القسم الأول

 

في إرهاصات الظهور  ومقدماته

بما فيها من أسس عامة وظواهر خاصة .

وفيه بابان :

 

الباب الأول

في الاسس العامة لظهور المهدي (ع)

ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعد ، بما يحتويه من ظهور المهدي (ع) ودولته العالمية العادلة . ويتكون هذا الباب من عدة فصول :


الفصل الأول

ارتباط الظهور بالتخطيط الإلهي العام

 

يكون التخطيط الإلهي العام المنتج لشرائط الظهور، قد انتهى ، وتكلل بنتيجه الكبرى ، وهو حصول اليوم الموعد .

وحاصل الفكرة التي فصلناها في التاريخ السابق(1) : اننا انطلاقاً من قوله تعالى : ( وما خلقتُ الجن وَالإنسَ إلا ليَعْبُدُون)(2) نفهم : ان الغرض الإلهي الاسمى من ايجاد الخليقة . وامدادها بالادراك والاختيار ، هو التوصل بها إلى الكمال ، وهو تمحيض العبادة الحقيقة لله تعالى ، والغرض الإلهي لا يمكن ان يتختلف .

وقد ذكرنا هناك معنى العبادة الحقيقية(3) ... وبرهنا(4) على ان وجود هذا الهدف يتوفق على عدة شرائط ، هي كما يلي :

أولاً : وجود الاطروحة العادلة الكاملة المبلغة إلى البشر من قبل الله تعالى. لتكون هي القانون السائد في المجتمع .

ثانياً : وجود القيادة الحكيمة التي يقوم بتطبيق تلك الاطروحة في اليوم الموعود .

ثالثاً : وجود العدد الكافي من المخلصين المؤازرين للقائد بتطبيقه العالمي المنشود .

أما الشرط الأول : فقد خطط الله تعالى لا يجاده وتربية البشرية عليه . ضمن خط الانبياء الطويل ، حتى تكلل هذا التخطيط بالنجاح بانجاز هذا الشرط ضمن الاطروحة الاسلامية المبلغة من قبل خاتم الانبياء (ع) .
 

صفحة (33)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 233 وما بعدها الى عدة صفحات. (2) الذاريات:51/65. (3) تأريخ الغيبة الكبرى ص234

(4) المصدر 476 وما بعدها.


وقد سبق هناك ان برهنا ان الاطروحة العادلة الكاملة هي الاسلام(1) .

وأما الشرط الثاني : فقد وفره الله تعالى في المهدي (ع) كقائد امثل للبشرية ليكون هو المطبق لتلك الاطروحة الكاملة في اليوم الموعود . .  . واكد على بقائه الطويل خلال اجيال عديده من البشر . ذلك البقاء الذي سنرى في الفصل الآتي ، كونه ضرورياً لتولية القيادة المألولة في اليوم الموعود ، وقد اعطينا طرفا ً مختصراً عن ذلك في التاريخ السابق(2) .

وأما الشرط الثالث : فقد خطط الله تعالى لايجاده بعد الاسلام . فإن تربية الفرد على تفهم وتطبيق مناهج سابقة غير الاطروحة العادلة الكاملة . والتي سبق(3) ان برهنا على مرحليتها وضيق مضمونها باعتبار ان الذهن البشري لم يكن قابلاً لأكثر من ذلك . ان التربية على تفهم وتطبيق هذه المناهج مما لا يكون مجديا ً في تحقيق  العدل في اليوم الموعود .

وانما لا بد من تربية الامة الاسلامية على الاطروحة الكاملة نفسها . من حيث تفهمها واستيعاب مضمونها ـ من ناحية ـ والكفاءة لتطبيقها واطاعة مواد قانونها من ناحية ثانية . . . ليكون اللافذاذ الممحصين من هذه الامة شرف المشاركة في انجاز اليوم الموعود ، وتوطيد دعائم الدولة العالمية العادلة .

ومن هنا كان لا بد ان تمر الامة الاسلامية بخط طويل من التربية ، وبظروف معينة من الامتحان والتمحيص ، من الناحيتين الفكرية والعاطفية .

أما من الناحية الفكرية ، فتتربى الامة ، وبشكل غير مباشر كل البشرية . بما يقدمه لها المفكرون الاسلاميون من بحوث وتدقيقات لدينهم الحنيف ، لكي تكون الأمة ، ومن ثم : البشرية كلها ، على مستوى تفهم الافكار والتشريعات الجديدة التي تعلن في اليوم الموعود .

وأما التربية من الناحية العاطفية ، أي من جهة تعميق الايمان والاخلاص فالاسلوب الرئيسي لذلك : هو ان تمر الامة بظروف  صعبة من الظلم والمصاعب والانحراف ، ويكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف ، ويكون لدى النخبة الصالحة منها من الاخلاص والايمان وقوة الارادة ، بحيث يكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف رد فعل مخلص متضمن للتطبيق الكامل للاطروحة الكاملة ، او الإطاعة التامة للاسلام .

 

صفحة (34)
ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 261. (2) المصدر ص 501 وما بعدها. (3) المصدر ص 255 وما بعدها و ص 258 وما بعدها.

 

وتستمر التربية جيلا بعد جيل على هذا الاساس ، يتزايد خلالها هؤلاء الخلصون ، كما يتطرف العديدون إلى جانب الظلم والانحراف ، حتى يأتي اليوم الذي يتوفر العدد الكافي من هؤلاء المخلصين لقيادة اليوم الموعود وتنفيذه . وعندئذ يكون الوعد الإلهي ضروري التطبيق . بعد توفر شرائطة الثلاثة .

ومعه نستطيع ان نفهم بكل وضوح ، مدى ارتباط يوم الظهور الموعود بالتخطيط العام للبشرية ، فانه في الحقيقة هو اليوم الذي يتحقق فيه السبب الرئيسي لايجاد العبادة الكاملة لله تعالى في خلقة . . . وبايجاده يتحقق الهدف الاسمى لخلق البشرية ككل .

إذاً فيوم الظهور ، ليس يوماً ولا عرضاً عارضاً ، ولا ظاهرة موقتة ، وانما هو النتيجة الطبيعة المقصودة لله عز وجل من خلقة . وعلى طريقة كانت جهود الانبياء والأولياء والشهداء . اولئك الاعاظم الذين لم تتكمل جهودهم بالنتيجة الاساسية المأمولة في عصورهم ، بل بقيت مذخورة ومخططة لليوم الموعود .

 وعلى طريقة كانت تضحيات البشر والآمهم ، وما قاسوه من المصاعب والمصائب على مر التاريخ . وما مروا فيه من ظروف الظلم والعسف والنحراف . فهو غياث المستغيثين وامل الآملين ورافع كرب المكربين وظلم المظلومين ، ومحقق العدل العظيم .

وسيأتي فيما يلي من البحث، المزيد من التفضيل والايضاح لهذه الفكرة .
 

صفحة (35)
 

الفصل الثاني

في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور

بالنسبة إلى كل من الإمام المهدي (ع) نفسه ،
وبالنسبة إلى أصحابه وخاصته ،

وإلى الامة الإسلامية بشكل عام ، بل إلى البشر أجمعين
 

 تنقسم الغيبة الكبرى في مفهومها الضخم الذي حققناه في التاريخ السابق غلى ثلاثة مداليل :

المدلول الأول : تأجيل اليوم الموعود إلى امد بعيد ، وإلى موعد مجهول .

المدلول الثاني : طول عمر الامام القائد المذخور للمهمة ، ومعاصرة العالمية في اليوم الموعود . . . كما يقتضية الفهم الامامي للمهدوية ، معاصرة هذا القائد لتاريخ طويل واجيال كثيرة للامة الاسلامية .

المدلول الثالث : غيبة هذا القائد خلال ذلك ، وعدم اطلاع الناس على شخصه، ومكانه واسلوب حياته . . . بالمعنى الذي ذكرناه من الغيبة في التاريخ السابق(1). ولكل من هذه المداليل تأثيره الحقيقي الفعال في اليوم الموعود .

أما المدلول الأول : فهو مدلول ثابت ومنتج سواء على الفهم الامامي للمهدي او على الفهم الآخر . لان قضية التأجيل امر واضح للمسلمين عموماً من صدر الاسلام وإلى المستقبل .  .  . لا يختلف الحال فيه بين ان يكون القائد المهدي (ع) موجوداً خلال هذا الاجل الطويل او لم يكن ، او غائباً او ليس بغائب .


صفحة (37)
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص34


 

ولهذا المدلول ، اعني التأجيل الطويل ، فوائد المهمة وآثارة العميقة على اليوم الموعود والدولة العالمية، من عدة نواحٍ :

الناحية الأولى : مرور الامة الاسلامية بظروف التمحيص والاختيار . التي توضح حقيقة افرادها وتكشف عن ايمان المؤمنين فيها . وتجعلها على طريق  تعميق الاخلاص والوعي .

الناحية الثانية : ان ظروف التمحيص الطويل تنتج العدد الكافي من الافراد المخلصين الكاملين لغزو العالم بالعدل ، الذين يكون لهم شرف القيادة في اليوم الموعود . الأمر الذي عرفنا اهميته في التاريخ السابق مفصلاً.

