها على شكلين :

الشكل الأول : النداء باسم المهدي واسم أبيه .

الشكل الثاني : النداء بأن الحق في آل محمد .

فقد تحصل المعارضة بين هذه الروايات  ، ويبقى محتوى النداء ، خالياً من الدليل الصالح للإثبات .

والصحيح هو عدم التعارض ، باعتبار إحدى النقاط :

النقطة الأولى : أن افترضنا أن كلا ً من الندائين ذو دليل كاف لإثباته ، إذاً ، فينبغي أن نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي على كلا المدلولين ، فهو يقول  إن الحق في آل محمد وإن أمامكم فلان بن فلان ، ولا تنافي بين الأمرين .

النقطة الثانية : أن نفهم الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه .وإن ما يحصل في الخارج هو الشكل الأول فقط . وإنما ذكر الشكل الثاني نتيجة لظروف تاريخية معينة .

وخاصة إذا التفتنا ان الأخبار الناقلة للندائين :بالحق أولاً ثم بالباطل ، نقلت النداء الأول على شكلين ، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما ، فيكون ما دل على النداء هو من الشكل الأول قرينة عل فهم معين لما دل على أن النداء هو من الشكل الثاني ، وانه صدر في ظروف معينة .

النقطة الثالثة : أننا لو تنزلنا عن كلا النقطتين السابقتين ، وافترضنا حصول التنافي بين الندائين ، للعلم بأن أحدهما غير حاصل . إذاً ، يتعين الأخذ بالشكل الأول من النداء  ،ورفض الشكل الثاني ، لوفرة الأخبار الدالة على أنه ينادي باسمه واسم أبيه ، لأن منها ما ورد مستقلاً وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف النداء  الباطل عليه ،وهو أغلب القسم الثاني .فلا يكون ما دل من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً ، لقلة عدد الأخبار فيه ... فيكون مرفوضاً .

المستوى الثاني : هل الأخبار الدالة على وجود النداء بالباطل كافية للإثبات اولاً ؟...

 صفحة (131)   
 

هناك بعض المقدمات الفكرية الني يمكن أن تنتج رفضها :

المقدمة الأولى :إن عدد الأخبار الدالة على النداء بالباطل أقل بكثير من الأخبار الدالة على النداء بالحق . فبينما نرى الأخبار الدالة على النداء بالحق أو باسم المهدي (ع) عديدة فإذا ألحقنا بها أخبار الفزعة والصيحة، كما سبق – اصبحت متواترة .. نرى أن الأخبار الدالة على النداء بالباطل ذات عدد قليل ، تمثل قسماً من أخبار النداء فقط .

المقدمة الثانية : إننا إذا سرنا على الفهم التقليدي لهذه الأخبار المطابق مع ظهورها الأولي ،وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي أو ميتافيزيقي ، فيكون هذا معجزة صادرة في جانب الباطل ، وقد برهنا على استحالة ذلك في التاريخ السابق(1) لما فيه من التغرير بالجهل والدفع إلى الفتنة والإنحراف وهو مستحيل على الحكيم المطلق جل وعلا .

فإذا تمت هاتان المقدمتان لزمنا رفض هذه الأخبار ،لأنها أخبار قليلة نسبياً ودالة على أمر مستحيل ، فيكون الأخذ بمضمونها مستحيلاً.

وهذا لا يعني إسقاط القسم الثاني من أخبار النداء كله ، بل الساقط هو الجزء  الدال على وجود النداء بالباطل فقط .وأما الجزء الدال منها على النداء بالحق فيبقى ساري المفعول ،معتضداً بالأخبار الدالة على ذلك .وقد سبق أن برهنا على إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر .

نعم لو ناقشنا بالقدمة الثانية ، وأمكننا حمل النداء عموماً أو النداء بالباطل خصوصاً ، على معنى (طبيعي) غير إعجازي ، أمكن الأخذ بالأخبار الدالة عليه غير أن هذا سوف يكون قابلاً للمناقشة على ما سيأتي .

وإذا نحاول تكوين فهم متكامل عن هذين الندائين ، نواجه عدة أطروحات منها الطبيعي ومنها الإعجازي.

الأطروحة الأولى :أن نفهم من (جبرئيل) المنادي بالحق و(إبليس) المنادي بالباطل، أن نفهم منهما – ولو بنحو الرمز أو المجاز – التعبير عن انصار الحق وأنصار الباطل . فجبرئيل كناية عن المهدي نفسه ، ونداؤه نداء الحق ،وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمنحرفين من البشر عموماً .

 

صفحة (132)   
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص577.
 

ويكون المراد بسعة الصوت وانتشاره إلى الشرق والغرب أو إلى كل إنسان ،كونه مبثوثاً عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون وما ورد من أن الصوت من السماء ، فباعتبار أن البث الإذاعي و التلفزيزني لا يكون التقاطه ، إلا من الفضاء ،وخاصة مع وجود الكواكب الصناعية للبث الإذاعي والتلفزيوني.

ومعه يكون من السهل بل من الطبيعي أن نتصور أن جبهة الإمام المهدي (ع) تنادي باسمه بطريق الوسائل الحديثة .... و(جبهة) أعدائه تنادي بنداء مضاد سوف نعرف مدلوله ، تريد به الفتنة وصرف الناس من الحق إلى الباطل.

ويكون السبب في التأثير النفسي البالغ، والإهتمام الذي يحدثه الصوت الحق في العالم ، ليس هو ارتفاع الصوت ، بل هو أهمية المضمون . فإن الإعلان العام عن ظهور المهدي (ع) لأول مرة ، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته العالمية ، مع كون المسلمين عامة ، بل أكثر البشر ممن يتوقع حدوث دولة الحق ، سوف يحدث ردود فعل عنيفة مختلفة في الناس بلا شك .

وهذه الأطروحة وإن كانت واضحة منطقياً ، غير أنه يرد عليها بعض الإشكالات التي من اهمها : أن ما يستفاد  من سياق هذه الأخبار من أن النداء  وصوت الحق وصوت الباطل وإنما يكون قبل ظهور المهدي (ع) وليس بعده ... وهذا يكون منافياً مع مضمون هذه الأطروحة ، لأنها تنظر إلى دعوات الحق والباطل بعد الظهور .

الأطروحة الثانية : أن نلتزم – طبقاً لظاهر الأخبار – بأن هذين الصوتين يوجدان قبل ظهور المهدي (ع) لكن بطريق طبيعي أيضاً وعن طريق وسائل الإعلام الحديثة ،ويكون السبب في هذين الصوتين ، وجود حركتين متناحرتين في العالم الإسلامي .إحداهما محقّة ، تهدي الناس إلى الإسلام الصحيح ، والإخرى حركة مبطلة ، تغوي الناس وتخدعهم وتثير فيهم الشبهات .

ويكون التأييد لحركة الحق ، في اول قيامها تأثيراً كبيراً في الناس ، حتى أن المرأة تحث أباها وأخاها على نصرة هذه الحركة وتأييدها ، ولكن هذه الحركة لن تدوم طويلاً ، بل تكون ضدها حركة مبطلة تعلن عن رأيها وتصرح بمقاصدها فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية أو مايمت لها بصلة .

ويكون من نداءاتها وشعاراتها المهمة : أن فلان قتل مظلوماً ، والمراد به – والله العالم – ذلك الشخص الذي قتلته وقضت على حكمه الحركة الأولى المحقة .ومن هنا تصرح الحركة الثانية ، بمظلوميته وانتهاج سبيله ،والإحتجاج على قتله .

 

 صفحة (134)   
 

ولعل التعبير يكون نداء الحركة الأولى صادراً من السماء ونداء الحركة الثانية صادراً من الأرض .باعتبار احترام النداء الأول ، وكونه محقاً وانتقاص النداء الثاني باعتباره باطلاً وزخرفاً .

إلا أن هذه الأطروحة لا تصح ، لوضوح أن نداء الحركة المحقة سوف يكون هو الدعوة إلى مبادئها وتأييدها، لا النداء باسم القائم المهدي (ع) واسم ابيه كما صرحت به الأخبار العديدة .ومعه يبقى هذا النداء بلا تفسير من زاوية هذه الأطروحة .

وأما احتمال أن يكون المراد من لفظ القائم : قائد الحركة المحقة باعتبار أنه قائم بالسيف وناصر للحق بالسلاح . في الجملة ،وإن لم تكن حركته عالمية فهذا الأحتمال غير صحيح ،فإن الأخبار صرحت بكونه قائم آل محمد وانه المهدي ، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه ،وهو مما لا ينطبق إلا على المهدي الموعود

الأطروحة الثالثة : وهي المطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام ...وهو أن نفهم الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق ، باسم القائم واسم أبيه ، ويكون ذلك من المنبهات للإستعداد النفسي للظهور ، كما قلنا .

وهو في عين الوقت يضفي اهمية عظمى مسبقة على يوم الظهور ،ويعين اسم القائد العظيم فيه .ويكفي أن يقال بعد الظهور ، الذي يبدو أنه سوف لن يتأخر كثيراً بعد النداء : أن هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف باسمه وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم بأمره ، وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته .وقد عرفنا أن يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء والصالحين والشهداء ،وهو الغرض الأسمى من خلق البشرية ، فلا عجب أن يمهد الله تعالى بمثل هذه المعجزات .

وهو ما دلت عليه الأخبار المتوترة عليه ، كما عرفنا ، وهو غير مناف مع قانون المعجزات ، لوقوعه في طريق الهداية ، إذاً فلا بد من التسليم به والإعتراف بوقوعه .

ويكون هذا الصوت في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين ، التي هي – الأرجح – ليلة القدر ، وهي افضل ليالي السنة .ويكون التوجه الدني في ذلك الحين لدى المسلمين وتقبل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته . فإنه يزداد في مناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان ، بالأخص في ليلة القدر .

