القسم الثاني
حوادث الظهور وإقامة الدولة العالمية
إلى وفاة المهدي عليه السلام
وتندرج في هذا القسم عدة أبواب
الباب الأول
في معنى الظهور وكيفيته وما يليه من الحوادث
إلى حين مسير الإمام المهدي(عج) إلى العراق
ويتم الكلام في ذلك ضمن عدة فصول
حين ينتج التخطيط الإلهي العام لعصر الغيبة نتيجته ، ويتمخض عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالحق والعدل ، يترتب على ذلك نتيجتان كبيرتان :
النتيجة الأولى : إمكان الحفاظ على حياة الإمام المهدي (عج) بالطريق الطبيعي الإعتيادي ، بالرغم من معروفيته وانكشاف حقيقته للناس ، وذلك لوجود العدد الكافي من الأفراد الذين يمكنهم بإخلاص أن يذودوا الأخطار بعون الله عز وجل عن إمامهم وقائدهم العظيم .
وبذلك ترتفع الحاجة إلى الغيبة بكلا شكليها : الإعجازي والطبيعي ، اعني(أطروحة خفاء الشخص) الإعجازية و(أطروحة خفاء العنوان ) الطبيعية ومع ارتفاع الحاجة إلى الغيبة ، لا معنى لإستمرارها .
بل سيكون استمرارها مانعاً عن تحقيق الغرض الإلهي المطلوب في اليوم الموعود ، ومن هنا تكون محرمة على الإمام المهدي (عج) ....باعتبار أنه يجب عليه بحكم الله عز وجل تنفيذ ذلك الغرض الذي ذخر من أجله، وقد أصبح بعد نجاز التخطيط ممكناً .
فكل ما يكون مانعاً عنه أو حائلاً عن تنفيذ مما يعود إلى عمله الشخصي واختياره ، يكون محرماً عليه .
النتيجة الثانية : إمكان الفتح العالمي بالحق والعدل ، بهذا العدد الكافي المهيأ لهذه المهمة .وهو ما لم يتوفر لأحد من الأنبياء والأولياء والعظماء والمصلحين السابقين عليه (ع) .وإنما شارك كل واحد منهم بقسط من الأعداد طبقاً للتخطيط العام .وبقيت النتيجة مؤجلة ومنوطة بالمهدي (عج) عندما يتمخض هذا التخطيط عن نتائجه .
صفحة
(191)
وإذ يكون الفتح العالمي بهذا العدد المتوفر ممكناً ويكون واجباً لا محالة طبقاً للتكليف الإسلامي في كل زمان ومكان ، والمتكون من أمرين :
الأمر الأول : أن الفتح الإسلامي لأي مقدار ممكن من الأرض المسكونة ، واجب ...طبقاً لمفاهيم وأحكام الجهاد المنصوصة في الكتاب والسنة .فإذا كان الفتح لمجموع الكرة الأرضية ممكناً كان واجباً لا محالة .
الأمر الثاني: إن امتثال كل تكليف في الإسلام ، بما فيه وجوب الفتح الإسلامي منوط في الشريعة بإمكان حصوله وتوفر مقدماته ...فمتى كان المكلف قادراً على امتثال التكليف- أياً كان – وجب عليه وكان معاتباً ومعاقباً على تركه وإذا كان الفرد عاجزاً عن الإمتثال ، باعتبار قصوره أو قصور فيه أو في الظروف المحيطة به ، كان التكليف ساقطاً عن الذمة .لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .وليس معنى عدم وجود عدم وجود التكليف في الشريعة ، وإنما معناه إناطته بحال القدرة والإستطاعة .
إذا عرفنا ذلك ، استطعنا أن نشخص بوضوح أن النبي (ص) والأئمة المعصومين الماضين (ع) ، حيث لم يكن لديهم العدد الكافي من الأفراد لغزو العالم بالعدل ، كان التكليف به ساقطاً عنهم .لأن الغزو في تلك الظروف الت يعاشوها لم يكن ممكناً إلا بالمعجزة ، وهو ما لم تقم الدعوة الإلهية على اتخاذه على طول التاريخ
... بل كان يقتصر كل منهم على المقدار الممكن له من الأعمال المؤثرة في إقامة الحق .وقد كان للنبي (ص) عدداً كافياً لفتح منطقة من الأرض ، فكان يجب عليه المبادرة إلى ذلك ، وقد كان (ص) على مستوى المسؤولية فأدى تكليفه على أحسن وجه ،وبذلك انتشر الإسلام .
ثم إن الله عز وجل خطط خلال عصر الغيبة ،كما عرفنا ، لوجود العدد الكافي من المخلصين لغزو العالم ... وإن التكليف بذلك عند نجاز هذا الشرط ، وسيكون هذا التكليف متوجهاً إلى الإمام المهدي(عج) وسيكون هو على مستوى المسؤولية وفي أعلى مراتب الحكمة وأفضل أشكال القيادة ...بعد الذي عرفناه من آثار طول الغيبة في ترسيخ وتعميق القيادة لديه .
وعلى أي حال ، فسيكون الظهور والقيام بالسيف أو التحرك العسكري من قبل الإمام المهدي ، عند نجاز التخطيط، متعيناً لازماً ، بحسب الوعد الإلهي في القرآن الكريم ، والغرض الأسمى من خلق البشرية ، وبحسب التكليف الإسلامي للإمام المهدي نفسه .
وليس الإمام وحده مكلفاً ، بل مع تحقيق الإمكان ، تكون كل البشرية مكلفة بذلك .كل ما في الأمر ، أن من يكون على مستوى المسؤولية الكاملة لإطاعة هذا الحكم وتنفيذه ، هو الإمام المهدي (ع) وأصحابه ...دون الكفار والمنحرفين الذين يكون العدل منافياً لمصالحهم الشخصية .
ومن هنا أيضاً ، كان من اللازم على كل فرد التجاوب مع ثورة المهدي (ع) بأقصى إمكانه ، فإن استطاع الجهاد العسكري وجب ،وإلا فعليه التجاوب مع مفاهيمه وقوانينه وتطبيقها تطبيقاً دقيقا .
صفحة (192)
الفصل ألأول
واسلوب معرفة المهدي (ع) للوقت الملائم
للظهور معنيان مقترنان يصدقان معاً بالنسبة إلى المهدي (ع) ، طبقاً للفهم الإمامي
.ويصدق أحدهما طبقاً للفهم الآخر .وله معنى ثالث لا يصدق إلا في زمن متأخر نسبياً .
المعنى ألأول : أن يراد من الظهور : البروز والإنكشاف بعدالإحتجاب والإستتار .
وهذ ما يحصل فعلاً بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) عند تعرف الناس إليه بعد غيبته واستتاره ، وهو خاص بالفهم الإمامي الذي يرى حصول الغيبة .
المعنى الثاني : أن يراد بالظهور : إعلان الثورة (في منطق العصر الحاضر) أو القيام بالسيف (في منطق العصر القديم) .وهو صادق بالنسبة إلى المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره .لوضوح كونه عليه السلام الثائر الأكبر ضد الظلم والطغيان والتخلف على وجه الأرض .
ومن هنا نعرف أن كلا المعنيين صادقين من زاوية (إمامية) ، إذ نجد الإمام المهدي (ع) يظهر بعد الإستتار ثائراً على الظلم والطغيان .
المعنى الثالث : أن يراد الظهور :الإنتصار والسيطرة ، يقال: ظهرعليه إذا انتصر ضده وسيطر عليه . وهذا المعنى يصدق عند استتباب الأمر للمهدي (ع) على العالم كله ، وهو غيرما نريده من كلمة الظهور .إذن فينحصر معنى الظهور في لحظاته الأولى ، بالمعنيين الأولين .
ونحن حين ننظر إلى الظهور مقابلاً للغيبة والإحتجاب ، نحتاج إلى التساؤل عن كيفيته وطريقة تحققه .كما أننا حين ننظر إلى الظهور بوصفه ثورة عالمية وتنفيذاً لليوم الموعود ، نحتاج إلى التساؤل في اسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) للوقت الملائم له .
وطريقة اطلاعه على تمخض التخطيط الإلهي عن نتائجه .
صفحة (195)
فباعتبار هذين التساؤلين ، ينبغي أن نتكلم في جهتين :
الجهة الأولى : في كيفية الظهور بعد الغيبة .
وإذا نظرنا إلى الظهور من هذه الزاوية ، نجد أن له معنيين مقترنين عملي ونظري يصدقان معاً :
المعنى الأول : وهو المعنى العملي ....وهو أن يرى الناس الإمام المهدي (ع) في أول ظهوره ، فيعرفهم بنفسه ويكشف لهم عن صفته الحقيقية ، ويطالبهم بنصره ومؤازرته .وهذا ما سنعرف تفاصيله في هذا القسم من التاريخ .
المعنى الثاني : وهو المعنى النظري ... ويتلخص بارتفاع الغيبة التي كان عليه السلام قد اتخذها مسلكاً لنفسه ، طبقاً للتخطيط الإلهي ...سواء كان معنى الغيبة هو (اطروحة خفاء الشخص) أو (أطروحة خفاء العنوان) اللذين شرحناهما في التاريخ السابق ، فيكون شخصه مكشوفاً وعنوانه معروفاً ..تقديماً لإنجاز مهامه العالمية ، المتوقعة منه منذ الآن .
