القسم الثاني

حوادث الظهور وإقامة الدولة العالمية

إلى وفاة المهدي عليه السلام

وتندرج في هذا القسم عدة أبواب

 

الباب الأول

في معنى الظهور وكيفيته وما يليه من الحوادث

إلى حين مسير الإمام المهدي(عج) إلى العراق

ويتم الكلام في ذلك ضمن عدة فصول

  تمهيد
 

حين ينتج التخطيط الإلهي العام لعصر الغيبة نتيجته ، ويتمخض عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالحق والعدل ، يترتب على ذلك نتيجتان كبيرتان :

النتيجة الأولى : إمكان الحفاظ على حياة الإمام المهدي (عج) بالطريق الطبيعي الإعتيادي ، بالرغم من معروفيته وانكشاف حقيقته للناس ، وذلك لوجود العدد الكافي من الأفراد الذين يمكنهم بإخلاص أن يذودوا الأخطار بعون الله عز وجل عن إمامهم  وقائدهم العظيم .

وبذلك ترتفع الحاجة إلى الغيبة بكلا شكليها : الإعجازي والطبيعي ، اعني(أطروحة خفاء الشخص) الإعجازية و(أطروحة خفاء العنوان ) الطبيعية  ومع ارتفاع الحاجة إلى الغيبة ، لا معنى لإستمرارها .

بل سيكون استمرارها مانعاً عن تحقيق الغرض الإلهي المطلوب في اليوم الموعود ، ومن هنا تكون محرمة على الإمام المهدي (عج) ....باعتبار أنه يجب عليه بحكم الله عز وجل تنفيذ ذلك الغرض الذي ذخر من أجله، وقد أصبح بعد نجاز التخطيط ممكناً .

فكل ما يكون مانعاً عنه أو حائلاً عن تنفيذ مما يعود إلى عمله الشخصي واختياره ، يكون محرماً عليه .

النتيجة الثانية : إمكان الفتح العالمي بالحق والعدل ، بهذا العدد الكافي المهيأ لهذه المهمة .وهو ما لم يتوفر لأحد من الأنبياء والأولياء والعظماء والمصلحين السابقين عليه (ع) .وإنما شارك كل واحد منهم بقسط من الأعداد طبقاً للتخطيط العام .وبقيت النتيجة مؤجلة ومنوطة بالمهدي (عج) عندما يتمخض هذا التخطيط عن  نتائجه .

 

 صفحة (191)
 

وإذ يكون الفتح العالمي  بهذا العدد المتوفر ممكناً ويكون واجباً لا محالة طبقاً للتكليف الإسلامي في كل زمان ومكان ، والمتكون من أمرين :

الأمر الأول : أن الفتح الإسلامي لأي مقدار ممكن من الأرض المسكونة ، واجب ...طبقاً لمفاهيم وأحكام الجهاد المنصوصة في الكتاب والسنة .فإذا كان الفتح لمجموع الكرة الأرضية ممكناً كان واجباً لا محالة .

الأمر الثاني: إن امتثال كل تكليف في الإسلام ، بما فيه وجوب الفتح الإسلامي منوط في الشريعة بإمكان حصوله وتوفر مقدماته ...فمتى كان المكلف قادراً على امتثال التكليف- أياً كان – وجب عليه وكان معاتباً ومعاقباً على تركه وإذا كان الفرد عاجزاً عن الإمتثال ، باعتبار قصوره أو قصور فيه أو في الظروف المحيطة به ، كان التكليف ساقطاً عن الذمة .لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .وليس  معنى عدم وجود عدم  وجود التكليف في الشريعة ، وإنما معناه إناطته بحال القدرة والإستطاعة .

إذا عرفنا ذلك ، استطعنا أن نشخص بوضوح أن النبي (ص) والأئمة المعصومين الماضين (ع) ، حيث لم يكن لديهم العدد الكافي من الأفراد لغزو العالم بالعدل ، كان التكليف به ساقطاً عنهم .لأن الغزو في تلك الظروف الت يعاشوها لم يكن ممكناً إلا بالمعجزة ، وهو ما لم تقم الدعوة الإلهية على اتخاذه على طول التاريخ

... بل كان يقتصر كل منهم على المقدار الممكن له من الأعمال المؤثرة في إقامة الحق .وقد كان للنبي (ص) عدداً كافياً لفتح منطقة من الأرض ، فكان يجب عليه المبادرة إلى ذلك ، وقد كان (ص) على مستوى المسؤولية فأدى تكليفه على أحسن وجه ،وبذلك انتشر الإسلام .

ثم إن الله عز وجل  خطط خلال عصر الغيبة ،كما عرفنا ، لوجود العدد الكافي من المخلصين لغزو العالم ... وإن التكليف بذلك عند نجاز هذا الشرط ، وسيكون هذا التكليف متوجهاً إلى الإمام المهدي(عج)  وسيكون هو على مستوى المسؤولية وفي أعلى مراتب الحكمة وأفضل أشكال القيادة ...بعد الذي عرفناه من آثار طول الغيبة في ترسيخ وتعميق القيادة لديه .  

وعلى أي حال ، فسيكون الظهور والقيام بالسيف أو التحرك العسكري من قبل الإمام المهدي ، عند نجاز التخطيط، متعيناً لازماً ، بحسب الوعد الإلهي في القرآن الكريم ، والغرض الأسمى من خلق البشرية ، وبحسب التكليف الإسلامي  للإمام المهدي نفسه .

وليس الإمام وحده مكلفاً ، بل مع تحقيق الإمكان ، تكون كل البشرية مكلفة بذلك .كل ما في الأمر ، أن من يكون على مستوى المسؤولية الكاملة لإطاعة هذا الحكم وتنفيذه ، هو الإمام المهدي (ع) وأصحابه ...دون الكفار والمنحرفين الذين يكون العدل منافياً لمصالحهم الشخصية .

ومن هنا أيضاً ، كان من اللازم على كل فرد التجاوب مع ثورة المهدي (ع) بأقصى إمكانه ، فإن استطاع الجهاد العسكري وجب ،وإلا فعليه التجاوب مع مفاهيمه وقوانينه وتطبيقها تطبيقاً دقيقا .


صفحة (192)

الفصل ألأول

 في معنى الظهور وكفيته

واسلوب معرفة المهدي (ع) للوقت الملائم


للظهور معنيان مقترنان يصدقان معاً بالنسبة إلى المهدي (ع) ، طبقاً للفهم الإمامي .ويصدق أحدهما طبقاً للفهم الآخر .وله معنى ثالث لا يصدق إلا في زمن متأخر نسبياً .

المعنى ألأول : أن يراد من الظهور : البروز والإنكشاف بعدالإحتجاب والإستتار .

وهذ ما يحصل فعلاً بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) عند تعرف الناس إليه بعد غيبته واستتاره ، وهو خاص بالفهم الإمامي الذي يرى حصول الغيبة .

المعنى الثاني : أن يراد بالظهور : إعلان الثورة (في منطق العصر الحاضر) أو القيام بالسيف (في منطق العصر القديم) .وهو صادق بالنسبة إلى المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره .لوضوح كونه عليه السلام الثائر الأكبر ضد الظلم  والطغيان والتخلف على وجه الأرض .

ومن هنا نعرف أن كلا المعنيين صادقين من زاوية (إمامية) ، إذ نجد الإمام المهدي (ع) يظهر بعد الإستتار ثائراً على الظلم والطغيان .

المعنى الثالث : أن يراد الظهور :الإنتصار والسيطرة ، يقال: ظهرعليه إذا انتصر ضده وسيطر عليه . وهذا المعنى يصدق عند استتباب الأمر للمهدي (ع) على العالم كله ، وهو غيرما نريده من كلمة الظهور .إذن فينحصر معنى الظهور في لحظاته الأولى ، بالمعنيين الأولين .

ونحن حين ننظر إلى الظهور مقابلاً للغيبة والإحتجاب ، نحتاج إلى التساؤل عن كيفيته  وطريقة تحققه .كما أننا حين ننظر إلى الظهور بوصفه ثورة عالمية وتنفيذاً لليوم الموعود ، نحتاج إلى التساؤل في اسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) للوقت الملائم له .

وطريقة اطلاعه على تمخض التخطيط الإلهي عن نتائجه .


صفحة (195)


فباعتبار هذين التساؤلين ، ينبغي أن نتكلم في جهتين :

الجهة الأولى : في كيفية الظهور بعد الغيبة .

وإذا نظرنا إلى الظهور من هذه الزاوية ، نجد أن له معنيين مقترنين عملي ونظري يصدقان معاً :

المعنى الأول : وهو المعنى العملي ....وهو أن يرى الناس الإمام المهدي (ع) في أول ظهوره ، فيعرفهم بنفسه ويكشف لهم عن صفته الحقيقية ، ويطالبهم بنصره ومؤازرته .وهذا ما سنعرف تفاصيله في  هذا القسم من التاريخ .

المعنى الثاني : وهو المعنى النظري ... ويتلخص بارتفاع الغيبة التي كان عليه السلام قد اتخذها مسلكاً لنفسه ، طبقاً للتخطيط الإلهي ...سواء كان معنى الغيبة هو (اطروحة خفاء الشخص) أو (أطروحة خفاء العنوان) اللذين شرحناهما في التاريخ السابق ، فيكون شخصه مكشوفاً وعنوانه معروفاً ..تقديماً لإنجاز مهامه العالمية ، المتوقعة منه منذ الآن .

فإن صحت (أطروحة خفاء الشخص) الإعجازية ، كان معنى الظهور ارتفاع المعجزة عنه وانكشاف جسمه للناس ، مضافاً على ضرورة تعريفه إياهم بنفسه وإطلاعهم على حقيقته .فإن هذه المعجزة إنما كانت سارية المفعول في إخفائه لأجل حفظه من الأعداء والطوارىء ليتولى القيادة الكبرى في اليوم الموعود .فإذا حل اليوم الموعود ، واجتمعت شرائطه ، لم يكن لبقاء ذلك الإختفاء من موضوع .

وإن صحت (أطروحة خفاء العنوان) التي هي طريق لحفظ الإمام يغني عن الطريق الإعجازي ، إلا في أوقات الخطر، كما سبق أن ذهبنا إليه في التاريخ السابق ... وكل ما في الأمر أنه عليه السلام يعيش (بشخصية ثانوية) متكونة من اسم مستعار وعمل معين واسلوب في الحياة غير ملفت للنظر ولا يمت إلى الإمامة والقيادة بصلة .

ومقتضى هذه الأطروحة أنه ليس هناك اي إعجاز في الإختفاء ليحتاج إلى زواله، بل يكفي في الظهور : أن يبدل المهدي (ع) شخصيته الثانوية بشخصيته الحقيقية ، ويعرف الناس بصراحة بصفته الواقعية ، ويقيم الحجة على ذلك ، بالأسلوب الذي سوف يأتي .

فيثبت باليقين على أن هذا الشخص الذي  كان يسمى بفلان ويعمل كيت ، إنما هو المهدي الموعود .وقد باشر من الآن مهماته الكبرى .


صفحة (196)

 

ويؤيد ذلك من الأخبار ما رأيته في بعض المصادر التي لا تحضرني الآن من أنه عليه السلام حين يظهر ، يقول عدد من الناس : أننا كنا رأينا هذا الشخص قبل هذا . اقول: وهو أيضاً من الأخبار الصريحة في نفي الأطروحة.

وهنا ينبغي أن نتذكر ما عرضناه من أسلوب تعرف (السفياني) على تحركات المهدي (ع) ومطاردته له في عصر غيبته ... فإنه مما لا موضوع له مع صدق الأطروحة الأولى .فتكون كل الأخبار الدالة على ذلك دالة على صدق الأطروحة الثانية .

ومعه فإتماماً للفهم العام السابق ، نفهم : أن هذا الشخص الذي كان السفياني يطارده ،وقد حصل الخسف من أجله ،ولم يؤثر موقف (النفس الزكية) في ترجيح كفة الميزان الإجتماعية إلى جهته ، إن هذا الشخص سوف يذهب إلى المسجد الحرام فيعلن عن شخصيته الحقيقية ،ويطلب من الناس نصرته والفداء في سبيل أهدافه ، ضد السفياني وغير السفياني من الطغاة الظالمين .

 الجهة الثانية : في أسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) بالوقت المناسب للظهور ، ذلك الوقت الذي يكون  التخطيط الإلهي قد انتج به نتائجه الكبرى .

والسؤال عن ذلك ينبغي أن يتوجه تارة إلى الفهم غير الإمامي للمهدي وأخرى إلى الفهم الإمامي عنه .

أما طبقاً للفهم غير الإمامي ،وهو أن المهدي رجل يولد في عصره ، فيوفق للثورة العالمية ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً .

فطبقاً لذلك لا نكاد نحس بالحاجة إلى السؤال ، إذ يكون شأن المهدي شأن أي قائد آخر تتوافر له الظروف الموضوعية للثورة ، ويدرك إمكان نجاح حركته ، كما يدرك أي قائد ذلك لنفسه ،وإنما يبقى الفرق بينه وبين سائر القادة ، بأمرين :

الأمر الأول : أنه بينما يفسر سائر القادة الأوضاع الإجتماعية .من زواياهم الشخصية ، وينظرون الظروف والفرص من منظار مصالهم الخاصة .فإن المهدي .ينظر إلى ذلك من زاوية مصالح الإسلام الذي هو (الأطروحة العادلة الكاملة ) الذي يخرج البشر من الظلمات إلى النور والحق والعدل .


صفحة (197)

الأمر الثاني :أنه يتلقى الإلهام من الله عز وجل ،ويكون مؤيداً ومسدداً من عنده كما يذهب إليه أبن عربي في الفتوحات المكية (1) وغيره ، وإن لم نجد دليلاً واضحاً على ذلك من المصادر العامة ، مما اضطر ابن عربي ان ينسبه إلى (الكشف الصحيح) دون الكتاب الكريم والسنة الشريفة .

ونحن ذهبنا في التاريخ السابق(2) إلى صحة ثبوت الإلهام للمهدي ... لكن ذلك باعتبار الفهم الإمامي .وإما طبقاً للفهم الآخر فيكاد أن يكون اثباته متعذراً .

وأما التعرف على إنتاج التخطيط الإلهي لشرائط الظهور ، فيكون هذا موكولاً إلى الله تعالى وحده .ومن هنا سيقدر ميلاد المهدي في الزمان الذي يكون نضجه الكامل شخصياً مساوقاً ومعاصراً مع انتاج التخطيط  واجتماع الشرائط .فإذا حان الوقت ، فسيعرف المهدي بفطنته وجود الفرصة المؤاتية والعدد الكافي من الأفراد لغزو العالم متوفراً ، فيصدع بمهمته الكبرى .

وأما لو أخذنا بالفهم الإمامي ، فسيكون هذا السؤال وجيهاً ...باعتبار أن أيام الغيبة متساوية النسبة بالنظر السطحي ، تجاه موعد الظهور ، فلا يكون في بعض الأيام الأولى من بعض لإنجاز ذلك .ما لم يحصل هناك علم إضافي أو انتباه خاص حول الموضوع .

وهذا العلم ولا شك في أنه سيحصل للإمام الغائب (ع) ، فإن الله عز وجل بحكمته الأزلية وتخطيطه العام سيمكن المهدي (ع) من العلم بموعد ظهوره ، لتوقف نجاحه عليه ، وتوقف تنفيذ الوعد الحق والغرض الأسمى على الظهور ، فيتوقف  ذلك الغرض على العلم بحلول الموعد ،فيكون علمه عليه السلام ضرورياً بالبرهان .