الناحية الثالثة : ان هذه المدة الطويلة كفيلة باكمال تربية الاجيال من الناحية الفكرية والعاطفية او - بتعبير آخر : على فهم الاطروحة العادلة الكاملة ، أولاً ، والتدرب على اطاعتها والتضحية في سبيلها .

وقد سبق ان عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى فكرة مفصلة عن ذلك ـ وهذه التربية لا تختص بخصوص الممحصين الكاملين ، بل هي عامة تشمل سائر الأفراد على مختلف المستويات ، كما برهنا ، وهي تؤثر في الامة من زاوية جعلها على مستوى فهم القوانين والافكار والمفاهيم التي تعلن في الدولة العالمية والتي يكون اعلانها ضرورياً لاستتباب العدل الكامل في الارض .

وهذه النواحي الثلاث ، كما قلنا ، لا ترتبط بوجود الامام الغائب ، بل يمكن تصور انتاجها لفوائدها بدون الايمان بذلك ، طبقاً للتصور غير الامامي للمهدي  . . . حتى ما إذا علم الله تعالى إكماله للنتيجة بحسب ما هو المقصود في تخطيطه الطويل ، اوجد الامام المهدي في عصره ، فأخذ بقيادة الامة الاسلامية والبشرية إلى شاطئ العدل والسلام .

الا ان هذا مما لا ينبغي المبالغة في نتيجته ، وان كان صحيحاً على أي حال ...وذلك بعد ان نلتفت إلى مجموعة امرين :

الامر الأول : ما تسالمت عليه مذاهب المسلمين على اختلافها ، من ان الحق منحصر في مذهب واحد على الاجمال ، وام المذاهب الاسلامية الاخرى بعيدة عن واقع الاسلام بقليل او بكثير غاية الامر ان كل مذهب يدعي هذه المزية لنفسه .

الأمر الثاني : ان التمحيص الإلهي الضروري لايجاد اليوم الموعود ، لا يكون الا على الحق ، والتجارب والمحن لا تنطلق الا من طاعته والاخلاص له . واما المذهب او المذاهب التي يكون في واقعها بعيدة عن الاسلام ، فالتربية على اساسها والتدريب على طاعتها تدريب على الباطل وان اتخذ صفة الاسلام .


صفحة (38)
 

اذاً ، فالتمحيص  ينحصر في المذهب الواحد الحق المطابق للاسلام والمرضي لله تعالى من المذاهب المتعددة في الاسلام ، وهو  ـ على اجماله ـ الذي يقوم فيه المخلصون الكاملون بقيادة البشرية بين يدي الامام المهدي في اليوم الوعود .

ومعه ، فالفوائد المبينه على أساس المدلول الأول والناتجة عنه ، لا تترتب الا على ذلك المذهب الحق ، ولا يمكن ان يترتب على مجموع مذاهب المسلمين .

وأما المدلول الثاني : وهو عمر الامام المهدي (ع) ومعاصرته لتاريخ طويل للامة الاسلامية خاصة وللبشرية عامة . . . فما يترتب عليه من الفوائد يختص بالفهم الامامي للمهدي (ع) ولا يعم فهم المذاهب الاخرى له . فإذا عرفنا ما لهذا المدلول من فوائد في تكميل وترسيخ العدل في عصر الظهور ، امكننا ان نعرف افضلية التصور الامامي على غيره من هذه الجهة . وان الله تعالى حين يريد افضل اشكال العدل للدولة العالمية ، فهو يختار التخطيط للغيبة . وبذلك نستكشف صحة التصور الامامي وتعين الاخذ به في التخطيط الإلهي .

وقد بحثنا ذلك في التاريخ السابق(1) طبقاً لمنهج معين ، ونريد ان نبحثه الآن طبقا لمنهج آخر ، قد يكون اكثر تحليلاً :

وخلاصة القول في ذلك : ان الاطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) في حدودها الصحيحة المبرهنه التي عرضناها في التاريخ السابق : تتضمن ـ في حدود المدلول الثاني الذي نحن بصدده ـ عدة خصائص مهمة .

الخصيصة الاولى : الايمان بعصمة الامام المهدي (ع) ، باهتباره الثاني عشر من الائمة المعصومين.

الخصيصة الثانية : الايمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، طيلة زمان وجوده ، سواء كان غائباً أو حاضراً .

الخصيصة الثالثة : معاصرته لاجيال متطاولة من الامة الاسلامية خاصة والبشرية عامة .

الخصيصة الرابعة : كونه على مستوى الاطلاع على الاحداث يوماً فيوماً وعاماً فعاماً عارفاً باسبابها ونتائجها وخصائصها .

 

صفحة (39)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر : التخطيط الخاص بايجاد القائد ص497 وما بعدها.
 

الخصيصة الخامسة :  كونه على ارتباط مباشر بالناس خلال غيبتة ، يراهم ويرونه ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه ، لا انهم لا يعرفون بحقيقة الا نادراً جداً ، وذلك طبقاً لـ ( اطروحة خفاء العنوان ) التي اخترناها وبرهنا عليها في تاريخ الغيبة الكبرى(1) .

وكل هذ الخصائص مما يفقدها الفهم غير الامامي للمهدي ، بكل وضوح . وانما المهدي  بحسب تلك الاطروحة شخص يولد في زمانه ، وييسر له الله عز وجل ظروف الثورة العالمية . فهل هذا العمل الكبير ممكن التنفيذ من قبل شخص غير معصوم ، احسن ما فيه انه يمثل ثقافة عصره ودرجة وعيه من الناحية الاسلامية ؟ ! .. 

الحق ، اننا ينبغي ان نذعن بان مثل هذا الانسان ، لا يمكن ان يؤهل للقيادة العالمية بأي حال ، وان خصائص المهدي في التصور الامامي ليست بالخصائص الطارئة أو الثانوية ، وانما هي اساسية في تكوين قيادته وتمكنه من تحقيق المجتمع العادل ، كما أراده الله تعالى وكما وعد به .

أما الخصيصة الأولى : وهي عصمة الامام المهدي (ع) فتترتب عليها عدة فوائد ، يمكن ان نشير إلى اربعة منها :

الفائدة الأولى : كونه وارثاً علم الامامة المتضمن للاسس الرئيسية للفكر القيادي العالمي . . . عن آبائه المعصومين عن رسول الله (ص) عن الله عز وجل . وأنى لمن يوجد في العصور المتأخرة الحصول على ذلك، الا بوحي جديد من الله عز وجل، وهو ما حصل الاجماع من قبل سائر المسلمين على عدم حصوله للمهدي(ع).

ولا يخفى ما في الاطلاع على هذه الاسس الرئيسية من زيادة في القدرة على القيادة العالمية ، ان لم تكن ـ في واقعهاـ الطريق الرئيسي الوحيد لذلك وتعذر القيادة العالمية بدونها ، وكلما تعين شيء  للقيادة العالمية او كان افضل لها . كان الله تعالى من منجزاً له لا محالة ، لكونه واقعا في طريق الهدف البشري الأعلى ، وكون اختيار عكسه ظلم للبشرية وموجب لتخلف الهدف وكلاهما محال على الله عز وجل ؟

الفائدة الثانية : الشعور بالابوة للبشر اجمعين ، فهو حين يحارب الكافرين والمنحرفين ويقتل العاصين ، لا يشعر تجاههم بحقد او ضغينة وانما يحاربهم من اجل مصالحهم انفسهم ونشر العدل والسعادة في ربوعهم . وايصال الحق إلى اذهانهم .


صفحة (40)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر ص34 وما بعدها.

واجتماع هاتين العاطفتين ، اعني الشعور بالابوة مع قصد القتل ، لا تتوفر لدى أي أحد في التجربة الفعلية للفتح الاسلامي الا اذا كان معصوماً .

ومن هنا رأينا الفتح الاسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه ، قد تحول إلى مقاصد اخرى لا تمت إلى الشعور بالعطف الابوي على الشعب المغلوب ، بأي صلة ... وانما اصبح الفتح تجارياً محضاً، كما سمعنا طرفاً منه في (تأريخ الغيبة الصغرى)(1).

فإذا كان هذا الشعور متعذراً لغير المعصوم في الفتح الاسلامي العالمي ذو النطاق المحدود ،فكيف بالفتح الاسلامي العالمي،  بما تزهق فيه من نفوس ، وماتحصل فيه من اموال ، وما يتسع فيه من سلطان .

الفائدة الثالثة : عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الاسلامي الصحيح الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي والتمسك بدفة الحكم والجشع الشخصي . .  . هذه الآثار السيئة والعواطف المنحرفة التي لا يكاد تنفك عن كل من يحكم رقعة من الأرض، او دولة معينة ، فكيف إذا أصبح الحكم عالمياً واصبحت السيطرة والنفوذ في القمة من السعة والشمول .ان الفرد مهما كان صالحا ونقيا قبل هذه القيادة ، سيكون مثل هذه القيادة محكا لانحرافه وطمعه ، لمدى ضغط  الدافع الشخصي والمصلحي على الفرد الحاكم ، مالم يكن معصوما بالفعل عن ارتكاب كل قبيح ومعصية في التشريع الاسلامي .

 

الفائدة الرابعة: الدقة الكاملة في التطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة ومن ثم الأخد بزمام المجتممع للعبادة المحضة لله عز وجل ، التي هي الهدف الأساسي من ايجاد الخليفة .