وسيكون رد الفعل بالأهتمام والفزع لهذا النداء ، ناشئاً من عوامل ثلاثة مقترنة .

صفحة (134)   
 

العامل الأول : ارتفاع الصوت وانتشاره بحيث يسمع الآفاق كلها .

العامل الثاني : جانبه الإعجازي ، الذي لا يكاد يمكن تفسيره مادياً.

العامل الثالث : مضمونه ، من حيث كونه مشيراً إلى القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

واود  أن الاحظ على النداء بعض الملاحظات .

الملاحظة الأولى : هناك فهم تقليدي للنداء ، بأنه يقع في لحظة الظهور إعلاناً عنه وإيذاناً بوقوعه ، وهذا ما لم نجد من الروايات شيئاً دالاً عليه .ومن هنا لا يمكن الإلتزام بصحته .

ولكن لا يمكن مع ذلك . رفع اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور إلا أن هذا كما يمكن أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور ، كذلك يمكن أن يحصل مع إيجاد النداء قبله بقليل .ويبدو كأن الظهور قائم على أساس النداء ومنطلق منه . وإن كان الأمر – في الواقع – بالعكس .

ولا يبعد القول بإمكان البرهنة على تقديم النداء قبل الظهور، بفترة زمنية . وذلك، أن النداء إذا حصل مع الظهور ، كان المتعين عالمياً انطباقه على المهدي (ع) الذي لا زال في أول ظهوره غير راسخ الملك والقوة، ومن هنا ينفتح إحتمال توجه الأسلحة العالمية ضده .وهو خلاف بعض الضمانات التي سنذكرها لإنتصاره .

بخلاف ما لو حصل النداء قبله ، فإن حركة المهدي (ع) في اول عهدها سوف لن تكون ضرورية الإنطباق على ذلك النداء ، عالمياً .وسوف لن يلتفت إلى ذلك إلا المؤمنين به والمنطقة التي تعاصر حركته الأولى. وهذا هو الأنسب مع بعض الضمانات التي سنذكرها .

وحيث أن النداء باسم المهدي (ع) مع ظهوره مخلاً بانتصاره ، إذاً فيتعين عدم حصوله ساعتئذ ، وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً ،إذاً فهو يحصل قبل الظهور ، بزمن قليل لايضر مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه .

الملاحظة الثانية : إن حصول النداء قبل الظهور ، معناه حصوله في عصر الغيبة طبقاً للمفهوم الإمامي عن المهدي .

صفحة (135)   

وهذا النداء عندئذ ، لا ينافي  الغيبة الحاصلة في الفترة المتخللة بين النداء والظهور. لأن المعنى الأساسي للغيبة كما عرفناه في التاريخ السابق(1) ، هو الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي (ع) ، فبالرغم من أن الناس يرون الإمام ويعاشرونه . إلا أنهم يعرفونه باسم آخر غير صفته الواقعية ،وما الواضح أن هذا المعنى لا يتغير بوجود النداء ما لم يطبقه المهدي نفسه على نفسه عند ظهوره .

وكذلك الحال مع ألأطروحة الأخرى التي رفضناها هناك ، وسميناها بـ (أطروحة خفاء الشخص) حتى مع وجود النداء ولا يرتفع إلا مع الظهور .

الملاحظة الثالثة : كم هي الفترة المتخللة بين النداء والظهور؟ دلت الروايات السابقة على وقوع النداء في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان(2) .ولعله هو الشهر الذي قع فيه الكسوف و الخسوف على غير المألوف ، أو رمضان آخر قريب منه نسبياً .

والملاحظ أن هذا التوقيت في روايات النداء مستفيض صالح للإثبات التاريخي ، إلا أن هذا التوقيت لم يبلغ إلى هذه الدرجة من الكثرة في روايات الخسوف والكسوف .

وسوف يأتي أن الروايات تدل على حصول الظهور في مساء اليوم العاشر من محرم الحرام ... فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سبق – على قصر المدة بين النداء والظهور ، تعين القول : أن المحرم الذي يتم فيه الظهور هو المحرم الذي يأتي بعد ذلك الرمضان الذي يوجد فيه النداء ، ويفصل بينها  - في كل عام  - ثلاثة من الأشهر القمرية .فتكون المدة المتخللة ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً وإن كان شهر رمضان تاماً .

وستكون هذه المدة المتخللة كافية لتنيبه المؤمنين ، واجتماعهم لإستقبال إمامهم وقائدهم عند ظهوره، كما سيأتي .

فهذه الملاحظات ، عن النداء بالحق ،هو الصالح للإثبات كما عرفنا .وأما النداء بالباطل فهو غير صالح للإثبات كما عرفنا ، وأما النداء بالباطل فهو غيرصالح للإثبات ، فلا يهم التعرض إلى تفاصيله .

الجهة الرابعة : المطر.

أخرج الطبرسي في أعلام الورى(3) عن عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، في حديث عن القائم يقول فيه : وإذا آن قيامه ، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير مثله ... الحديث .

صفحة (136)   
ـــــــــــــــــ
(1)
تاريخ الغيبة الكبرى ص34 وما بعدها .
(2) المصدر ص31ومابعدها . (3)
ص432.

وذكر المفيد في الإرشاد (1): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ، وحوادث تكون أمام قيامه ، وآيات ودلالات ثم أنه (عليه الرحمة) ذكر العديد منها إلى أن قال :

ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيي بها الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها .

وأخرج الشيخ في  (الغيبة)(2) بإسناده عن سعيد بن جبير قال :

السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر أربعاً وعشرين مطراً يرى أثرها و بركاتها .

ولا تخفى الحكمة من هذا المطر ، وهو الإستعداد للظهور ، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة ، ذلك التوفير العظيم الذي سنسمع عنه فيما يلي من الفصول :

وهذا التقديم خير من نزول المطر بعد الظهور بغزارة ، بحيث قد يعيق عن جملة من الأعمال التي يريد القائد المهدي (ع) انجازها .ففي تقدمة على الظهور جني لفوائد المطر مع تفادي مضاعفاته .

ونزول المطر ليس إعجازياً ، بطبيعة الحال ، إلا أن توقيته وكميته ، يبدو من سياق الروايات أنها بقصد إعجازي خاص من قبل البارىء الحكيم ، توصلاً للنتائج المطلوبة من ورائها .

غير أن عدة نقاط ضعف تبرز في هذا الصدد .

النقطة الأولى : ضعف الروايات من حيث السند . فإن روايتي الطبرسي والمفيد مرسلتان ، ورواية الشيخ منقولة  عن سعيد بن جبير لا عن  أحد الأئمة المعصومين ، فلا تكون صالحة للإثبات التاريخي .

النقطة الثانية : قلة عدد الروايات الدالة على ذلك . فإن منهجنا في هذا الكتاب وإن كان قائماً على أساس قبول الخبر الواحد ، غير أننا أشرنا إلى لزوم تطبيق (التشدد السندي) في روايات المعجزات. وهذه منها بلحاظ ما قلناه نت التوقيت الاعجازي. فلا تكون هذه الرويات كافةي للأثبات حتى ولو لم تكن مرسلة.


 
صفحة (137)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص337.  (2) انظر ص269.

النقطة الثالثة: ان هذه الرويات لا تدل على امطار ضخمة جداً ، فان أربعاً وعشرين مطرة موزعة على شهر أو شهرين مما يحدث في البلاد المتوسطة المطر فضلاً  عن الغزيرة الباردة. ومعه لا يمكن أن يكون هذا المطر علامة على الظهور، لأن فكرة العلامة منطلقة من الإخبار عن شيء مهم وملفت للنظر في التأريخ. وليس هذا المطر كذلك.
النقطة الرابعة: ان هذه الروايات لا تدل على مكان حدوث هذه الأمطار. فقد تكون بلاداً باردة ممطرة وقد تكون بلاداً جافة ... كل ما يمكن قوله : ان المطر سوف يحدث في بلاد الشرق الأوسط الاسلامية. الإ أن هذه البلاد نفسها تحتوي على كلا القسمين من المناخ. فهناك الباردة الممطرة كأيران ولبنان. وهناك الجافة الممحلة كالحجاز ونجد على العموم.
نعم ، يمكن أن يقال كـ(أطروحة)من أجل اكتساب هذا المطر الاهمية ومن ثم تصدق عليه فكرة العلامية: ان مكان هذ المطر يمكن أن يكون على شكلبن:
الشكل الأول: انه ينزل في الاماكن المقدسة : مكة والمدينة المشرفتين وهي من البلاد الجافة الممحلة. فيكون وجود هذه الكمية من المطر فيه مهماً جداً.
الشكل الثاني: ان ينزل في كل منطقة الشرق الاوسط جميعاً. وبشكل مشترك ... بالعدد والزمان المحددين السابقين. فيكتسب أهمية كبيرة أيضاً.
غير أن هذين الشكلين إنما يكتسبان الأهمية، لو تم إثباتهما التأريخي، وقد عرفنا في النقطتين الأوليتين عدم صلاحية الروايات للأثبات التأريخي.
وإذا لم يثبت ذلك، كان العديد مما ذكر في المصادر من الحوادث والعلامات القريبة، للظهور، غير قابل للأثبات التأريخي أيضاً، لأنه ليس أحسن حالاً في النقل من هذه الحادثة على أي حال.ومن ثم يكون الأحجى أن نعرض عنها،وندع العلم بها الى أهله.
فهذا هو الكلام عن العلامات (الطبيعية) أعني الكونية الخارجة عن المجتمع البشري. وعرفنا أن أهمها وأوضحها أثنان فقط هما النداء باسم القائم واسم أبيه، ويليه الكسوف الخسوف. وليس هناك ما يمكن اثباته من الحوادث والعلامات ( الطبيعية) غير ذلك، إذا مشينا على منهجنا في التمحيص التأريخي.