وإنما ينفتح السؤال عن اسلوب علمه ذلك ،وأنه هل هو بطريق إعجازي أو طبيعي؟ وهو ما أجابت عليه جملة من الأخبار الخاصة .فتحصلت عندنا عدة أطروحات في مقام الجواب على ذلك ...وقد لا تكون متنافية فيما بينها . بل في الإمكان صدقها جميعاً لو صحت بالدليل عليها ، وتم عليها الإثبات التاريخي .

الأطروحة الأولى : أن يكون علم المهدي (ع) بموعد ظهوره وثورته ، بنحو الرواية عن آبائه المعصومين عن جده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .

وتتصور هذه الرواية على أشكال ، تكون كل واحدة في واقعها منها أطروحة مستقلة .


صفحة (198)

ـــــــــــــــــ  

(1) ج3 ص327وما بعدها .

(2) ص505 وما بعدها .

 

الشكل الأول : أن يحدد له الزمان في تاريخ معين ، في ساعة من يوم من شهر من عام بعينه ....يكون معلوماً عنده مجهولاً عندنا .

الشكل الثاني : أن تحدد له حادثة معينة أو عدة حوادث ، تكون معاصرة للموعد المطلوب في حكمة الله عز وجل وتخطيطه ، كمقتل النفس الزكية أو الخسف أو أي شيء آخر .

الشكل الثالث : أن يوصف له جيل معين ، بأسماء أشخاصه وأعمالهم أو أحد منهم أو أكثر ، ويكون الموعد  نقطة معينة من عمر ذلك الجيل .

إلى غير ذلك من الأشكال ... كلها ممكنة ومحتملة ، إلا أنه لم يدل عليها نص معين في القرآن الكريم  ولا السنة الشريفة  ، بحسب تتبعنا . غير أن توقع وجود نص على ذلك مما لا معنى له ، لأن النص لا يرد إلا فيما أريد إبلاغه إلى الآخرين ، إلى الناس .وأما ما كان خاصاً بشخص المهدي (ع) فلا معنى لوروده في دليل عام ، أعني واسع الإنتشار . ومعه فتبقى هذه الأطروحة ذات احتمال محترم .

وهذا هو أحد الفروق الرئيسية التي تمتاز بها الأطروحة الإمامية عن غيرها . إذ لا يتصور بمن يوجد متأخراً عن صدر الإسلاك ، أن يتحمل مثل هذه الرواية ، دون أن تشتهر وتتناقلها الألسن .

الأطروحة الثانية : أن يكون علم الإمام المهدي (ع) بموعد ظهوره إعجازياً ، بمعنى أنه يحين الموعد الذي يراه الله عز وجل صالحاً للظهور وانتصار الثورة العالمية ، فإنه عز وجل يحقق أمام الإمام المهدي (ع) معجزة بشكل وآخر توجب إلفاته إلى ذلك ...كما سنسمع .

وذلك بأحد أسلوبين ، أو بالأسلوبين معاً ، وإن لم يكن أحدهما مغنياً عن الآخر .

الأسلوب الأول : وهو أوضحهما وأصرحهما بالإعجاز . ما لم يحمل على الرمز ، لو أمكن .

فمن ذلك :ما أخرجه الواندي (1) مرسلاً عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ،في حديث عن القائم يقول فيه:


صفحة (199)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر الخرايج والجرايح ص198


إذا كان وقت خروجه انتشر العلم بنفسه فناداه العلم ك اخرج يا ولي الله ، اقتل أعداء الله ، وله سيف الله ، إذا حان وقت خروجه اقتلع السيف من عنده (غمده) فناداه السيف : أخرج يا ولي الله .فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله ،وروى ذلك رسلاً مكرراً أيضاً (1).

وهذا ألاسلوب ، كما ترى ، فيه عدة نقاط ضعف :

النقطة الأولى :أن رواياته قليلة ، وكلها مرسلة ، لم يذكر لها الراوندي أي سند ، ومعه فلا يمكن الأخذ بها طبقاً لأبسط وأوضح الموازين .

النقطة الثانية: أنها منافية لقانون المعجزات ، القائل بأن المعجزة لا تقوم مع إمكان وجود البديل الطبيعي عنها، المنتج لنفس النتيجة .ومن المعلوم بوضوح ، وجود البديل عن أمثال هذه المعاجز المنقولة من هذه الأخبار. فإن معرفة الإمام لمهدي (ع) بموعد الظهور لا ينحصر بها ، ولا يتوقف عليها ، بعد إمكان الأطروحة الأولى والثالثة ، اللتان ترجعان إلى معنى طبيعي غير إعجازي .

النقطة الثالثة: أنها مبتنية على المفاهيم القديمة في تصور الحرب ، وأن سلاح الإمام المهدي (ع) في ظهوره سوف يكون هو السيف على التعيين ، وإن قيادته سوف تكون بالراية وهي العلم الكبير.وكل هذا مما ثبت بالوجدان تغيره وتطوره .

وقد يخطر في الذهن : أننا سنحمل فيما يلي من البحث معنى السيف على كل سلاح ،ونحمل معنى الراية على القيادة العقائدية ككل ... فلماذا لا نحملها هنا على ذلك أيضاً؟.

والجواب على ذلك: أن من الأخبار ما يكون قابلاً للحمل على ذلك ، وبعضها ما يكون كالصريح فيه ، كما سنسمع .وأما مثل هذه الأخبار المرسلة . فلا يمكن أن تحمل على ذلك ... لوضوح أن القيادة المعنوية لا يتصور فيها النطق والكلام ، حتى وإن كان إعجازياً . كما أن حمل السيف على المدفع أو الصواريخ الموجهة مثلاً ، فتكون هي الناطقة بدل السيف ... بعيد جداً ، كما هو واضح .

الأسلوب الثاني : أن الإمام المهدي (ع) يعرف .موعد ظهوره عن طريق الإلهام .

فمن ذلك : ما أخرجه الصدوق في إكمال الدين (2) عن عمر بن إبان بن تغلب ، قال:

 

صفحة (200)

ـــــــــــــــــ  

(1) المصدر ص129  وص162

(2) انظر المصدر المخطوط .

قال أبو عبد الله (ع) : يأتي على الناس زمان ...إلى أن قال : فإذا أراد الله عز وجل إظهار أمره ، نكت في قلبه نكتة فظهر .... الحديث .

والنكت في القلب هو الألهام ، كما تفسره الأخبار الأخرى .

أخرج الكليني في الكافي(1) بسنده عن علي السائي عن أبي الحسن الأول موسى عليه السلام .قال :

مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث .فأما الماضي فمفسر ، واما الغابر فمزبور .وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع ،وهو أفضل علمنا ، ولا نبي بعد نبينا .

واخرج أيضاً (2) بسنده عن المفضل بن عمر ، قال:

قال  قلت لأبي الحسن عليه السلام عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : أن علمنا غابر ومزبور . ونكت في القلوب ونقر في الأسماع . فقال : أما الغابر فما تقدم من علمنا .وأما المزبور فما يأتينا .وأما النكت في القلوب فإلهام .وأما النقر في الأسماع  فأمر الملك .

ولهاتين الروايتين فهمهما الخاص . الذي يخرج بنا عن الصدد . والذي يهمنا الآن هو الرواية الثانية تفسر النكت بالقلوب بالإلهام(3) .وتسميه الأولى : القذف في القلوب ،وتصرح بأنه أفضل العلم الواصل إليهم عليهم السلام .

وهذا المعنى عام لكل الأئمة عليهم السلام ، بما فيهم المهدي (ع) طبقاً للفهم الإمامي له ، الذي ننطلق منه الآن .إذن ، فيكون الإمام المهدي (ع) ملهماً في تحديد وقت ظهوره ، بدون حاجة إلى تحديد سابق يرويه عن آبائه عليهم السلام .

وقد سمعنا في التاريخ السابق(4) من ألأخبار ما دل على أن الإمام إذا شاء ان يعلم شيئاً اعلمه الله تعالى ذلك وهو يسند مضمون هذه الأخبار أيضاً . ولا شك أن المهدي (ع) يريد طوال ايام غيبته أن يعلم وقت ظهوره ، فيلمه الله تعالى بالموعد عند حلوله ، عن طريق الإلهام أو نحوه من أساليب العلم التي أشارت إليها تلك الروايات .


صفحة (201)

ـــــــــــــــــ  

(1) أنظر المصدر المخطوط ، باب : جهات علوم الأئمة (ع) .

(2) المصدر والباب نفسيهما  .

(3) الإلهام :وصول المعنى إلى الذهن بدون لفظ .والوحي وصوله مع اللفظ وهو خاص بالأنبياء .

(4) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى ص: 515.

 

 

وإذا غضضنا النظر عن هذا المعنى (الإعجازي) للنكت في القلب ....أمكننا أن نحمله على عدة معاني طبيعية اعتيادية نذكر منها اثنان :

المعنى الأول : معنى عاطفي .وهو الغضب لله عز وجل ، وللعدل ...عند بلوغ انحراف من المسلمين غايته، ويكون هذا الغضب هو المعنى الحادث في قلبه عليه السلام يحمله على الخروج .

إلا أن هذا المعنى بمجرده غير كاف في تبرير الظهور ، فإن غضبه لله عز وجل وللعدل موجود على الدوام ما دام عصر الإنحراف موجوداً . إلا أنه يحتاج إلى العلم بانتصار حركته وثورته عند ظهوره .وهذا ما يحرز بالأطروحة الأولى والثالثة .

المعنى الثاني : معنى عقلي ،وهو علم المهدي (ع) باجتماع شرائط الظهور وتكامل علاماته .وهذا المعنى راجع إلى الأطروحة الثالثة التي سنذكرها .وإذا كان المراد من الخبر السابق على هذا المعنى ، كان دليلاً على ما سنقوله في الأطروحة الثالثة ، ولا يكون دالاً على معنى إعجازي .

وعلى أي حال، فهذا الخبر الذي دعمنا به الأطروحة الثانية ، لم تثبت وثاقة رواته ، ولم نجد غيره بمضمونه، فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي .ومعه لاتتم هذه الأطروحة .

الأطروحة الثالثة : ان المهدي (ع) يشخص وقت الظهور بخبرته الخاصة ... بعد أن كان تلقى أسسه العامة عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وينبغي أن نتحدث عن إثبات هذه الأطروحة ، ضمن عدة أمور :

الأمر الأول : أن نعدد بشكل موجز شرائط الظهور .وأهم ما يتمخض عنه التخطيط الإلهي العام السابق على الظهور من نتائج ، مما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق وهذا التاريخ ...،يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

الأول : وجود القيادة المتكاملة التي تقوم بمهام يوم الظهور ونشر العدل في العالم كله .

الثاني: وجود القانون العادل ،أو الأطروحة العادلة الكاملة ، التي تتكفل حل كل مشاكل البشرية وتستأصل جميع مظالمها .


صفحة (202)

 

الثالث: وجود العدد الكافي من الأفراد لفتح العالم على أساس العدل ، واستمرار حكمه على هذا الأساس .

الرابع : بلوغ الأمة الإسلامية ككل، إلى درجة النضج الفكري والثقافي .

بحيث تستطيع أن تستوعب وتتفهم القوانين والأساليب الحديثة التي يتخذها المهدي (ع) في دولة الحق والعدل

الخامس : تطرف انحراف المنحرفين ، إلى حد يكون على مستوى نبذ الشريعة الإسلامية وعصيان واضحات أحكامها .

السادس : يأس العالم أو الرأي العام العالمي ، ككل ، من الحلول المدعاة للمشاكل العالمية عن طريق الإسلام ..كما سبق أن برهنا .

إلى غير ذلك من النتائج .وهذه أهمها مما يمت إلى محل الحاجة بصلة .وهذه الشرائط ولواحقها كلها تكون مجتمعة ومتعاصرة ، نتيجة للتخطيط الإلهي العام . قبيل الظهور مباشرة ، ويكون الظهور كاشفاً لنا عن اجتماعها ....كما تكشف بعض الحوادث السابقة عليه عن بعضها .

الأمر الثاني: أن هناك أساليب عامة لتفسير وجود العلم لدى الإمام المعصوم (ع) ، شاملة للإمام المهدي (ع) طبقاً للفهم الإمامي الذي نتحدث عنه على طبقه الآن .وقد وردت أخبار المصادر الخاصة .وهي تصلح لتفسيرعلمه بأي من هذه الأمور .كالإلهام والنقر في الأسماع ، وقاعدة : إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً اعلمه الله تعالى ذلك .وقاعدة :  أن أعمال العباد تعرض على ألإمام كل جمعة .ويرى فيها رأيه النهائي في كل عام في ليلة القدر .

ولا نريد الدخول الآن في إثباتات ذلك ولعل بعض ما سبق في هذا الكتاب والذي قبله ما يصلح لذلك .إلا أننا نريد التجاوز عن كل هذه الأساليب، طمعاً في أن يتخذ البحث الشكل الطببعي المألوف . وقد لا تكون هناك منافيات بين الأسلوبين الإعجازي والطبيعي ، لكي يكون أحدهما نافياً للآخر .

الأمر الثالث : أننا إذا تجاوزنا عن تلك الأساليب العامة ، وحافظنا على الفهم الإمامي لفكرة المهدي ، مع فهم الغيبة طبقاً لأطروحة خفاء العنوان ، الذي سبق أن فهمناها وبرهنا عليها .


صفحة (203)


إذا لاحظنا كل ذلك ينتج لدينا كون الإمام المهدي (ع) شخصاً طويل العمر معاصراً لمئات الأجيال البشرية مذخوراً لإقامة العدل الكامل في العالم كله ، متصلاً بالناس خلال عصر غيبته بدون أن يعرفوه مواكباً لأخبارهم وورائهم عارفاً بآلامهم وآمالهم .

وإذا فهمنا المهدي (ع)  بهذا الشكل استطعنا أن نستوعب بكل سهولة ووضوح علمه بكل هذه الأمور ، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه .فإننا لا ينبغي أن ننزل في التصور عن الشخص العبقري والمفكر الألمعي ، فإن الفرد العبقري قد يطلع على عدد من جوانب تلك الخصائص ، وإن تعذرت إحاطته الكاملة بها ، بطبيعة الحال ... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب الصفات الكبيرة والمميزات الجليلة . وبخاصة إذا كان للإمام (ع) اهتمام خاص بتتبع هذه الخصائص ومواكبة وجودها التدريجي ، حتى تصل إلى درجة الكمال .وهذا الإهتمام موجود بكل أكيد ، باعتبار حرص الإمام المهدي (ع) بمعرفة موعد ظهوره أكثر من أي شخص آخر .

ليس هذا فقط اعني أن المهدي (ع) لا يكتفي فقط بمجرد العلم بالحوادث والإطلاع على التفاصيل ، بل هو مكلف – في بعض الحدود التي عرفناها في التاريخ الاسبق(1) - بالمشاركة بالبناء الإجتماعي الخّير ودفع البوائق والكوارث عن الأمة الإسلامية .ومعه فلا يكون فقط عالماً بتحقيق تلك الخصائص كفرد عبقري ، بل هو مشارك في وجودها لأخبارها مواكبة داخلية ، لو صح التعبير ، وهوأفضل أشكال العلم (الطبيعي) ، وأكثرها تفضيلاً ودقة .