وهذه الدقة يمكن ان تتوفر للمعصوم بكل سهولة ، بناء على الفهم الامامي للعصمة . وهو ان المعصوم ممتنع عليه الخطأ والنسيان مضافاً إلى عصمته من الذنوب ، وان الامام ( متى أراد ان يعلم شيئا اعلمه الله تعالى ذلك) كما نطقت به الاخبار(2) . فان المشاكل العالمية مهما كثرت وتعقدت ، يمكن للامام التصف بهذه الصفات ، ان يهيء لحلها اقرب الاسباب.


صفحة (41)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر ص96 وما بعدها. (2) أنظر: الكافي (الاصول)  لثقة الإسلام الكليني (مخطوط) في باب بعنوان: أن الائمة إذا شاءوا بعلموا علموا .

 

ولعل هذا هو السر الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم واتصافه بها مع انه لا تترتب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي .

وذلك: انه قد يستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة ، بان : غاية ما دل عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب وعن الكذب في التبليغ والدعوة ، لكي يكون كلامه مؤثراً في الآخرين ومقنعاً لهم .  بخلاف ما لو عرفوه محتمل الكذب في حياته السابقة ، فان هذا التأثير لا يحصل لا محالة ، اما عصمته عن الخطأ والنسيان فهو مما لا يشمله ذلك الدليل  لإمكان تدراك ما فات بعد الالتفات .

والجواب عن ذلك ، على ضوء النتائج السابقة ، ان العصمة عن الخطأ والنسيان مما يتوقف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل(1) . وخاصة في مهمته الأولى، وتحويل  العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل ، والمفروض في كل معصوم ان يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظرياً . اعني ان يكون له من القابليات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها . باعتبار ان ايكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مستحيل على الله عز وجل ، بل لا بد ان تنسجم دائما مدعيات الدعوة الالهية من الناحية النظرية مع امكان التطبيق على طول الخط .

هذا حال المعصوم ، ام الغير المعصوم ، فيتعذر عليه تماما قيادة العالم بالعدل ، وخاصة في تحويل لأول مرة من الظلم إلى العدل ، الأمر المملوء بالمشاكل والعقبات .

ولعل أطرف ما يبرر ذلك ، ما روي عن ذي القرنين حين اوكل إليه الله تعالى قيادة العالم ، ولم يكن حاكماً من الناحية العملية إلا على بعض العالم . . . وقد أوحى الله تعالى ، ( يا ذا القرنين انت حجتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس الى مغربها . وهذا تأويل رؤياك .

 

صفحة (42)

ــــــــــــــــــ

(1) ولا ينافي هذا ما قلناه في التاريخ السابق عن القاعدة القائلة: اذا أراد الامام أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك. فاننا حددناها هناك (ص517) ببعض القبود. ولكنها في ضمن تلك الحدود تكون كافية للقيادة العالمية ، ولا يقتضي الدليل الذي ذكرناه هنا ما هو أوسع من ذلك.

 

فقال ذو القرنين : ياإلهي انك ندبتني لأمر عظيم ، لا يقدر قدره غيرك . فأخبرني عن هذه الأمة ، بأية قوة اكابرهم ، وبأي عدد أغلبهم وبأي حيلة أكيدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أكلمهم . وكيف لي بأن اعرف لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر انقدهم ، وبأي حجة اخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم . وبأي علم اتقن امرهم ، وبأي حلم اصابرهم ، وبأي معرفة أفضل بينهم ، وبأي عقل احصيهم. وبأي جند أقاتلهم ، فإنه ليس عندي مما ذكرت يارب شيء ! فقوّني عليهم ، فانك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ) (1).


فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي . ولئن ذللت المدينة الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما ، فانها اضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة . تزيد في الطين بلة . ولولا ان الله عز وجل وعده بعد ذلك ـ لو صحت الرواية ـ بالتوفيق والتسديد ، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله.

 

نعم ، ترتفع هذه الاستحالة ويقل التعذر ، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق(2) ، وسيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ . وسيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه .

وعلى أي حال ، فقد كان المقصود البرهنه على أهمية الخصيصة الأولى للمهدي (ع) وهي صفة العصمة ، وانه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية.

وأما الخصيصة الثانية للامام المهدي (ع) في الفهم الامامي ، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، حتى في حال غيبته . . . فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته . فان اثرها الكبير في تعميق التمحيص الإلهي وتوسيعه .

 

صفحة (43)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق ( نسخة مخطوطة).    (2) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 477 وما بعدها.

 

فإن الفرد المؤمن بقيادته حال غيبته ، حين يكون على محك التمحيص الإلهي ، الساري المفعول لاجل صقل ايمانه وتعميق اخلاصه وتكميل نفسه . . . إذا اخذ الفرد مفهوم القيادة المهدوي في ذهنه ، فانه سوف ينعكس على سلوكه بكل وضوح . وسيتجه إلى العمل والتضحية اكثر من الفرد الخالي من هذه الفكرة بطبيعة الحال ، وذلك ، لا قتران مفهوم القيادة المهدوية في ذهنه بعدة حقائق .

الحقيقة الأولى : كونه جندياً مأمورا موجها بالفعل للعمل في سبيل الله واطاعة احكامه . وان أوامر قائده المهدي (ع) موجودة ومتوفرة لدية متمثلة بالاحكام الاسلامية ، فان المهدي هو المثل الحقيقي للاسلام ، فأوامر الاسلام أوامره ، ورغبات النبي (ص) في امته رغباته .

الحقيقة الثانية: كونه مسوؤلا ومحاسبا امام هذا القائد ، ولو بشكل غير مباشر .

كيف وأن صوت القائد موجود في ضميره الاسلامي يحمله على الخير ويردعه عن الشر . وهذا الفرد يعلم ان قائده حي مطلع على ما يصدر منه من اعمال ويقيم ما يقوم به من حسنات او سيئات ، فأحرى به ان يدخل السرور عليه بحسناته وان لا يخجل امامه بسيئاته وانحرافه .

الحقيقة الثالثة : الشعور بمظلومية هذا القائد حال غيبته ، وبمظلومية البشر البائسة التي اوجبت لها غيبة امامها ومرورها بعصور الظلم والانحراف ، كثيرا من القمع والاضطهاد .

الحقيقة الرابعة : الشعور باتنظار هذا القائد ، واحتمال ظهوره وقيامه بدولة الحق في اي لحظة من الزمن . وهذا يستدعي ، بطبيعة الحال ، ان يرعي الفرد تعميق اخلاصه وايمانه وتضحياته في سيبل دينه .  .  . ليكون له الزلفة لدي امامه وقائده عند ظهور واهلية شرف المشاركة بين يديه في اصلاح العالم وقيادته .

إلى غير ذلك من الحقائق التي تكون كل واحدة منها فضلا عن مجموعها من اكبر المحفزات للفرد المؤمن على مزيد العمل والتضحية في الخط الاسلامي الصحيح . وهذا نفسه يوجب النجاح في التمحيص الإلهي بشكل اعمق واسرع بطبيعة الحال . ولا يمكن ان يترتب شيء من هذه الفوائد مع عدم الايمان بقيادة الامام المهدي (ع) وغيبته .

وهناك فوائد اخرى تترتب على ذلك ، تكون مشتركة مع الخصائص الآتية بحسب التطيبق والوجود ، ومن هنا كان الأفضل ذكرها مع تلك الخصائص .

صفحة (44)
 

 الخصيصة الثالثة : وهي عبارة عن معاصرة الامام المهدي (ع) لاجيال طويلة من البشرية . . . ولها عدة فوائد نقتصر منها على فائدتين تعود احداهما على الامام نفسه وتعود الأخرى على البشرية :

أما الفائدة التي تعود الى الامام ، فهي ما عرضناه في التاريخ السابق(1) وأقمنا عليه القرائن من ان معاصرة الامام للأجيال توجب اطلاعه المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه ، الأمر الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في عمق قيادته بعد ظهوره.

وأما الفائدة التي تعود الى البشر ، فهي باعتبار ما ورد في اخبار المصادر الخاصة من الحاجة إلى وجود الامام حاجة كونية قهرية مضافاً إلى الحاجة القيادية .

منها : ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي(2) بإسناده عن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي عبدالله ـ الصادق ـ (ع) : تبقى الأرض بغير إمام؟

قال: لو بقيت الأرص يغير إمام لساخت .

وما أخرجة بسنده عن أبي هراسة عن أبي جعفر الباقر ـ(ع) ، قال : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لما بأهلها كما يموج البحر بأهله .

وهي تدل بظاهرها  ـ بغض النظر عن إمكان حملها على الرمزية  ـ بأن بقاء الإمام ضروري لحفظ بقاء الأرض ومن عليها ، حتى يكون لها وجود ونظام كوني كامل يمكن تنفيذ الوعد الإلهي وإنتاج التخطيط العام من خلاله . وهذا إنما يتم مع وجود الإمام معاصراً لكل الأعوام والأجيال البشرية  .  . . وخاصة بعد الاعتقاد الإمامي المؤيد باخبار العامة(3)  بأن الأئمة اثنا عشر للحصول على هذه الفائدة .