صفحة (138)
 

الفصل الثاني
الظواهر الإجتماعية

أعني الظواهر التي تنطلق من المجتمع وتصرفات

الناس وهي عدة علامات ، نذكر كلاً منها بعنوان


الدجال
 

وقد سبق أن عرضناه مفصلاً في التاريخ السابق ،وقدمنا هناك الفهم المتكامل عنه ، والمناسب مع كل ما ورد وثبت عنه من الخصائص والصفات .

وإنما كررنا العنوان في التاريخ ، باعتبار ما دلت عليه بعض الأخبار ، مما سيأتي من قرب ظهور الدجال إلى ظهور المهدي (ع) ، فيكون من العلامات القريبة للظهور ، التي نحن بصددها .وهذا ممكن الصدق على كلا الفهمين اللذين قدمناهما للدجال في التاريخ السابق .

وسوف لن نكرر ما ذكرناه هناك ، بطبيعة الحال ،وإنما المهم هنا أن نسير خطوات أخرى إلى الأمام في فهم الدجال ، ونؤكد على مدى علاقة الدجال بالمهدي والمسيح (ع) ، وإيراد ما ورد في ذلك من الأخبار ونحوها من الخصائص التي لم نتوفر على عرضها في التاريخ السابق .

الناحية الأولى : موقف الدجال من الأمة الإسلامية ، ومدى تأثيره فيها ، ذلك التأثير الذي نستطيع أن نفهم استمراره إلى حين الظهور . ويواجهنا بهذا الصدد عدد من الاخبار ، نذكر ما أورده الشيخان من العامة وبعض الإمامية .

 

 صفحة (139)
 

 أخرج مسلم(1) بسنده عن حذيفة ، قال : قال رسول الله (ص ) لأنا أعلم بما مع الدجال  منه . معه نهران يجريان وأحدهما : رأي العين ماء أبيض ، والآخر رأ ي العين نار تأجج . فأما أدركن أحد، فليأت النهر الذي يراه ناراً ، وليغمض ، ثم ليطأطىء رأسه فيشرب منه ، فإنه ماء بارد .وإن الدجال ممسوح العين ، عليها ظفرة غليظة ومكتوب . بين عينيه :كافر . يقرأه كاتب وغير كاتب .

وفي حديث آخر أخرجه(2) أيضاً عن النواس بن سمعان  ، قال : ذكر رسول الله  الدجال ، إلى أن قال : إنه خارج خلة بين الشام والعراق .فعاث يميناً وعاث شمالاً ، يا عبد الله فانبثوا . إلى أن قال : فيدعوهم فيؤمنون ويستجيبون له ، فيأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت . فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر .

ثم يأتي القوم فيردون عليه قوله . فينصرف عنهم . فيصبحون ممحلين ، ليس بأيديهم شيء من اموالهم ....الخ .

 وأخرج البخاري (3)عن أنس بن مالك ، قال :  قال النبي (ص ): يجيء الدجال حتى ينزل  في ناحية المدينة ، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل كافر ومنافق .

وأخرج الصدوق * بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يتحدث عن الدجال ويقول عنه : ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين ... يقول : إليّ أوليائي . أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى ،وكذب عدو الله ، إنه أعور يطعم الطعام ويمشي في الأسواق .وإن ربكم ليس بأعور ولايطعم ولا يمشي في الأسواق ،ولا يزول تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

 

صفحة (140)
ـــــــــــــــــ
(1)
انظر صحيح مسلم ج8 ص195 ونحوه في البخاري ج9 ص75 .   (2) صحيح مسلم نفس الجزء والصفحة .
(3) انظر الصحيح ج9 ص71    (4) أنظر كمال الدين المخطوط.

ألا وإن أكثر أتباعه يومئذ اولاد الزنا ، وأهل الطيالسة الخضر ... الخ الحديث ، وغير ذلك من الأخبار .

قد أعطينا في التاريخ السابق أطروحتان لفهم الدجال "إحداهما : تقليدية تقول أن الدجال شخص معين طويل العمر ، سيظهر في آخر الزمان من أجل ضلال الناس وفتنتهم عن دينهم .ويدل عليه قليل من الأخبار(1) . والأحرى : إن الدجال عبارة عن مستوى حضاري أيدولوجي معين معاد للإسلام والإخلاص الإيماني ككل .وقد سبق هناك أن ناقشنا الأطروحة الأولى ورفضناها بالبرهان ، ولا بد من طرح ما دل عليها من الأخبار ، ودعمنا الأطروحة الثانية وهي ، التي ستكون منطلق كلامنا الآن .

ونحن نعلم ، فيما يخص الحضارة المادية المعاصرة ، كيف استطاعت غزو المجتمع المسلم فكرياً وعسكرياً ونادت بأعلى صوتها فأسمعت ما بين الخافقين ، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة . فجمعت إليها أولياءها، وهم كل من يؤمن بعظمتها وصدقها وأغراه العيش بين أكنافها .

ونرى كيف أنها أمدت هؤلاء بالخير الوفير والقوة والسيطرة (فتروح سارحتهم) أي أغنامهم ، وهو كناية أو رمز عن كل مصدر للمال والقوة (أطول ما كانت ذراً وأسبغه وامده خواصر) يكنى بذلك عما ينال المنحرفون من خير الحضارة المادية وما تستطيع هذه الحضارة أن تضمنه لهم من مستقبل عريض .

على حين نرى الخاصة المخلصين ، الذين شجبوا هذه الحضارة ،وأنكروا عليها ماديتها ولا أخلاقيتها وظلمها، يعيشون في الضيق والضرر ( يصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ) كما يقو الخبر .

(يجيء الدجال ) ممثل هذه الحضارة (حتى ينزل في ناحية المدينة) أي مدينة ، ليس له فيها إلا مركز واحد غير ملفت للنظر ، قد يكون هو سفارة وقد يكون مركز تبشير وقد يكون  مدرسة أو مستشفى .ولكن بمضي الأيام والليالي (ترجف المدينة ثلاث رجفات ) خلالها ،وهو كناية أو رمز عن المصاعب والمحن التي تمر بها المجتمعات ، وهي محن التمحيص دائماً ( فيخرج إليه كل كافر ومنافق) فاشل في التمحيص .


صفحة (
141)

ـــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص578 وما بعدها وص617.

وقد ذكرنا في التاريخ السابق(1) معنى ادعاء الدجال للربوبية، وإن له نهران .. .طبقاً لهذه الأطروحة ...فلا نعيد.

(أكثر اتباعه أهل الطيالسة الخضر) وهم – حسب ما يبدو – أهل الأموال والسمعة والسيطرة الإجتماعية في المجتمع المسلم المنحرف .و(أولاد الزنا) يمكن أن يراد بذلك أحد معنيين :

المعنى الأول : أؤلئك الذين انقطعوا عن آبائهم عقائدياً ومفاهيمياً ...واصبحوا أولاداً للناس الآخرين الذين آمنوا بربوبيتهم وولايتهم ومبادئهم .

المعنى الثاني : إن الإيمان بالإتجاه المادي الحديث ، ينتج إنكار عقد الزواج وتكوين الأسرة بدونه ، كما عليه  عدد من الناس في البلاد إلاسلامية الآن ، فينتجون ذرية تكون لقمة سائغة في شدق السبع المادي الهائل .

وليس هذا موقف الحضارة المادية المعاصرة فقط، بل موقف كل حضارة مادية على مدى التاريخ ،وخاصة فيما إذا استمرت في المستقبل عدداً مهماً من ألأجيال .ومفهوم (الدجال) شامل لمجموع الحضارة المادية على مدى التاريخ ، لا خصوص حضارتنا المعاصرة المحترمة !!! ...

وإذا كان للدجال أن يعاصر ظهور المهدي ونزول المسيح ، أو أن يوجد قبل ذلك بقليل، ليكون من علاماته القريبة ...فمعنى ذلك استمرار الحضارة المادية إلى ذلك الزمان ، مهما كان بعيداً ، لكي يستمر التمحيص ويتعمق بالتدريح ، حتى ينتج نتيجته المطلوبة المنتظرة .

والدجال يقتله المسيح والمهدي (ع) ، كما سنسمع ، لأن نظامهما تماماً سيقضي على الحضارة المادية وما ملأت به الأرض من الظلم والجور والإنحراف ، ويتبدل إلى القسط والعدل والإنصاف والرفاه .

الناحية الثانية : علاقة الدجال بالمسيح (ع) عند نزوله.

أخرج مسلم(2) من حديث عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله (ص) الدجال إلى أن يقول : فبينما هو كذلك ، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهر ودتين ،واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .فيطلبه حتى يدركه بباب لد ، فيقتله .ثم ياتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ... الحديث.


 
صفحة (142)
ـــــــــــــــــ

(1) انظر ص642 و ص745.

(2) صحيح مسلم ص197- 198 ج8.

 

 

وفي حديث آخر لمسلم(1) قال : قال رسول الله (ص) : يخرج الدجال في امتي فيمكث أربعين ... فيبعث الله عيسى بن مريم ، كأنه عروة بن مسعود ، فيطلبه فيهلكه ، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ... الحديث .

وهناك في المصادر العامة الأخرى أخبار بهذا لمضمون، ولكننا نقتصرعلى ما أخرجه مسلم .

والمصادر العامة اقتصرت على ذكر العلاقة بين الدجال ،بأي معنى فهمناه ، وبين المسيح (ع) على حادثة قتله .كما اقتصرت في قاتل الدجال على المسيح (ع) ولم تتعرض للمهدي (ع) على ما سنسمع ذلك ونناقشه .

وسنتعرض إلى حادثة نزول المسيح في القسم الثاني من هذا التاريخ ، وسنوافق عليها إجمالاً . فإذا تم ذلك ، وهو لايتم إلا بعد طغيان الدجال واستفحال أمره ،بأي معنى فهمناه كان من أهم الأعمال الي يستهدفها هو القضاء على الدجال والإجهاز على نظامه ومفاهيمه .