وهذا هو الذي يفسر لنا علمه (ع) بكل الأمور الستة ، كما هو غير خفي على القارىء الذكي ....مع وجود بعض المميزات في عدد من النقاط ، نشير إليها فيما يلي :

أولاً : بالنسبة إلى الأمر الأول ،يعتبر وجود القائد أمراً وجدانياً للمهدي (ع) باعتباره يرى نفسه هو ذلك القائد بطبيعة الحال ، ويعرف ذلك بالضرورة .

ثانياً : بالنسبة إلى الأمر الثاني : يتم تلقي أساس الشريعة وقواعدها العامة ، بنحو الرواية عن آبائه عن النبي (ص) ...وإن كان (ع) يطلع على عدد من التطبيقات عن طريق العلم (الطبيعي) الذي أشرنا إليه .


صفحة (204)

ـــــــــــــــــ  

(1)انظر ص53

 

 

ثالثاً : بالنسبة إلى الأمر الثالث :وهو وجود العدد الكافي من المؤيدين والأنصار ، يكفي في إطلاعه (ع) على تكاملهم عدداً وإخلاصاً ، نفس الطرق السابق ، مع ملاحظة اهتمامه الدائم والدائب عن الفحص عن ذلك ، ويفوق هذا الأمر الثالث غيره نقطة قوة مهمة ، هو ما أشرنا إليه في التاريخ السابق (1) ، من أنه (ع) يجتمع بالناجحين الكاملين بالتمحيص ويعرفهم على حقيقته ، انطلاقاً من عدة أدلة أهمها الفكرة القائلة أن المانع عن التعرف على الإمام إنما هو الذنوب وأنحاء القصور والتقصير، فإذا ارتفع كل ذلك ، كان التشرف بخدمة الإمام ممكناً وسهلاً .إلا أن ذلك خاص بالمخلصين من الدرجة الأولى من درجات الإخلاص الأربع التي ذكرناها هناك(2) .

ومعه يكون تعرفه(ع) على هؤلاء الممحصين وعددهم ودرجة إخلاصهم ، تعرفاً مباشراً ، بالمشاهدة والوجدان .

نعم ، قد يبقى تعرفه على الناجحين في التمحيص من الدرجات الأدنى من ذلك . متزقفاً على الطريق (الطبيعي) الذي ذكرناه .

رابعاً : بالنسبة إلى الأمر الخامس، وهو تطرف انحراف المنحرفين ، يحتوي على شواهد كثيرة ، أعلاها مطاردة الإمام المهدي (ع) بالجيش الذي يخسف به ومقتل النفس الزكية ...وقد تكون هناك شواهد أخرى لدى الإمام المهدي (ع) لم ترد في النقل .

هذا ، واما بالنسبة إلى الأمرين الخامس والسادس ، فيبدو أنهما يقتصران على ذلك الطريق الطبيعي، وليس فيهما مزية زائدة ...وهو كاف تماماً في تفسير كيفية علم الإمام المهدي ( ع) بهما .

هذا وينبغي ان نلتفت بهذا الصدد ، أن للأمور الأربعة من هذه الستة التي أسلفناها مستويين من الإثبات :

المستوى الأول : تشخيص ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الإسلامية من مستوى هذه الصفات ، لتكون مؤهلة لتنفيذ  اليوم الموعود .


صفحة (205)

ـــــــــــــــــ  

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص152.

(2) المصدر ص248.

 

فكم ينبغي أن يكون عدد المخلصين ليكون كافياً لغزو العالم بالعدل ..،كم ينبغي أن يكون العمق الفكري في الأمة لتكون قابلة لفهم القوانين المهدوية الجديدة ...وكم ينبغي أن يتطرف أنحراف المنحرفين وكفر الكافرين ...وكم نسبة من البشر ينبغي أن يكون يائساً من الحلول المعروضة فيعصر التمحيص والإنحراف ، كل ذلك من زاوية التشخيص النظري .

المستوى الثاني: التشخيص العملي بأن هذه الأمور التي ينبغي أن تقع  والتي استهدف التخطيط العام إيجادها جميعاً ...هل وجدت ليكون الوعد ناجزاً ، أو لم توجد بعد .وما ذكرناه من طريق تعرف الإمام المهدي (ع) بالنتائج كان هذا المستوى هو المنظور فيه .

وأما طريقة علمه (ع)  بالمستوى الأول ، فمن الواضح تكفل الأسلوب العام الإعجازي لعلم الإمام بتغطيته بوضوح .وأما لو تجاوزنا عنه فينبغي أن يكون علمه به ناتجاً عن خبرتين مزدوجتين .

الخبرة الأولى : ما يحصله (ع) من إطلاع على حوادث الأجيال وقوانين التاريخ ، في خلال معاصرته الطويلة لبشرية ، كما سبق أن ذكرنا في التاريخ السابق(1) .
الخبرة الثانية : معرفته بالمستوى المطلوب الذي سيكون عليه اليوم الموعود ، أو – بتعبير آخر – ما سيعلنه هو في دولته العالمية من مفاهيم وقوانين وما سيقوم به من اعمال .

وهو علم مفروض الوجود عنده (ع) ، ولا أقل من زاوية قواعده العامة وأساليبه الكلية .

ومع اجتماع هاتين الخبرتين ، يستطيع أن يتعرف على المستوى الأول بكل وضوح ، خذ مثلاً : إن كل مثقف إلى الدرجة الكافية ، يستطيع أن يشخص المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الفرد ثقافياً ليفهم كتاب ( روح القوانين ) لمونتيسكيو  ، أو أن ينظم قصيدة جميلة بمناسبة زواج ما مثلاً ، كما أنه يستطيع أن يشخص مقدار قوة الإرادة والعزم الذي يكفي إرتداع الفرد عن الرشوة .

وعلى أي حال ، فقد صحت الأطروحة الثالثة القائلة بأن في إمكان المهدي (ع)  أن يطلع على اجتماع شرائط الظهور بنفسه ، ولا حاجة له – بعد ذلك إلى المعجزة المنبهة له إلى ذلك ، كالأسلوب الأول من الأطروحة الثانية . بل تكون عندئذ مخالفة لقانون المعجزات .


صفحة (206)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص512وما بعدها .

الفصل الثاني

في تاريخ الظهور وموعده

 

ويمكن أن يتم ذلك على عدة مستويات ، لا بد من عرضها ونقدها ، واختيار الصحيح منها :

المستوى الأول : في تعيين تاريخ الظهور بشكل تفصيلي يذكر فيه العام والشهر واليوم .وهذا ما لا سبيل إليه ولم يرد تحديده في أي نص . وهو المستوى الذي تكذبه أخبار نفي التوقيت ولعن الوقاتين ، التي رويناها في الباب الأول من القسم الأول من هذا التاريخ .

وقد سبق أن عرفنا أن إخفاء التاريخ التفصيلي هو أحد حلقات التخطيط التي تتيح للمهدي (ع) وأصحابه فرص النصر في مهمتهم العالمية .وذلك باعتبار توفر عنصر المفاجأة التي هي أهم اسباب عناصر النصر .

المستوى الثاني : في تعيين موعد الظهور إجمالاً .كما لو قلنا أنه يحصل متى أراد الله تعالى أو نحو ذلك ، وكل ذلك صادق إلا أنهه لا يسعفنا بشيء مهما فيما نحن بصدده .

المستوى الثالث: استنتاج التاريخ إجمالاً أو تفصيلاً . من بعض كلمات النصوص القرآنية أو غيرها ، عن طريق قواعد (علم الحروف) المسمى بالجفر وهو علم موجود عند بعض الفلاسفة والصوفية ، يدعون أنه ينتج الإطلاع على الحقائق المجهولة .ومن هنا يحسن أن نحمل عنه فكرة كافية .

 

صفحة (207)

 

وقد استعمل هذه القواعد لإستكشاف موعد ظهور المهدي (ع) جماعة من علماء المسلمين ، منهم الشيخ محيي الدين بن عربي  القائل :

          إذا دار الـزمـان عــلى حـروف              بـبـسـم الله فالمـهـدي قامـا

         ويخـرج بـالحطيم عقـيـب صـوم             ألا فـاقرأه مـن عـندي السلامـا(1)


وظاهره محاولة استكشاف الموعد من الحروف التي يتكون منها لفظ : باسم الله

وقال الشيخ الكبير عبد الرحمن البسطامي :

         ويـظهر منـهم المـجد مـن آل أحمد        ويـظهـر عـدل الله في الـنـاس أولاً

         كمـا قد روينـا عن علي الرضـا وفي        كـنز علـم الحـرف أضحى محصـلا

وقال أيضاً :

         ويـخرج حرف الميـم مـن بعـد شينه       بمكـة نحو البيـت بالنصـر قد علا

         فهـذا هـو المـهدي بالحـق ظـاهـر       سـيأتي مـن الرحمن للخلق مرسلا

الخ .........الأبيات(2)

وستكون معرفة ذلك ، بطبيعة الحال ، متعذرة لغير من يتقن تلك القواعد ويجيد طريقة الإستخراج منها ،ولو كانت صحيحة .

وإن أوسع محاولة اطلعت عليها في ذلك ، هو ما قام به الشيخ المجلسي في (البحار)(3) على أثر خبر يرويه عن أبي لبيد الإمام الباقر (ع) قال:

قال أبو جعفر (ع) ك يا أبا لبيد ، إنه يملك من ولد العباس اثنا عشر... إلى أن قال : يا أبا لبيد : إن في حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً .إن الله تعالى أنزل : ألم ، ذلك الكتاب .فقام محمد (ص) حتى ظهر نوره وثبتت كلمته .وولد يوم ولد ، وقد مضى من الألف السابع(4) مائة سنة وثلاث سنين .

ثم قال : وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة ، إذا عددتها من غير تكرار ، وليس من حروف مقطعة حروف مقطعة حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه .

ثم قال : الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فذلك مائة وإحدى وستون . ثم كان بدء خروج الحسين بن علي (ع) الم الله . فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند (المص) وفقام قائمنا عند انقضائها بـ (الر) ذلك وعه واكتمه.


صفحة (204)

ـــــــــــــــــ  

(1) أنظر ينابيع المودة ص499 ط النجف.    (2) المصدر ص559.

(3) انظر ج13 ص132.                      (4) يعني من نزول آدم (ع) إلى الأرض.

 

وقد تكلم المجلسي حول هذا الخبر كلاماً طويلاً ، وذكر أن بعض ما أشار إليه الخبر من تحديدات ، يطابق الواقع ، كبعثة النبي (ص) .ونحن ننقل منه فيما يلي ما يمت إلى المهدي (ع) بصلة :

قال المجلسي : قوله : ويقوم قائمنا عند انقضائها بـ (الر) .

هذا يحتمل وجوهاً :

الأول: أن يكون من الأخبار المشروطة البدائية(1) ولم يتحقق لعدم تحقق شرطه . كما تدل عليه أخبار هذا الباب .

الثاني: أن يكون (يعني:الر) تصحيف (المر)(2) ويكون مبدأ التاريخ ظهور أمرالنبي (ص) قريباً من البعثة كـ(ألم ) . ويكون المراد بقيام القائم قيامه بالإمامة تورية .

فإن إمامته كانت في سنة ستين ومائتين ،فإذا أضيفت إليه إحدى عشرة سنة قبل البعثة يوافق ذلك .

الثالث : أن يكون المراد جميع أعداد كل (الر) يكون في القرآن وهي خمس مجموعها ألف ومائة وخمسة وخمسون(3) .ويؤيده أنه (ع) عند ذكر (ألم) لتكرره . ذكر ما بعده لتعيين السورة المقصودة ، ويتبين أن المراد واحد منها .بخلاف (الر) لكون المراد جميعها. فتفطن(4).

الرابع : أن يكون المراد انقضاء جميع الحروف مبتدأ بـ(الر) . بأن يكون الغرض سقوط (المص) من العدد أو (الم) أيضاً . وعلى الأول يكون : ألفاً وستمائة وستة وتسعين(5) .

 

صفحة (209)

ـــــــــــــــــ  

 (1) أي التي حصل فيها البداء فلن تتحقق .

 (2) والقيمة المطلقة لهذه الحروف بحساب الجمل إحدى وسبعين ومائتان .للألف واحد وللام ثلاثون وللميم أربعون وللراء مئتان .

 (3) لأن قيمة الواحدة منها مائتان ، واحد وثلاثون فإذا ضوعفت خمس مرات كان الناتج هو ذلك .

 (4) هذه إشارة المجلسي على صعوبة هذه الإستفادة من الخبر .

 (5) هذا الوجه الرابع غيرمفهوم المقصود بوضوح بحيث ينتج الأرقام التي ذكرناها ، فإن الكلمات المقطعة في القرآن تسع وعشرون وحروفها خمس وسبعون .ومجموع قيمتها بحساب الجمل ثلاثة آلاف ومئة وخمس وخمسون فإن طرحنا ( على الأول ) قيمة (المص) وهي مائة وإحدى وستين كان الباقي الفين وتسعمائة وأربعا وتسعين وإن طرحنا على (الثاني ) قيمة ألم فإن أراد المجلسي واحداً منها وقيمته واحد وسبعون كان الباقي ثلاثة آلاف وأربعاً وثمانين ،وإن أراد طرح اثنين منها – وهي السابقة على المص في القرآن الكريم – كان الباقي ثلاثة الآف وثلاثة عشر،وإن أراد طرح قيمة مجموع ما ورد من هذه الكلمة في القرآن الكريم ...وقد تكررت ست مرات وقيمتها أربعمائة وست وعشرون .كان الباقي الفين وسبعمائة وتسعاً وعشرين فن طرحنا معها أيضاً قيمة المص المشار إليها كان  الباقي ألفين وخمسمائة وثمان وتسعين وكل هذه النواتج أكبر من الرقم الذي ذكره المجلسي ...طبقاً لحساب (ابجد ) المعروف ، فضلاً على حساب المغاربة .

وعلى الثاني يكون الفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين .وعلى حساب المغاربة يكون على الأول الفين وثلاثمائة وخمسة وعشرين وعلى الثاني : الفين ومائة وأربعة وتسعين .وهذه أنسب بتلك القاعدة الكلية ، وهي قوله : وليس من حرف ينقضي ...

إذ دولتهم (ع) آخر الدول . لكنه بعيد لفظاً .ولا نرضى به .رزقنا الله تعجيل فرجه (ع) .

وأضاف : هذا ما سمحت به قريحتي بفضل ربي في حل هذا الخبر المعضل وشرحه فخذ ما اتيتك وكن من الشاكرين .واستغفر الله من الخطأ والخطل في القول والعمل أنه أرحم الراحمين .

اقول :ويحتمل وجوهاً أخرى عديدة ،نذكر فيما يلي عددا منها طبقاً لنفس الترقيم .

الخامس: وهو المستظهر من الخبر حين يقول : ويقوم قائمنا عند انقضائها (يعني ألمص) ب: الر ...يعني : حين ينقضي رقم المص نحسب حساب الر ، فإذا انقضى رقمه كان موعد قيام القائم ناجزاً.

فإذا علمنا أن قيمة (المص) مائة وواحد وستون ، وقيمة مجموع ما ورد في القرآن من كلمة ( الر) – وقد تكررت خمس مرات – الف ومائة وخمس وخمسون ..كان المجموع ألفاً وثلاثمائة وستة عشر ، وهو تاريخ هجري قد مضى قبل ثمانين عاماً . ولم يظهر المهدي (ع) فيه .