فإن صحت (أطروحة خفاء الشخص) الإعجازية ، كان معنى الظهور ارتفاع المعجزة عنه وانكشاف جسمه للناس ، مضافاً على ضرورة تعريفه إياهم بنفسه وإطلاعهم على حقيقته .فإن هذه المعجزة إنما كانت سارية المفعول في إخفائه لأجل حفظه من الأعداء والطوارىء ليتولى القيادة الكبرى في اليوم الموعود .فإذا حل اليوم الموعود ، واجتمعت شرائطه ، لم يكن لبقاء ذلك الإختفاء من موضوع .
وإن صحت (أطروحة خفاء العنوان) التي هي طريق لحفظ الإمام يغني عن الطريق الإعجازي ، إلا في أوقات الخطر، كما سبق أن ذهبنا إليه في التاريخ السابق ... وكل ما في الأمر أنه عليه السلام يعيش (بشخصية ثانوية) متكونة من اسم مستعار وعمل معين واسلوب في الحياة غير ملفت للنظر ولا يمت إلى الإمامة والقيادة بصلة .
ومقتضى هذه الأطروحة أنه ليس هناك اي إعجاز في الإختفاء ليحتاج إلى زواله، بل يكفي في الظهور : أن يبدل المهدي (ع) شخصيته الثانوية بشخصيته الحقيقية ، ويعرف الناس بصراحة بصفته الواقعية ، ويقيم الحجة على ذلك ، بالأسلوب الذي سوف يأتي .
فيثبت باليقين على أن هذا الشخص الذي كان يسمى بفلان ويعمل كيت ، إنما هو المهدي الموعود .وقد باشر من الآن مهماته الكبرى .
صفحة (196)
ويؤيد ذلك من الأخبار ما رأيته في بعض المصادر التي لا تحضرني الآن من أنه عليه السلام حين يظهر ، يقول عدد من الناس : أننا كنا رأينا هذا الشخص قبل هذا . اقول: وهو أيضاً من الأخبار الصريحة في نفي الأطروحة.
وهنا ينبغي أن نتذكر ما عرضناه من أسلوب تعرف (السفياني) على تحركات المهدي (ع) ومطاردته له في عصر غيبته ... فإنه مما لا موضوع له مع صدق الأطروحة الأولى .فتكون كل الأخبار الدالة على ذلك دالة على صدق الأطروحة الثانية .
ومعه فإتماماً للفهم العام السابق ، نفهم : أن هذا الشخص الذي كان السفياني يطارده ،وقد حصل الخسف من أجله ،ولم يؤثر موقف (النفس الزكية) في ترجيح كفة الميزان الإجتماعية إلى جهته ، إن هذا الشخص سوف يذهب إلى المسجد الحرام فيعلن عن شخصيته الحقيقية ،ويطلب من الناس نصرته والفداء في سبيل أهدافه ، ضد السفياني وغير السفياني من الطغاة الظالمين .
الجهة الثانية : في أسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) بالوقت المناسب للظهور ، ذلك الوقت الذي يكون التخطيط الإلهي قد انتج به نتائجه الكبرى .
والسؤال عن ذلك ينبغي أن يتوجه تارة إلى الفهم غير الإمامي للمهدي وأخرى إلى الفهم الإمامي عنه .
أما طبقاً للفهم غير الإمامي ،وهو أن المهدي رجل يولد في عصره ، فيوفق للثورة العالمية ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً .
فطبقاً لذلك لا نكاد نحس بالحاجة إلى السؤال ، إذ يكون شأن المهدي شأن أي قائد آخر تتوافر له الظروف الموضوعية للثورة ، ويدرك إمكان نجاح حركته ، كما يدرك أي قائد ذلك لنفسه ،وإنما يبقى الفرق بينه وبين سائر القادة ، بأمرين :
الأمر الأول : أنه بينما يفسر سائر القادة الأوضاع الإجتماعية .من زواياهم الشخصية ، وينظرون الظروف والفرص من منظار مصالهم الخاصة .فإن المهدي .ينظر إلى ذلك من زاوية مصالح الإسلام الذي هو (الأطروحة العادلة الكاملة ) الذي يخرج البشر من الظلمات إلى النور والحق والعدل .
صفحة (197)
الأمر الثاني :أنه يتلقى الإلهام من الله عز وجل ،ويكون مؤيداً ومسدداً من عنده كما يذهب إليه أبن عربي في الفتوحات المكية (1) وغيره ، وإن لم نجد دليلاً واضحاً على ذلك من المصادر العامة ، مما اضطر ابن عربي ان ينسبه إلى (الكشف الصحيح) دون الكتاب الكريم والسنة الشريفة .
ونحن ذهبنا في التاريخ السابق(2) إلى صحة ثبوت الإلهام للمهدي ... لكن ذلك باعتبار الفهم الإمامي .وإما طبقاً للفهم الآخر فيكاد أن يكون اثباته متعذراً .
وأما التعرف على إنتاج التخطيط الإلهي لشرائط الظهور ، فيكون هذا موكولاً إلى الله تعالى وحده .ومن هنا سيقدر ميلاد المهدي في الزمان الذي يكون نضجه الكامل شخصياً مساوقاً ومعاصراً مع انتاج التخطيط واجتماع الشرائط .فإذا حان الوقت ، فسيعرف المهدي بفطنته وجود الفرصة المؤاتية والعدد الكافي من الأفراد لغزو العالم متوفراً ، فيصدع بمهمته الكبرى .
وأما لو أخذنا بالفهم الإمامي ، فسيكون هذا السؤال وجيهاً ...باعتبار أن أيام الغيبة متساوية النسبة بالنظر السطحي ، تجاه موعد الظهور ، فلا يكون في بعض الأيام الأولى من بعض لإنجاز ذلك .ما لم يحصل هناك علم إضافي أو انتباه خاص حول الموضوع .
وهذا العلم ولا شك في أنه سيحصل للإمام الغائب (ع) ، فإن الله عز وجل بحكمته الأزلية وتخطيطه العام سيمكن المهدي (ع) من العلم بموعد ظهوره ، لتوقف نجاحه عليه ، وتوقف تنفيذ الوعد الحق والغرض الأسمى على الظهور ، فيتوقف ذلك الغرض على العلم بحلول الموعد ،فيكون علمه عليه السلام ضرورياً بالبرهان .
وإنما ينفتح السؤال عن اسلوب علمه ذلك ،وأنه هل هو بطريق إعجازي أو طبيعي؟ وهو ما أجابت عليه جملة من الأخبار الخاصة .فتحصلت عندنا عدة أطروحات في مقام الجواب على ذلك ...وقد لا تكون متنافية فيما بينها . بل في الإمكان صدقها جميعاً لو صحت بالدليل عليها ، وتم عليها الإثبات التاريخي .
الأطروحة الأولى : أن يكون علم المهدي (ع) بموعد ظهوره وثورته ، بنحو الرواية عن آبائه المعصومين عن جده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .
وتتصور هذه الرواية على أشكال ، تكون كل واحدة في واقعها منها أطروحة مستقلة .
صفحة (198)
ـــــــــــــــــ
(1) ج3 ص327وما بعدها .
(2) ص505 وما بعدها .
الشكل الأول : أن يحدد له الزمان في تاريخ معين ، في ساعة من يوم من شهر من عام بعينه ....يكون معلوماً عنده مجهولاً عندنا .
الشكل الثاني : أن تحدد له حادثة معينة أو عدة حوادث ، تكون معاصرة للموعد المطلوب في حكمة الله عز وجل وتخطيطه ، كمقتل النفس الزكية أو الخسف أو أي شيء آخر .
الشكل الثالث : أن يوصف له جيل معين ، بأسماء أشخاصه وأعمالهم أو أحد منهم أو أكثر ، ويكون الموعد نقطة معينة من عمر ذلك الجيل .
إلى غير ذلك من الأشكال ... كلها ممكنة ومحتملة ، إلا أنه لم يدل عليها نص معين في القرآن الكريم ولا السنة الشريفة ، بحسب تتبعنا . غير أن توقع وجود نص على ذلك مما لا معنى له ، لأن النص لا يرد إلا فيما أريد إبلاغه إلى الآخرين ، إلى الناس .وأما ما كان خاصاً بشخص المهدي (ع) فلا معنى لوروده في دليل عام ، أعني واسع الإنتشار . ومعه فتبقى هذه الأطروحة ذات احتمال محترم .
وهذا هو أحد الفروق الرئيسية التي تمتاز بها الأطروحة الإمامية عن غيرها . إذ لا يتصور بمن يوجد متأخراً عن صدر الإسلاك ، أن يتحمل مثل هذه الرواية ، دون أن تشتهر وتتناقلها الألسن .
الأطروحة الثانية : أن يكون علم الإمام المهدي (ع) بموعد ظهوره إعجازياً ، بمعنى أنه يحين الموعد الذي يراه الله عز وجل صالحاً للظهور وانتصار الثورة العالمية ، فإنه عز وجل يحقق أمام الإمام المهدي (ع) معجزة بشكل وآخر توجب إلفاته إلى ذلك ...كما سنسمع .
وذلك بأحد أسلوبين ، أو بالأسلوبين معاً ، وإن لم يكن أحدهما مغنياً عن الآخر .
الأسلوب الأول : وهو أوضحهما وأصرحهما بالإعجاز . ما لم يحمل على الرمز ، لو أمكن .
فمن ذلك :ما أخرجه الواندي (1) مرسلاً عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ،في حديث عن القائم يقول فيه:
صفحة (199)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الخرايج والجرايح ص198
إذا كان وقت
خروجه انتشر العلم بنفسه فناداه العلم ك اخرج يا ولي الله ، اقتل أعداء الله ، وله
سيف الله ، إذا حان وقت خروجه اقتلع السيف من عنده (غمده) فناداه السيف : أخرج يا
ولي الله .فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله ،وروى ذلك رسلاً مكرراً أيضاً
(1).