ومنطق الأشياء أن يسبق مقتل الدجال حرب سجال بينه وبين المسيح ، يكتب فيها النصر للمسيح فيقتله .وأما فوزه عن طريق المعجزة ،كما يظهر من البرزنجي في (الإشاعة )(2) ، فهو مخالف لما قلناه من أن اسلوب الدعوة الإلهية غير قائم على المعجزات ، مالم ينحصر بها الأمر . وإلا كان نبي الإسلام (ص) في نصره على قريش أولى بالمعجزات. ولاستطاع السيطرة على كل العالم بين عشية وضحاها. ومن هنا لا نقول بوجود المعجزات في طريق نصر المهدي (ع) إلا بمقدار الضرورة التي لا بديل عنها .

 

 صفحة (143)
ـــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم ج8 ص201.   (2) انظر ص135.

 

وقد سمعنا في هذه الأخبار عدة خصائص من حيث أن  قتل الدجال سيكون في دمشق، وهو أمر يصعب إثباته تاريخياً ،ولكنه لو تم فهو يدل على أن هذه البلدة ستصبح مسرحاً مهماً ومركزاً رئيسياً للدجال ،لا يكون لقتل الدجال هناك أكثر من هذا المعنى .أعني تحويل دمشق من الإنحراف إلى الإيمان .

وهذا مما يفسر لنا ما سيأتي من وجود عدد من المخلصين الممحصين الراسخين في الإيمان في دمشق، على ما دلت عليه الأخبار، وسيأتي في محله من هذا الكتاب . فإن انحراف المجتمع كلما تزايد والظلم كلما تضاعف، أوجب ذلك عمق التمحيص ودقته ، الأمر الذي يوجب زيادة عدد المؤمنين وزيادة إخلاص الموجود منهم ...حتى وصفوا في هذه الأخبار بالأولياء والأبدال . وهؤلاء وأمثالهم هم الذين إليهم عيسى بن مريم ( فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) ، كما سمعنا في الحديث .

 غير أن ظاهر الحديث أنه يأتي إليهم بعد أن يتم قتل الدجال على يديه ، لا أنه يرتكز عليهم في قتاله .والصحيح أن الحديث دال على أنه (ع) يأتي إليهم ويبشرهم بالجنة بعد قتل الدجال ،ولكنه لا يدل على عدم مشاركة هؤلاء في قتله أو قتاله .بل لعل الدرجات التي استحقوها في الجنة ناشئة إلى حد كبير من هذه الأعمال الكبرى.

الناحية الثالثة : في علاقة الدجال بالمهدي (ع) .

وهذا ما وجدناه في المصادر الخاصة ، دون العامة .

أخرج الشيخ الصدوق(1) بإسناده عن النزال بن سبرة قال خطبنا علي بن أبي طالب (ع) ، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على محمد وآله .ثم قال :

سلوني قبل أن تفقدوني ثلاثاً .فقام إليه صعصعة بن صوحان .

فقال: يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال ؟ فقال له : اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ماأردت ..إلى أن يقول بعد حديث طويل : يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق ، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من (2) يصلي عيسى بن مريم خلفه .... الحديث .


 
صفحة (144)
ـــــــــــــــــ

(1)انظر كمال الدين (المخطوط) باب الحديث الدجال وما يتصل به من أمر القائم صلوات الله وسلامه عليه .

                                  (2) في المخطوط: على من يد من .... وهو تحريف .
 

أقول : والذي يصلي عيسى بن مريم خلفه هو المهدي (ع) كما وردت بذلك الآثار المستفيضة .ومنها ما في الصحيحين(1) :

كيف بكم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم .

وأخرج الصدوق(2) أيضاً بإسناده عن المفضل بن عمر ، قال:

قال الصادق جعفر بن محمد (ع) : إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام .في أرواحنا .فقيل له : يا بن رسول الله ، ومن الأربعة عشر ؟ فقال : محمد وعلي وفاطمة و الحسن والحسين ، والأئمة من ولد الحسين ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة فيقتل الدجال(3) ويطهر الأرض من كل جور وظلم .

وفي منتخب الأثر(4) في حديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) يقول فيه : ومنا رسول الله ووصيه وسيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة ، وسبطا هذه الأمة ، والمهدي الذي يقتل الدجال .

ومن الغريب ان الصحاح تذكر أحاديث في علاقة الدجال بالمسيح ،وأحاديث في علاقة المسيح بالمهدي(ع) ، ولا تورد أي خبر في علاقة المهدي بالدجال، مع أنه تفهم من تينك العلاقتين معاصرته له .ومن المعلوم كون المهدي (ع) هو رائد الحق في العالم فكيف لا يكون له اليد الطولى في قتله و قتاله .

لو نظرنا من زاوية أخرى ، رأينا أن تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) بفترة من الزمن ، على ما سنسمعه عن المصادر العامة ، ينتج لنا :أن السبب الرئيسي الوحيد في زوال الدجال هو عمل القائد المهدي (ع) ضده وتخطيطه للقضاء عليه .ومن المقطوع بزيفه وبطلانه باليقين أن يظهر الإمام المهدي (ع)  فلا يحارب الدجال – بأي معنى فهمناه - ، ويرجىء قتاله إلى حين نزول المسيح من السماء ، فإن ذلك خالف تكليفه الإسلامي ووظيفته الإلهية في قمع الكفر والإنحراف ونشر الهداية في العالم .


 
صفحة (145)
ـــــــــــــــــ

(1) انظر صحيح البخاري ج4ص205 ، وصحيح مسلم ج1 ص94

(2) انظر إكمال الدين المخطوط .

(3) كذا نقله في منتخب الأثر (ص480) و لكنه في المخطوط : الرجال بالراء .

(4) انظر ص172 وما بعدها .

 

كما أن المقطوع ببطلانه :أن يفترض أن المهدي (ع) يحارب الدجال فيندحر أمامه ، وينتصر الدجال ويحاصر المهدي (ع) ورجاله ، كما يظهر من البرزنجي في الإشاعة(1) وكيف يمكن أن يتحقق ذلك ، وقد ثبت بضرورة الدين وتواتر الاخبار وعن طريق البرهان على التخطيط العام الذي عرفناه ، كون الإمام المهدي (ع) منصوراً مؤيداً حتى يفتح العالم بأجمعه ، ويجمع البشرعلى الحق والعدل .

إذاً ، فاليد الطولى في الإجهاز على الدجال ونظامه ، للمهدي (ع) نفسه .نعم ، يمكن أن نفترض مشاركة المسيح (ع) من قتل الدجال ضمن إحدى اطروحتين :

الأطروحة الأولى : إن المسيح (ع) يقتل الدجال بالمباشرة ، والمهدي (ع) يقتل الدجال بالتسبب أعني بصفته قائداً أعلى لا تصدر التعليمات الأساسية إلا منه .فيكون إسناد القتل إلى المهدي (ع) من قبيل قولنا : فتح الأمير المدينة ، يعني بأمر منه ، والفاتح المباشر هو الجيش بطبيعة الحال .

وهذه الأطروحة ، كما تناسب الفهم الكلاسيكي للدجال ،وهو كونه شخصاً يعينه كذلك تناسب مع الفهم الرمزي الذي دعمناه . ويكون الإجهاز على الدجال من قبل المسيح (ع) بصفته أحد القادة الرئيسين في دولة المهدي العالمية .

الأطروحة الثانية :إن  المسيح (ع) إذا كان يتأخر نزوله عن ظهور المهدي (ع) ، فقد نتصور أن المهدي (ع) عند ظهوره يقاتل الدجال ، بأي فهم فهمناه وبعد نزول المسيح يوكل هذه المهمة إلى المسيح (ع) .

ولا تنافي بين هاتين الأطروحتين ،كما هو واضح لمن يفكر .وبها نجمع بين الأخبار الدالة على أن المسيح قتل الدجال والأخبار الدالة على أن المهدي يقتله فإن كلا هذين القسمين من الأخبار صادقاً ، ولا تنافي بينهما.


  يأجوج وماجوج

وهذا ما ورد عنه في القرآن الكريم ، في أكثر من موضع ... وتطاحنت التفاسير فيه ، حتى لم تكد ترسو على أمر مشترك .وذكر لهم بعضها صفات غريبة .وليس المهم الآن الدخول في تفاصيل ذلك ،وإنما المقصود ، هو معرفة مدى ارتباطه بالظهور ومدى ما يمكن أن يكون مدى تأثيره لو كان ارتباطاً .

 

 صفحة (146)
ـــــــــــــــــ

(1)  انظر ص135.
 

وقد ذكر في التاريخ  السابق(1) شيئاً من الأخبار عن يأجوج ومأجوج ، وتكلمنا عما إذا كان القرآن بضمه إلى الإخبار دالاً على تقدم خروج يأجوج ومأجوج على الظهور ،ولم نستطع أن نتميز ظهور القرآن في ذلك ، بل بات الأمر محتملاً غير قابل للإثبات التاريخي ، وإن كان محتملاً جداً.

وقد روينا هناك(2) ما أخرجه مسلم عن هؤلاء ، نكرر منه هذه الفقرة :

" ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر ،وهو جبل بيت المقدس .

فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض ، هلم فلنقتل من في السماء .فيرمون بنشابهم إلى السناء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم" .

وأخرج ابن ماجة (3) عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله (ص) ، قال :

"تفتح يأجوج ومأجوج ، فيخرجون . كما قال الله تعالى ، وهم من كل حدب ينسلون . فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون ، حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم .ويضمون إليهم مواشيهم ، حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه ، حتى ما يذرون فيه شيئاً ، فيمر آخرهم على أثرهم ، فيقول قائلهم : لقد كان بهذا المكان مرة ماء."

فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب كنعف الجراد ، فتأخذ بأعناقهم ، فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضا.