ومعه لا بد أن نحمل ذلك على أنه تاريخ لما بعد ولادته ، وقد عرفنا في ( تاريخ الغيبة الصغرى) أنه ولد عام 255(1) فيكون المجموع الفاً وخمسمائة وواحداً وسبعين ، أي أن المهدي سوف يظهر بعد مئة وخمس وسبعين عاماً .

السادس : أن يكون المراد بـ(الر) قيمة حروفه باعتبار اسمائها ، أعني : ألف لام را – والهمزة  ساقطة عند علماء الحروف – فيكون مجموعها ثلاثمائة وثلاثة وثمانين.

 

صفحة (210)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص261
 

فإذا ضاعفنا ذلك خمس مرات ، بعدد تكرر هذه الكلمة في القرآن الكريم ،كان المجموع ألفاً وتسعمائة وخمسة عشر، فيكون هذا تاريخاً ميلادياً لا يظهر فيه المهدي .وأما إذا كان هجرياً أو محسوباً من ولادته عليه السلام أو أضفنا إليه قيمة المص ، كان التاريخ بعيداً نسبياً  .

السابع : أن يكون المراد : المرتبة الثانية من أسماء حروف كلمة (الر). فإن المرتبة الأولى منها هي أسماء حروف هذه الكلمات ....وقيمة مجموعها سبعمائة وست وثلاثون .فإذا أضفنا إليها قيمة (المص) كان المجموع ثمانمئة وسبعاً و تسعين . وهو تاريخ هجري لا يظهر فيه المهدي (ع) .فإذا أضفنا إليه 255 لميلاده عليه السلام كان الناتج الفاً ومئة واثنتين وخمسين .وهو تاريخ لم يظهر فيه المهدي (ع) أيضاً فإذا ضاعفنا القيمة المشار إليها لكلمة (الر) خمس مرات كان الناتج ثلاثة ألآف وستمائة وثمانين .فإذا أضفنا إليه قيمة (المص) كان المجموع ثلاثة آلاف وثمانمائة وواحداً وأربعين .وكلاهما تاريخ بعيد عن العصر الحاضر ...يحتمل فيه بدؤه من الهجرة أو من ولادته أيضاً .

فإذا التفتنا إلى جنب هذه الإحتمالات أن يكون الحساب على طريقة المغاربة ، كما احتمل الشيخ المجلسي ...كان الإحتمال أكثر...ويبقى موعد الظهور الحقيقي غيباً إلهياً . كما أراده الله تعالى أن يكون في تخطيطه العام .

وعلى أي حال ، فإنه مما يهون الخطب أن هذا الخبر لا يخلو من نقاط ضعف:

النقطة الأولى : أنه مروي عن أبي لبيد المخزومي .وقد ذكره علماء(الرجال) ولم يوثقوه ...فيكون الخبر ضعيفاً وغير صالح للإثبات التاريخي .

النقطة الثانية : إن الرواة بيننا وبينه مجهولون .أعني غير مذكورين بالمرة ، فيكون الخبر مرسلاً.

النقطة الثالثة : إن تفسير الحروف المقطعة في القرآن ، على أساس كونها تتكفل التنبؤ بحوادث المستقبل ، بحساب الجمل ، هو أحد احتمالات التفسير لها .ويدل عليه عدة أخبار منها خبر أبي لبيد هذا .إلا أن في مقابل ذلك أخباراً أخرى تدل على تفسيرات أخرى ، لا حاجة إلى ذكرها . والمهم أن تلك الأخبار تنفي مضمون هذا الخبر ، وتكون معارضة له ، فيسقط عن قابلية الإثبات بالمعارضة .

 

صفحة (211)

 

إلى بعض المناقشات الأخرى ، مضافاً إلى المناقشة  في (علم الحروف) ككل ، فإنه من العلوم الخفية التي لم يثبت دليل صحتها ،ولا بد من إيكال علمها إلى أهله .

المستوى الرابع : لمعرفة موعد الظهور :

هو الإعتماد على الروايات الواردة بهذاالخصوص ، والتي تعطينا إلماماً عن اليوم والشهر الذي يحصل فيه الظهور ، مع إهمال رقم السنة بطبيعة الحال .

وينبغي أن يقع الكلام هنا في نواحي:

الناحية الأولى: في التعرف على هذه الروايات ، ومحاولة استفادة التاريخ منها .

وهي روايات عديدة ، تأخذ التاريخ من زوايا نتعددة ، تذكر لكل زاوية مثالاً من الأخبار :

الزاوية الأولى : في تعيين السنة على وجه الإجمال .

أخرج الطبرسي في الإعلام(1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، قال : لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين ، سنة إحدى او ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع .

الزاوية الثانية : في تعيين الشهر وعدد أيامه :

أخرج الطبرسي أيضاً(2) عن أبي بصير ، قال :

قال أبو عبد الله (ع) : ينادي باسم القائم في يوم ست وعشرين من شهر رمضان .ويقوم في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (ع) .. الحديث .

وروى الشيخ في الغيبة(3) عن أبي بصير ، قال :

قال أبو عبد الله (ع) : أن القائم صلوات الله عليه ، ينادي اسمه ليلة ثلاثة وعشرين ، ويقوم يوم عاشوراء ، يوم قتل فيه الحسين بن علي (ع) .

صفحة (212)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر اعلام الورى ص430

(2) إعلام الورى ص430

(3) ص274.

الزاوية الثالثة : في تعيين اسم اليوم الأسبوعي .

روى الشيخ أيضاً (1) عن علي بن مهزيار ، قال :

قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : كأني بالقائم يوم عاشوراء  ، يوم السبت ... الحديث

وروى الصدوق في الإكمال(2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع ) قال: يخرج القائم يوم السبت يوم عاشوراء، يوم الذي قتل فيه الحسين (ع) .

الناحية الثانية : في مقدار صلاحية هذه الأخبار للإثبات :

بعد مراجعة مجموع ما ورد في المصادر من هذه الأخبار ، نجد أن الرويات الدالة على أن المهدي (ع) يظهر في وتر من السنين ، قليلة العدد ، وكذلك الروايات الدالة على أنه يظهر يوم السبت ...بخلاف ما دل على أنه يظهر في اليوم العاشر من محرم الحرام ، فإن فيه روايات عديدة قابلة للإثبات التاريخي .

وقد وجدنا إن تلك الأخبار القليلة مروية بأسانيد ضعيفة ، وقع فيها مجاهيل وضعاف ، فلا تكون قابلة للإثبات .ومعه يثبت أنه (ع) يظهر يوم العشر من محرم الحرام فقط . وهي أكثر هذه الخصائص أهمية وأشدها دخلاً في التكوين الفكري العام الذي عرفناه ... كما سنسمع .

الناحية الثالثة: في محاولة التعرف على حكمة التوقيت : في اليوم العاشر من المحرم ، بحسب فهمنا الحاضر، وطبقاً للتكوين الفكري العام الذي عرفناه ، ونتحدث عن ذلك ضمن نقطتين :

النقطة الأولى : إن المقصود الأساسي ـ بحسب ما نفهم – من هذا التوقيت ، أمران :

ألأمر الأول : كون هذا اليوم هو مقتل جده الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (ع) ، وهو ما نطقت به الروايات على ما سمعناه .


صفحة (213)

ـــــــــــــــــ  

(1) نفس الصفحة .

(2) انظر إكمال الدين ( المخطوط ) .

 

باعتبار أن ثورة الحسين (ع) وثورة المهدي (ع) معاً منسجمتان في الهدف ، وهو حفظ الإسلام من الإندراس والضمور .وقد كانت ثورة الحسين (ع) في حقيقتها من بعض مقدمات ثورة المهدي (ع) وإنجاز يومه الموعود، بصفتها جزءاً من التخطيط الإلهي لإعداد العاطفة والإخلاص والوعي في الأمة ، توخياً لإيجاد العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ، بين يدي المهدي (ع) ولو بعد حين .

كما أن ثورة الإمام المهدي(ع) دفاع عن الإمام الحسين (ع) وأخذ بثأره ، باعتبار كونها محققة للهدف الأساسي المشترك وهو تطبيق العدل وإزالة كل ظلم وكفر وإنحراف .وقد وردت بهذا المعنى بعض الأخبار التي سنسمعها .

وقد كان ولا زال وسيبقى وجود الحسين (ع) وثورته في ضمير الأمة خاصة والبشرية عامة حياً نابضاً ، على مختلف المستويات ، يلهم الأجيال روح الثورة والتضحية والإخلاص .ومن هنا كان الإنطلاق من زاويته انطلاقاً من نقطة قوة متسالم على صحتها ورجحانها .وإن أهم مناسبة يمكن الحديث فيها عن الإمام الحسين (ع) وأهدافه ، هو يوم ذكرى مقتله في العاشر من شهر محرم الحرام ، ومن هنا كان هذا التوقيت للظهور حكيماً وصحيحاً .

ألامر الثاني: كون هذا اليوم قريباً من موعد الحج الذي هو المنطلق الأساسي إجتماع المسلمين والفرصة الرئيسية الوحيدة التي يمكن وصول أنصار الإمام المهدي (ع) إليه في الموعد المخصص . بالأسلوب الطبيعي غير الإعجازي ، على ما سنسمع في النقطة الآتية :

النقطة الثانية : أننا سمعنا في أخار النداء وفي اخبار التوقيت الأخيرة ، أن النداء باسم المهدي (ع) سيكون في شهر رمضان ، حيث تكون النفوس عادة أقرب إلى طاعة الله وأبعد عن معصيته وأكثر اهتماماً بالأمور الدينية من أي شيء آخر .بل لعل النداء سيكون في ليلة القدر ، الثالث والعشرين من رمضان ... التي هي مركز  الطاعة والعبادة من ذلك الشهر .

وسيكون ظهوره (ع) في اليوم العاشر من المحرم ، أي أن الفاصل بين النداء والظهور حوالي مئة وسبعة أيام

والروايات ، لم تنص على هذا التتابع ، إلا أنه من غير المحتمل أن يكون النداء في رمضان من بعض السنين، ويكون الظهور في محرم بعد عدة سنين أخرى ، ولا حتى بعد مدار سنة كاملة ، أي – بالضبط – بعد عام وثلاثة أشهر وسبعة أيام.

 

صفحة (214)
 

ولعل أهم دليل على التتابع ونفي الإنفصال ، هو ما استفدناه من أخبار النداء من كون حدوث النداء إنما هو للتنبيه والإعلان عن حصول الظهور .وهذا إنما يصدق في الزمان القريب .ولعله إذا وجد بعد أيام قليلة كان أفضل.لولا أن مصلحة كبيرة هي التي اقتضت تأجيله إلى العاشر من محرم .وهو تاريخ  كبير نسبياً بالنسبة إلى تطبيق فكرة التنبيه والإعلان . ومن هنا لا يمكن الزيادة عليه إلا برفع عن هذه الفكرة ، ولكنها فكرة ثابته باعتبار دلالة الأخبار عليها ، كما سبق ، إذن فلابد من الإلتزام  بقر ب الظهور إلى وقت النداء ...وذلك بالشكل الذي عرفناه .

وتستطيع أن تتصور معي حال الأمة الإسلامية خلال هذه المدة ، وماهو مقدار تأثير النداء فيها .ومدى رد الفعل المتوقع له، وكيف سيكون عليه موسم الحج في ذلك العام ، وماذا سيكون رد الفعل من من قبل أولئك الممحصين المخلصين المؤهلين لغزو العالم بالعدل بين يدي القائد المهدي (ع) .

إن كل مؤمن ممحص، سيرى في النداء باسم المهدي (ع) الشرارة الأولى للظهور ،ولإثارة الشعور بالمسؤولية الإسلامية والوجوب الإسلامي في نفس الفرد فينصرة المهدي (ع) والمشاركة في شرف تأسيس العدل في العالم وتوطيد الدولة العالمية الإسلامية .

وسيكون ذهاب الفرد إلى مكة اعتيادياً ، لا يثير شكاً ولا يلفت نظراً . إنه يذهب إلى الحج كما يذهب أي فرد في كل عام. وبذلك يتخطى الحدود القانونية التي وضعتها الحضارة الحديثة(1).وسيكون الفرد في مكة عند ظهور المهدي (ع) . طبقاً للتخطيط الإلهي الحكيم .

وبذلك يتوافد كل أنصار المهدي (ع) من كل العالم ، وقد أصبحوا بعدد كاف لغزو العالم بالعدل ، نتيجة للتخطيط العام .....ويحجون مع الناس .وهم يتوقعون ظهوره في أي لحظة ... إن لم يكونوا مسبوقين بروايات التوقيت – ولكن الظهور سيتأخر عن أيام الحج ... فيسافر الحجاج راجعين إلى بلدانهم وتخلو مكة المكرمة منهم ...إلا أولئك الذين ينتظرون الظهور .إنهم سوف يضطرون إلى البقاء بعد الحج إلى موعد قد لا يعرفونه بالتحديد ...هو موعد الظهور ... بدون أن يصرحوا بمقاصدهم الحقيقية لأي إنسان .


صفحة (215)

ـــــــــــــــــ  

(1) أود في هذا المقام أن نتذكر قوله تعالى : " كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دينالملك ، إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء ،وفوق كل ذي علم عليم " يوسف : 12/76

وسيثير بقاؤهم مشكلة قانونية ، يقع فيها الجدل بين الحاكمين هناك ، على ما نقلته بعض رواياتنا ، على ما سيأتي في فصل قادم .حتى إذا ما شاء الله عز وجل للمهدي (ع) أن يظهر في يوم عاشوراء ، كان هؤلاء ، هم البذرة الرئيسية لجيشه ، أمضاهم إرادة وأعمقهم عقيدة .

وبذلك نفهم أن لأصحاب الإمام المهدي (ع) الفرصة الكافية في الذهاب إلى مكة المكرمة ، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه .ومعه فتكون الروايات الدالة بظاهرها على أن وصولهم إليه بنحو إعجازي ، تكون مخالفة لـ (قانون المعجزات) ومحتاجة إلى فهم جديد .

وسيأتي التعرض لذلك في فصل آت من هذا القسم .

الناحية الرابعة : في إثارة بعض الإعتراضات والأسئلة على التوقيت الذي تحدثنا عنه ، مع محاولة الجواب عنه .وهي عدة أمور:

الأمر الأول :ما هو موقف اعداء الإمام المهدي (ع) من النداء؟ فإن من المفهوم أن هذه المدة التي تتخلل بين النداء والظهور كافية تماماً للإستعداد لسحق أي حركة متوقعة في العالم والقضاء عليها في مهدها وبمجرد حدوثها . فكيف ينجو الإمام المهدي (ع) من ذلك ؟!

 فإن الأعداء قد يسمعون النداء ، وخاصة أنه نداء رهيب واسع يخرج الفتاة من خدرها ويوقظ النائم ويفزع اليقظان ، كما سمعنا من الأخبار .وإذا سمعوه توقعوا الظهور واستعدوا ضده لا محالة .

ويمكن الجواب على ذلك ، ضمن عدة مستويات :

المستوى الأول: أنه دليل على أن صوت النداء شامل للبشر أجمعين بل هو بصفته إعجازياً – سيحدد – بالمعجزة – بالمقدار الذي يحتوي على المصلحة ويكون خالياً عن المضاعفات .ومن هنا يمكن أن يكون النداء مقتصراً على منطقة دون منطقة.أو مجموعة من الناس دون مجموعة .