وقد يكون هذا هوالمراد من قوله امام المهدي (ع) ، فيما روي عنه : واني لأمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم امان لأهل السماء (4).\


صفحة (43)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 514 وما بعدها. (2) انظرباب:ان الارض لا تخلو من حجة اصول الكافي ، (نسخة مخطوطة).
 وكذلك ما بعده . وانظر أيضاً: الغيبة للشيخ الطوسي ص 92 ط النجف.

(3) أخرجها البخاري: انظر ج9  ص101 ومسلم انظر ج 6 ج 3-4  وغيرهما من الصحاح وكتب الحديث.

(4) انظر ناريخ الغيبة الكبرى ص 54 عن الاحتجاج للطبرسي.

الخصيصة الرابعة : كون الأمام المهدي (ع) على مستوى الاطلاع على الاحداث ، يوماً فيوماً وعاماً فعاماً ، عارفاً بأسبابها ونتائجها .

وتحتوي على عدد من الفوائد مضافاً إلى الفائدة الأولى من الخصيصة الثالثة ، أهمها : الحفاظ على المجتمع المسلم ودفع البلاء الواقع عليه من أعدائه عليه .

فإن الإمام المهدي (ع) حين يعلم يجريان الأحداث وأسبابها ومسبباتها ، وما قد تؤول إليه من مضاعفات ، وحين يكون  مكلفاً إسلامياً برفع الأضرار والدواهي عن المجتمع المسلم ، في بعض الحدود التي ذكرناها في التاريخ السابق(1) ... وقد وعد هو (ع) بذلك فيما وري عنه(2) ... حين يكون كذلك ، فانه لا محالة يقوم بوظيفة المقدسة خير قيام . وقد عرضنا(3) الأسلوب الذي يمكنه (ع) به أن يقوم بالأعمال النافعة خلال غيبتة.

هذا مضافا إلى تقييمه للناس والمجتمعات ، طبقا للميزان العميق الذي يحمله ويعرفه ، الأمر الذي يوفر عدة نتائج : منها : اطلاعه على درجة إيمان المؤمنين وإخلاص المخلصين ، واتجاهاتهم السلوكية والعقائدية في الحياة .

ومنها : اطلاعه على سلوك المنحرفين والكافرين ، ومحتملات نتائجة على الإسلا م والمسلمين ، لأجل التوصل من ذلك إلى محاولة الحد من تأثيره.

ومنها : معرفته بتحقيق شرط اليوم الموعود ، الذي هو يوم ظهوره ، وهو وجود العدد الكافي من الناصرين والمؤازرين له على فتح العالم ومباشرة حكمه بالعدل طبقاً لاحد المحتملات في أسلوب تعرفه على يوم ظهوره، مما سوف يأتي عرضه واختيار الصحيح منه.

الخصيصة الخامسة : وهي اتصال الإمام المهدي (ع) بالناس ومحادثته لهم وتفاعله معهم ... ولها  ـ على الاقل ـ فائدتان ، إحداهما خاصة بالإمام المهدي (ع) والأخرى عامة للمجتمع المسلم كله.


صفحة (46)

ــــــــــــــــــ

(1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 53 وما بعدها. (2)  المصدر ص 167 و ص175.

(3) المصدر ص 176.


أما الفائدة الخاصة به (ع) ، فهو اختلاطه بالناس وارتفاع الوحشة عنه ، تلك الوحشة المشار إليها في بعض
الأخبار(1) والثابته له على تقدير بعده عن الناس وسكناه في الصحارى والقفار ، كما ورد في رواية ناقشناها في التاريخ السابق(2) . هذا ،مضافاً إلى قضاء حوائجة الشخصية الضرورية لكل إنسان ، بشكل أسهل من أي أسلوب آخر يتخذه في الحياة .

وأما الفائدة التي تعم المجتمع كله ، بانصال المهدي (ع) بأفراده ، فهي انه (ع) ، حين يتصل بالناس ، يقوم بوظيفة الإسلامية تجاههم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقريبهم من الطاعة وإبعادهم عن المعصية وحثهم على الأعمال العامة النافعة وبذور الصلاح في الأفراد والمجتمع ... في الحدود وبالشكل الذي سبق ان حولناه على التاريخ السابق .

ومن ثم السير قدماً بتحقيق الشرط الثالث من شرائط الظهور، باعتبار أن الناس كلما ازداد إيمانهم واخلاصهم ، كلما كان احتمال تحقق العدد الكافي لغزو العالم أقرب وأوضح .

وهذا وينبغي أن نعرف في نهاية الحديث عن خصائص الإمام المهدي (ع) في غيبته : انها خصائص متساندة ومتعاضدة ، باعتبار أن المتصف بها شخص واحد ، فمن المنطقي أن تكون الفوائد المشار إليها منطلقة من مجموع الخصائص وإن كانت بواحدة الصق ونحوها أقرب .

وبهذا يتم الكلام عن المدلول الكبرى.

وأما المدلول الثالث للغيبة الكبرى ،  وهو استتار الامام القائد وخفاء شخصه وعمله ومكانه على الناس ، اعني بصفته الحقيقية .

. . . ففائدته الكبرى بالنسبة إلى اليوم الموعود ، هو حفظه (ع) من شر الأعداء للقيام  ليبقى مذخوراً بالمهام الكبرى في ذلك اليوم المجيد .


صفحة (47)

ــــــــــــــــــ

(1) عن الامام الباقر(ع) انه قال: لا بد لصاحب هذا الامر من عزلة،ن ولا بد في عزلته من قوة، وما بثلاثين من وحشة...الحديث.
أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص 47 عن غيبة الشيخ الطوسي.
(2) وهو ما ورد عن المهدي(ع) نفسه يقول عن أبيه (ع): وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا عفرها..الحديث.

المصدر ص 72.

وهذا ما أشرنا إليه في الأخبار :

أخرج الشيخ الطوسي في الغيبة(1) بإسناده عن زرارة ، قال : ان للقائم غيبة قبل ظهوره ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف القتل .

وفي حديث آخر(2) عن زرارة بن أعين أيضاً ، قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن للغلام غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف . وأوما بيده إلى بطنه .

وأخرج الشيخ الصدوق في إكمال الدين(3) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سيد العابدين علي بن الحسين يقول : في القائم منا سنن من سنة الأنبياء (ع) . . . إلى أن قال : وأما موسى فالخوف والغيبة ... الحديث .

وفي حديث آخر(4) عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان ، قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقال لي ، مبتدئاً : يامحمد بن مسلم ان في القائم من آل محمد (ص) شبهاً من خمسة من الرسل . . . إلى أن يقول : واما شبهه من موسى فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته . . . الحديث

ولعل هذه الفائدة ، هي المصلحة الوحيدة التي بينتها الأخبار للغيبة الكبرى . باعتبارها المصلحة الوحيدة المناسبة مع المستوى الفكري والثقافي الذي كان موجوداً في عصر صدور هذه الأخبار.

وثبوت هذه الفائدة واضح ، بعد التسليم بأمرين :

الأمر الأول : الفهم الإمامي القائل : بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين (ع) . الذي هو الفهم الذي ننطلق منه في إثبات أكثر مداليل الغيبة الكبرى كما عرفنا .
 

صفحة (48)

ــــــــــــــــــ

(1) ص201 . (2) نفس المصدر ص202 . (3)نسخة مخطوطة غير مرقمة  الصفحات.

(4) نفس المصدر.


الأمر الثاني: ان الإمام المهدي (ع) لو كان ظاهراً معروفاً بحقيقته ، قبل اليوم الموعود ، لقتله الظالمون لا محالة...  بعد التسالم الواضح على أن هدفه الأساسي هو تطهير الأرض من الظلم وتبديل أوضاع الظالمين . إذاً ، فكل من لا يرضى بهذا التبديل ، انطلاقاً من  انحرافه ومصالحة الشخصية ، سيكون ضده.

  وسيكون القضاء على المهدي (ع) متيسراً بأسهل طريق . لأنه ليس له من ينصره أو يدافع عنه ، أو ويوجد من لا يكفي لذلك ، لما عرفناه مفصلاً من أن نصره متوقف على تمخض التخطيط العام عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل . وان هذا لا يتم الا قبيل ظهوره . واما خلال المدة المتخللة قبله فان التخطيط لم ينته بعد ولم ينتج هذا العدد الكافي . إذا فقيامه بالثورة العالمية متعذر تماماً ، ودفاعه عن نفسه بدون ذلك متعذراً أيضاً ، لاقتران وجوده في اذهان الناس بالثورة العالمية . . . إذا فتعين أن يكون غائباً غير معروف وان لا تنكشف حقيقته إلا يوم ظهوره في اليوم الموعود . وذلك من أجل جل أن يبقى مذخوراً لتلك المهمة الأخرى. ومن الواضح أن مقتله يفقد اليوم الموعود قائدة ، الذي لا يوجد غيره . بحسب الفهم الإمامي ، ومن ثم يخل بالدولة العالمية ، وبالهدف العام من خلق البشرية.

 

وقد يخطر في الذهن : ان المهدي (ع) يمكن أن يكون معروفاً ، الا ان الله تعالى يحفظة عن طريق المعجزة ، لأجل تنفيذ اليوم الموعود والهدف العام ... بعد أن عرفنا(1) من قانون المعجزات ، كالطريق الطبيعي غير الاعجازي، متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة .

وجواب ذلك : اننا عرفنا إلى حنب ذلك من قانون المعجزات انه متى أمكن السير نحو الهدف بدون معجزة ، كان الطريق الطبيعي غير الاعجازي ،متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة .

فبالنسبة إلى المهدي (ع) حين كان هو الامام الثاني عشر من المعصومين (ع) ، ولا إمام بعده ، كان حفظه لليوم الموعود واطالة عمره متعينا بالمعجزات ، ولا بديل لذلك . ومن أجل هذا حدثت المعجزة وطال عمره . وأما حفظه لذلك اليوم بمعنى دفع القتل عنه ، فهذا يتعين عن طريق المعجزة . بل يمكن أن يكون عن طريق الغيبة أيضاً ، وهي طريق طبيعي واضح ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) لا يتضمن في أساسه الا غفلة كل أفراد البشر عن حقيقته وعدم العلم بكونه هو المهدي ، ومن ثم لا يوجد عند أحد القصد إلى قتله . بصفته مهدياً . وقلنا انه إذا أمكن الطريق الطبيعي ، ولا تقوم المعجزة بتنفيذه.
 

صفحة (49)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص38 .

 


وبمعرفتنا مداليل الغيبة الكبرى ونتائجها الكبرى بالنسبة إلى الأمة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . وبالنسبة
 إلى الإمام المهدي (ع) خاصة وتنفيذ اليوم الموعود عامة ... يتبرهن لدينا بوضوح أهمية الغيبة الكبرى ، وكونها رئيسياً في التخطيط الإلهي العام لا يمكن الإستغناء عنه .

واما مع الأخذ بالفهم غير الإمامي للمهدي وكونه شخصاً يولد في زمانه وسيوقف للثورة العادلة في حينه . ان مثل هذه القائد لن يستطيع بأي حال قيادة العالم قيادة عادلة عادة ، ولو فرضنا  ـ جدلاً ـ انه استطاع ذلك لفترة، فهو لا يستطيع ضمان بقاء التطيبق الإسلامي على الدوام ، كما هو المفروض في دولة المهدي وسيأتي الإستدلال عليه .

وينطلق الحكم بعدم استطاعة مثل هذا الإنسان القيام بهذه المهمة ، من حقيقة عدم لياقته لذلك ، وقصوره عنه قصوراً  تاماً ، بعد كونه فاقداً لكل النتائج التي عرفناها للغيبة الكبرى . وبخاصة صفة العصمة التي يكون فاقداً لها ولكل خصائصها المهمة . وأما المدلول الأول الذي يشمل الفهم غير الإمامي للمهدي ، فنتائجه تظهر في الأمة أو البشرية ، وليس لها نتائج خاصة بالمهدي كما مر.


صفحة (50)
 

الفصل الثالث

توقيت الظهور

من ناحية شرائطه وعلاماته .
 

إن اهم الفروق بين شرائط الظهور وعلاماته ، هو أن الشرائط عدة خصائص لها التأثير الواقعي في ايجاد يوم الظهور والنصر فيه وانجاز الدولة العالمية ، ولولاها لا يمكن أن يتحقق سواء وجدت أو لم توجد وانما هي أمور جعلت من قبل الله سبحانه وبلغت إلى البشر من قبل الصادقين قادة الإسلام الأوائل . بصفتها دوالاً وكواشف عن قرب الظهور، إذا كانت منم العلامات القريبة ، أو عن أصل حصوله ، لو كانت من العلامات البعيدة ، وذلك : ليكون الأفراد المنتظرون لذلك اليوم المختارون للعمل فيه نتيجة لنجاحهم التام في التمحيص ، بحالة التهيؤ النفسي الكامل لا ستقباله عند حدوث العلامات القريبة .

وهذا هو الذي قلناه في التاريخ السابق وعرفنا فيه عدة فروق بين الشرائط والعلامات بالنسبة إلى ما بعد الظهور .

عرفنا في الفصل الأول : أن المهم المتبقي مما لم يحدث إلى الآن من شرائط الظهور ، ولم يتمخض التخطيط الإلهي عن ايجاده ، أمران :

الأمر الأول : تربية الأمة ككل من الناحية الفكرية ، حتى يكون لها القابلية لاستيعاب وفهم وتطبيق القوانين الجديدة التي تعلن بعد الظهور.

الأمر الثاني : تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين الكاملين الممحصين ، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة .

 صفحة (51)
 

وهذان الأمران  يحدثان تدريجاً نتيجة للتربية الطويلة البطيئة للأمة ، تحت الظروف والخصائص التي سبق ان عرفناها . وسوف لن يتمخض التخطيط الإلهي لايجادهما الا قبيل الظهور . وبتعبير آخر: انهما عندما يتحققان يكون اليوم الموعود نافذاً بجميع شرائطة ، ومعه لا يمكن أن يكون متخلفاً أو متأخراً عن ذلك .

واما الاطلاع على انهما تحققا فعلاً أو لم يتحققا ، فهو مما لا يمكن أن يعرفه الناس الا عند الظهور ، لأنه يكون دالاً على تحققهما قبله لا محاله ولا يحصل هذا الاطلاع عند البشر إلا للإمام المهدي نفسه ، على ما سنذكره في فصل قادم .

وهذان الشرطان يكونان مقترنين في تطورهما التدريجي ، والوصول إلى الغاية المطلوبة . وبخاصة وهما لا يتضمنان في مفهومهما مقداراً محدداً غير قابل للزيادة . إذ في الامكان تطور الأمة من الناحية الفكرية والإخلاص على الدوام . غير أن لهذين الأمرين (حد ادنى) يصلح أن يقوم عليه اليوم الموعود ومع تحقق هذا الحد الأدنى لكلا الشرطين معاً يكون اليوم الموعود واقعاً ونافذاً لا محالة . ويكون التطور الزائد في جوانب الأمة الإسلامية موكولا ً إلى ما بعد الظهور .

وهذان الشرطان متشابهان في التطوير إلى حد كبير ، تبعاً لازياد الظلم والانحراف ، المنتج لهما معاً . ولكن لو فرض أن أحدهما كان اسرع من الأخر ، فترة من الوقت ، بحيث وصل إلى الحد الإدنى المطلوب قبل الآخر كما يتصور ـ عادة ـ في الجانب الفكري ، فانه أسرع تطوراً من جانب الإخلاص وقوة الإرادة ، كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) ... هو حصول الحد الأدنى من العدد الكافي من الجيش الفاتح للعالم ، مع تعمق القابلية الفكرية للأمة أكثر دقة ورسوخاً . وكذلك لو فرض تطور الإخلاص أكثر من القابلية الفكرية ، فإنه مما لا ضير فيه ، إن لم يكن أكثر نفعاً بالنسبة إلى يوم الظهور .
 

صفحة (52)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص265 .


 

وعندما يتكامل هذان الشرطان ، تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد . فالأطروحة العادلة

الكاملة موجودة بين البشر ،  متمثلة بتعاليم الإسلام  كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) .والأمة قد ترتب على فهمها بدقة واتقان ، وأصبحت قابلة لتفهم القوانين الجديدة التي تكون على وشك الصدور في اليوم الوعود . والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره . والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي متوفر لفتح العالم ونشر العدل والسلام بين ربوعه مع وجود العامل المساعد المهم وعو انكشاف نقاط الضعف لكل التجارب البشرية والمبادئ والقوانين الوضعية السابقة على الظهور ، واليأس من حل بشري جديد ، كما سبق أن اوضحناه  في التاريخ السابق(2).

وإذا اجتمعت هذه الشرائط . كان تنفيذ الوعد الإلهي والغرض الأهم من الخلق ضرورياً ،لاستحالة تخلف الوعد والغرض في الحكمة الإلهية الأزلية .

ومن هنا نعرف أن وقت الظهور ، منوط باجتماع هذه الشرائط .

ومن أجل ذلك ، قد يخطر في الذهن منافات ذلك مع  ماورد في اخبار المصادر الخاصة من نفي التوقيت وتكذيب الوقاتين .

كرواية الفضيل ، قال : سألت أبا جعفر (ع) : هل لهذا الأمر وقت ؟ ... فقال : كذب الوقاتون كذب الوقاتان ، كذب الوقاتون .

وعن أبي عبد الله الصادق (ع) : كذب الوقاتون وهلك المستعجلون  ، ونجا المسلمون ، وإلينا يصيرون .

وعنه (ع) : من وقت لك من الناس شيئاً ، فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتاً(3) .

وأخرج النعماني عن أبي بكر الحضرمي ، قال : سمعت أبا عبدالله ( ع) يقول : انا لا نوقت هذا الأمر(4).

وهذه الأخبار بعدد قابل للإثبات التاريخي ، وواضحة الدلالة على نفي التوقيت . فلو كان ما ذكرناه من اقتران اليوم الموعود بشرائطة توقيتاً له . إذا يجب تكذيبه جملة وتفصيلاً .


صفحة (53)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 261. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص249  وغيرها. (3) الغيبة للشيخ الطوسي ص262 ... الاخبار الثلاثة كلها

(4) الغيبة للنعماني ص 155.

 

إلا أنه من حسن الحظ ! ان التوقيت المنفي ليس هو ذلك بل المراد به ـ بوضوح ـ تحديد الوقت بتاريخ معين ، كما لو قيل ـ مثلا ـ إن الظهور أو اليوم الموعود ، يكون في سنة الفين ميلادية أو في سنة الفين هجرية .