وهذا ألاسلوب ، كما ترى ، فيه عدة نقاط ضعف :
النقطة الأولى :أن رواياته قليلة ، وكلها مرسلة ، لم يذكر لها الراوندي أي سند ، ومعه فلا يمكن الأخذ بها طبقاً لأبسط وأوضح الموازين .
النقطة الثانية: أنها منافية لقانون المعجزات ، القائل بأن المعجزة لا تقوم مع إمكان وجود البديل الطبيعي عنها، المنتج لنفس النتيجة .ومن المعلوم بوضوح ، وجود البديل عن أمثال هذه المعاجز المنقولة من هذه الأخبار. فإن معرفة الإمام لمهدي (ع) بموعد الظهور لا ينحصر بها ، ولا يتوقف عليها ، بعد إمكان الأطروحة الأولى والثالثة ، اللتان ترجعان إلى معنى طبيعي غير إعجازي .
النقطة الثالثة: أنها مبتنية على المفاهيم القديمة في تصور الحرب ، وأن سلاح الإمام المهدي (ع) في ظهوره سوف يكون هو السيف على التعيين ، وإن قيادته سوف تكون بالراية وهي العلم الكبير.وكل هذا مما ثبت بالوجدان تغيره وتطوره .
وقد يخطر في الذهن : أننا سنحمل فيما يلي من البحث معنى السيف على كل سلاح ،ونحمل معنى الراية على القيادة العقائدية ككل ... فلماذا لا نحملها هنا على ذلك أيضاً؟.
والجواب على ذلك: أن من الأخبار ما يكون قابلاً للحمل على ذلك ، وبعضها ما يكون كالصريح فيه ، كما سنسمع .وأما مثل هذه الأخبار المرسلة . فلا يمكن أن تحمل على ذلك ... لوضوح أن القيادة المعنوية لا يتصور فيها النطق والكلام ، حتى وإن كان إعجازياً . كما أن حمل السيف على المدفع أو الصواريخ الموجهة مثلاً ، فتكون هي الناطقة بدل السيف ... بعيد جداً ، كما هو واضح .
الأسلوب الثاني : أن الإمام المهدي (ع) يعرف .موعد ظهوره عن طريق الإلهام .
فمن ذلك : ما أخرجه الصدوق في إكمال الدين (2) عن عمر بن إبان بن تغلب ، قال:
صفحة (200)
ـــــــــــــــــ
(1) المصدر ص129 وص162
(2) انظر المصدر المخطوط .
قال أبو عبد الله (ع) : يأتي على الناس زمان ...إلى أن قال : فإذا أراد الله عز وجل إظهار أمره ، نكت في قلبه نكتة فظهر .... الحديث .
والنكت في القلب هو الألهام ، كما تفسره الأخبار الأخرى .
أخرج الكليني في الكافي(1) بسنده عن علي السائي عن أبي الحسن الأول موسى عليه السلام .قال :
مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث .فأما الماضي فمفسر ، واما الغابر فمزبور .وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع ،وهو أفضل علمنا ، ولا نبي بعد نبينا .
واخرج أيضاً (2) بسنده عن المفضل بن عمر ، قال:
قال قلت لأبي الحسن عليه السلام عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : أن علمنا غابر ومزبور . ونكت في القلوب ونقر في الأسماع . فقال : أما الغابر فما تقدم من علمنا .وأما المزبور فما يأتينا .وأما النكت في القلوب فإلهام .وأما النقر في الأسماع فأمر الملك .
ولهاتين الروايتين فهمهما الخاص . الذي يخرج بنا عن الصدد . والذي يهمنا الآن هو الرواية الثانية تفسر النكت بالقلوب بالإلهام(3) .وتسميه الأولى : القذف في القلوب ،وتصرح بأنه أفضل العلم الواصل إليهم عليهم السلام .
وهذا المعنى عام لكل الأئمة عليهم السلام ، بما فيهم المهدي (ع) طبقاً للفهم الإمامي له ، الذي ننطلق منه الآن .إذن ، فيكون الإمام المهدي (ع) ملهماً في تحديد وقت ظهوره ، بدون حاجة إلى تحديد سابق يرويه عن آبائه عليهم السلام .
وقد سمعنا في التاريخ السابق(4) من ألأخبار ما دل على أن الإمام إذا شاء ان يعلم شيئاً اعلمه الله تعالى ذلك وهو يسند مضمون هذه الأخبار أيضاً . ولا شك أن المهدي (ع) يريد طوال ايام غيبته أن يعلم وقت ظهوره ، فيلمه الله تعالى بالموعد عند حلوله ، عن طريق الإلهام أو نحوه من أساليب العلم التي أشارت إليها تلك الروايات .
صفحة (201)
ـــــــــــــــــ
(1) أنظر المصدر المخطوط ، باب : جهات علوم الأئمة (ع) .
(2) المصدر والباب نفسيهما .
(3) الإلهام :وصول المعنى إلى الذهن بدون لفظ .والوحي وصوله مع اللفظ وهو خاص بالأنبياء .
(4) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى ص: 515.
وإذا غضضنا النظر عن هذا المعنى (الإعجازي) للنكت في القلب ....أمكننا أن نحمله على عدة معاني طبيعية اعتيادية نذكر منها اثنان :
المعنى الأول : معنى عاطفي .وهو الغضب لله عز وجل ، وللعدل ...عند بلوغ انحراف من المسلمين غايته، ويكون هذا الغضب هو المعنى الحادث في قلبه عليه السلام يحمله على الخروج .
إلا أن هذا المعنى بمجرده غير كاف في تبرير الظهور ، فإن غضبه لله عز وجل وللعدل موجود على الدوام ما دام عصر الإنحراف موجوداً . إلا أنه يحتاج إلى العلم بانتصار حركته وثورته عند ظهوره .وهذا ما يحرز بالأطروحة الأولى والثالثة .
المعنى الثاني : معنى عقلي ،وهو علم المهدي (ع) باجتماع شرائط الظهور وتكامل علاماته .وهذا المعنى راجع إلى الأطروحة الثالثة التي سنذكرها .وإذا كان المراد من الخبر السابق على هذا المعنى ، كان دليلاً على ما سنقوله في الأطروحة الثالثة ، ولا يكون دالاً على معنى إعجازي .
وعلى أي حال، فهذا الخبر الذي دعمنا به الأطروحة الثانية ، لم تثبت وثاقة رواته ، ولم نجد غيره بمضمونه، فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي .ومعه لاتتم هذه الأطروحة .
الأطروحة الثالثة : ان المهدي (ع) يشخص وقت الظهور بخبرته الخاصة ... بعد أن كان تلقى أسسه العامة عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وينبغي أن نتحدث عن إثبات هذه الأطروحة ، ضمن عدة أمور :
الأمر الأول : أن نعدد بشكل موجز شرائط الظهور .وأهم ما يتمخض عنه التخطيط الإلهي العام السابق على الظهور من نتائج ، مما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق وهذا التاريخ ...،يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
الأول : وجود القيادة المتكاملة التي تقوم بمهام يوم الظهور ونشر العدل في العالم كله .
الثاني: وجود القانون العادل ،أو الأطروحة العادلة الكاملة ، التي تتكفل حل كل مشاكل البشرية وتستأصل جميع مظالمها .
صفحة (202)
الثالث: وجود العدد الكافي من الأفراد لفتح العالم على أساس العدل ، واستمرار حكمه على هذا الأساس .
الرابع : بلوغ الأمة الإسلامية ككل، إلى درجة النضج الفكري والثقافي .
بحيث تستطيع أن تستوعب وتتفهم القوانين والأساليب الحديثة التي يتخذها المهدي (ع) في دولة الحق والعدل
الخامس : تطرف انحراف المنحرفين ، إلى حد يكون على مستوى نبذ الشريعة الإسلامية وعصيان واضحات أحكامها .
السادس : يأس العالم أو الرأي العام العالمي ، ككل ، من الحلول المدعاة للمشاكل العالمية عن طريق الإسلام ..كما سبق أن برهنا .
إلى غير ذلك من النتائج .وهذه أهمها مما يمت إلى محل الحاجة بصلة .وهذه الشرائط ولواحقها كلها تكون مجتمعة ومتعاصرة ، نتيجة للتخطيط الإلهي العام . قبيل الظهور مباشرة ، ويكون الظهور كاشفاً لنا عن اجتماعها ....كما تكشف بعض الحوادث السابقة عليه عن بعضها .
الأمر الثاني: أن هناك أساليب عامة لتفسير وجود العلم لدى الإمام المعصوم (ع) ، شاملة للإمام المهدي (ع) طبقاً للفهم الإمامي الذي نتحدث عنه على طبقه الآن .وقد وردت أخبار المصادر الخاصة .وهي تصلح لتفسيرعلمه بأي من هذه الأمور .كالإلهام والنقر في الأسماع ، وقاعدة : إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً اعلمه الله تعالى ذلك .وقاعدة : أن أعمال العباد تعرض على ألإمام كل جمعة .ويرى فيها رأيه النهائي في كل عام في ليلة القدر .
ولا نريد الدخول الآن في إثباتات ذلك ولعل بعض ما سبق في هذا الكتاب والذي قبله ما يصلح لذلك .إلا أننا نريد التجاوز عن كل هذه الأساليب، طمعاً في أن يتخذ البحث الشكل الطببعي المألوف . وقد لا تكون هناك منافيات بين الأسلوبين الإعجازي والطبيعي ، لكي يكون أحدهما نافياً للآخر .