وهذا مخالف لظاهر الأخبار التي سمعناها تقول : ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فسمع من بالمشرق ومن بالمغرب . أو تقول : فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا سمع الصيحة .إلا ان نخصها بمنطقة أو جماعة باعتبار أن عموم النداء وشموله لكل الناس يشكل خطراً على المهدي (ع) في أول ظهوره .وأما رد الفعل الموصوف في الأخبار للصيحة ، وهي أنها توقظ النائم وتفزع اليقظان وتخرج الفتاة من خدرها ...فيمكن أن نخصه بالسامعين ، ولايشمل غيرهم بطبيعة الحال .إلا أن قوله عن الصيحة : أنها تخضع لها أعناق أعداء الله تعالى .صريح في سماعهم لها ...غير أنه صريح في نفس الوقت بعدم قدرتهم في وقوفهم ضدها .

 

صفحة (216)

 

المستوى الثاني : أنه لا دليل على أن مضمون هذا النداء سيكون هو الدعوة إلى نصرة المهدي (ع) من أجل غزو العالم بالعدل .بكل صراحة ...ليشكل خطراً على أعداء الله ليستعدوا ضده . بل إنه ليس كذلك يقيناً ، فإن ما صرحت به الروايات هو أنه ينادي بإسمه واسم أبيه ، ليس إلا .

فنعرف من ذلك : أن مضمون النداء هو ـ على الأغلب ـ إمامكم محمد بن الحسن حجة الله ونحو ذلك .من دون أي إشارة إلى أهدافه ولا إلى ظهوره ، ولا حتى إلى كونه المهدي الموعود .وإنما سيعرف المؤمنون كل ذلك باعتبار مسبقاتهم الذهنية وأدلتهم العقائدية ...وهذا غير متوفر لدى أعداء الله بطبيعة الحال .

المستوى الثالث: إن القوى العالمية المادية الحاكمة في الدول الكبرى وغيرها ، لو فرضنا ، أنها سمعت بالنداء أو وصلها خبره ، بل لو عرفت مضمونه بشكل وآخر ...فسوف لن تفهمه كما ينبغي أن يفهم ..وإنما تعتبره دعاية كاذبة أوعملاً تخريبياً صادراً من قبل بعض الدول أو الجهات ، قد يكون مذاعاً عن طريق بعض الإذاعات أو محطات التلفزة أو أحد الأقمار الصناعية المخصصة للبث الإذاعي .إذن ، فهو – في رأيها – ليس عملاً يستحق المجابهة والتحدي .

المستوى الرابع : إنه لا دليل على بقاء الحالة العالمية ما هي عليه الآن ، واستمرارها إلى وقت النداء والظهور .بل هناك ما يدل على زوال الحضارات والقوى الكبرى عن المسرح العالمي قبل ذلك ....وسنبحثه في فصل قادم .

ومعه لن يكون للمهدي (ع) أعداء رئيسيون في أي مكان من العالم ، بحيث يمكنهم القضاء على حركته في مهدها ، حتى لو سمعوا النداء وفهموه .

المستوى الخامس : إنه مع التجاوز عن جميع المستويات السابقة ، يصلح ما قلناه في خلال الحديث عن أخبار النداء جواباً في صددنا هذا ، وهو أم ظهور المهدي (ع) الذي يتأخر أكثر من مئة يوم ، سوف لن يتعين انطباقه على النداء إلا بعد أن يقوى المهدي (ع) ويشتد ساعده وتكون حركته قابلة للصمود ضد أي اعتداء .

الأمر الثاني : ـ من الناحية الرابعة ـ: إنه قد يخطر في الذهن أن تحديد زمان الظهور بالنحو الذي سمعناه ينافي مع الإنتظار المستمر للمهدي (ع) وأنه من المتوقع  ظهوره في أي يوم وفي أي لحظة .


صفحة (217)

 

إذ مع التحديد بيوم عاشوراء ، سوف لن يكون ظهوره في سائر أيام السنة مترقباً ، كما أنه مع التحديد بالسنوات الوتر :إحدى أو ثلاث أو خمس ...لن يكون ترقب ظهوره في السنوات المزدوجة : اثنان أو أربع أو ست موجوداً .وهذا بخلاف ما لو كان التحديد واقعياً غير معروف لأحد ، فإن توقع الظهور يبقى لدى الناس موجوداً ، وبذلك نحرز فوائد الإنتظار التي عرفناها في التاريخ السابق(1).

ويمكن الجواب على ذلك ضمن عدة مستويات :

المستوى الأول : إن كل هذه التحديدات لا تكاد تكون معروفة لدى عامة الناس ...ومن هنا نجد منهم من يحدد بتحديدات أخرى لم نجدها في الأخبار ـ في حدود إطلاعنا ـ كتحديد الظهور في ليلة القدر أو تحديده بين شهري جمادى الثانية ورجب .وإذا لم يكن هذا التحديد معروفاً كان الجاهل به منتظراً للظهور على الدوام .

غير أن هذا المستوى لا يكاد يكون تاماً، إذ بمقتضاه يكون الإنتظار منتفياً بالنسبة إلى من يعلم بهذه المواعيد، ممن يقرأ هذا الكتاب أو غيره .

المستوى الثاني: إن هذه المواعيد ، وإن ثبتت بأدلة قابلة للإثبات التاريخي ،أو كان بعضها كذلك ...إلا أن الإثبات التاريخي سيء واليقين شيء آخر . فمثلاً إن قول ابن الأثير في كتابه (الكامل) كاف للإثبات التاريخي ولكنه ليس بيقيني الصدق على أي حال ، ونحن لم نسمع هذه الأخبار من المعصومين(ع) أنفسهم ، بل من الرواة الناقلين عنهم ، فلا تعدو الرواية  أن تكون ظنية ولكنها قابلة للإثبات.

فإذا كانت هذه التحديدات والمواعيد ظنية ـ كان هناك احتمال آخر يقابله .

فمثلاً : إننا نظن ـ طبقاً للأخبار ـأن المهدي (ع) سيظهر في يوم عاشوراء ، ونحتمل احتمالاً اقل بأنه سيظهر في يوم آخر من السنة .ومعه يكون الإنتظار خلال كل أيام السنة ثابتاً .

المستوى الثالث: إن ظهوره في أي يوم آخر أو أي عام إفرادياً كان رقمه أم زوجياً .


صفحة (218)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص438 وما بعدها .

وبالتالي في أي لحظة مهما كانت ... ليس فقط بمجرد احتمال، بل هناك ما يدل عليه من الأخبار .كما سمعنا في التاريخ السابق كقوله :مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلا الله عز وجل .لا تأتيكم إلا بغتة .وقول المهدي الذي سمعناه هناك .في رسالته للشيخ المفيد(1) فإن أمرنا بغتة فجأة .

إذن ، فهناك ما يكفي للإثبات على بعض التحديدات ، كما أن هناك ما يكفي إثبات الإطلاق – لو صح التعبير ـ ، ولاتعارض بينهما ، لأن ظهور المهدي (ع) في بعض هذه المواعيد المحددة مصداق من ذلك الإطلاق على أي حال .نعم ، تكون أدلة الإطلاق  موجبة نفسياً وعقلياً للإنتظار الدائم .

المستوى الرابع : أننا لو فرضنا أن الأخبار الدالة على التحديد قطعية الصدور عن المعصومين (ع) ، فإن مضمونها يبقى محتملاً غير قطعي ، لإحتمال نسخه وحصول البدء فيه .... بالمعنى الذي قام الدليل على إمكانه على الله عز وجل وخاصة بعد أن نسمع من الأخبار ماهو محتوم ، يمكن أن يقع فيه البدء بالرغم من كونه محتوماً .

فالسفياني ـ مثلاً ـ الذي ورد في عدد من الروايات أنه من المحتوم ،وفي بعضها القسم على ذلك ..كالذي رواه النعماني في الغيبة(2) بسنده عن عبد الملك بن أعين ، قال :

كنت عند أبي جعفر (ع) فجرى ذكر القائم (ع) . فقلت له : أرجو أن يكون عاجلاً . ولا يكون سفياني .فقال : لا والله ! إنه لمن المحتوم الذي لا بد منه ويشبهه الخبر الذي يليه .

بالرغم من ذلك ، فقد ورد فيه احتمال البدء، ومن ثم احتمال أن لا يوجد كالخبر الذي ورد عن داود بن القاسم الجعفري ، قال:كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) ، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم ، فقلت لأبي جعفر (ع) : هل يبدو لله في المحتوم ؟

قال: نعم .قلنا له : فنخاف أن يبدو لله في القائم ! ... فقال : إن القائم من الميعاد ، والله لا يخلف الميعاد(3).


صفحة (219)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص27وما بعدها .

(2) ص161.

(3) المصدر ص162.واعلم أن احتمال البداء في السفياني وغيره لا يعني اسقاطه عن نظر الإعتباروالإلتزام بعدمه .فإن معنى احتمال البداء هو كون السفياني – مثلاً – داخلاً في التخطط . فمن زاوية كونه دخيلاً لا معنى لإسقاطه عن نظر الإعتبار. أقول : وهذاالتبدل إنما يحصل في بعض التطبيقات لا في الاسس  العامة للتخطيط بطبيعة الحال.

 

فإذا كان البدء يمكن أن يحصل في المحتوم الذي لا بد منه ، فكيف حال التحديدات غير المحتومة .

وإذا كان احتمال البدء موجوداً ، لم يبق هناك موعد معين معروف لدى الناس لا يقبل الخلاف والتبديل ، ومعه يبقى الإنتظار الدائم ساري المفعول .... طبقاً لروايات (الإطلاق) التي سمعناها .

الأمر الثالث : هل تكون هذه الأخبار الدالة على تعيين اليوم والشهر مشمولة لأخبار نفي التوقيت ولعن الوقاتين . فإن كانت كذلك كانت واجبة التكذيب لا محالة .

إلا أن هذا الشمول غير صحيح ، ولكل من شكلي الأخبار ميدانه الخاص به من دون أن يكذب احدهما الآخر .

وأهم دليل على ذلك ، وجود قرائن داخلية في نفس الأخبار النافية للتوقيت تجعلها نصاً في مركز التكذيب هو رقم السنة فقط .دون اسم الشهرة ورقم اليوم واسمه من الأسبوع ، كالخبر الذي أخرجه النعماني(1) عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر الباقر(ع) يقول : يا ثابت ! إن الله قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين. فلما قتل الحسين (ع) اشتد غضب الله فأخره غلى أربعين ومائة . فلما حدثناكم بذلك أذعنتم وكشفتم قناع الستر. فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً .يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (ع) ، فقال : قد كان ذلك .

وهناك بعض الأخبار بهذا المضمون ...هي واضحة في أن ما ألغاه الله تعالى وأمر بتكذيبه إنما هو رقم السنة ، وهو لايشمل الخصائص الأخرى غير أن هذه الأخبار تحتوي ، من بعض الجهات الأخرى ، على بعض الإستفهامات التي لا مجال الآن إلى عرضها والجواب عليها .ولعلنا نتوفر على ذلك على ذلك في محل آخر من هذه الموسوعة .


صفحة (220)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر الغيبة الكبرى للنعماني ص157.

 

الفصل الثالث

خطبته الأولى بين الركن والمقام وبيعته

 

وينبغي ان نتكلم في هذا الفصل عن عدة جهات :

 الجهة الأولى : في الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يظهر اول ما يظهر بين الركن والمقام ، وقد وردت بذلك الأخبار من الفريقين :

أخرج أبو داود(1) عن أم سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) قال :

يكون اختلاف عند موت خليفة ، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة ، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره . فيبايعونه بين الركن والمقام .ويبعث إليه بعث من أهل الشام .فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة .فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق . فيبايعونه بين الركن والمقام. ويبعث إليه بعث من اهل الشام ، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة . فإذا رأى الناس ذلك أتاه ابدال الشام وعصائب أهل العراق .فيبايعونه (بين الركن والمقام) ... الحديث.

وأخرج السيوطي في الحاوي(2) عن الطبراني في الأوسط والحاكم عن أم سلمة ، قالت :قال رسول الله (ص):

يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر ، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام ، فيغزوه جيش من اهل الشام حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم .

وأخرج أيضاً (3) عن نعيم بن حماد عن قتادة ، قال رسول الله (ص) :

يخرج المهدي من المدينة المنورة إلى مكة ، فيستخرجه الناس من بينهم فيبايعونه بين الركن والمقام ، وهو كاره . وكذلك الخبر الذي قبله .

 

صفحة (221)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر سنن أبي داود ، ص423 ج2

(2) الحاوي ج2ص129

(3) المصدر ص152

 

وأخرج المفيد في الإرشاد(1) عن أبي بصيرعن أبي عبد الله الصادق (ع) ، في حديث يقول فيه : لكأني يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام ... الحديث.

وروى الشيخ في الغيبة (2) عن علي بن مهزيارعن ابي جعفر الباقر (ع) قال :

قال أبو جعفر (ع) : كأني بالقائم يوم عاشوراء ، يوم السبت ، قائماً بين الركن والمقام ....الحديث.

وأخرج النعماني في الغيبة(3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، في حديث يقول فيه :

فإذا تحرك متحرك (متحركنا) فاسعوا إليه ولو حبواً .والله لكأني انظر إليه بين الركن والمقام ... الحديث .

إلى أخبار أخرى كثيرة تدل على ذلك .

الجهة الثانية : في سرد الأخبار الدالة على خطبته التي يلقيها (ع) في موقفه ذاك بين الركن والمقام .

أخرج النعماني في الغيبة(4) بإسناده عن جابربن يزيد الجعفي ، قال :

 قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع) – في حديث طويل ـ : والقائم يومئذ بمكة ، وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً ، فينادي : ياأيها الناس ، إنا نستنصركم الله ومن (فمن) أجابنا من الناس ، وإنا (فانا) أهل بيت نبيكم محمد .ونحن أولى الناس بالله وبمحمد (ص) .


صفحة (222)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص341.                  (2) ص274.

(3) الحاوي ج2 ص102.     (4) ص150.

 

فمن حاجني في آدم ، فأنا أولى الناس بآدم .ومن حاجني في نوح ،فأنا أولى الناس بنوح .ومن حاجني في إبراهيم ، فأنا أولى الناس بإبراهيم .ومن حاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد.ومن حاجني بالنبيين ، فأنا أولى الناس بالنبيين ، أليس الله يقول في محكم كتابه "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين وذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم"(1)، فأنا بقية من آدم وذخيرة من نوح ومصطفى من ابراهيم وصفوة من محمد صلى الله عليهم أجمعين .

ألا ومن حاجني في كتاب الله ، فأنا أولى الناس بكتاب الله .ألا ومن حاجني في سنة رسول الله ، فأنا أولى الناس بسنة رسول الله .

فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما بلغ منكم الشاهد الغائب .

وأسألكم بحق الله وبحق رسوله وبحقي .فإن لي عليكم حق القربى من رسول الله ، ألا أعنتمونا ومنعتمونا ممن يظلمنا .فقد أخفنا وظلمنا وطردنا من ديارنا وأبنائنا ،وبغي علينا ودفع عن حقنا ،فافترى أهل الباطل علينا ،فالله فينا لا تخذلونا وانصرونا ينصركم الله ... الحديث

وأخرج المجلسي في البحار(2) بالإسناد عن الفضلبن محبوب رفعه إلى أبي جعفر (ع) قال :

ـ في حديث – و القائم يومئذ بمكة عند الكعبة مستجيراً يقول أنا ولي الله ، أنا أولى بالله وبمحمد (ص) . فمن حاجني في آدم فأنا أولى بآدم ،ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح .ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم ، ومن حاجني في النبيين فأنا اولى الناس بالنبيين .إن الله تعالى يقول :"إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " .

فأنا بقية آدم وذخيرة نوح ومصطفى وإبراهيم وصفوة محمد .ألا ومن حاجني بكتاب الله فأنا أولى بكتاب الله. ومن حاجني في سنة رسول الله (ص) فأنا أولى الناس بسنة رسول الله وسيرته .

وأنشد الله من سمع كلامي . لما يبلغ الشاهد الغائب .

 

صفحة (223)

ـــــــــــــــــ  

(1) آل عمران 34.   (2) ج13ص179.

وأخرج الطبرسي في أعلام الورى(1) عن المفضل بن عمر – في حديث ـ قال :

وسمعت أباعبد الله (ع) يقول : إذا أذن الله تعالى للقائم بالخروج صعد المنبر ، فدعا الناس إلى الله عز وجل وخوفهم بالله ، ودعاهم إلى حقه ، على أن يسير فيهم بسيرة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله ... الحديث

وأخرج في البحار(2) عن علي بن الحسين عليهما السلام .في حديث قال :

فيقوم هو بنفسه (يعني بعد مقتل النفس الزكية ) فيقول : أيها الناس أنا فلان بن فلان .أنا لبن نبي الله .أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله .فيقومون إليه ليقتلوه ، فيقوم ثلثمائة أو نيف على الثلثمئة فيمنعونه .

وأخرج أيضاً(3) عن أبي بصير بن أبي جعفر الباقر (ع) :

أنه يأتي المسجد الحرام فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات ويسند ظهره إلى الحجر الأسود : ثم يحمد الله ويثني عليه ويذكر النبي (ص) ويصلي عليه ، ويتكلم بكلام لم يتكلم به احد من الناس .....

الجهة الثالثة : في الإلتفات إلى نقاط من الأخبار السابقة .

النقطة ألأولى : أن الأخبار الدالة على وقوف المهدي (ع)  في أول ظهوره بين الركن والمقام قابلة لإثبات التاريخي ، لكثرتها وتظافرها .

وأما الأخبار الدالة على خطبته ، فلا شك أنها بمجموعها متضافرة ، غير ان هذا المجموع لا يثبت أكثر من كونه (ع) يقف خطيباً في أول ظهوره وأما مضمون الخطبة فلن نستطيع أن نتعرف عليه إلا بعد التوثق من صحة الإسناد للأخبار الناقلة لها واحداً واحداً ... أو أن يوجد مضمون واحد ، مما يقوله (ع) في الخطبة مكرراً في عدة روايات ، ليكون قابلاً للإثبات التاريخي .


صفحة (224)

ـــــــــــــــــ  

(1) إعلام الورى بأعلام الهدى ص431

(2) ص180 ج 13

(3) المصدر والصفحة .

 

أما الخبر الأول الذي نقلناه للخطبة عن النعماني فهو يرويه عن أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا محمد بن الفضل وسعدان بن اسحق بن سعيد وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ومحمد بن أحمد بن الحسن جميعاً عن الحسن بن محبوب ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه :قال : وحدثني محمد بن يحيى بن عمران قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى .قالو حدثنا علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد جميعاً عن الحسن بن محبوب قال : حدثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي عن أبي أحمد بن محمد بن أبي ياسر [ناشر] عن الحسن بن محبوب عن عمر بن أبي مقدام عن جابر بن يزيد الجعفي فأنت ترى أن للشيخ النعماني ثلاث طرق من الرواة إلى الحسن بن محبوب :

الطريق الأول : احمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن الفضل وسعدان بن اسحق بن سعيد وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ومحمد بن أحمد بن الحسن جميعاً عن الحسن بن محبوب.

الطريق الثاني : ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه ( إبراهيم بن هاشم ) .قال وحدثني محمد بن يحيى بن عمران قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى .قال: وحدثنا علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد جميعاً عن الحسن بن محبوب.

الطريق الثالث: الكليني (أو أحمد بن محمد بن سعيد) قال : حدثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي عن أبي علي أحمد بن محمد بن (أبي) ياسر [ناشر] عن الحسن بن محبوب .

والحسن بن محبوب بدوره يروي عن عمر بن أبي النقدام عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقر .

والطرق الثلاثة – باعتبار تعددها –  للإثبات التاريخي .وأما الحسن بن محبوب فهو من العلماء الثقات الأجلاء، وأما عمر بن المقدام فقد مدح ولم يطعن فيه طاعن .وأما جابر بن يزيد فهو من خاصة أصحاب الإماميين  الباقر والصادق عليهما السلام وثقة بعض ونسبه إلى التخليط عند شيخوخته بعض آخرون . والملاحظأن شيخوخته معاصرة للإمام الصادق (ع)  في حين أن الخبر مروي عن الإمام الباقر (ع) فيكون من رواه جابر قبل شيخوخته ومن ثم قبل أن يكون مخلطاً ، ومعه ففي الإمكان أن يكون قابلاً للإثبات  التاريخي.

 

صفحة (225)

 

وأما الخبر الثاني الذي نقلناه من أخبار الخطبة عن البحار، فقد رواه السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلى كتاب الفضل بن شاذان عن ابن محبوب رفعه إلى أبي جعفر (ع) .

فهو خبر مرفوع يعني أن فيه واسطة ساقطة مجهولة كالمرسل...فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي .

نعم ، يتحد هذا االخبر في كثير من مضامينه مع الخبر السابق ، فيكون قابلاً لفثبات من هذه الناحية ...وكذلك الأخبار الأخرى التي تنقل- في الواقع – عدداً من مضامين الخطبة فتكون قابلة للإثبات بهذا المقدار ..فلا حاجة إلى استعراض أسانيدها ورواتها .

النقطة الثانية : يقف الإمام المهدي (ع) في أول ظهوره قريباً من الكعبة المشرفة مستدبراً لها ومواجهاً للجماهير لكي يقول فيهم كلمته الأولى .

ويكون وقوفه بين (الركن والمقام) والركن واحد الأركان ، وأركان الكعبة المشرفة زواياها الأربعة التي هي ملتقى جوانبها ألأربعة .وقد سمى كل ركن باسم البلد الذي يتجه إليه عند الصلاة ، فالشمالي هو الركن العراقي والجنوبي هوالركن اليماني والغربي هو الركن الشامي .وأما الشرقي فيسمى بالركن الأسود لأنه يحتوي على (الحجرالأسود) الذي منه مبدأ الطواف حول الكعبة .

وأما المقام ، فهو مقام ابراهيم الخليل (ع) ، وهو أرض مربعة صغيرة نسبياً ذات بنية جميلة تبعد عن الكعبة من جهة الشرق عدة  أمتار .

وإذا قيل (الركن) بدون وصف، فهم  منه الركن الأسود بطبيعة الحال باعتبار أهميته لإحتوائه على الحجر الأسود وابتداء الطواف منه ، ويكون هو على يسار الواقف مستقبلاً للكعبة ومستدبراً مقام ابراهيم ، ويكون إلى يمين الواقف الركن العراقي .وتقع باب الكعبة إلى نفس هذه الجهة الشرقية قريباً من الركن الأسود .

ومن هنا نستطيع أن نقول أن باب الكعبة يقع (بين الركن والمقام) لأن الركن الأسود على يمينها بحوالي نصف متر من جدار الكعبة والمقام عن يسارها ، وإن كان بعيداً عن الكعبة بعدة أمتار .والأرض التي أمام باب الكعبة حتى تصل إلى مقام إبراهيم واقعة ( بين الركن والمقام ) بطبيعة الحال .

ومن هنا يكون وقوف الإمام المهدي (ع) بين الركن والمقام مستدبراً الكعبة .... يعني مستدبراً الجدار الذي فيه باب الكعبة جاعلاً الحجر الأسود عن يمينه ومقام إبراهيم عن يساره ،ومواجهاً للجماهير ليقول كلمته الأولى .
 

صفحة (226)

 

وقد سمعنا في بعض الروايات أنه يسند ظهره إلى البيت الحرام ، يعني الكعبة المشرفة وأنه يسند ظهره إلى الحجر الأسود .فإذا فهمنا ذلك مع الحفاظ على كونه وقوفه (بين الركن والمقام)،  فيكون من اللازم أن نتصوره مستدبراً جدار الكعبة الذي بين الباب والركن الأسود ، وهي مسافة نصف متر أو تزيد قليلاً ، فيصدق أمه واقف بين الركن والمقام ، كما يصدق أنه مسند ظهره إلى الكعبة ، وإلى الحجر الأسود أيضاً ، لأن الحجر سيكون قريباً جداً منه عن يمينه إلى جهة ظهره .

النقطة الثاثلة : في ارتباط خطبة المهدي (ع) بالتخطيط العام ، وتعبيرها عن نتائجه .

ان هذه الخطبة المباركة بصفتها واقعة في آخر التخطيط العام السابق على الظهور ومعبرة عن نتائجه ،ومن هنا كانت لوحة كاملة عما ينبغي أن يعلن ساعتئذ من نتائج ذلك التخطيط ، ويظهر من عدة زوايا .

الزاوية ألأولى: ما عرفناه من التخطيط من أن (اليوم الموعود) إنما هو نتيجة لجهود البشرية منذ أول وجودها إلى زمن وجوده ، وان خط الأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء ، والمصلحين ، إنما هو واقع في طريقه والتمهيد إليه بشكل قريب وبعيد....وسيأتي في الكتاب الآتي من الموسوعة ما يزيد ذلك برهاناً.

وإذا كان الأمر كذلك ، وكان المهدي (ع) هو قائد اليوم الموعود ومؤسس العدل الكامل في العالم : إذن فمن حقه أن يقول :فأنا بقية آدم وخيرة نوح ومصطفى أبراهيم وصفوة  محمد.

الزاوية الثانية : ما عرفناه في التخطيط من تركيزه بشكل خاص على تربية الجانب القيادي في شخصية القائد المذخزر للثورة العالمية ،وقد برهنا على ذلك بكل تفصيل في الكتاب السابق(1) .وها قد أنتج هذا التخطيط نتيجته ،وها هو القائد الكامل يواجه الناس ليبدأ بممارسة قيادته التي ذخر من أجلها .

فمن المنطقي ،وهو خير البشر في زمانه . بل خير البشر بعد صدر الإسلام إلى عصر ظهوره ، من المنطقي أن يكون أولى من جميع الناس كالأنبياء والمرسلين بما فيهم نبي الإسلام (ص) .فهوأقرب إليهم علماً وعملاً وعدلاً من أي إنسان آخر .

 

صفحة (227)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر ص(497) وما بعدها إلى عدة صفحات .

 

 

ومن هنا نسمعه قول : فمن حاجني في آدم  فأنا أولى الناس بآدم .

ومن حاجني بنوح فأنا أولى الناس بنوح .

ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم .

ومن حاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد .ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين .

الزاوية الثالثة : ما عرفناه في التخطيط العام ، من إنتاج التمحيص الساري المفعول خلاله ، لإنحراف وضلال الأعم الأغلب من الناس وبذلك تمتلىء الأرض جوراً وظلماً .

كما ورد في الخبر التواترعن النبي(ص) .ويكون تطرف المتطرفين منهم شديداً ، كما يكون تطرف المؤمنين إلى جانب الإيمان شديداً .وسمعنا في التاريخ السابق(1) ما تفعله الأكثرية المنحرفة بالأقلية المؤمنة من مظالم وشرور .

النقطة الرابعة : تحتوي الخطبة المباركة أيضاً ، بعض النقاط من تخططيات المستقبل الذي تندرج خصائصه في التخطيط العام لما بعد الظهور .

ويمكن الإلتفات إلى ذلك ضمن عدة زوايا أيضاً :

الزاوية ألأولى : وجوب طاعة المهدي (ع) وبذل النصر له من أجل تطبيق العدل الكامل في العالم كله ،حيث نسمع المهدي (ع) يقول :فالله الله فينا ، لا تخذلونا وانصرونا ينصركم  الله.

وسيكون أول المبادرين إلى تطبيق هذا الأمر ، اؤلئك الصفوة المخلصين الممحصين ، ذوو العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ، وسيأتي تفصيل ذلك غير بعيد .

الزاوية الثانية : إن المهدي يعد الناس في خطبته بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية "أن يسير فيهم بسيرة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعلمه "  كما سمعنا من إحدى الروايات . وكما سبق أن برهنا على ذلك في فصل سابق. 

 

صفحة (228)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر مثلاً ص266 وما بعدها أيضاً .

                     

ونعني بسيرة رسول الله (ص) : القواعد والمفاهيم العامة التي كان ينطلق منها النبي (ص) إلى أعماله ، لا السيرة بكل خصائصها  وتفاصيلها بطبيعة الحال، لوضوح  اختلاف المصالح الزمنية بين العصرين بكثير .... بل سيأتي في بعض الروايات وجود بعض الإختلاف في تطبيقات الإمام المهدي (ع) عن تطبيقات رسول الله (ص) .فالمهدي (ع) يدرك الهارب ويجهز على الجريح وقتل المنحرف وإن كان مسلماً وإن كان على نفس مذهبه الإسلامي ، ويقضي بعلمه ولا بالبينة – كما في بعض الأخبار .وكل ذلك مما لم يعلمه رسول الله (ص) وهذه الأمور ونحوها لو ثبتت تعتير تخصيصاً واستثناء من المفهوم الذي بينته الخطبة ..وهو أن يسير بسيرة النبي (ص) على تفاصيلها .

الزاوية الثالثة : تكفله (ع) بتطبيق وتفسير كتاب الله وسنة رسول الله (ص) ....من حيث أنه أولى الناس بهما وأشدهم إطلاعاً على تفاصيلهما وقدرة على فهم مغازيهما ومراميهما .

النقطة الخامسة : دلت رواية مما سبق أن المهدي (ع) يصعد المنبر ويخطب ،  فإن كان المراد  منبراً يوضع له وقتياً في المكان المشار إليه سابقاً ، فهو .وإن كان المراد به المنبر المبني فعلاً  في المسجد الحرام ، فهو أبعد عن الكعبة المشرفة من مقام إبراهيم ، ومن ثم لا يصدق عليه اته وقوف بين الركن والمقام .

ومعه تكون هذه الروايات معارضة للروايات الدالة على وقوفه بين الركن والمقام .

ومعه تكون هذه الروايات  مقدمة على تلك الرواية ، فينتج الإلتزام بأنه (ع) لا يصعد المنبر الموجود حالياً ، بل يقف بين الركن والمقام ،ولو فوق منبر آخر.

النقطة السادسة : دلت رواية مما سبق أن المهدي (ع) يبدأ كلامه بتقديم نفسه إلى الناس بذكر اسمه الحقيقي واسم أبيه ،بينما سكتت الروايات الآخرى عن ذلك ، بحيث يبدو أنه يهمل ذلك تماماً .

وفي كل من هذين الموقفين نقطة قوة ونقطة ضعف محتملة .

فإنه (ع) إن أهمل ذكر اسمه للناس . كما عليه أكثر الروايات :كانت هناك نقطة قوة ونقطة ضعف :

نقطة القوة :أن فيه حماية من أعدائه في وقت حاجته إلى الحماية  في أول حركته ، فإن الأعداء إن فهموا أنه المهدي الموعود ، فإنهم سوف يقضون على حركته باسرع وقت ، بخلاف ما لو لم يظهر للعالم بصفته المهدي الموعود .