فيصبح المسلمون لا يسمع لهم حساً .فيقولون :من رجل يشري نفسه ، وينظر ما فعلوا ؟فينزل منهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه . فيجدهم موتى .فيناديهم :ألا أبشروا . فقد هلك عدوكم .فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم .فما يكون لهم رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها ، كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط .


 
صفحة (147)
ـــــــــــــــــ
 

(1) انظر ص633 وما بعدها .

(2) المصدر والصفحة .

(3) انظر السنن ج2 ص1363

واخرج الصحيحان (1) وغيرهما بالإسناد عن زينب بنت جحش قالت : أن النبي (ص) استيقظ من نومه وهو يقول :لاإله إلا ألله ، ويل للعرب من شر قد اقترب .فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه .

وعقد سفيان بيده عشرة .قلت : يا رسول الله ، أفنهلك وفينا الصالحون ؟

قال: نعم . إ ذا كثر الخبث. وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، جودّ سفيان هذا الحديث .

واخرج أبو داوود(2) بإسناده عن حذيفة الغفاري في حديث قال فيه : فقال رسول الله (ص) : لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات : ... وعد منها : خروج ياجوج ومأجوج .

وينبغي أن نتكلم حول هذه الأخبار في عدة نواحي :

الناحية الأولى : أنه لا يمكن الأخذ بالدلالة (الصريحة) لهذه الأخبار الأمر الذي يعين علينا الإلتزام بالفهم (الرمزي) لها ، وذلك لوجود عدة موانع عن الأخذ بصراحتها ، نذكر منها ما يلي :

المانع الأول :  وجود التهافت بين بعض مدلولاتها ، الأمر الذي يسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي .

فإن الخبر الذي اخرجه  مسلم ورويناه في التاريخ السابق ، يدل على وجود نبي الله عيسى بن مريم (ع) بين المسلمين عند انتشار يأجوج ومأجوج .وقد أعرضت عنه سائر الأخبار الأخرى ،فتكون دالة على عدم وجوده، لأن وجوده ليس بالواقعة البسيطة التي يمكن إهمالها .

كما أن ذاك الخبر دال على لأن زوال يأجوج ومأجوج  كان بدعاء المسيح وأصحابه ، وإن إزالة جثثهم كان بدعائه أيضاً .والأخبار الأخرى خالية عن ذلك .ويدل خبر ابن ماجة على أنهم  يهلكون بإرادة مباشرة من الله عز وجل .

كما أن خبر مسلم يتضمن لوجود المطر الذي يغسل الأرض من نتنهم بعد زوال جثثهم ….وهذا ما سكتت عنه الأخبارالأخرى ، واعتبرته كأنه لا حاجة إليه .

 

 صفحة (148)
ـــــــــــــــــ
 

(1) انظر صحيح البخاري ج8ص 76

(2) وصحيح مسلم ج8 ص 265 واللفظ لمسلم .

(3) انظر السنن ج2ص429 .

 

كما أن خبر مسلم دال على أن الطير تنقل الجثث إلى حيث يشاء الله ،ولكن خبر ابن ماجة دال على أن الأغنام تأكل لحومها فنشكر عليها أي تسمن أحسن من أكلها للنبات .

المانع الثاني: قيام عدد من الحوادث في نقل هذه الأخبار على المعجزات ، بشكل يتنافى مع (قانون المعجزات) الذي تم البرهان عليه في محله .

منها : موت ياجوج ومأجوج . فجأة بطريق إعجازي .وهذا غير ممكن في قانون المعجزات ،فإن اسلوب الدعوة الإلهية – كما قلنا – قائم على مقابلة السلاح بالسلاح ، وتحصيل النصر بالكفاح ، لا عن طريق المعجزات .وبتعبير آخر :إن كل ما يمكن حصوله بالطريق الطبيعي ، مهما يكن صعباً وبعيداً ، لا تقوم المعجزة بتحصيله ، ومن الواضح أن تربية وتأديب يأجوج ومأجوج . أو استئصالهم إذا لم يتأدبوا ، أمر ممكن بالطريق الطبيعي .

ومنها : أن افتراض أكل الماشية للحم .وهو أمر غريب ولا مبرر له في قانون المعجزات ، ويزيد غرابة استفادتهم الصحية من أكل اللحم أكثر من أكل النبات .

ومنها : ما ذكر من تصرفات يأجوج ومأجوج أنفسهم ، كشربهم بحيرة طبرية حتى تجف ، كما في خبر مسلم، أو شربهم النهر حتى يجف ، كما في خبر أبن ماجة ،فإن هذا مما لم يتضح فهمه ، مهما تزايد عددهم وطال بقاؤهم ، ومهما طالت اجسامهم ، كما تقول الأساطير .

ومنها : إرسالهم السهام إلى السماء لأجل غزوها ... وليس في هذا غرابة إذا كانوا أغبياء إلى هذه الدرجة …وإنما الغرابة في أن تعود السهام مكسوة بالدم من أجل إيهامهم بأنهم قد قتلوا الناس الموجودين في السماء ... فإنه من الأساطير التي لا يمكن أن يكون لها أي مبرر ، فضلاً عن موافقته لقانون المعجزات .

هذا ولكن أغلب هذه الأشياء ستصبح حقائق ، عند دمجها في تكوين متكامل من الفهم الرمزي ، على ما سنذكر بعد قليل ،ومعه تصبح هذه الإعتراضات ، واردة على الفهم التقليدي لمثل هذه الأخبار ، لا للمقاصد الحقيقية منها .

 

 صفحة (149)
 

الناحية الثانية : في عرض اطروحة متكاملة لفهم يأجوج ومأجوج . منطلقة من الفهم الرمزي للأخبار.

مرت البشرية ، بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام ، بشكلين منفصلين من الأيدولوجية :

الشكل الأول : الإتجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلية ، ونستطيع أن نسميه بالمادية المحضة أو الإلحاد التام .

الشكل الثاني :الإتجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه ، بشكل أو آخر .

ولكل من هذين الإتجاهين فروعه وانقساماته التي تختلف باختلاف المستوى العقلي والحضاري للمجتمع البشري .

ويمكن القول بأن تاريخ البشرية على طوله عاش في الأعم الأغلب الإتجاه الثاني ، بمختلف مستوياته ونتيجة لجهود الأنبياء وتربية الصالحين ،ومهما فسد المنحرفون والمصلحيون ، فإنهم لم يخرجوا عن الإعتراف الغامض بالخالق الحكيم .ويكفينا مثالاً على ذلك قوله تعالى على لسان مشركي قريش :" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"(1) فهم بالرغم من تطرفهم بالكفر ، مؤمنون بالخالق ، ومن ثم مندرجون في الإتجاه الثاني .وعلى هذا الغرار .

يقابل ذلك ، الإتجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماماً .. والمعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه ، بالرغم  من قصوره وتقصيره .

ولم يوجد على مر التاريخ لهذا الإتجاه وجود مهم ، فيما عدا الأفكار الشخصية المتفرقة في التاريخ….  ما عدا مرتين – فيما نعرف – :  المرة الأولى : إتجاه المادية  البدائية ، المتمثلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج .والمرة الثانية : إتجاه المادية الحديثة المعاصرة ، بمختلف أشكالها وألوانها .

وقد كان المد المادي الأول خطراً وبالغ الضرر ، على ذوي الإتجاه الثاني عموماً ، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المتبعة لدعوات الأنبياء .ولعل القسط الأهم من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي ، وإن كان هذا موجوداً من اؤلئك الملحدين البدائيين …. وإنما الأهم من أشكال الضرر هم الضرر الإجتماعي والإقتصادي وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقعه القبائل البدائية الملحدة على المجتمع المؤمن .

ومن هنا ، خطط الله تعالى للقضاء الحاسم على هذا المد الواسع ، بإيجاد قائد كبير ذو حركة عالمية وقدرة واسعة ، وممثل لأفضل أشكال الإتجاه المؤمن، هو الإسكندر ذو القرنين .


صفحة (150)
ـــــــــــــــــ
 

(1) الزمر : 29/3

وقد شكى المجتمع المتضرر لهذا القائد من حملات اؤلئك البدائيين : " قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ، فهل نجعل لك خرجاً "(1) اي أجرة ، لكي تكفينا شرهم وتكسر سوكتهم .

وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يعلن دعوة الله في الأرض ، ويحصر نشاط ذلك المد المادي في أضيق نطاق، وأن يعيد المجتمع البشري إلى سابق عهده ، من كون الإتجاه المسيطر هو الشكل الثاني للأيدولوجية ، ويبقى الإتجاه الأول إتجاهاً شخصياً متفرقاً .

وقد اتخذت تدابير ذي القرنين في هذا الصدد ، شكلين أساسين :

الشكل الأول : بناء السد الموصوف في القرآن الكريم المتكون من الحديد والصفر ،وهو يحتوي على الحماية (العسكرية) من هجمات القبائل البدائية الملحدة .

الشكل الثاني : بناء السد المعنوي في المجتمع المؤمن، وزرع المفاهيم وقوة الإرادة الكافية ضد الإنحراف والفساد.

ولعل في الإمكان مع بعض التوسع في فهم القرآن الكريم ، أن نحمل السد الموصوف فيه على السد المعنوي الذي يفصل بين الحق والباطل .وأن الحديد والصفر عبارة عن مكوناته المفاهيمية . إلا أننا نعرض ذلك كأطروحة محتملة ، على غير اليقين … وإن كان ذلك ممكناً في لغة العرب .ولكننا سنسير بهذا الإتجاه ريثما تتم هذه الأطروحة .

" قال: ما مكني فيه ربي خير" مما لديكم من المال والحطام ، بعد ان مكنه الله تعالى من الملك والهداية معاً.