الأمر الثالث : أننا إذا تجاوزنا عن تلك الأساليب العامة ، وحافظنا على الفهم الإمامي لفكرة المهدي ، مع فهم الغيبة طبقاً لأطروحة خفاء العنوان ، الذي سبق أن فهمناها وبرهنا عليها .
صفحة (203)
إذا لاحظنا كل ذلك ينتج لدينا كون الإمام المهدي (ع) شخصاً طويل العمر معاصراً
لمئات الأجيال البشرية مذخوراً لإقامة العدل الكامل في العالم كله ، متصلاً بالناس
خلال عصر غيبته بدون أن يعرفوه مواكباً لأخبارهم وورائهم عارفاً بآلامهم وآمالهم .
وإذا فهمنا المهدي (ع) بهذا الشكل استطعنا أن نستوعب بكل سهولة ووضوح علمه بكل هذه الأمور ، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه .فإننا لا ينبغي أن ننزل في التصور عن الشخص العبقري والمفكر الألمعي ، فإن الفرد العبقري قد يطلع على عدد من جوانب تلك الخصائص ، وإن تعذرت إحاطته الكاملة بها ، بطبيعة الحال ... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب الصفات الكبيرة والمميزات الجليلة . وبخاصة إذا كان للإمام (ع) اهتمام خاص بتتبع هذه الخصائص ومواكبة وجودها التدريجي ، حتى تصل إلى درجة الكمال .وهذا الإهتمام موجود بكل أكيد ، باعتبار حرص الإمام المهدي (ع) بمعرفة موعد ظهوره أكثر من أي شخص آخر .
ليس هذا فقط اعني أن المهدي (ع) لا يكتفي فقط بمجرد العلم بالحوادث والإطلاع على التفاصيل ، بل هو مكلف – في بعض الحدود التي عرفناها في التاريخ الاسبق(1) - بالمشاركة بالبناء الإجتماعي الخّير ودفع البوائق والكوارث عن الأمة الإسلامية .ومعه فلا يكون فقط عالماً بتحقيق تلك الخصائص كفرد عبقري ، بل هو مشارك في وجودها لأخبارها مواكبة داخلية ، لو صح التعبير ، وهوأفضل أشكال العلم (الطبيعي) ، وأكثرها تفضيلاً ودقة .
وهذا هو الذي يفسر لنا علمه (ع) بكل الأمور الستة ، كما هو غير خفي على القارىء الذكي ....مع وجود بعض المميزات في عدد من النقاط ، نشير إليها فيما يلي :
أولاً : بالنسبة إلى الأمر الأول ،يعتبر وجود القائد أمراً وجدانياً للمهدي (ع) باعتباره يرى نفسه هو ذلك القائد بطبيعة الحال ، ويعرف ذلك بالضرورة .
ثانياً : بالنسبة إلى الأمر الثاني : يتم تلقي أساس الشريعة وقواعدها العامة ، بنحو الرواية عن آبائه عن النبي (ص) ...وإن كان (ع) يطلع على عدد من التطبيقات عن طريق العلم (الطبيعي) الذي أشرنا إليه .
صفحة (204)
ـــــــــــــــــ
(1)انظر ص53
ثالثاً : بالنسبة إلى الأمر الثالث :وهو وجود العدد الكافي من المؤيدين والأنصار ، يكفي في إطلاعه (ع) على تكاملهم عدداً وإخلاصاً ، نفس الطرق السابق ، مع ملاحظة اهتمامه الدائم والدائب عن الفحص عن ذلك ، ويفوق هذا الأمر الثالث غيره نقطة قوة مهمة ، هو ما أشرنا إليه في التاريخ السابق (1) ، من أنه (ع) يجتمع بالناجحين الكاملين بالتمحيص ويعرفهم على حقيقته ، انطلاقاً من عدة أدلة أهمها الفكرة القائلة أن المانع عن التعرف على الإمام إنما هو الذنوب وأنحاء القصور والتقصير، فإذا ارتفع كل ذلك ، كان التشرف بخدمة الإمام ممكناً وسهلاً .إلا أن ذلك خاص بالمخلصين من الدرجة الأولى من درجات الإخلاص الأربع التي ذكرناها هناك(2) .
ومعه يكون تعرفه(ع) على هؤلاء الممحصين وعددهم ودرجة إخلاصهم ، تعرفاً مباشراً ، بالمشاهدة والوجدان .
نعم ، قد يبقى تعرفه على الناجحين في التمحيص من الدرجات الأدنى من ذلك . متزقفاً على الطريق (الطبيعي) الذي ذكرناه .
رابعاً : بالنسبة إلى الأمر الخامس، وهو تطرف انحراف المنحرفين ، يحتوي على شواهد كثيرة ، أعلاها مطاردة الإمام المهدي (ع) بالجيش الذي يخسف به ومقتل النفس الزكية ...وقد تكون هناك شواهد أخرى لدى الإمام المهدي (ع) لم ترد في النقل .
هذا ، واما بالنسبة إلى الأمرين الخامس والسادس ، فيبدو أنهما يقتصران على ذلك الطريق الطبيعي، وليس فيهما مزية زائدة ...وهو كاف تماماً في تفسير كيفية علم الإمام المهدي ( ع) بهما .
هذا وينبغي ان نلتفت بهذا الصدد ، أن للأمور الأربعة من هذه الستة التي أسلفناها مستويين من الإثبات :
المستوى الأول : تشخيص ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الإسلامية من مستوى هذه الصفات ، لتكون مؤهلة لتنفيذ اليوم الموعود .
صفحة (205)
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص152.
(2) المصدر ص248.
فكم ينبغي أن يكون عدد المخلصين ليكون كافياً لغزو العالم بالعدل ..،كم ينبغي أن يكون العمق الفكري في الأمة لتكون قابلة لفهم القوانين المهدوية الجديدة ...وكم ينبغي أن يتطرف أنحراف المنحرفين وكفر الكافرين ...وكم نسبة من البشر ينبغي أن يكون يائساً من الحلول المعروضة فيعصر التمحيص والإنحراف ، كل ذلك من زاوية التشخيص النظري .
المستوى الثاني: التشخيص العملي بأن هذه الأمور التي ينبغي أن تقع والتي استهدف التخطيط العام إيجادها جميعاً ...هل وجدت ليكون الوعد ناجزاً ، أو لم توجد بعد .وما ذكرناه من طريق تعرف الإمام المهدي (ع) بالنتائج كان هذا المستوى هو المنظور فيه .
وأما طريقة علمه (ع) بالمستوى الأول ، فمن الواضح تكفل الأسلوب العام الإعجازي لعلم الإمام بتغطيته بوضوح .وأما لو تجاوزنا عنه فينبغي أن يكون علمه به ناتجاً عن خبرتين مزدوجتين .
الخبرة الأولى : ما يحصله (ع) من إطلاع على حوادث الأجيال وقوانين التاريخ ،
في خلال معاصرته الطويلة لبشرية ، كما سبق أن ذكرنا في التاريخ السابق(1)
.
الخبرة الثانية : معرفته بالمستوى المطلوب الذي سيكون عليه اليوم الموعود ، أو –
بتعبير آخر – ما سيعلنه هو في دولته العالمية من مفاهيم وقوانين وما سيقوم به من
اعمال .
وهو علم مفروض الوجود عنده (ع) ، ولا أقل من زاوية قواعده العامة وأساليبه الكلية .
ومع اجتماع هاتين الخبرتين ، يستطيع أن يتعرف على المستوى الأول بكل وضوح ، خذ مثلاً : إن كل مثقف إلى الدرجة الكافية ، يستطيع أن يشخص المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الفرد ثقافياً ليفهم كتاب ( روح القوانين ) لمونتيسكيو ، أو أن ينظم قصيدة جميلة بمناسبة زواج ما مثلاً ، كما أنه يستطيع أن يشخص مقدار قوة الإرادة والعزم الذي يكفي إرتداع الفرد عن الرشوة .
وعلى أي حال ، فقد صحت الأطروحة الثالثة القائلة بأن في إمكان المهدي (ع) أن يطلع على اجتماع شرائط الظهور بنفسه ، ولا حاجة له – بعد ذلك إلى المعجزة المنبهة له إلى ذلك ، كالأسلوب الأول من الأطروحة الثانية . بل تكون عندئذ مخالفة لقانون المعجزات .
صفحة (206)
ـــــــــــــــــ
(1) ص512وما بعدها .
في تاريخ الظهور وموعده
ويمكن أن يتم ذلك على عدة مستويات ، لا بد من عرضها ونقدها ، واختيار الصحيح منها :
المستوى الأول : في تعيين تاريخ الظهور بشكل تفصيلي يذكر فيه العام والشهر واليوم .وهذا ما لا سبيل إليه ولم يرد تحديده في أي نص . وهو المستوى الذي تكذبه أخبار نفي التوقيت ولعن الوقاتين ، التي رويناها في الباب الأول من القسم الأول من هذا التاريخ .
وقد سبق أن عرفنا أن إخفاء التاريخ التفصيلي هو أحد حلقات التخطيط التي تتيح للمهدي (ع) وأصحابه فرص النصر في مهمتهم العالمية .وذلك باعتبار توفر عنصر المفاجأة التي هي أهم اسباب عناصر النصر .