نقطة الضعف : إن الناس سوف لن يفهموا أنه هو المهدي بالمرة ، ومن ثم سوف لن ينصره المؤمنون ولن يسمع لكلامه الناس .


صفحة (229)

فلو انطلقنا من (اطروحة خفاء العيون) التي عرفناها ، كان معنى اخفاء اسمه أنه لا زال في غيبته ، وأنه يخاطب الناس بـ(شخصيته الثانوية) لا بشخصيته الحقيقية ، فإنها هي الشخصية الوحيدة التي يعرفها الناس منه . وهذا لا معنى له النسبة إلى المهدي (ع) منذ ذلك الحين.

وأما إذا اختار (ع) أن يذكر اسمه للناس ، فهذاالموقف يحتوي ـ في النظر ـ على نقطة قوة ونقطة ضعف مقابلتين لذينك النقطتين .

نقطة القوة : أنه (ع) حين يكتشف شخصيته الحقيقية للناس ، يرفع بذلك غيبته التي آن له رفعها وحرم عليه استمرارها ويصرح بانتساب الخطبة وطلب النصرة إليه بتلك الصفة .

نقطة الضعف :أن كشفه لحقيقته سوف يؤلب عليه الأعداء ، في وقت هو شديد الحاجة فيه إلى الحماية والمنعة.

ويمكن أن نفهم من هذه الروايات (أطروحة) نحصل بها على كلتا نقطتي القوة، وندفع بها كلتا نقطتي الضعف: وهي أنه يذكر اسمه الحقيقي واسم أبيه ، من دون الإلماع إلى أنه المهدي الموعود .

فإنه بذلك يرفع غيبته ويكشف شخصيته الحقيقية ، ويصرح بانتساب الخطبة وطلب النصرة إليه بتلك الصفة. وبذلك يحرز نقطة القوة الأخيرة .وفي نفس الوقت يحرز حمايته من الأعداء المتربصين له بصفته مهدياً ، يملاً الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

فيحرز نقطة القوة الأولى ويدفع نقطة الضغف الثانية .

وأما نقطة القوة الأولى : فلن تحصل بصراحة وشمول ، وإنما تحصل بالمقدار الذي ينبغي لها أن تحصل ،إن المؤمنين الممحصين الذين يمثلون العدد الكافي لغزو العالم وكذلك من كان في الدرجة الثانية من الإخلاص من الدرجات الأربعة التي عرفناها في التاريخ السابق(1) كلهم سيعرفون أن هذا الشخص هو المهدي الموعود. ومن ثم سيؤيدونه تأييداً كاملاً .وأما الناس الآخرون من أعداء متربصين وأشخاص محايدين من مسلمين وغيرهم، وحتى عدد كبير ممن على المذهب الإسلامي الذي يتبناه المهدي (ع) .فسوف لن يعرفوا هذه الحقيقة الكبرى ، إلا في الحدود التي تقتضيها المصلحة ويخطط لها المهدي (ع ) نفسه .

 

صفحة (230)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر ص248وما بعدها .

 

والروايات لم تدل على أكثرمن ذلك ، وإن المهدي يسمي نفسه وأباه ، تماماً كما فعل (النداء) من قبل .وليس في أي منهما تصريح بأنه المهدي الموعود النقطة السابعة : في مدى ارتباط الخطبة بالتصور الإمامي للمهدي من الواضح ان الوقوف بين الركن والمقام وإلقاء الخطبة على الجماهير غير خاص بالمهدي (ع) بالتصور الإمامي ، بل يشمل المهدي بالتصور الآخر ، بل يشمل أي إنسان ذو قدرو وجدارة .وإنما المهم من ذلك مضمون الخطبة أولاً . ونتائجها ثانياً .

أماالنتائج ،وأهمها السيطرة على العالم كله بالعدل ، وتأسيس الدولة العالمية العادلة ... فهذا ما سيكون صفة للمهدي الواقعي في التخطيط الإلهي العام أياً كان .

ويهمنا الآن تطبيق مضامين الخطبة على التصور الآخر للمهدي ، بعد العلم على انها منطبقة مع التصور الإمامي تماماً .

إن المهدي – بهذا التصور ـ  يستطيع أن يصرح بعدة أمور من الخطبة :

1- أن يدعو الناس إلى الله ويخوفهم به .

2-أن يقسم عليهم بحق القربى من رسول الله (ص) ... فإنه على أي حال من ولد فاطمة ومن أولاد الحسين (ع).

3- أن يشير إلى الظلم والمطاردة والتنكيل الذي وقع على المؤمنين المخلصين خلال عصر التمحيص والإمتحان السابق على الظهور .

4- أن يطلب من الناس نصرته وتأييده ، توخياً لنصرة الحق ، باعتباره الممثل الرئيسي له .

5- أن يعدهم أنه إذا تم له الإستيلاء على منطقة أو أكثر واستتبت له الأمور ،أن يطبق القانون الإسلامي العادل المتمثل بكتاب الله الكريم وسنة رسوله العظيم .

ولكن سوف لن يكون المراد من كتاب الله وسنة رسوله ، إلا المستوى الذي وصل إليه الفكر الإسلامي إلى ذلك الحين ، نتيجة للتخطيط السابق .ولن يستطيع هذا المهدي أن يسير خطوات مهمة في تربية هذا الفكر وإعطاء الفهم المتكامل للكتاب والسنة .

 

صفحة (231)
 

إن المهدي ـ طبقاً لهذا التصور ـ لن يكون ـ كما قلنا في التاريخ السابق(1) أكثر من فرد اعتيادي له في الإخلاص والعلم أقصى ما اقتضاه التخطيط السابق ، وله من القابليات النفسية ما يتوقع بها  لنفسه أن  يقوم بالتطبيق الإسلامي .ومثل هذا الشخص لا يمكنه بأي حال أن يقوم بعبادة الدولة العالمية .كما سبق أن برهنا .

كما لا يستطيع أن يقدم للكتاب والسنة فهما اعمق من المستوى الذي وصل اليه الفكر الإسلاني في عصره . ولن يقدم لهما الفهم الذي له اهلية ممارسة الحكم العادل الكامل في العالم كله .

ومن هنا يتعذر عليه ان يقول عدة مضامين واردة في الخطبة وضرورية الثبوت للمهدي الموعود ليكون هو القائد العالمي المنشود فهو :

1- لن يستطيع ان يدعي انه اولى بكتاب الله وسنة رسوله من اي شخص آخر ... حتى من قادة الفكرالإسلامي الذين تقدموا به و أوصلوه إلى المستوى المعاصر له .

وانما يدعي ذلك ، من له الفهم الكامل لهذين المصدرين الإسلاميين المقدسين بالرواية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل ، بالشكل الذي يكفل سعادة البشرية العاجلة وتربيتها العليا في الآجل . وباختصار: أن يتقدم بالفكر الإسلامي بخطوات جبارة لا تقاس بأي مفكر آخر ، سنشير إلى ما يقدمه المهدي (ع) في هذا المجال .

2- وهو ليس بقية من آدم وذخيرة من نوح ومصطفى وإبراهيم وصفوة من محمد صلى الله عليهم أجمعين .

وكونه من المخلصين الكاملين لا يبرر هذه النسبة إلا كما يبررها في أي شخص آخر متصف بهذا المقدار من الإخلاص والإيمان ..وهم يومئذ عدد غير قليل ... كما عرفنا في نتائج التخطيط.

3- وهو ليس أولى الناس بالنبيين ... فإن من يكون كذلك أنما هو القائد المذخور الذي يكلل جهود كل الأنبياء بالنجاح في تطبيق العدل الكامل في العالم ... وأما الذي يتصدى لذلك من دون أن يحرز نجاح حركته أو لا تكون له قابلية القيادة العالمية ، كما قلنا في التاريخ السابق(2)، فلن يمكن أن يكون متصفاً بالأولوية


صفحة (232)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر ص248وما بعدها .

(2) انظر ص501 وما بعدها .

4- ومن هنا نعرف أنه لن يتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس " فإن من يكون من حقه ذلك ، بحيث يكون كل ما يقوله صادقاُ عليه كل الصدق ومنطبقاً تمام الإنطباق ، هو ذلك الشخص المؤهل للقيادة العالمية والوارث لخط الأنبياء والذي هو أولى بهم وبكتاب الله وسنة رسوله ، من أي شخص آخر ، إن هذا هو الذي يتكلم الكلام الجديد ويعطي المفاهيم بالأسلوب التربوي الجديد العادل الذي لم يكن يخطر قبل الظهور على بال... دون أي شخص آخر .

... هذا آخر ما نود التعرض إليه من خصائص الخطبة المباركة ... موكلين الخصائص الأخرى إلى فطنة القارىء .

الجهة الرابعة من هذا الفصل :إن مقتضى التسلسل المنطقي للدعة الإلهية ، التي يمثل المهدي (ع) حلقة من أكبر حلقاتها ، هو أن يقيم المعجزة في أول ظهوره إثباتاً لصدق مدعاه :بأنه المهدي الموعود الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . ولا أقل أمام المؤمنين المخلصين ممن سيصبحون خاصته . لوضوح أنه لولا ذلك لأمكن لأي شخص جريء أن يقف في المسجد الحرام بين الركن والمقام ويلقي مثل هذا الخطاب ،وخاصة بعد أن يقرأ الخطبة في مصادرها ، فكيف يمكن أن نصدق من شخص أنه هو المهدي لمجرد أن يقف هذا الموقف.

تماماً ، كما هو الحال في النبوة ، فإنه لا يمكن تصديق أي شخص مدع للنبوة ما لم تقترن دعواه بدليل يوجب القطع بكونه نبياً مرسلاً ،ومن هنا أقام نبي الإسلام (ص) معجزات كدلائل على صدقه ، تقطع حجة المنكرين. كان أهمها القرآن الكريم نفسه .

وقد أسلفنا في التاريخ السابق أن المهدي (ع) عند مقابلاته مع الناس خلال غيبته .كان يقيم الدلالة على حقيقته ،وهي دلالة تحتوي دائماً على عنصر إعجازي ،وإلا لأستحال التعرف على حقيقته ، أو تصديقه في دعواه إذا قال لنا :أنه هو المهدي (ع) .

وقد سبق أن عرفنا في التاريخ المشار إليه(1) وغيره من بحوثنا : أن المعجزة لا توجد عشوائياً .وإنما لها قانونها العام ،وهو انه تقع في طريق إقامة الحجة (إذا كانت منتفية) أو إتمامها (إذا كانت ناقصة) .ومن الواضح جداً ، أن إقامة المهدي (ع) للمعجزة بعد ظهوره يكون في طريق إثبات الحجة على صدقه ، توصلاً إلى تطبيق العدل الإلهي الكامل على وجه الأرض ،وهو الهدف الإلهي المهم الذي عاشت البشرية التخطيط له وبإتجاهه منذ ولادتها إلى ذلك الحين .لوضوح أنه ما لم تثبت شخصيته الحقيقية لا يستطيع هو أن يحصل على المؤيدين والمؤمنين ، ومن ثم لا يستطيع القايم بهذا التطبيق والوصول إلى ذلك الهدف .


صفحة (233)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص32

 

إذن ، فقد يستنتج من هذه المقدمات ، لزوم أن يقيم المهدي (ع) معجزة واضحة منذ موقفه الأول ، ليثبت حقيقته بكل صراحة ووضوح تجاه العالم . مع العلم أننا لا نجد في الروايات الناقلة لهذا الموقف أي إشارة إلى كونه مقيماً للمعجزة في ذلك الحين .

ويمكن الجواب على ذلك ، من عدة وجوه :

الوجه الأول : إن الإمام المهدي ليس بحاجة في موقفه هذا إلى إقامة المعجزة على الإطلاق .

ذلك لوجود الإرهاصات الكافية لظهوره في زمن قريب، وهي قائمة على إعجاز عظيم وأوضحها معجزتا الكسوف والخسوف في غير أوانهما ... والخسف بالجيش الذي يحاول قتله ... والنداء باسمه صراحة في إسماع الخلق . فيكون القطع بصدق من اجتمعت فيه هذه الخصائص ضروري لازم .

واما احتمال :أن شخصاً محتالاً يستغل الموقف بعد حدوث الخسف وقتل النفس الزكية بالمضمون السابق للخطبة ، فهو في غاية البعد ....ولو حدته نفسه بذلك فإنه يقتل لا محالة في موقفه ذاك ، أو يلقي عليه القبض ويفشل مخططه البتة ..ولن يستطيع الحصول على العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ، ولا بعض منه .

إذن ، فكل من يحصل له ذلك ، هو المهدي الحقيقي بكل تأكيد .

الوجه الثاني : هناك في العالم – طبقاً للتصور الإمامي لفكرة المهدي (ع) – عدد غير قليل من الناس يعرف المهدي بشخصه ولا يحتاج إلى إقامة المعجزة للتعرف عليه ، لأنه رآه خلال غيبته مرة أو عدة مرات ،وهم كل الأفراد المخلصين من الدرجة الأولى وبعض الأفراد المخلصين من الدرجة الثانية .من الدرجات التي أشرنا إليها سابقاً .

وقد كان هؤلاء هم وسائطه إلى الناس ـ بشكل وآخر ـ خلال غيبته .وسيكون لنا بأنفسهم رادة الحق والعدل واللسان الناطق والسيف لتضارب بين يدي قائدهم المهدي (ع).

فمن الممكن ـ بغض النظر عن أي شيء آخر ـ أن يكون هؤلاء هم الشاهد الصادق في تعريف قائدهم إلى الناس ، ريثما يثبت من مجموع أعماله وأقواله صدقه وعظمة أهدافه .ومعه لا حاجة إلى إقامة المعجزة .

 

صفحة (234)

 

الوجه الثالث: إن المهدي (ع) ليس بحاجة إلى المعجزة ، بل يستطيع أن يعتمد على المستوى الفكري والعقائدي والمفاهيمي الذي يعلنه لإثبات صدقه وعظمة أهدافه .

فإن المعجزة مطلوبة لأجل إقناع الفكر البشري غير المعقد . وهذا ما سيحصل بشكل عميق وأكيد عند إعلان المستوى الفكر الجديد ... فيكون الإتجاه نحو المعجزة أمراً مستأنفاً .

ويمكن تقسيم المستوى الفكري الذي يقيمه الإمام المهدي في أول ظهوره إلى مستويين :

المستوى الأول : ما يقوله (ع) في خطبته مما وردنا وسمعناه ومما لم يردنا ولم نسمعه .فإنه لا دليل على اقتصاره(ع) في حديثه على هذا المقدار بل لعل يذكر أموراً أخرى لم يكن المستوى الفكري السابق في عصر صدور النصوص مناسباً للتصريح بها في الأخبار طبقاً لقانون (كلم الناس على قدر عقولهم) .

ولعمري أن في هذا المضمون الذي سمعناه ما يكفي لإقامة الحجة ، لولا احتمال أن يكون منقولاً عن المصادر المتوفرة .

المستوى الثاني : استعداده (ع) للجواب على أي سؤال مهما كان صعباً ، فيما إذا عرفت أن السائل موضوعي الفكرة مطالباً للحق .... وأنه إنما يسأله لأجل التأكد من صدقه ،طبقاً للشك (الديكارتي) الذي لا يستقيم بدونه أي برهان .