والقرينة على ذلك ، ما ورد من الأخبار التي تنفي توقيتاً معيناً : كالذي أخرجه النعماني(1)  باسناده عن عمار الصيرفي قال: سمعت ابا عبدالله (ع) يقول : قد كان لهذا الأمر(2) وقت ، كان في سنة أربعين ومائة ، فحدثتم به وأذعتموه ، فأخره عزوجل .

وعن أبي الثمالي قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول : يا ثابت ان الله كان قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين . فلما حدثناكم بذلك أذعتم وكشفتم قناع الستر ، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب .

وفي هذه الأخبار بعض المفاهيم وبعض المناقشات ، لا مجال للدخول فيها . ولكنها لا تضر بما نريده الآن من انها دالة على أن المراد من التوقيت تحديد الوقت بتاريخ معين ، فإن الروايات الأخص تكون قرينة على الأعم .

وهذا النحو من التوقيت فيه عدد من نقاط الضعف :

النقطة الأولى : إنه جزاف بدون أي دليل . كيف وقد أجمع المسلمون على أن وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله عزوجل . مع الغموض التام بالنسبة إلى الناس .. بل ظاهر الرواية الأخيرة انه خفي حتى على المعصومين  أنفسهم . ومن هنا يكون ذكر أي تاريخ معين جزافاً محضاً وكذبأً صريحاً .

النقطة الثانية : ان تاريخ الظهور لو كان محدداً معروفاً ، لكان من أشد العوامل على فشل الثورة العالمية وفناء الدولة العادلة ، فإنه يكفي أن يحتمل الأعداء ظهوره  في ذلك التاريخ ، ولو اعتبار المسلمين ذلك . فيجتمعوا على قتله في أول أمره وقبل اتساع ملكه واستتباب أمره .

 

صفحة (54)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص 157 وكذلك الخبر الذي بليه.
(2)  المراد من هذا الأمر ما يشمل ظهور المهدي(ع) وليس خاصاً بذلك. وفي بعض الروايات ما هو خاص به كذلك أخرجه
النعماني عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) قال قلت له:جعلت فداك متى خروج القائم عليه السلام . فقال: يا أبا محمد ، إنا
أهل  بيت لا نوقت. وقد قال محمد (ص) كذب الوقاتون ... الحديث ( غيبة النعماني ص155 وما بعدها).

 

ولذا اقتضى التخطيط الإلهي ، من أجل إنجاح اليوم الموعود ، أن يكون الظهور فجائياً ، مثاله مثال الساعة لا يجليها لوقتها ، كما نطقت بذلك الأخبار وسنرى ما لعنصر المفاجأة من أثر فعال في نصره .

النقطةالثالثة : ان الامة الاسلامية حين يكون التخطيط الالهي قد انتج نتيجته فيها ، ولم يصبح بعد على مستوى مسؤولية اليوم الموعود ، فإنها تكون مقصرة بالنسبة إلى كل حدود ومقدماته ... وتكون هذه الحدود والمقدمات فوق مستواها العقلي والثقافي والديني . ومن هنا لم يتورع الناس عن افشاء التوقيت الذي كان فيما سبق ، ولو أعطوا وقتاً جديداً لأفشوه أيضاً لا محالة . . . ومن هنا الغي التوقيت ، كما سمعنا من هذه الأخبار .

وهذا أيضاً أحد الأسباب في تحريم تسمية الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الصغرى ، كما سمعنا في تاريخها(1) فإنهم ان عرفوا الاسم أذاعوه وإن علموا بالمكان دلوا عليه .

وهذا القصور العام في الأمة هو المشار إليه في بعض الأخبار ، كقول الإمام موسى بن جعفر (ع) : يابني عقولكم تضعف عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله . ولكن إن تعيشوا تدركوه(2) .

فإن المراد بالعقول ما نسمية بالمستوى الفكري والثقافي ، والمراد بالأحلام ما نسمية بالإخلاص وقوة الإرادة وكون الأمة على مستوى المسؤلية . . . وكلاهما ضعيفان بمنطوق الرواية .كما دل عليه البرهان أيضاً .

وليس المراد من هذه الرواية وأمثالها ما يفهمه بعض الناس ، من امتناع التعرف على مصلحة الغيبة ، وخفاء مصلحة وجود الإمام خلالها . . . بعد كل الذي سبق أن عرضناه في كتب هذه الموسوعة مستفاداً من القرآن الكريم والسنة الشريفة نفسها .

النقطة الرابعة : ان وقت الظهور وإن كان محددا في علم الله الأزلي ، لكنه بالنسبة إلى علله وشرائطة ينبغي أن لا يفترض له وقت محدد .
 

صفحة (55)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص277 وما بعدها.
(2) روته النعماني في غيبته ص78 ونقلناه في تأريخ الغيبة الكبرى ص11.

 

فإن تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مستويين :

المستوى الأول : علم الله الأزلي بالأشياء منذ القدم ، المتعلق بكل الممكنات أو المخلوقات بأسبابها ومسبباتها.

المستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علته ، فإن المعلول يحدث متى حدثت علته ، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا ً .

مثاله : إننا لو نسبنا تاريخ اكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادية والبشرية العاملة فيه ، كان تاريخه منوطاً بتحقيق هذه المكونات ، حتى ما إذا وضع البناء آخر حجر في كيان الدار ، تكون هذه الدار قد انتهت ، بغض النظر عن طول زمن البناء وقصره . . .فانه قابل للاختلاف حسب الظروف والطوارئ والقابليات والإمكانيات .

وحيث يبرهن فلسفياً بأن علم الله تعالى الأزلي المتعلق بالأشياء ليس علة لها ، وانما يتعلق بها ويكشف عنها على ما هي عليه في الواقع ، إذا، ففي الإمكان قصر النظر عن تعلق ذلك العلم به معه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحاً ، ويكون وجود الشيء منوطاً بوجود علته واجتماع شرائطة ومكوناته ، من دون أن يكون الزمن ملحوظاً في تحديد حدوثة على الاطلاق . . . بل قد يكون قابلاً للزيادة والنقص ، كما قلنا .

ومن هذا القبيل ، يوم الظهور . فإننا لو غضضنا النظر عن علم الله الأزلي لم يبق لدينا أي وقت محدد له ، وأنما هو منوط بحصول شرائطه وعلله . فمثلا ً نقول : متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل . من المخلصين الممحصين ، كان يوم الظهور ناجزاً ، سواء كان زمان وجودهم والفترة التي تحققهم طويلة جداً أو قصيرة .

وهذا دليل آخر على أن التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المعين جزاف محض .

وهذا هو مرادنا من التوقيت الذي برهنا عليه . وهو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالومان تماماً . فلا يكون قولاً جزافاً  ولا واجب التكذيب . كما لا يكون تحديده الإجمالي خطراً على الأمام المهدي وموجباً لفشل مهمته بعد الظهور .

 هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار  شرائطة .

 وأما توقيت الظهور باعتبار علاماته . فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات ، وفحصنا   ادلتها ودقفنا في معانيها . . .  ولنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التأريخ.
 

صفحة (56)
 

والمهم هنا هو أن نعرف ان العلامات على  قسمين :

 

القسم الأول : علامات واردة في الأخبار ، ولا على تقع قبل الظهور بزمن قليل بل على ان تقع قبله ، ولو بزمان بعيد وأمد طويل .

وقد عرفنا في التاريخ السابق ان أغلب هذه العلامات قد تحققت وصدقت بها الأخبار . إلا إنها في واقعها لا تحتوي على أي توقيت بالنسبة إلى الظهور. وإنما لها فوائد أخرى . أهمها : أن الخبر الوارد إذا قرن الحادثة بالظهور وانها واقعه قبله في الجملة .

ثم رأينا الحادثة قد حدثت ، فنعرف أن الخبر صادق في بإخباره عن الحادثه علامة على الظهور .
القسم الثاني : من العلامات ما صرحت الأخبار بقرب حصوله من زمن الظهور .

وقد قلنا في التاريخ السابق(1) ان هذا النحو من العلامات وإن لم يكن له ارتباط سببي بيوم الظهور ، إلا أنه مما جعله الله تعالى تنبيهاً لخاصة أوليائه المخلصين الممحصين علامة على قرب الظهور ، ليكونوا على الأستعداد التام من الناحية النفسية والعقائدية لاستقبال إمامهم وقائدهم ، وتلقي مهامهم ومسؤولياتهم عنه .

بل إن التهيؤ النفسي غير خاص بالممحصين ، بل شامل لكل مسلم مسبوق بوجود هذه العلامات ، وخاصة بعد تحققها والتأكد من صدق الإخبار السابق عنها . غير أن تهيؤ الأفراد لاستقبال الظهور يختلف باختلاف درجة ثقافتهم وايمانهم ووعيهم ويكون أحسن أشكال التهيؤ صادراً ـ بطبيعة الحال ـ من المخلصين  الممحصين . وسيكون لهذه الفكرة نتائجها في مستقبل هذا البحث .

وهذا القسم من العلامات يتضمن التوقيت بوضوح ، ويشير إلى قرب حصول الظهور ومن هنا أمكن التهيؤ لاستقباله .