المستوى الثاني : في تعيين موعد الظهور إجمالاً .كما لو قلنا أنه يحصل متى أراد الله تعالى أو نحو ذلك ، وكل ذلك صادق إلا أنهه لا يسعفنا بشيء مهما فيما نحن بصدده .
المستوى الثالث: استنتاج التاريخ إجمالاً أو تفصيلاً . من بعض كلمات النصوص القرآنية أو غيرها ، عن طريق قواعد (علم الحروف) المسمى بالجفر وهو علم موجود عند بعض الفلاسفة والصوفية ، يدعون أنه ينتج الإطلاع على الحقائق المجهولة .ومن هنا يحسن أن نحمل عنه فكرة كافية .
صفحة (207)
وقد استعمل هذه القواعد لإستكشاف موعد ظهور المهدي (ع) جماعة من علماء المسلمين ، منهم الشيخ محيي الدين بن عربي القائل :
إذا دار الـزمـان عــلى حـروف بـبـسـم الله فالمـهـدي قامـا
ويخـرج بـالحطيم عقـيـب صـوم ألا فـاقرأه مـن عـندي السلامـا(1)
وظاهره محاولة استكشاف الموعد من الحروف التي يتكون منها لفظ : باسم الله
وقال الشيخ الكبير عبد الرحمن البسطامي :
ويـظهر منـهم المـجد مـن آل أحمد ويـظهـر عـدل الله في الـنـاس أولاً
كمـا قد روينـا عن علي الرضـا وفي كـنز علـم الحـرف أضحى محصـلا
وقال أيضاً :
ويـخرج حرف الميـم مـن بعـد شينه بمكـة نحو البيـت بالنصـر قد علا
فهـذا هـو المـهدي بالحـق ظـاهـر سـيأتي مـن الرحمن للخلق مرسلا
الخ .........الأبيات(2)
وستكون معرفة ذلك ، بطبيعة الحال ، متعذرة لغير من يتقن تلك القواعد ويجيد طريقة الإستخراج منها ،ولو كانت صحيحة .
وإن أوسع محاولة اطلعت عليها في ذلك ، هو ما قام به الشيخ المجلسي في (البحار)(3) على أثر خبر يرويه عن أبي لبيد الإمام الباقر (ع) قال:
قال أبو جعفر (ع) ك يا أبا لبيد ، إنه يملك من ولد العباس اثنا عشر... إلى أن قال : يا أبا لبيد : إن في حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً .إن الله تعالى أنزل : ألم ، ذلك الكتاب .فقام محمد (ص) حتى ظهر نوره وثبتت كلمته .وولد يوم ولد ، وقد مضى من الألف السابع(4) مائة سنة وثلاث سنين .
ثم قال : وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة ، إذا عددتها من غير تكرار ، وليس من حروف مقطعة حروف مقطعة حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه .
ثم قال : الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فذلك مائة وإحدى وستون . ثم كان بدء خروج الحسين بن علي (ع) الم الله . فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند (المص) وفقام قائمنا عند انقضائها بـ (الر) ذلك وعه واكتمه.
صفحة (204)
ـــــــــــــــــ
(1) أنظر ينابيع المودة ص499 ط النجف. (2) المصدر ص559.
(3) انظر ج13 ص132. (4) يعني من نزول آدم (ع) إلى الأرض.
وقد تكلم المجلسي حول هذا الخبر كلاماً طويلاً ، وذكر أن بعض ما أشار إليه الخبر من تحديدات ، يطابق الواقع ، كبعثة النبي (ص) .ونحن ننقل منه فيما يلي ما يمت إلى المهدي (ع) بصلة :
قال المجلسي : قوله : ويقوم قائمنا عند انقضائها بـ (الر) .
هذا يحتمل وجوهاً :
الأول: أن يكون من الأخبار المشروطة البدائية(1) ولم يتحقق لعدم تحقق شرطه . كما تدل عليه أخبار هذا الباب .
الثاني: أن يكون (يعني:الر) تصحيف (المر)(2) ويكون مبدأ التاريخ ظهور أمرالنبي (ص) قريباً من البعثة كـ(ألم ) . ويكون المراد بقيام القائم قيامه بالإمامة تورية .
فإن إمامته كانت في سنة ستين ومائتين ،فإذا أضيفت إليه إحدى عشرة سنة قبل البعثة يوافق ذلك .
الثالث : أن يكون المراد جميع أعداد كل (الر) يكون في القرآن وهي خمس مجموعها ألف ومائة وخمسة وخمسون(3) .ويؤيده أنه (ع) عند ذكر (ألم) لتكرره . ذكر ما بعده لتعيين السورة المقصودة ، ويتبين أن المراد واحد منها .بخلاف (الر) لكون المراد جميعها. فتفطن(4).
الرابع : أن يكون المراد انقضاء جميع الحروف مبتدأ بـ(الر) . بأن يكون الغرض سقوط (المص) من العدد أو (الم) أيضاً . وعلى الأول يكون : ألفاً وستمائة وستة وتسعين(5) .
صفحة (209)
ـــــــــــــــــ
(1) أي التي حصل فيها البداء فلن تتحقق .
(2) والقيمة المطلقة لهذه الحروف بحساب الجمل إحدى وسبعين ومائتان .للألف واحد وللام ثلاثون وللميم أربعون وللراء مئتان .
(3) لأن قيمة الواحدة منها مائتان ، واحد وثلاثون فإذا ضوعفت خمس مرات كان الناتج هو ذلك .
(4) هذه إشارة المجلسي على صعوبة هذه الإستفادة من الخبر .
(5) هذا الوجه الرابع غيرمفهوم المقصود بوضوح بحيث ينتج الأرقام التي ذكرناها ، فإن الكلمات المقطعة في القرآن تسع وعشرون وحروفها خمس وسبعون .ومجموع قيمتها بحساب الجمل ثلاثة آلاف ومئة وخمس وخمسون فإن طرحنا ( على الأول ) قيمة (المص) وهي مائة وإحدى وستين كان الباقي الفين وتسعمائة وأربعا وتسعين وإن طرحنا على (الثاني ) قيمة ألم فإن أراد المجلسي واحداً منها وقيمته واحد وسبعون كان الباقي ثلاثة آلاف وأربعاً وثمانين ،وإن أراد طرح اثنين منها – وهي السابقة على المص في القرآن الكريم – كان الباقي ثلاثة الآف وثلاثة عشر،وإن أراد طرح قيمة مجموع ما ورد من هذه الكلمة في القرآن الكريم ...وقد تكررت ست مرات وقيمتها أربعمائة وست وعشرون .كان الباقي الفين وسبعمائة وتسعاً وعشرين فن طرحنا معها أيضاً قيمة المص المشار إليها كان الباقي ألفين وخمسمائة وثمان وتسعين وكل هذه النواتج أكبر من الرقم الذي ذكره المجلسي ...طبقاً لحساب (ابجد ) المعروف ، فضلاً على حساب المغاربة .
وعلى الثاني يكون الفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين .وعلى حساب المغاربة يكون على الأول الفين وثلاثمائة وخمسة وعشرين وعلى الثاني : الفين ومائة وأربعة وتسعين .وهذه أنسب بتلك القاعدة الكلية ، وهي قوله : وليس من حرف ينقضي ...
إذ دولتهم (ع) آخر الدول . لكنه بعيد لفظاً .ولا نرضى به .رزقنا الله تعجيل فرجه (ع) .
وأضاف : هذا ما سمحت به قريحتي بفضل ربي في حل هذا الخبر المعضل وشرحه فخذ ما اتيتك وكن من الشاكرين .واستغفر الله من الخطأ والخطل في القول والعمل أنه أرحم الراحمين .
اقول :ويحتمل وجوهاً أخرى عديدة ،نذكر فيما يلي عددا منها طبقاً لنفس الترقيم .
الخامس: وهو المستظهر من الخبر حين يقول : ويقوم قائمنا عند انقضائها (يعني ألمص) ب: الر ...يعني : حين ينقضي رقم المص نحسب حساب الر ، فإذا انقضى رقمه كان موعد قيام القائم ناجزاً.
فإذا علمنا أن قيمة (المص) مائة وواحد وستون ، وقيمة مجموع ما ورد في القرآن من كلمة ( الر) – وقد تكررت خمس مرات – الف ومائة وخمس وخمسون ..كان المجموع ألفاً وثلاثمائة وستة عشر ، وهو تاريخ هجري قد مضى قبل ثمانين عاماً . ولم يظهر المهدي (ع) فيه .
ومعه لا بد أن نحمل ذلك على أنه تاريخ لما بعد ولادته ، وقد عرفنا في ( تاريخ الغيبة الصغرى) أنه ولد عام 255(1) فيكون المجموع الفاً وخمسمائة وواحداً وسبعين ، أي أن المهدي سوف يظهر بعد مئة وخمس وسبعين عاماً .
السادس : أن يكون المراد بـ(الر) قيمة حروفه باعتبار اسمائها ، أعني : ألف لام را – والهمزة ساقطة عند علماء الحروف – فيكون مجموعها ثلاثمائة وثلاثة وثمانين.
صفحة (210)
ـــــــــــــــــ
(1) ص261
فإذا ضاعفنا ذلك خمس مرات ، بعدد تكرر هذه الكلمة في القرآن الكريم ،كان المجموع ألفاً وتسعمائة وخمسة عشر، فيكون هذا تاريخاً ميلادياً لا يظهر فيه المهدي .وأما إذا كان هجرياً أو محسوباً من ولادته عليه السلام أو أضفنا إليه قيمة المص ، كان التاريخ بعيداً نسبياً .