وكان السد الذي بناه ذو القرنين ، ضخماً ومهماً إلى حد يكفي لكبح جماح البدائيين الملحدين ورد عاديتهم ، "فما استطاعواأن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " . فإن الإتجاهات الملحدة تكون دائبة في نشرعقيدتها واختراق السد الإيماني وقهر قوة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين وإلا أن سد ذي القرنين ، كان منيعاً لا يمكن لهذه الاتجاهات أن تؤثر فيه .

ولكنه على أي حال ،  لم يستطع  القضاء عليه نهائياً ، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثراً في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" . ولم يكن مقدراً في التخطيط الإلهي استئصاله عن الوجود . لإمكان  مشاركته في التمحيص العام الذي حملنا عنه فكرة كافية ، ولذا كان لا بد من الإقتصار على كبح جماحه وكسر شوكته فقط ، ببناء السد ضده ، على وجه الأرض أو في نفوس المؤمنين .


صفحة (151)
ـــــــــــــــــ
 

(1) الكهف : 18 / 49

 

 

ومن هنا بقي هذا الإتجاه في التاريخ ، لكي يتمحض بعد حوالي ثلاثة آلاف عام من السيطرة الجديدة للمادية على البشر للمرة الثانية ، ولكنها في هذه المرة لست بدائية ، ولكنها مادية (تقدمية) ومعقدة ومفلسفة وذات شعارات براقة .وذات قوة ومنعة بحيث يصعب مجرد التفكير في منازلتها فضلا ًعن القضاء عليها .وهو معنى قوله في احد الاخبار السابقة : لا يدان لأحد في قتالهم .

لقد خرقت السد القديم ، ولم يعد كافياً للسيطرة عليهم وكبح جماحهم ، إن ذلك السد كان مناسباً مع مستوى عصره العقلي والثقافي والعسكري ، ولم يعد الآن كافياً " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون " (1) أي من كل جهة ينتشرون .كذلك انتشرت المادية الحديثة .

وتسيطر الحضارة المادية على خيرات البلاد الإسلامية ، في ضمن سيطرتها على العالم كله. وتستولي مصادرها الطبيعية ، فتشرب البحيرات ،والأنهار – كما أشارت الأخبار – بمعنى أنها تستغلها تماماً لصالحها ،وتمنع أهلها من الإستفادة  منها . فيحصل الفقر والقحط في البلاد المحكومةا لمستعمرة " حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مئة دينار لإحدكم اليوم ".

وتأتي الأجيال المتأخرة من أتباع الحضارة المادية ، فيقولون :" لقد كان بهذا المكان ماء " فإنهم عرفوا من التاريخ أن هذه المنطقة كانت تغل لأهلها وتفيدهم ،وأما الآن – بعد سيطرة الحضارة الكافرة – فقد أصبحت الغلات لها . وأصبح وجود الماء كالعدم بالنسبة إلى أهل البلاد .

وأما المسلمون المخلصون ، فينحازون عنهم ويبتعدون عن ممالأتهم والسير في طريقهم ، خوفاً على إيمانهم من الإنهيار ، وعلى سلوكهم من التفسخ والإنحلال .

وحين تتم للحضارة المادية الملحدة ، بسط السيطرة على الأرض ، تتجه أطماعها إلى السماء ،ومن هنا نجدهم " يقولون :هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، ولننازلن أهل السماء " .


صفحة (152)
ـــــــــــــــــ
 

(1)الأنبياء : 21/ 96

 

وهذا بمعناه – الرمزي – مما حدث فعلاً ،فإن الحضارات المادية بعد أن أحكمت قبضتها على الأرض ، طمعت بغزو السماء ، بدئة بالأقرب من الكواكب .ومنهنا انبثقت فكرة غزو الفضاء الخارجي والسير بين الكواكب .

" فيرمون نشابهم إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم " . وهذا –  بمعناه الرمزي – مما حدث فعلاً ، متمثلاً بإطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والصواريخ الكونية .فأعجب لمثل هذه التنبؤ الصادق الذي لم يكن للنبي (ص) أن يصرح به في عصره إلا بمثل هذا الرمز ، طبقاً لقانون " كلم الناس على قدر عقولهم ".

ومعنى كونها تعود مخضبة بالدم ، هو أنها محاولات ناجحة ، تنتج الأثر المطلوب المتوقع ... فكما أن المتقع من القتل بالحربة أو السهم أن تتخضب بالدم ، كذلك من المتوقع للمركبات أن تنتج الخبرات العلمية المطلوبة ،وأن تجلب التراب من القمر – مثلاً –  ولعل في التعبير بان السهام " ترجع ، عليها الدم الذي اجفظ " أي فاض وغزر.... فيه إشارة واضحة على ذلك ...بعد العلم أن السهم الإعتيادي لايفيض منه الدم ، وإنما يراد بذلك التأكيد على مدى نجاح الرحلات  الفضائية ،وسعة ما تنتجه من تنتائج ومن حيث العمق والإنتشار في العالم .

وحين يتم لهم ذلك ، ينالهم الغرور بعلومهم ومدنيتهم " فقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ". وكل حضارة ينالها الغرور ، وتفشل في التمحيص الإلهي العام للبشرية ، لا بد أن يحكم عليها بالزوال ،ويكون غرورها نذير فنائها واندثارها ... طبقاً للقانون الذي يعرب عنه قوله تعالى :" حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنها قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً ، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" (1) .

وكما كان للإسكندر ذي القرنين الدور الأهم في منازلة المادية الأولى ... سيكون للقائد المهدي (ع) الدور الأهم في منازلة المادية الحديثة .ولذا قورن الإمام المهدي (ع) بذي القرنين بعدد من الرزايات ، كما سنسمع بعد ذلك وسيكون للمسيح (ع) مشاركة فعالة في هذا الصدد، تحت قيادة القائد المهدي (ع) ... إلى حد يمكن أن نعبر عنه بأنه السبب المباشر لذلك ، مع شيء من التجوز والتعميم .ومن هنا تسبب موت ياجوج ومأجوج إلى عمله وجهوده ، كما سمعنا من بعض الأخبار .

 

صفحة (153)
ـــــــــــــــــ
 

(1) يونس 10/24

واما اسلوب موت هؤلاء ، فيمكن أن نطرح له أطروحتان :

الأطروحة الأولى : موتهم عن طريق تفشي الأمراض والأوبئة فيهم ...كما هو الموافق مع ظاهر الأخبار ، على المستوى (الصريح) دون الرمزي ففي خبر مسلم :فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم .وفي خبر ابن ماجة : فبينما هم كذلك ، إذ بعث الله دواب كنغف الجراد ،فتأخذ بأعناقهم فيموتون كموت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً . والنغف دود صغار يكون في الإبل ، وكل ما هو حقيرعند العرب فهو نغفة(1)، ومن هنا يكون الأرجح كونه تعبيراً عن مكنونات الأمراض (الميكروبات) .ومن هنا يكون الخبر نبوءة عن هلاك الماديين الجدد عن طريق الأوبئة الفتاكة أو الحرب الجرثومية ونحوها .

الأطروحة الثانية :أن نفهم من الموت موت الكفرة الإنحراف ، لا موت الأبدان .

وهي المهمة الكبرى التي يقوم بها المهدي والمسيح(ع) في العالم .ولئن كان الكفر قاتلاً  للإيمان ،وهو أشد من موت الأبدان " والفتنة أكبر من القتل "(2) .فإن الإيمان قاتل للكفر ، وهو أفضل شكلي الحياة .

وهذا هو الذي يفسر لنا ما يظهر من الأخبار السابقة ، من أن موتهم جميعاً يكون سريعاً وفي زمان متقارب جداً ، فإنه طبقاً – للأطروحة الثانية – نتيجة للجهود الكبيرة المركزة  في السيطرة  على العالم بالعدل وتربية البشرية بإتجاه الكمال . وهو – ايضاً – دليل على النجاح الفوري لتلك الجهود في اليوم الموعود .

وستكون مخلفات الحضارة المادية كبيرة جداً من الناحية الصناعية والعلمية .وسيكون لذلك الأثر الكبير في دعم الدولة العاليمة العادلة ، وترسيخ جذور التربية في المجتمع البشري ." فما يكون لهم(3) رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت على نبات قط "

 

صفحة (154)
ـــــــــــــــــ
 

(1) راجع أقرب الموارد، مادة نغف .

(2) البقرة : 2/217 وانظر ايضاً : 2/191 .

(3) الضمير في العبارة راجع إلى المواشي ، والملحوظ أنه ضمير لمن يعقل ، ولو اراد الماشي على التعيين لقال : لها .ومن هنا يمكن أن نفهم التعميم

 

فلحومهم – طبقاً لهذه الطروحة – ومخلفاتهم (1)،  ومن المعلوم أن المستوى التكتيكي الرفيع إذا اقترن بمستوى اجتماعي عادل وأنتج أضعافاً مضاعفة من النتائج ، مما إذا لم يقترن بالمستوى الإجتماعي العادل .

ولم تنج البشرية ، ما بين الماديتين : البدائية والتقدمية !!!! من جذور وبذور وإرهاصات للتجدد والإشتعال، ومن هنا تأسف نبي الإسلام (ص) أسفاً شديداً ، لأنه قد " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وعقد عشراً " . من حيث أن هذا الردم الإيماني قد بدأ بالتصدع مقدمة لوجود المادية التقدمية !!!...

غير أن موقف المهدي والمسيح (ع) ، سيختلف عن موقف ذي القرنين  ، فلئن اكتفى ذو القرنين ببناء السد ،مع الحفاظ على وجودهم إجمالاً ، طبقاً للتخطيط العام . فإن المهدي (ع) سيتخذ موقف الإستئصال التام لكل العقائد المنحرفة والكفر والضلال ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، " فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً " .

الناحية الثالثة : في الفرق بين يأجوج ومأجوج ، والدجال .