إلا إنه قد يخطر في الذهن سؤالان حول ذلك :

 السؤال الأول : إن هذه العلامات كما تنبه المخلصين الذين يعدون أنفسهم للفداء بين يدي المهدي (ع) : كذلك تكون منبهة لاعداء المهدي (ع) ، فيعدون أنفسهم للقضاء عليه وطمس حركته ، في أول حدوثها.


صفحة (57)

ــــــــــــــــــ

(1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص530.
 

 

وهذا سؤال أثرناه في التاريخ السابق ، وأجبنا عنه مفصلاً(1). ومجمل الفكرة : أن الأعداء سوف لن يلتفوا إلى حصول هذه العلامات ، ولو التفتوا فإنهم لن يعلموا انها من قبيل العلامات إلى ظهور المهدي (ع) . ولو علموا فإنهم لن يستطيعوا التألب عليه . لأنه يظهر في زمان غير مناسب لذلك ، على ما سنرى في فصل قادم .

ولو فرضنا أنهم التفتوا وتألبوا ، فلا يكون ذلك مجدياً أيضاَ ، لما سنعرفة في المستقبل البحث من أن المهدي (ع) ، لن يعلن عن أهدافه الكاملة لأول وهله ، ومن هنا فلن تلتفت الدول إلى خطره المباشر عليها ، إلا بعد أن تقوى شوكته ويتسع سلطانه . إذاً ، فلو كانوا تألبوا فإنهم سوف لن يستعملوه ضده إلا بعد فوات الأوان .

السؤال الثاني : إن التوقيت بهذه العلامات ، مناف للأخبار النافية للتوقيت والآمرة بتكذيب الوقاتين .

والجواب على ذلك ، يكون على مستويين :

المستوى الأول: أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات كزماننا هذا ... ونقول : بأن هذه العلامات لو وقعت لدلت على قرب الظهور . وهذه قضية صادقة لا تشمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق وانما هي توقيت إجمالي ، كالذي قلناه في شرائط الظهور تماماً من أنها : لو حصلت لظهر المهدي (ع) . فإن عدم الاطلاع على زمان وقوع هذ العلامات مستلزم بطبيعة الحال لجهالة زمان الظهور وعدم تحديده ، ذلك التحديد المنفي من الاخبار.

المستوى الثاني : أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات وبين الظهور فإن كل فرد يشاهد إحدى العلامات القريبة ، من حقه أن يقول : أن المهدي (ع) سيظهر بعد قليل  . ويمكن أن نفهم هذا القول على شكلين :

الشكل الأول: إن هذا القول لا يحتوي على تحديد معين للوقت ، باعتبار أنه يبقى مردداً بين اليوم والأيام ، بل بين العام والأعوام ، فإن تخلل عشرة أعوام مما بين ظهور العلامة القريبة وظهور المهدي (ع) ، غير ضائر بكونها قريبة ، لضآلة هذه الأعوام العشرة تجاه الزمان الطويل السابق عليها ومعه فلا تكون تحديداً ، ولا تندرج في الأخبار النافيه للتحديد.


صفحة (58)

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص 532.

الشكل الثاني : ان نتنازل عما قلناه في الشكل الأول ، ونقول : إن هذا القول ، أعني : أن المهدي سيظهر بعد قليل ... يتضمن التحديد والتوقيت إذاً ، فلا بد من الالتزام بأن الأخبار الدالة على وقوع العلامات القريبة مخصصة لأخبار التكذيب وخارجة عن مدلولها . وتكون النتيجة : ام كل تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض إلا إذا كان مستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة ، فإنه يكون صادقاً وجائز التلقي بالقبول.

 ولأجل ذلك ـ في الحقيقة ـ وضعت هذ العلامات ، وهو تأكد المخلصين الممحصين من قرب الظهور . ومعه فمن غير المحتمل بقاء التحديد كاذباً ومحرماً إلى ذلك الحين .كما أنه ليس جزافاً من القول بعد استناده إلى العلامة التي سمع بوقوعها في يالأخبار ، وقد رآها متحققة في عالم الوجود .

مع العلم ، ان هذ العلامات لا تدل على أكثر من أقتراب اليوم الموعود وأما تحديده باليوم والشهر ونحوه . فيبقى سراً في علم الله تعالى ، حتى يتحقق الظهور.

 

صفحة (59)

الفصل الرابع

الايديولوجية العامة التي يتبناها المهدي (ع)

 تجاه الكون والحياة والتشريع
 

والذي نريد التعرف عليه في هذا الصدد ، هو الاطلاع الكامل على العمق الحقيقي للوعي الذي ينشره الإمام المهدي في المجتمع ، ولا تفاصيل الأسس العامة التي تبتني عليها الايديولوجية يومذاك . فإن ذلك مما يتعذر الإطلاع عليه قبل يوم الظهور ، كما ذكرنا في التمهيد .

وانما الذي نثير التساؤل عنه ونحاول التعرف عليه الآن ، هو بعض العناوين العامة التي يتصور اتجاه الايديولوجيه المهدوية نحوها أو التي قد يخطر في الذهن ذلك منها . معه يكون التساؤل مثاراً عن أمور أربعة:

الامر الأول : الدين يعتنيه المهدي (ع) ، ويعلنه في العالم .

الأمر الثاني : المذهب الذي يتخذه (ع) .

الأمر الثالث : التساؤل عما إذا كان  يتبنى بعض المفاهيم المحددة الضيقة كالعنصرية والقومية والوطنية ونحوها .

الأمر الرابع : التساؤل عما إذا كان نظامه مشابهاً في المفهوم أو المدلول مع الأنظمة السابقة على الظهور ، كالرأسمالية والإشتراكية ، أو لا ؟
ونتكلم عن كل من هذه التساؤلا ت الأربعة ، في ضمن جهة من الكلام .

الجهة الأولى : في الدين الذي يتبناه الإمام المهدي (ع) ويحكم العالم على أساسه .

وهو دين الإسلام بصفته الأطروحة الكامله التي تحقق العبادة الحقيقية العبادة الحقيقية المستهدفه من خلق البشرية أساساً ، كما سبق أن عرفنا .

 

صفحة (61)

 

ويتم الاستدلال على ذلك بعدة أساليب ، نذكر منها ما يلي :

الأسلوب الأول : أن نستعرض بعض الظواهر المهمة لنتائج العدل السائدة في دولة المهدي ... فإذا عطفنا على ذلك انحصار العدل الكامل بالإسلام ، إذا ، فهذا الأسلوب  متوفق على مقدمتين :

المقدمة الأولى : استعراض بعض الظواهر المهمة والنتائج العظيمة للعدل السائد في دولة المهدي العالمية .

وهذا بتفاصيله موكول إلى الباب الثالث  من القسم الثاني من هذا التاريخ وإنما نقتصر في المقام على ذكر بعض الأمثلة .

فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجه(1) عن أبي سعيد الخدري : أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي .  . . فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا مثلها قط . تؤتي اكلها ولا تدخر منهم شيئاً . والمال يومئذ كدوس ، فيقوم الرجل فيقول : يا مهدي عطني فيقول  : خذ .

وما يرويه البخاري(2) عن ابي هريرة : أن رسول الله ( ص) قال ، ـ في حديث ـ : ومتى يكثر فيكم المال فيفيض ،حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، ومتى يعرضة فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي به .

وقد برهنا في التاريخ السابق(3) بانحصار حدوث هذه الكثرة من المال في دولة  المهدي (ع)  دون ما قبلها . مضافاً إلى دلالة هذه الأخبار المروية هنا .

وما أخرجه مسلم في صحيحه(4) عن ابي سعيد وجابر بن عبدالله قالا : قال رسول  الله (ص) : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده .

وما أخرجه الشيخ المفيد في الإرشاد(5) عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : ان قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها . إلى أن قال : وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الأرض على وجهها . ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته ، فلا يجد أحداص يقبل منه ذلك ، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله .

 

صفحة (62)
ــــــــــــــــــ

(1) أنظر السنن ج2  ص1367. (2) انظر الصحيح ج9  ص74 .

(3) انظر نـريخ الغيبة الصغرى  ص 231 و ص335.

(4) ج8 ص 185 . (5) أنظر ص342.


 

ومثل ذلك ما ورد في كتاب العهدين في وصف دولة العدل المنتظرة ، كقوله(1) : وتنفتح أبوابك دائماً(2) نهاراً وليلاً لا تغلق ، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملكهم ، لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد ، وخراباً تخرب الأمم .

كقوله : بل يقضى بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ،ويميت النافق بنفخة شفتيه ....فيسكن الذئب مع الخروف و يربض النمر مع الجدي ... والبقر والدبة ترعيان ، تربض أولادهما معاً . والأسد كالبقر يأكل تبناً .ويلعب الرضيع على سرب الصل .ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان ، لا يسوؤن ولا يفسدون . في كل جبل قدسي .لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب (1).

إلى غير ذلك من النصوص في كتب العهدين . ولكل من هذه النصوص تحليله وتفسيره الذي سيأتي في مستقبل  البحث ... وإنما المراد الإلمام في الجملة بحالة السعادة والرفاه التي يعيشها شعب المهدي (ع) – وهو كل البشرية – في دولته وتحت نظامه .

المقدمة الثانية : انحصار العدل الكامل في الإسلام .