السابع : أن يكون المراد : المرتبة الثانية من أسماء حروف كلمة (الر). فإن المرتبة الأولى منها هي أسماء حروف هذه الكلمات ....وقيمة مجموعها سبعمائة وست وثلاثون .فإذا أضفنا إليها قيمة (المص) كان المجموع ثمانمئة وسبعاً و تسعين . وهو تاريخ هجري لا يظهر فيه المهدي (ع) .فإذا أضفنا إليه 255 لميلاده عليه السلام كان الناتج الفاً ومئة واثنتين وخمسين .وهو تاريخ لم يظهر فيه المهدي (ع) أيضاً فإذا ضاعفنا القيمة المشار إليها لكلمة (الر) خمس مرات كان الناتج ثلاثة ألآف وستمائة وثمانين .فإذا أضفنا إليه قيمة (المص) كان المجموع ثلاثة آلاف وثمانمائة وواحداً وأربعين .وكلاهما تاريخ بعيد عن العصر الحاضر ...يحتمل فيه بدؤه من الهجرة أو من ولادته أيضاً .
فإذا التفتنا إلى جنب هذه الإحتمالات أن يكون الحساب على طريقة المغاربة ، كما احتمل الشيخ المجلسي ...كان الإحتمال أكثر...ويبقى موعد الظهور الحقيقي غيباً إلهياً . كما أراده الله تعالى أن يكون في تخطيطه العام .
وعلى أي حال ، فإنه مما يهون الخطب أن هذا الخبر لا يخلو من نقاط ضعف:
النقطة الأولى : أنه مروي عن أبي لبيد المخزومي .وقد ذكره علماء(الرجال) ولم يوثقوه ...فيكون الخبر ضعيفاً وغير صالح للإثبات التاريخي .
النقطة الثانية : إن الرواة بيننا وبينه مجهولون .أعني غير مذكورين بالمرة ، فيكون الخبر مرسلاً.
النقطة الثالثة : إن تفسير الحروف المقطعة في القرآن ، على أساس كونها تتكفل التنبؤ بحوادث المستقبل ، بحساب الجمل ، هو أحد احتمالات التفسير لها .ويدل عليه عدة أخبار منها خبر أبي لبيد هذا .إلا أن في مقابل ذلك أخباراً أخرى تدل على تفسيرات أخرى ، لا حاجة إلى ذكرها . والمهم أن تلك الأخبار تنفي مضمون هذا الخبر ، وتكون معارضة له ، فيسقط عن قابلية الإثبات بالمعارضة .
صفحة (211)
إلى بعض المناقشات الأخرى ، مضافاً إلى المناقشة في (علم الحروف) ككل ، فإنه من العلوم الخفية التي لم يثبت دليل صحتها ،ولا بد من إيكال علمها إلى أهله .
المستوى الرابع : لمعرفة موعد الظهور :
هو الإعتماد على الروايات الواردة بهذاالخصوص ، والتي تعطينا إلماماً عن اليوم والشهر الذي يحصل فيه الظهور ، مع إهمال رقم السنة بطبيعة الحال .
وينبغي أن يقع الكلام هنا في نواحي:
الناحية الأولى: في التعرف على هذه الروايات ، ومحاولة استفادة التاريخ منها .
وهي روايات عديدة ، تأخذ التاريخ من زوايا نتعددة ، تذكر لكل زاوية مثالاً من الأخبار :
الزاوية الأولى : في تعيين السنة على وجه الإجمال .
أخرج الطبرسي في الإعلام(1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، قال : لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين ، سنة إحدى او ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع .
الزاوية الثانية : في تعيين الشهر وعدد أيامه :
أخرج الطبرسي أيضاً(2) عن أبي بصير ، قال :
قال أبو عبد الله (ع) : ينادي باسم القائم في يوم ست وعشرين من شهر رمضان .ويقوم في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (ع) .. الحديث .
وروى الشيخ في الغيبة(3) عن أبي بصير ، قال :
قال أبو عبد الله (ع) : أن القائم صلوات الله عليه ، ينادي اسمه ليلة ثلاثة وعشرين
، ويقوم يوم عاشوراء ، يوم قتل فيه الحسين بن علي (ع) .
صفحة (212)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر اعلام الورى ص430
(2) إعلام الورى ص430
(3) ص274.
الزاوية الثالثة : في تعيين اسم اليوم الأسبوعي .
روى الشيخ أيضاً (1) عن علي بن مهزيار ، قال :
قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : كأني بالقائم يوم عاشوراء ، يوم السبت ... الحديث
وروى الصدوق في الإكمال(2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع ) قال: يخرج القائم يوم السبت يوم عاشوراء، يوم الذي قتل فيه الحسين (ع) .
الناحية الثانية : في مقدار صلاحية هذه الأخبار للإثبات :
بعد مراجعة مجموع ما ورد في المصادر من هذه الأخبار ، نجد أن الرويات الدالة على أن المهدي (ع) يظهر في وتر من السنين ، قليلة العدد ، وكذلك الروايات الدالة على أنه يظهر يوم السبت ...بخلاف ما دل على أنه يظهر في اليوم العاشر من محرم الحرام ، فإن فيه روايات عديدة قابلة للإثبات التاريخي .
وقد وجدنا إن تلك الأخبار القليلة مروية بأسانيد ضعيفة ، وقع فيها مجاهيل وضعاف ، فلا تكون قابلة للإثبات .ومعه يثبت أنه (ع) يظهر يوم العشر من محرم الحرام فقط . وهي أكثر هذه الخصائص أهمية وأشدها دخلاً في التكوين الفكري العام الذي عرفناه ... كما سنسمع .
الناحية الثالثة: في محاولة التعرف على حكمة التوقيت : في اليوم العاشر من المحرم ، بحسب فهمنا الحاضر، وطبقاً للتكوين الفكري العام الذي عرفناه ، ونتحدث عن ذلك ضمن نقطتين :
النقطة الأولى : إن المقصود الأساسي ـ بحسب ما نفهم – من هذا التوقيت ، أمران :
ألأمر الأول : كون هذا اليوم هو مقتل جده الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (ع) ، وهو ما نطقت به الروايات على ما سمعناه .
صفحة (213)
ـــــــــــــــــ
(1) نفس الصفحة .
(2) انظر إكمال الدين ( المخطوط ) .
باعتبار أن ثورة الحسين (ع) وثورة المهدي (ع) معاً منسجمتان في الهدف ، وهو حفظ الإسلام من الإندراس والضمور .وقد كانت ثورة الحسين (ع) في حقيقتها من بعض مقدمات ثورة المهدي (ع) وإنجاز يومه الموعود، بصفتها جزءاً من التخطيط الإلهي لإعداد العاطفة والإخلاص والوعي في الأمة ، توخياً لإيجاد العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ، بين يدي المهدي (ع) ولو بعد حين .
كما أن ثورة الإمام المهدي(ع) دفاع عن الإمام الحسين (ع) وأخذ بثأره ، باعتبار كونها محققة للهدف الأساسي المشترك وهو تطبيق العدل وإزالة كل ظلم وكفر وإنحراف .وقد وردت بهذا المعنى بعض الأخبار التي سنسمعها .
وقد كان ولا زال وسيبقى وجود الحسين (ع) وثورته في ضمير الأمة خاصة والبشرية عامة حياً نابضاً ، على مختلف المستويات ، يلهم الأجيال روح الثورة والتضحية والإخلاص .ومن هنا كان الإنطلاق من زاويته انطلاقاً من نقطة قوة متسالم على صحتها ورجحانها .وإن أهم مناسبة يمكن الحديث فيها عن الإمام الحسين (ع) وأهدافه ، هو يوم ذكرى مقتله في العاشر من شهر محرم الحرام ، ومن هنا كان هذا التوقيت للظهور حكيماً وصحيحاً .
ألامر الثاني: كون هذا اليوم قريباً من موعد الحج الذي هو المنطلق الأساسي إجتماع المسلمين والفرصة الرئيسية الوحيدة التي يمكن وصول أنصار الإمام المهدي (ع) إليه في الموعد المخصص . بالأسلوب الطبيعي غير الإعجازي ، على ما سنسمع في النقطة الآتية :
النقطة الثانية : أننا سمعنا في أخار النداء وفي اخبار التوقيت الأخيرة ، أن النداء باسم المهدي (ع) سيكون في شهر رمضان ، حيث تكون النفوس عادة أقرب إلى طاعة الله وأبعد عن معصيته وأكثر اهتماماً بالأمور الدينية من أي شيء آخر .بل لعل النداء سيكون في ليلة القدر ، الثالث والعشرين من رمضان ... التي هي مركز الطاعة والعبادة من ذلك الشهر .
وسيكون ظهوره (ع) في اليوم العاشر من المحرم ، أي أن الفاصل بين النداء والظهور حوالي مئة وسبعة أيام
والروايات ، لم تنص على هذا التتابع ، إلا أنه من غير المحتمل أن يكون النداء في رمضان من بعض السنين، ويكون الظهور في محرم بعد عدة سنين أخرى ، ولا حتى بعد مدار سنة كاملة ، أي – بالضبط – بعد عام وثلاثة أشهر وسبعة أيام.