فإنه قد يرد إلى الذهن :أننا بعد أن فسرنا الدجال بالحضارة المادية ، كيف صح لنا أن نفسر يأجوج ومأجوج بنفس التفسير ،وهل يمكن أن نعترف أنهما تعبيران عن حقيقة واحدة ، مع العلم أن تعدد الأسماء والعناويين دليل على تعدد الحقائق .

ويمكن أن يجاب ذلك بعدة أجوبة ’ يصلح كل منها تفسيراً كاملاً للموقف :

الجواب الأول :إن مفهوم (الدجال) ناظرا إلى الحضارة المادية ككل ، ومستوعب لها على نحو المجموع .وأما مفهوم ( يأجوج ومأجوج) فيقسم تلك الحضارة إلى قسمين متميزين .

فإنه بالرغم من أن للحضارة المادية ككل مميزاتها وخصائصها التي تفصلها عن الإتجاه الآخر بميزاته وخصائصه ،ولها فروقها عن الحضارة الإسلامية والمفاهيم الدينية الإلهية .

وهذه الحضارة المادية المنظر إليها بهذا الشكل ، هي التي تمثل مفهوم الدجال .


صفحة (155)
ـــــــــــــــــ
 

(1) وأوضح في الإستفادة من المخلفات ما أخرجه ابن ماجة (ج2ص1359 ) : قال رسول الله (ص) : سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين .أقول : ذلك النشاب الذي سمعنا أنهم يرسلونها  إلى السماء .

 

 

.... بالرغم من ذلك ، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي ، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفاً وعميقاً. وهذا الإنقسام هو المعبر عنه بمفهوم (يأجوج) مرة ومفهوم       (مأجوج) أخرى .

وهذا الإنقسام لبس حديثاً ، بل هو قديم قدم المادية نفسها .فالمادية البدائية كانت منقسمة ،وكان انقسامها مشوباً بالشعور القبلي .والمادية (التقدمية)  منقسمة ، ولكن انقسامها ايدولوجي ومصلحي معاً.

الجواب الثاني: إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة ... ولذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود .وإنما بدأت إرهاصاته –حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق (1)- أي بعد بدء الإسلام ،وكان وجوده الكامل متأخراً عنه بألف عام .

وأما مفهوم (يأجوج ومأجوج) فهو يمثل الخط المادي بتاريخه الطويل .ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث. ولم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات والإرهاصات .

وهذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج ، هو الدجال نفسه ، وليس شيئاً آخر .

الجواب الثالث : إن مفهوم يأجوج وماجوج ، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل .وأما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط ، وإنما النظر فيه إلى نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية .فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية ،وهم متصفون بنفس أوصافهم ومتخذون نفس منهجهم في الحياة .... وكثيراً ما مارسوا الحكم وزرعوا الشبهات ،وحاولوا فك المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن طريق ربهم .

ويؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال ، الدال على انه مسلم بالأصل ، ولكنه أصبح كافراً ومنحرفاً ، يدعو الناس إلى الكفر والإنحراف ، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه ، بإستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه ومستغل للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة . كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود (1)، قال : قال رسول الله (ص) : من سمع الدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات .


صفحة (156)
ـــــــــــــــــ
 

(1) انظر ص644 .   (2) انظر السنن ج2ص431

وهناك اجوبة أخرى محتملة للجواب على الأسؤال الذي ذكرناه في هذه الناحية ، لا حاجة إلى سردها .

وللقارىء أن يختار أياً من هذه الوجوه الثلاثة شاء ....فإن أياً منها كاف في تصحيح تفسيرنا للدجال وليأجوج ومأجوج معاً .

الناحية الرابعة : طبقاً للأطروحة التي فهمناها عن يأجوج ومأجوج . فإن انتشارهما من ردمهما سيكون قبل عصر الظهور .وسيظهر المهدي (ع) وينزل المسيح عيسى بن مريم ، وهم حلبة العالم ، فيتم القضاء عليهم تماماً .دال على تأخر انتشارهما عن عصر الظهور .

منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك(1) في حديث يتحدث فيه عن نزول المسيح وسيطرة المسلمين وقتلهم لليهود ، ويقول : يظهر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية .فبينما هم كذلك ، أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج .... الحديث .

فإذا عرفنا أن نزول المسيح وكسر الصليب وقتل الخنزير تعبير آخر عن قيام الدولة العالمية المهدوية العادلة.... كان الحديث دالاً على خروج يأجوج ومأجوج بعد تأسيس هذه الدولة .

ومنها ما أخرجه مسلم(2) ورويناه في التاريخ السابق(3) في حديث يذكر فيه حادثة نزول المسيح ثم يقول :

فبينما هو كذلك ، إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم ، فحرز عبادي إلى الطور .ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ... الحديث .

فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سيأتي – على تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) ،وكان انتشار يأجوج ومأجوج بعد نزول المسيح – كما قال الخبر – إذاً ، فسيكون انتشارهم بعد ظهور المهدي (ع) .

 

صفحة (157)
ـــــــــــــــــ
 

(1) انظر المستدرك على الصحيحين ج4ص491.

(2) انظر صحيح مسلم ج8 ص197وما بعدها .

(3) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص633.

 

إلا أنه يمكن المناقشة في هذه الأخبار من وجهين  :
الوجه الأول : وجود الدلالات المعارضة في الأخبار لهذه الدلالة . وتدل على تقدم ظهور يأجوج ومأجوج على الظهور .

ولعل أهم ما يدل على ذلك :ما دل من الأخبار على خوف المسلمين من فتح يأجوج ومأجوج .وهي عديدة وقد سمعنا بعضها ،وهي دالة بوضوح على تحصن المسلمين منهم وعجزهم عن قتالهم وسحبهم لمواشيهم معهم وهذا الخوف إنما يمكن تحققه قبل تأسيس الدولة العالمية ،بل قبل ظهور المهدي (ع) أساساً . إذ لا معنى للخوف بعد الظهور ، حين يكون النصر محرزاً والأمن مستتباً ...طبقاً لقوله تعالى :" وعد الله الذين آمنوا  منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذيم من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً "(1)

اذاً ، فيتعين أن يكون انتشار يأجوج ومأجوج الموجب للخوف والتحرز بين المسلمين ، سابقاً على الظهور حين لا يكون للمسلمين قوة مهيمنة عليا.

وقد يخطر في الذهن : أن هذه الأخبار دلت على وجود هذا الخوف بين المسلمين بالرغم من وجود المسيح (ع) فيهم . وأنه (ع) مأمور بتحصينهم ضد اعتداءات يأجوج ومأجوج .فإذا كان نزول المسيح (ع) بعد الظهور كما أسلفنا ، إذاً فسيكون فتح يأجوج ومأجوج بعده أيضاً.

والصحيح : أن هذه الرواية إنما تدل على تقدم نزول المسيح على الظهور ، وأنه ينزل في زمان اضطراب المسلمين وضعفهم ووجود الفتن فيهم .وهذا ما سوف نناقشه في القسم الثاني من هذا التاريخ ..ويكفينا الآن أن نعلم بوجود عدد من الأخبار دال على تأخر نزوله (ع) عن الظهور .

 

صفحة (158)
ـــــــــــــــــ
 

(1) النور : 24/ 55

 

إذاً ، فلا بد من الإلتزام بأن انتشار يأجوج ومأجوج سابق على النزول والظهور معاً ، ونرفع اليد عن دلالة هذ االخبر بهذا المقدار .وهو المطابق مع الأطروحة التي عرفناها قبل قليل .

الوجه الثاني : وجود الدلالات المعارضة من ناحية أخرى .

وذلك : أننا سنسمع الروايات الواردة لسرد حوادث ما بعد الظهور ،وسنجدها جميعاً خالية من التعرض ليأجوج ومأجوج .وإنما سنجد العالم هو العالم الذي نعرفه خالياً من الغرائب التي نسبت إلى هاتين القبيلتين ، يظهر المهدي (ع) وينزل المسيح (ع) فيحكمان فيه بالعدل .ومعه تكون تلك الأخبار ككل دلالة على عدم انتشار يأجوج ومأجوج يومئذ.

وحيث علمنا من القرآن المكريم والسنة الشريفة ، أنهم لا بد أن ينتشروا في يوم ما ، إذاً فهذا واقع قبل الظهور لا محالة .

وهنا لا بد لنا أن نتنازل عما دلت عليه بعض الأخبار السابقة عن تأخر انتشار هاتين القبيلتين عن نزول المسيح .تماماً كما قلنا في الجواب السابق .

وينبغي أن نلاحظ أيضاً ، أنه طبقاً للأطروحة التي فهمناها لا تكون هناك أية معارضة بين أخبار يأجوج ومأجوج المادية على الظهور ، تنفي عن هاتين القبيلتين كل الغرائب ،وإنما هما يمثلان العالم نفسه كما نعرفه ، فيما عرفناه من دلالة الأخبار على سيطرة المهدي (ع) على العالم كما نعرفه ، يكون منسجماً مع الأطروحة كل الإنسجام .

نعم ، طبقاً للأطروحة يكون عمل المهدي (ع) مكرساً في أول ظهوره للسيطرة على يأجوج ومأجوج ، أو المادية السابقة على ظهوره .وهذا المفهوم لم يرد فيأخبار ما بعد الظهور .وهذا يعني تحول المفهوم في هذه الأخبار وترك التعرض إلى عنوان يأجوج ومأجوج ...ولا يعني وجود الأشكال في هذه الأطروحة .


صفحة (159)
 

السفياني

وهو من الحركات الإجتماعية التي أكدت عليها المصادر الإمامية تأكيداً كبيراً .

وأهملتها مصادر العامة إلى حد كبير، على العكس من الدجال ، كما أشرنا في التاريخ السابق .(1) وقد سبق هناك أن ذكرنا العديد من تفاصيل أوصافه وأعماله ، وأعطينا عنه فهماً خاصاً ،وهو كونه يمثل حركة الإنحراف، او حركة منحرفة واسعة النفوذ ، في داخل المجتمع المسلم .