وهذا يحتاج إلى بحث عقائدي لسنا الآن بصدده ، وإنما نشير الآن إلى خلاصة نتائجه : وهي أننا بعد أن علمنا الإسلام هو آخر الشرائع السماوية ، وأن العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم .وأن الله تعالى وعد في كتابه الكريم بتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة على وجه الارض، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخلق .


صفحة (63)
ــــــــــــــــــ

 (1) أشعيا :60/ 13

(2) مرجع ضمير المؤنث المخاطب هو (اورشليم ) عاصمة بني اسرائيل في نظر اليهود .ولكننا سنبرهن في الكتاب  القادم على انحصار  صحة هذه النبؤات بدولة المهدي (ع) ، وإنما ذكرت اورشليم باعتبارها العاصمة الدينية المهمة في نظر اليهود .فإن انتقلت الأهمية إل غيرها انتقلت النبؤات أيضاً ، لأنه تتبع الدين الحق حيث يكون.

 (3) أشعيا : 11/ 4-8
 

إذن فينحصر أن يكون هذا العدل المشار إليه هو الإسلام لعدم إمكان حصوله من العقل  البشري وعدم إمكان نزول شريعة أخرى بعد الإسلام .

وإذا تم الأسلوب الأول وبكلا مقدمتيه ، عرفنا أن كل ما ذكر من أنحاء وأنواع السعادة والرفاه الموجود في دولة المهدي (ع) ، دولة الحق والعدل المنتظرة ، هو في الحقيقة نتيجة لتطبيق مفاهيم وقوانين ألإسلام فيها

إذاً فقد تبرهن : أن الدين الإسلامي الذي يعتنق والقانون الذي يتخذ في تلك الدولة هو الإسلام ، بقيادة القائد العظيم الإمام المهدي (ع) .

الأسلوب الثاني : أن نستعرض نصوص الأخبار الدالة على أن الإمام المهدي (ع)  يطبق الإسلام بالخصوص . وهي على عدة أقسام :

القسم الأول : الأخبار الدالة على أن المهدي من النبي (ص) ومن عترته ومن أمته ومن أهل البيت .وإذا كان المهدي متصفاً بهذه الصفات ، فهو على دين الإسلام بالضرورة .

أخرج أبو داوود(1) ونعيم بن حماد والحاكم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي مني ... الحديث.

وأخرج أحمد والباوردي في المعرفة وأبو نعيم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) :أبشركم بالمهدي رجل من قريش من عترتي ... الحديث

وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة : سمعت رسول الله (ص) يقول : المهدي منا أهل البيت ، رجل من أمتي ...الحديث.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي قال: قال رسول الله (ص) :المهدي منا أهل البيت ... الحديث .

وأخرج (2) ابن أبي شيبة و الطبراني والدارقطني في الإفراد وأبو نعيم والحاكم عن ابن مسعود ، قال: قال رسول الله (ص) : لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي  ... الحديث .


صفحة (64)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر الحاوي للفتاوي للسيوطي ج2 ص124 .وكذلك الأخبار الأربعة التي تليه .

(2) المصدر ص125 و كذلك الخبر الذي يليه .

 

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيه رجل من أهل بيتي.

إلى ذلك من الأخبار ، ودلالتها على المطلوب أوضح من أن تخفى .

القسم الثاني: الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يحكم الأمة الإسلامية على الأخص .وهو حين يحكمها بصفتها الإسلامية ، فسوف لن يكون حكمه إلا بالإسلام .

أخرج الترمذي (1) وحسنه ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: إن في أمتي المهدي يخرج الحديث. أقول : يخرج فيها يعني يحكمها .

وأخرج نعيم بن حماد وابن ماجة عن أبي سعيد ، أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي ... الحديث .

وأخرج (2) أحمد ومسلم عن جابر، قال: قال رسول الله (ص)  يكون في أهر أمتي خليفة... الحديث.
القسم الثالث : الأخبار الدالة على تطبيق المهدي (ع) للإسلام و سنة النبي (ص) .

أخرج الطبراني في الأوسط (3) وأبو نعيم عن أبي سعيد : سمعت رسول الله (ص) يقول : يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنتي . الحديث .

وأخرج – يعني نعيم بن حماد -(4) عن علي عن النبي (ص ) ، قال :

 المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي ، كما قاتلت أنا على الوحي .

وأخرج ابن حجر في الصواعق (5) قال : وصح انه (ص) قال : يكون اختلاف عند موت خليفة ...إلى أن قال : ويعمل في الناس بسنة نبيهم (ص) ويلقى الإسلام بجرانه على الأرض .


صفحة (65)
ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ص126 وكذلك الخبر الذي يليه . (2) المصدر ص131.

(3) المصدر والصفحة  (4) المصدر ص148. (5) انظر ص98.

 

 

وروى الشيخ الطوسي في الغيبة (1) عن أبي جعفر الباقر (ع) ، قال : ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد (ص) .. الحديث .

 واخرج أبو يعلى(2) عن أبي هريرة قال : حدثني خليلي أبو القاسم  (ص) قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي  ، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق ... الحديث . أقول : الحق في نظر رسول الله هو الإسلام .

وروى الشيخ المفيد في الإرشاد(3) عن المفضل  بن عمر الجعفي ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم لى حقه ، وأن يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله .... الحديث .

 

القسم الرابع : من لأخبار ، ما دل على أن المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً .

 وهي أخبار متوترة مروية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل .وهم يرون أن القسط والعدل هو الإسلام ليس إلا ، فيكون المعنى اعتناق وتطبيق الإمام المهدي (ع) للإسلام عقيدة ونظاماً .

وقد أحصى الصافي في منتخب الأثر (4) لهذه العبارة الكريمة مائة وتسعة وعشرون حديثاً ، وقد روتها المصادر العامة بكثرة بما فيها الصحاح كأبي داود وابن ماجة والترمذي إلى مصادر أخرى كثيرة ذكرناها في التاريخ السابق(5) مضافاً إلى مصادر علماء الإمامية ومصنفيهم فإنها أكثرمن أن تحصى .

 

صفحة (65)
ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 283 (2) الحاوي للفتاوي ص131

(3) انظر ص 342 وما بعدها. (4) انظر ص478.

 ·    (5) تاريخ الغيبة الكبرى ص281 وما بعدها .

وسيأتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ما يزيد هذه الأخبار بأقسامها الأربعة وضوحاً.

وهذها الأسلوبان من الإستدلال على حقيقة الدين الذي يتخذه المهدي (ع) ثابتان بغض النظر عن الدليل القائم على أساس التخطيط الإلهي والقائل بأن الأطروحة العادلة والكاملة المطبقة في اليوم الموعود في دولة المهدي (ع) هي الإسلام .وتصلح نتيجة هذين الأسلوبين للإستدلال على هذه الحقيقة . بأن نقول:

إن المهدي (ع) يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية ، كما ثبت في التخطيط العام وهو يعتنق ويطبق الإسلام . كما ثبت بهذين الأسلوبين الأخيرين .....إذاً فالإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة .

وكذلك يصح الإستدلال بالعكس ، بأن نغض النظر عن هذين الأسلوبين ونتساءل من جديد عن حقيقة الدين الذي يعتنقه المهدي ( ع) فنقول : إن المهدي يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته ، كما ثبت في التخطيط العام .والإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة ، كما  استدللنا في التاريخ السابق (1) وسيأتي الحديث عن ذلك في الكتاب الآتي أيضاً ...إذاً ، يثبت أن الدين الذي يعتنقه المهدي (ع) ويطبقه هو الإسلام ، إذ لا يحتمل أنه يطبق الإسلام وليس بمسلم ...فإن التطبيق الإسلامي سوف لن يكون تاماً وعادلاً إلا إذا كان الرئيس الأعلى مسلماً ، كما ثبت في الفقه الإسلامي .ويصلح أن يكون هذا أسلوباً ثالثاً إلى جنب الأسلوبين السابقين .

إذاً ، فهاتان الحقيقتان وهما :

1- إن دين المهدي (ع) هو الإسلام .

2- إن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة يمكن الإستدلال بإحداهما على الأخرى ، بعد أخذ إحداهما مسلمة والأخرى محلاً للإستلال ، وكلتاهما مدعمتان بأدلة أخرى غير هذه .

وإذا تبرهن على أن المهدي (ع) يطبق الإسلام في اليوم الموعود .باعتبار النظام الذي يتكفل  العدل الكامل... فإنه يترتب على ذلك عدة نتائج فيما إذا قورنت دولته بالدولة الحاضرة . وهذا ما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب ، ونذكر الآن بعضها على سبيل المثال .

 

 صفحة (67)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 261 منه.
 

منها: توحيد المعتقد الديني في العالم بدين الإسلام ، طبقاً لقوله تعالى :

" من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " على أساس أن هذا الدين هو الذي ينظم العالم ويحل مشاكله ويحقق له العدل الكامل . ويأتي هذا التوحيد تحت ظروف معينة يهيؤها القائد المهدي ، نشير إليها في مستقبل البحث .

ومنها : أن العالم سوف يحكم بأطروحة قانونية واحدة ،لا يحق فيها التجزئة ولا يجوز عليها الخروج .

ومنها اتحاد السياسة والدين في سير التطبيق و التاريخ ، كما كان عليه الحال في زمن النبي