صفحة (214)
ولعل أهم دليل على التتابع ونفي الإنفصال ، هو ما استفدناه من أخبار النداء من كون حدوث النداء إنما هو للتنبيه والإعلان عن حصول الظهور .وهذا إنما يصدق في الزمان القريب .ولعله إذا وجد بعد أيام قليلة كان أفضل.لولا أن مصلحة كبيرة هي التي اقتضت تأجيله إلى العاشر من محرم .وهو تاريخ كبير نسبياً بالنسبة إلى تطبيق فكرة التنبيه والإعلان . ومن هنا لا يمكن الزيادة عليه إلا برفع عن هذه الفكرة ، ولكنها فكرة ثابته باعتبار دلالة الأخبار عليها ، كما سبق ، إذن فلابد من الإلتزام بقر ب الظهور إلى وقت النداء ...وذلك بالشكل الذي عرفناه .
وتستطيع أن تتصور معي حال الأمة الإسلامية خلال هذه المدة ، وماهو مقدار تأثير النداء فيها .ومدى رد الفعل المتوقع له، وكيف سيكون عليه موسم الحج في ذلك العام ، وماذا سيكون رد الفعل من من قبل أولئك الممحصين المخلصين المؤهلين لغزو العالم بالعدل بين يدي القائد المهدي (ع) .
إن كل مؤمن ممحص، سيرى في النداء باسم المهدي (ع) الشرارة الأولى للظهور ،ولإثارة الشعور بالمسؤولية الإسلامية والوجوب الإسلامي في نفس الفرد فينصرة المهدي (ع) والمشاركة في شرف تأسيس العدل في العالم وتوطيد الدولة العالمية الإسلامية .
وسيكون ذهاب الفرد إلى مكة اعتيادياً ، لا يثير شكاً ولا يلفت نظراً . إنه يذهب إلى الحج كما يذهب أي فرد في كل عام. وبذلك يتخطى الحدود القانونية التي وضعتها الحضارة الحديثة(1).وسيكون الفرد في مكة عند ظهور المهدي (ع) . طبقاً للتخطيط الإلهي الحكيم .
وبذلك يتوافد كل أنصار المهدي (ع) من كل العالم ، وقد أصبحوا بعدد كاف لغزو العالم بالعدل ، نتيجة للتخطيط العام .....ويحجون مع الناس .وهم يتوقعون ظهوره في أي لحظة ... إن لم يكونوا مسبوقين بروايات التوقيت – ولكن الظهور سيتأخر عن أيام الحج ... فيسافر الحجاج راجعين إلى بلدانهم وتخلو مكة المكرمة منهم ...إلا أولئك الذين ينتظرون الظهور .إنهم سوف يضطرون إلى البقاء بعد الحج إلى موعد قد لا يعرفونه بالتحديد ...هو موعد الظهور ... بدون أن يصرحوا بمقاصدهم الحقيقية لأي إنسان .
صفحة (215)
ـــــــــــــــــ
(1) أود في هذا المقام أن نتذكر قوله تعالى : " كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دينالملك ، إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء ،وفوق كل ذي علم عليم " يوسف : 12/76
وسيثير بقاؤهم مشكلة قانونية ، يقع فيها الجدل بين الحاكمين هناك ، على ما نقلته بعض رواياتنا ، على ما سيأتي في فصل قادم .حتى إذا ما شاء الله عز وجل للمهدي (ع) أن يظهر في يوم عاشوراء ، كان هؤلاء ، هم البذرة الرئيسية لجيشه ، أمضاهم إرادة وأعمقهم عقيدة .
وبذلك نفهم أن لأصحاب الإمام المهدي (ع) الفرصة الكافية في الذهاب إلى مكة المكرمة ، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه .ومعه فتكون الروايات الدالة بظاهرها على أن وصولهم إليه بنحو إعجازي ، تكون مخالفة لـ (قانون المعجزات) ومحتاجة إلى فهم جديد .
وسيأتي التعرض لذلك في فصل آت من هذا القسم .
الناحية الرابعة : في إثارة بعض الإعتراضات والأسئلة على التوقيت الذي تحدثنا عنه ، مع محاولة الجواب عنه .وهي عدة أمور:
الأمر الأول :ما هو موقف اعداء الإمام المهدي (ع) من النداء؟ فإن من المفهوم أن هذه المدة التي تتخلل بين النداء والظهور كافية تماماً للإستعداد لسحق أي حركة متوقعة في العالم والقضاء عليها في مهدها وبمجرد حدوثها . فكيف ينجو الإمام المهدي (ع) من ذلك ؟!
فإن الأعداء قد يسمعون النداء ، وخاصة أنه نداء رهيب واسع يخرج الفتاة من خدرها ويوقظ النائم ويفزع اليقظان ، كما سمعنا من الأخبار .وإذا سمعوه توقعوا الظهور واستعدوا ضده لا محالة .
ويمكن الجواب على ذلك ، ضمن عدة مستويات :
المستوى الأول: أنه دليل على أن صوت النداء شامل للبشر أجمعين بل هو بصفته إعجازياً – سيحدد – بالمعجزة – بالمقدار الذي يحتوي على المصلحة ويكون خالياً عن المضاعفات .ومن هنا يمكن أن يكون النداء مقتصراً على منطقة دون منطقة.أو مجموعة من الناس دون مجموعة .
وهذا مخالف لظاهر الأخبار التي سمعناها تقول : ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فسمع من بالمشرق ومن بالمغرب . أو تقول : فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا سمع الصيحة .إلا ان نخصها بمنطقة أو جماعة باعتبار أن عموم النداء وشموله لكل الناس يشكل خطراً على المهدي (ع) في أول ظهوره .وأما رد الفعل الموصوف في الأخبار للصيحة ، وهي أنها توقظ النائم وتفزع اليقظان وتخرج الفتاة من خدرها ...فيمكن أن نخصه بالسامعين ، ولايشمل غيرهم بطبيعة الحال .إلا أن قوله عن الصيحة : أنها تخضع لها أعناق أعداء الله تعالى .صريح في سماعهم لها ...غير أنه صريح في نفس الوقت بعدم قدرتهم في وقوفهم ضدها .
صفحة (216)
المستوى الثاني : أنه لا دليل على أن مضمون هذا النداء سيكون هو الدعوة إلى نصرة المهدي (ع) من أجل غزو العالم بالعدل .بكل صراحة ...ليشكل خطراً على أعداء الله ليستعدوا ضده . بل إنه ليس كذلك يقيناً ، فإن ما صرحت به الروايات هو أنه ينادي بإسمه واسم أبيه ، ليس إلا .
فنعرف من ذلك : أن مضمون النداء هو ـ على الأغلب ـ إمامكم محمد بن الحسن حجة الله ونحو ذلك .من دون أي إشارة إلى أهدافه ولا إلى ظهوره ، ولا حتى إلى كونه المهدي الموعود .وإنما سيعرف المؤمنون كل ذلك باعتبار مسبقاتهم الذهنية وأدلتهم العقائدية ...وهذا غير متوفر لدى أعداء الله بطبيعة الحال .
المستوى الثالث: إن القوى العالمية المادية الحاكمة في الدول الكبرى وغيرها ، لو فرضنا ، أنها سمعت بالنداء أو وصلها خبره ، بل لو عرفت مضمونه بشكل وآخر ...فسوف لن تفهمه كما ينبغي أن يفهم ..وإنما تعتبره دعاية كاذبة أوعملاً تخريبياً صادراً من قبل بعض الدول أو الجهات ، قد يكون مذاعاً عن طريق بعض الإذاعات أو محطات التلفزة أو أحد الأقمار الصناعية المخصصة للبث الإذاعي .إذن ، فهو – في رأيها – ليس عملاً يستحق المجابهة والتحدي .
المستوى الرابع : إنه لا دليل على بقاء الحالة العالمية ما هي عليه الآن ، واستمرارها إلى وقت النداء والظهور .بل هناك ما يدل على زوال الحضارات والقوى الكبرى عن المسرح العالمي قبل ذلك ....وسنبحثه في فصل قادم .
ومعه لن يكون للمهدي (ع) أعداء رئيسيون في أي مكان من العالم ، بحيث يمكنهم القضاء على حركته في مهدها ، حتى لو سمعوا النداء وفهموه .
المستوى الخامس : إنه مع التجاوز عن جميع المستويات السابقة ، يصلح ما قلناه في خلال الحديث عن أخبار النداء جواباً في صددنا هذا ، وهو أم ظهور المهدي (ع) الذي يتأخر أكثر من مئة يوم ، سوف لن يتعين انطباقه على النداء إلا بعد أن يقوى المهدي (ع) ويشتد ساعده وتكون حركته قابلة للصمود ضد أي اعتداء .
الأمر الثاني : ـ من الناحية الرابعة ـ: إنه قد يخطر في الذهن أن تحديد زمان الظهور بالنحو الذي سمعناه ينافي مع الإنتظار المستمر للمهدي (ع) وأنه من المتوقع ظهوره في أي يوم وفي أي لحظة .
صفحة (217)
إذ مع التحديد بيوم عاشوراء ، سوف لن يكون ظهوره في سائر أيام السنة مترقباً ، كما أنه مع التحديد بالسنوات الوتر :إحدى أو ثلاث أو خمس ...لن يكون ترقب ظهوره في السنوات المزدوجة : اثنان أو أربع أو ست موجوداً .وهذا بخلاف ما لو كان التحديد واقعياً غير معروف لأحد ، فإن توقع الظهور يبقى لدى الناس موجوداً ، وبذلك نحرز فوائد الإنتظار التي عرفناها في التاريخ السابق(1).