والمهم في تاريخنا هذا أن ننظر إلى أعمال السفياني ،كشيء سبق على الظهور بقليل ،بحيث يتم الظهور ، ولا يزال السفياني يعمل عمله وينشر حكمه ودعوته ، كما عليه ظاهر الأخبار .

وينبغي أن نتكلم حول ذلك ضمن عدة نواحي .

الناحية الأولى : في سرد الأخبار التي تفيدنا في حدود الغرض الذي أشرنا إليه ، بعد سردنا من أخبار السفياني في التاريخ السابق(2) الشيء الكثير وعرفنا أنها متواترة لا مناص من الأخذ بها إجمالاً .

أخرج الصدوق(3) عن أبي منصور البجلي ، قال: سألت أباعبد الله (ع) عن اسم السفياني .فقال :

وما تصنع بإسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس : دمشق وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين ، فتوقعوا الفرج .قلت : يملك تسعة أشهر ؟ قال : لا ، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً .

وأخرج النعماني في الغيبة(4) عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه :

 لا بد لبني فلان من أن يملكوا . فإذا ملكوا ثم اختفوا تفرق ملكهم أو تشتت أمرهم ، حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني .هذا من المشرق وهذا من المغرب . يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان .هذا من هنا وهذا من هنا حتى يكون هلاك بني فلان على ايديهما ،أما أنهم لا يبقون منهم أحداً .

 

صفحة (160)
ـــــــــــــــــ
 

(1) انظر ص621 وما بعدها .   (2) انظر ص622 وما بعدها .

(3) انظر إكمال الدين ( المخطوط ) .  (4) ص135.

 

ثم قال : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، كنظام الخرز ، يتبع بعضه بعضاً . الحديث .

وأخرج النعماني أيضاً (1) بسنده عن الحارث عن أمير المؤمنين (ع) في حديث يقول فيه :

وإذا كان ذلك ، خرج السفياني ، فيملك قدر حمل امرأة ، تسعة أشهر ، يخرج بالشام ، فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق ، يعصمهم الله من الخروج معه .ويأتي المدينة بجيش جرار ، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به .وذلك قول الله عز وجل في كتابه : " لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وإخذوا من مكان قريب" (2).

وأخرج أيضاً (3) بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال : السفياني أحمر أصفر أزرق ، لم يعبد الله قط ، ولم ير مكة ولا المدينة قط . يقول : يا رب ثأري و النار ، يا رب ثأري والنار .

وأخرج الشيخ في الغيبة(4) عن بشر بن غالب (قال): يقبل السفياني من بلاد الروم منتصراً في عنقه صليب ، وهو صاحب القول .

وأخرج أيضاً(5) عن أبي عبدالله (ع) قال : كأني بالسفياني – أو لصاحب السفياني – قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة .فنادى مناديه :من جاء برأس شيعة علي ، فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ، ويقول : هذا منهم . فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم ،أما أن إماراتكم يومئذ ، لا تكون إلا لأولاد البغايا.

 

صفحة (161)
ـــــــــــــــــ
 

(1) ص163.  (2) سبأ 34/51.

(3) الغيبة ص164.  (4) ص278.

(5) المصدر ص273.

 

 

ولعل أهم الأخبار التي تحدد حركات السفياني وحروبه ، خبران :

أحدهما :  ما أخرجه الشيخ(1) عن عمار بن ياسر(انه قال) :

أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان ، ولها إمارات ...إلى أن قال : ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك: رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من أهل بيت أبي سفيان ، يخرج من كلب ،ويحضر الناس بدمشق .ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني .

ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد ، وتنزل الترك الحيرة . وتنزل الروم فلسطين .ويسبق عبد الله عبد الله حتى يلتقي جنودهما بقرقيسيا على النهر ويكون قتال عظيم . ويسير صاحب المغرب فيقتل الدجال ويسبي النساء . ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني .فيسبق اليماني ، ويحوز السفياني ما جمعوا . ثم يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد (ص) ويقتل رجلاً من مسميهم ، ثم يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح.

وإذا رأى اهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان ،فألحقوا بمكة ، فعند ذلك تقتل النفس الزكية ، وأخوه بمكة ضيعة .فينادي مناد من السماء : أيها الناس ، اميركم فلان .وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .كما ملئت ظلماً وجوراً .

ثانيهما : ما أخرجه النعماني(2) بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه :

يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات ، راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني .فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون ، فيقتله السفياني ومن تبعه ، ويقتل الصهب . ثم لا يكون له همة إلا الأقبال نحو العراق .ويمر جيشه بقرقسيا ، فيقتتلون بها ، فيقتل بها من الجبارين مائة ألف . ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة ، وعدتهم سبعون ألفاً ، فيصيبون أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً . فبينما هم كذلك ، إذ اقبلت رايات من خراسان ، وتطوى المنازل طياً حثيثاً ، ومعهم نفر من أصحاب القائم .


صفحة (162)
ـــــــــــــــــ
 

(1) المصدر ص278

(2) انظر الغيبة للنعماني ص149

ثم يخرج من موالي أهل الكوفة في ضعفاء ، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة .ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة ، فينفر المهدي (ع) منها إلى مكة .فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج  إلى مكة . فيبعث جيشاً على أثره ، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً ترقب على سنة موسى بن عمران .

قال : وينزل أمير جيش السفياني البيداء ، فينادي مناد من السماء :

يا بيداء ابيدي القوم ، فيخسف بهم ، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر ... الحديث .

ثم يبدأ الحديث بشرح حوادث الظهور التي ستسمعها في القسم الثاني .

وسنذكر الأخبار الدالة على قتال السفياني للمهدي ومقتله على يده في ناحية آتية .

الناحية الثانية: في إمكان الإعتماد على هذه الأخبار في الإثبات التاريخي ، طبقاً لمنهج الذي سردنا عليه في هذا الكتاب .

إن الإتجاه العام لهذه الأخبار منطبق على هذا المنهج ، لولا بعض نقاط الضعف:

النقطة الأولى : أن الخبر الذي رواه الشيخ عن عمار بن ياسر، لم يرو عن أحد المعصومين (ع) ، بل عن عمار نفسه.وإن كان من المرحج أنه اتقى هذه المعلومات عنهم (ع) . إلا أن الكلام كلامه ، بدليل قوله في أول الخبر :أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان .الدال على أن المتحدث لم يعتبر نفسه من أهل البيت ، وهذا ما لا يحدث لو كان المتحدث أحد المعصومين (ع) ومعه يسقط الخبر عن الإثبات التاريخي .وتكون صحته متوقفة على القرائن أو اشتراك نقله مع الأخبار الأخرى ، أو تحقق ما أخبر به في العالم الخارجي .

وهذا هو الحال في الخبر الذي أخرجه الشيخ عن بشربن غالب ، فإن الظاهر منه أنه هو المتكلم ، فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي .

النقطة الثانية : أن خبر عمار غير مرتب من حيث الزمان ، فهو يحتوي على حوادث مختلطة : متقدمة ومتأخرة ، وغير محددة على ما يبدو .

فنزول الترك الحيرة ، تعبيرعن السيطرة العثمانية عل العراق .ونزول الروم فلسطين هو الغزو الصليبي.

 

 صفحة (163)
 

وصاحب المغرب هو – على الأرجح – أبو عبد الله الشيعي الذي مهد بقتاله الواسع في شمال افريقيا لحكم المهدي الإفريقي (محمد بن عبد الله) (1) جد الفاطميين الذين حكموا بعدئذ مصر ردحاً من الزمن .

وهذه الحوادث وردت في الحديث على عكس حدوثها التاريخي تماماً كما يتضح بمراجعة التاريخ الإسلامي. وإذا كانت حوادث الماضي فيه غير مرتبة فلعل حوادث المستقبل فيه كذلك .

النقطة الثالثة : أن هناك تهافتاً بين بعض مضامين هذه الأخبار .

فمن ذلك : مدة بقاء حكم السفياني ، فينما يصرح أحد الأخبار أنه يملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر ، نرى خبراً آخر ينفي ذلك بصراحة ، وأنه لا يملك إلا ثمانية  .

ومن ذلك : موعد وجود حركة السفياني ، فينما يظهر من بعض هذه الأخبار أن زوال دولة بني العباس يكون على يده ، إذا فهمنا من بني فلان وذلك كما هو الظاهر .ومعنى ذلك أن حركة السفياني قد وجدت وانتهت منذ أمد بعيد .

نجد – إلى جنب ذلك – ارتباط حركة السفياني بالخسف ، وأن المهدي (ع) نفسه هو الذي يقتله .ومعنى ذلك أن حركته لم تحدث لحد الآن .وكم بين هذين الموعدين من بعد شاسع .

غير اننا في التاريخ السابق(2) ناقشنا الخبر الدال على إزالته لدولة بني العباس .ومعه يكون هذا الموعد منتفياً، ويتعين الموعد الآخر .

ومن ذلك : تعين دين السفياني .فبينما نسمع من احد الأخبار أنه مسيحي بشكل وآخر ( في عنقه الصليب ) نجد في خبر آخر أنه من المسلمين المهتمين باستئصال شيعة على (ع) . مع الإلتفات إلى أن المسيحي قلما يكون له اهتمام خاص بذلك .

ومن ذلك : أن هناك تشويشاً وتضارباً في تسمية القادة الموجودين قبل الظهور .فإن ظاهر الأخبار تعاصر هذه الحركات تقريب، وكلها ذات أهمية في المجتمع ، إلى درجة يكون إهمال الخبر لذكر بعض قرينة على عدمه أساساً ، لعدم إمكان الإغراض عن ذكره – عادة – مع وجوده .


صفحة (164)
ـــــــــــــــــ