ويمكن الجواب على ذلك ضمن عدة مستويات :
المستوى الأول : إن كل هذه التحديدات لا تكاد تكون معروفة لدى عامة الناس ...ومن هنا نجد منهم من يحدد بتحديدات أخرى لم نجدها في الأخبار ـ في حدود إطلاعنا ـ كتحديد الظهور في ليلة القدر أو تحديده بين شهري جمادى الثانية ورجب .وإذا لم يكن هذا التحديد معروفاً كان الجاهل به منتظراً للظهور على الدوام .
غير أن هذا المستوى لا يكاد يكون تاماً، إذ بمقتضاه يكون الإنتظار منتفياً بالنسبة إلى من يعلم بهذه المواعيد، ممن يقرأ هذا الكتاب أو غيره .
المستوى الثاني: إن هذه المواعيد ، وإن ثبتت بأدلة قابلة للإثبات التاريخي ،أو كان بعضها كذلك ...إلا أن الإثبات التاريخي سيء واليقين شيء آخر . فمثلاً إن قول ابن الأثير في كتابه (الكامل) كاف للإثبات التاريخي ولكنه ليس بيقيني الصدق على أي حال ، ونحن لم نسمع هذه الأخبار من المعصومين(ع) أنفسهم ، بل من الرواة الناقلين عنهم ، فلا تعدو الرواية أن تكون ظنية ولكنها قابلة للإثبات.
فإذا كانت هذه التحديدات والمواعيد ظنية ـ كان هناك احتمال آخر يقابله .
فمثلاً : إننا نظن ـ طبقاً للأخبار ـأن المهدي (ع) سيظهر في يوم عاشوراء ، ونحتمل احتمالاً اقل بأنه سيظهر في يوم آخر من السنة .ومعه يكون الإنتظار خلال كل أيام السنة ثابتاً .
المستوى الثالث: إن ظهوره في أي يوم آخر أو أي عام إفرادياً كان رقمه أم زوجياً .
صفحة (218)
ـــــــــــــــــ
(1) ص438 وما بعدها .
وبالتالي في أي لحظة مهما كانت ... ليس فقط بمجرد احتمال، بل هناك ما يدل عليه من الأخبار .كما سمعنا في التاريخ السابق كقوله :مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلا الله عز وجل .لا تأتيكم إلا بغتة .وقول المهدي الذي سمعناه هناك .في رسالته للشيخ المفيد(1) فإن أمرنا بغتة فجأة .
إذن ، فهناك ما يكفي للإثبات على بعض التحديدات ، كما أن هناك ما يكفي إثبات الإطلاق – لو صح التعبير ـ ، ولاتعارض بينهما ، لأن ظهور المهدي (ع) في بعض هذه المواعيد المحددة مصداق من ذلك الإطلاق على أي حال .نعم ، تكون أدلة الإطلاق موجبة نفسياً وعقلياً للإنتظار الدائم .
المستوى الرابع : أننا لو فرضنا أن الأخبار الدالة على التحديد قطعية الصدور عن المعصومين (ع) ، فإن مضمونها يبقى محتملاً غير قطعي ، لإحتمال نسخه وحصول البدء فيه .... بالمعنى الذي قام الدليل على إمكانه على الله عز وجل وخاصة بعد أن نسمع من الأخبار ماهو محتوم ، يمكن أن يقع فيه البدء بالرغم من كونه محتوماً .
فالسفياني ـ مثلاً ـ الذي ورد في عدد من الروايات أنه من المحتوم ،وفي بعضها القسم على ذلك ..كالذي رواه النعماني في الغيبة(2) بسنده عن عبد الملك بن أعين ، قال :
كنت عند أبي جعفر (ع) فجرى ذكر القائم (ع) . فقلت له : أرجو أن يكون عاجلاً . ولا يكون سفياني .فقال : لا والله ! إنه لمن المحتوم الذي لا بد منه ويشبهه الخبر الذي يليه .
بالرغم من ذلك ، فقد ورد فيه احتمال البدء، ومن ثم احتمال أن لا يوجد كالخبر الذي ورد عن داود بن القاسم الجعفري ، قال:كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) ، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم ، فقلت لأبي جعفر (ع) : هل يبدو لله في المحتوم ؟
قال: نعم .قلنا له : فنخاف أن يبدو لله في القائم ! ... فقال : إن القائم من الميعاد ، والله لا يخلف الميعاد(3).
صفحة (219)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص27وما بعدها .
(2) ص161.
(3) المصدر ص162.واعلم أن احتمال البداء في السفياني وغيره لا يعني اسقاطه عن نظر الإعتباروالإلتزام بعدمه .فإن معنى احتمال البداء هو كون السفياني – مثلاً – داخلاً في التخطط . فمن زاوية كونه دخيلاً لا معنى لإسقاطه عن نظر الإعتبار. أقول : وهذاالتبدل إنما يحصل في بعض التطبيقات لا في الاسس العامة للتخطيط بطبيعة الحال.
فإذا كان البدء يمكن أن يحصل في المحتوم الذي لا بد منه ، فكيف حال التحديدات غير المحتومة .
وإذا كان احتمال البدء موجوداً ، لم يبق هناك موعد معين معروف لدى الناس لا يقبل الخلاف والتبديل ، ومعه يبقى الإنتظار الدائم ساري المفعول .... طبقاً لروايات (الإطلاق) التي سمعناها .
الأمر الثالث : هل تكون هذه الأخبار الدالة على تعيين اليوم والشهر مشمولة لأخبار نفي التوقيت ولعن الوقاتين . فإن كانت كذلك كانت واجبة التكذيب لا محالة .
إلا أن هذا الشمول غير صحيح ، ولكل من شكلي الأخبار ميدانه الخاص به من دون أن يكذب احدهما الآخر .
وأهم دليل على ذلك ، وجود قرائن داخلية في نفس الأخبار النافية للتوقيت تجعلها نصاً في مركز التكذيب هو رقم السنة فقط .دون اسم الشهرة ورقم اليوم واسمه من الأسبوع ، كالخبر الذي أخرجه النعماني(1) عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر الباقر(ع) يقول : يا ثابت ! إن الله قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين. فلما قتل الحسين (ع) اشتد غضب الله فأخره غلى أربعين ومائة . فلما حدثناكم بذلك أذعنتم وكشفتم قناع الستر. فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً .يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (ع) ، فقال : قد كان ذلك .
وهناك بعض الأخبار بهذا المضمون ...هي واضحة في أن ما ألغاه الله تعالى وأمر بتكذيبه إنما هو رقم السنة ، وهو لايشمل الخصائص الأخرى غير أن هذه الأخبار تحتوي ، من بعض الجهات الأخرى ، على بعض الإستفهامات التي لا مجال الآن إلى عرضها والجواب عليها .ولعلنا نتوفر على ذلك على ذلك في محل آخر من هذه الموسوعة .
صفحة (220)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الغيبة الكبرى للنعماني ص157.
الفصل الثالث
خطبته الأولى بين الركن والمقام وبيعته
وينبغي ان نتكلم في هذا الفصل عن عدة جهات :
الجهة الأولى : في الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يظهر اول ما يظهر بين الركن والمقام ، وقد وردت بذلك الأخبار من الفريقين :
أخرج أبو داود(1) عن أم سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) قال :
يكون اختلاف عند موت خليفة ، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة ، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره . فيبايعونه بين الركن والمقام .ويبعث إليه بعث من أهل الشام .فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة .فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق . فيبايعونه بين الركن والمقام. ويبعث إليه بعث من اهل الشام ، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة . فإذا رأى الناس ذلك أتاه ابدال الشام وعصائب أهل العراق .فيبايعونه (بين الركن والمقام) ... الحديث.
وأخرج السيوطي في الحاوي(2) عن الطبراني في الأوسط والحاكم عن أم سلمة ، قالت :قال رسول الله (ص):
يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر ، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام ، فيغزوه جيش من اهل الشام حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم .
وأخرج أيضاً (3) عن نعيم بن حماد عن قتادة ، قال رسول الله (ص) :
يخرج المهدي من المدينة المنورة إلى مكة ، فيستخرجه الناس من بينهم فيبايعونه بين الركن والمقام ، وهو كاره . وكذلك الخبر الذي قبله .
صفحة (221)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر سنن أبي داود ، ص423 ج2
(2) الحاوي ج2ص129
(3) المصدر ص152
وأخرج المفيد في الإرشاد(1) عن أبي بصيرعن أبي عبد الله الصادق (ع) ، في حديث يقول فيه : لكأني يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام ... الحديث.
وروى الشيخ في الغيبة (2) عن علي بن مهزيارعن ابي جعفر الباقر (ع) قال :
قال أبو جعفر (ع) : كأني بالقائم يوم عاشوراء ، يوم السبت ، قائماً بين الركن والمقام ....الحديث.
وأخرج النعماني في الغيبة(3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، في حديث يقول فيه :
فإذا تحرك متحرك (متحركنا) فاسعوا إليه ولو حبواً .والله لكأني انظر إليه بين الركن والمقام ... الحديث .
إلى أخبار أخرى كثيرة تدل على ذلك .
الجهة الثانية : في سرد الأخبار الدالة على خطبته التي يلقيها (ع) في موقفه ذاك بين الركن والمقام .
أخرج النعماني في الغيبة(4) بإسناده عن جابربن يزيد الجعفي ، قال :
قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع) – في حديث طويل ـ : والقائم يومئذ بمكة ، وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً ، فينادي : ياأيها الناس ، إنا نستنصركم الله ومن (فمن) أجابنا من الناس ، وإنا (فانا) أهل بيت نبيكم محمد .ونحن أولى الناس بالله وبمحمد (ص) .
صفحة (222)