وقد وردت حول ذلك رواية :هي ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني(1) بسنده عن مفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :

لصاحب هذا الأمر غيبتان، إحداهما يرجع منه إلى أهله ، والأخرى يقال: هلك في أي واد سلك .  قلت : فكيف نصنع (2) إذا كان كذلك ؟ قال : إذا أدعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله .

وهذا الأمر أوضح من أن يستند فيه إلى رواية ، لأنه هو المفهوم من الإتجاه العام للإمام المهدي (ع) ، بل من كل من يدعي منزلة عالية في القيادة أو في العلم أو في التقوى أو في جميعها... فإنه يمكن للفرد أن يختار السؤال الذي يعتقد بأن الجواب الصحيح يدل على صدق المجيب وجدارته على مستوى مدعاه ، فإن جاء الجواب صحيحاً لم يكن للسائل أن يجيب من جديد . إلا إذا كان معقداً غير طبيعي التفكير .


صفحة (235)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر الكافي ( الأصول ) نسخو محفوظة (باب في الغيبة )

(2) في المصدر المخطوط : بضنع وهو تحريف .

فليفكر القارىء في السؤال الذي يرغب  بتوجيهه إلى المهدي (ع) عند ظهوره .

فهذين المستويين الفكريين ، يمكن له (ع) الإنطلاق منهما لإثبات صدقه في أول ظهوره .

وأما بعد ذلك فستكون المستويات أو الحقول الفكرية الجديدة أكثرمن أن تعد وأوضح من أن تذكر .

الوجه الرابع : أننا لو غضضنا النظر عن كل ما سبق وفرضنا حاجة المهدي (ع) إلى إقامة المعجزة بعد ظهوره مباشرة لإثبات صدقه وحقيقته ، وهو – لا محالة – قادر على ذلك طبقاً لكلا التصورين الإمامي والآخر عن المهدي(ع) . وستقع المعجزة – لو قام بها ـ مطابقة لقانون المعجزات ، أنها واقعة في طريق إقامة الحق والعدل والهدى وهي الطريق المنحصر إليه – بعد غض النظر عن الوجوه السابقة ـ ... لأنها الطريق الوحيد لمعرفته ولا يمكن إقامة الحق والهدى بدون معرفته .وكلما انحصرت إقامة الحق على المعجزة أوجدها الله تعالى في البشرية ـ طبقاً لقانون المعجزات ـ لا يفرق في ذلك بين نبي أو ولي .

فإذا تم ذلك ، كان لنا أن نقول :أننا لا نستطيع أن نقطع بعدم إقامة المهدي (ع) للمعجزة ... فإذا اقتضتها القواعد العامة في الإسلام كان ذلك إثباتاً كافياً لها ، وعدم النقل لا يدل على عدم الوجود .ويمكن أن يكون عدم النقل مستنداً إلى السبب الآتي .وهو أننا نستطيع أن نقسم المعجزة ـ في حدود ما نحتاجه الآن ـ إلى خاصة وعامة والعامة منها إلى معجزة (كلاسيكية) أو تقليدية ومعجزة (علمية) ! .. وما يمكن نقله إلينا قسم واحد فقط .كما ، سنوضح . في  حين أن المهدي (ع ) قد يقتصر على القسمين الآخرين ، فيكون ورود نقله في الأخبار متعذراً .

ونقصد بالمعجزات الخاصة ما يقع بين إمام وشخص واحد أو جماعة محدودة من خوارق ...كما لو أخبر الإمام شخصاً بما في ذهنه أو أجابه قبل  سؤاله ، أو عبرعن أي شء لا يمكن بحسب القوانين المعروفة للكون أن يكون عالماً به ،كما يعلم به الفرد المواجه للإمام وجداناً .

ونقصد بالمعجزات العامة : تلك الخوارق التي تكون معلنة أمام الناس .وهي تختلف عن المعجزات الخاصة بأمر رئيسي ، وهو أن المعجزات العامة لا بد أن تكون واضحة الإعجاز أمام الناس ، ومقنعة للذهن البشري الإعتيادي بحسب المستوى العام للجيل المعاصر للمعجزة ، وأما المعجزة الخاصة فحسبها أن تكون مناسبة لمستوى الفرد المواجه للإمام ومقنعة له .وقد لا تكون مقنعة للآخرين أو لا يعرف الغير أنها معجزة على الإطلاق .


صفحة (236)

 

ويمكن تقسيم المعجزة العامة إلى قسمين :

القسم الأول: ما سميناه بالمعجزات الكلاسيكية ، وهي التي تقوم على تغيير خارق واضح وسريع في نظام الكون . بحيث يراه ويفهمه عامة الناس .

وهذا القسم هو الذي يغلب على معاجز الأنبياء السابقين ،ومن هنا سميناه بـ( الكلاسيكي) والغرض منه إعطاء اكبر مقدار من الزخم العاطفي والعقلي في مجتمع لم يكن يفهم  التعمق والتحليل .كانقلاب العصا ثعباناً وافلاق البحر وإحياء الموتى وانقسام القمر إلى قسمين وغيرها.

القسم الثاني : ما سميناه بالمعجزات (العلمية) وهي التي تقوم فكرتها الإعجازية على التدقيق والتحليل ... قد لا يلتفت الفرد الإعتيادي إلى وجود شيء خارق لنظام الطبيعة فوراً ،وإنما ينبغي أن يلتفت الناس على ذلك بالتدريج .

وأوضح وأقدم شكل لهذا القسم هو (القرآن الكريم) أهم معجزات نبي الإسلام ومن هذا القسم يمكن أن تنطلق معجزات القائد المهدي (ع) ، كما سنمثل ويتلخص الفرق بين القسمين بعدة أمور :

أولاً : ما ذكرناه من فورية الإلتفات إلى الإعجاز في القسم ألأول دون الثاني ، فإنه يحتاج إلى مضي زمان لكي يفهم .

ثانياً :أن القسم الأول يناسب المستويات الإجتماعية غير المتقدمة والمعمقة من البشرية .

ثالثاً : إن القسم الأول يقصد به النتيجة الواضحة ،وإن اوجبت خرق عدة نقاط من النظام الكوني ، بخلاف القسم الثاني ،فإن المقصود منه نقطة واحدة فقط من النظام الكوني .أو عدة محددة تماماً ومعلنة بوضوح .فالقرآن الكريم تجاوز المستوى الفكري والبياني البشري عموماً .وفي الإمكان تقليل الجاذبية في منطقة وزمان معينين. كما لو أعلن أن جاذبية الأرض في مدينة (بغداد) ستصبح بمقدار نصف ما كانت عليه أسبوعاً محدداً من الزمن.


صفحة (237)
 

كما يمكن أن يعلن تحديد زمان لتقليل سرعة النور في منطقة ما أو في حدود معينة أو زيادة في سرعة دوران الأرض قليلاً . وهكذا.

إن امثال هذه المعاجز لن يحس الفرد العادي بحدوث التغير إلا بعد أن يشاهد تطبيقاته في الخارج...ولقد رأينا أن الفرد الإعتيادي لا يدرك لأول وهلة وجود الإعجاز في آية يسمهعا من آيات القرآن الكريم .

رابعاً: إن القسم الثاني من المعجزات قابل للدوام والإستمرار جيلاً او عدة أجيال من البشر أو إلى نهاية البشرية كما في القرآن الكريم نفسه . وقد يمكن الإستمرار في بعض تلك الأمثلة إلى أزمنة طويلة أيضاً .

أما القسم الأول فهو وقتي الحدوث .لا يمكن استمرار الأعجاز فيه .وهذا يمثل إحدى الفوارق بين معجزات الأنبياء السابقين على الإسلام التي كانت كلها وقتية الحدوث ... وبين معجزات نبي الإسلام التي استطاعت على الدوام والإستمرار ، متمثلة بالقرآن الكريم .

وإلى هنا عرفنا ثلاثة أقسام من المعجزات : المعجزات الخاصة ،والمعجزات العامة (الكلاسيكية) والمعجزات العامة (العلمية). وما يمكن أن نسمع نقله في الأخبار قسم واحد ـ كما قلنا ـ وهي المعجزات العامة الكلاسيكية ، دون المعجزات الخاصة والمعجزات العلمية .

وأما إمكان نقل هذا القسم ، فباعتبار كونه مفهوماً فهماً اجتماعياً عاماً ،وموافقاً مع مستوى الجيل الذي سمعت عنها .وأما عدم إمكان نقل المعجزات العلمية في الأخبار ، فواضح أيضاً ، باعتبار عدم انسجامها مع المستوى العقلي والفكري والثقافي للمجتمع الذي صدرت فيه هذه الأخبار لأول مرة .فكما يكون نشازاً في ذلك المجتمع  التنبؤ صراحة بحدوث الطائرة أو الصواريخ الموجهة ، كذلك يكون التنبؤ بحدوث معجزة على هذا المستوى العلمي الرفيع .

وقد يخطر في الذهن : أن بعض المعجزات العلمية كانت موجودة يومئذ ،متمثلة بالقرآن الكريم ،إذن فلم يكن هذا القسم أعلى من مستوى الفكر الإجتماعي .

وجوابه من عدة وجوه نذكر منها اثنان :

الوجه الأول : إن الأسس التي قام إعجاز القرآن الكريم على أساسها ، أو بتعبير أصح: إن (القانون) الذي خرقه القرآن بإعجازه ..كان مفهوماً للمجتمع يومئذ.

وهو المستوى الأدبي البلاغي للغة العربية .على حين لم تكن الأسس التي تقوم عليها المعجزات (العلمية) التي مثلنا لها ، مفهومة بالمرة .


صفحة (238)
 

الوجه الثاني: بالرغم من كون الأسس إعجاز القرآن كانت مفهومة . إلا أن فكرة إعجازه وفكرة كونه معجزة خالدة وإيضاح مميزاته عموماً ، لم يقم القادة الإسلاميون بإعطائها دفعة واحدة بل كانت تعطي بالتدرج طبقاً للخط التربوي العام ...ابتداء بالتحدي القرآني نفسه وأنتهاء بالسنة الشريفة ومابعدها من عناصر الفكر الإسلامي التي شرحت مميزات القرآن الكريم.

فإذا كان الحال بالقرآن الكريم مع وضوح أسسه ، هو ذلك ، فكيف بالمعجزات التي لا تكون واضحة الأسس.

ومعه فمن غير المحتمل أن نسمع في الأخبار أي نقل ، عن المعجزات (العلمية) التي ستكون الأسلوب الرئيسي للإعجاز في عصر الإمام المهدي على المظنون .

وأما عدم نقل المعجزات (الخاصة) معجزة معحزة . فهو أوضح ، لما عرفناه من أن الآخرين قد لا يدركون فكرة إعجازها بالمرة ...حتى وإن وقعت أمامهم ، فضلاً عما إذا نقلت إليهم بالأخبار .

وقد يخطر في الذهن :أن في إمكان الأخبار أن تشير إلى قيام المهدي (ع) ببعض المعجزات الخاصة إجمالاً .... فلماذا لم تفعل ؟!

وجوابه أن هذا النوع  من المعجزات ، حيث كان نطاقه شخصياً ، فيكون ذكره في الأخبار مستأنفاً  .ولا يبعد أننا نجد في الأخبار شيئاً من ذلك ...ولكنه قليل وغير ملفت للنظر ، باعتبار أن الإهتمام مركز في الأخبار إلى ما هو أشمل من أعمال الإمام المهدي وصفات أصحابه ودولته .

إذن فكل ما في الأمر أننا نتوقع أن نسمع من الأخبار إقامة المهدي (ع) معجزات (كلاسيكية) على غرار الأنبياء وألأولياء السابقين .على حين أنه (ع) سوف يعرض عن هذا النوع لكونه قاصراً عن المستوى الذي يكون عليه المجتمع يوم ظهوره ....وإنما كان مناسباً فقط . مع الأزمة السابقة ، المعاصرة مع الأنبياء والأولياء الأقدمين

واما النوع أو الأنواع التي يقيمها المهدي (ع) من المعجزات ، فلا يناسب ذكرها في الأخبار ، لكونها أعلى من مستوى عصر صدور الأخبار، وعدم فهم المجتمع لأسسها ، واعتياده على الأسلوب الكلاسيكي للمعجزات يومئذ.


صفحة (239)
 

الجهة الخامسة من هذا الفصل :وردت بعض الأخبار تقول : بأن المهدي(ع) يظهر من قرية يقال لها كرعة .

-  بالكاف الفارسية على الظاهر - . وهي  تنافي الروايات التي سمعناها في هذا الفصل من كونه (ع) ظهر في مكة بين الركن والمقام .

أخرج الكنجي في كتابه البيان (1) بإسناده عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله ( ص)  :

يخرج المهدي من قرية يقال لها : كرعة .

قلت : هذا حديث حسن رزقناه عالياً .أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في عواليه كما سقناه .ورواه أبو نعيم في مناقب المهدي (ع) .انتهى كلام الكنجي .

وقال السيوطي في الحاوي(2): وأخرج أبو نعيم وأبو بكر بن المقري في معجمه عن ابن عمرو ، قال :قال النبي (ص) :

يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة .

وروى الأربلي(3) عن الأربعين حديثاً للحافظ أبي نعيم بإسناده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : قال النبي(ص):

يخرج النبي من قرية يقال لها : كرعة .

وروى ابن طاووس(4) عن كتاب الفتن للسيليلي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله (ص): يخرج المهدي من قرية يقلا لها كرعة .

فكيف  يمكن أن نوفق بين هذه الروايات وتلك ؟...


صفحة (240)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر ص91 منه .  (2) انظر ج2 ص137.

(3) انظر كشف الغمة للإربلي ج3 ص259.

(4) انظر الملاحم والفتن لإبن طاووس ص114.

 

ويمكن الإنطلاق في الجواب عن ذلك من عدة زوايا:

الزاوية الأولى : إن هذا الخبر غير قابل للإثبات التاريخي . فإنه مروي عن عبد الله بن عمر .... وهو الذي يتحمل مسؤولية روايته .

وأما وروده – كما سمعنا في رواية السيوطي والكنجي بلفظ : عبد الله بن عمرو ، فهو إن كان خطأ مطبعياً أو كتابياً ، وواقعه هو : عبد الله بن عمر ... إذن فالكلام فيه ما سبق أن قلناه . وإن كان  شخصاً غيره ، فهو مجهول ومردد بين عدة أشخاص ، فلا تكون روايته قابلة للإثبات .

فجوابه أنها مروية في عدة مصادر وعن عدد من الرواة، إلا أنهم جميعاً يسندونها إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ، وقد عرفنا حال الرواية عنهما .

وتكون الروايات الدالة على ظهور المهدي (ع) في مكة ، بين الركن والمقام قائمة وحدها بلا معارض.

الزاوية الثانية :إننا لو قبلنا كون هذه الرواية قابلة للأثبات التاريخي ، ففي الإمكان أن ننفي التعرض بينهما ، طبقاً لعدد من الأطروحات المحتملة ، نذكر بعضها :

الأطروحة ألأولى : أن يكون ظهوره (ع) في كرعة أولاً طبقاً لأطروحة خفاء الشخص ويكون ظهوره ثانياً في مكة طبقاً لأطروحة خفاء العيون .

فإنه طبقاً للفهم الكلاسيكي لغيبة المهدي(ع) في بعض الأذهان أنه غائب بحيث يختفي جسمه عن الأنظار . مطابقاً لأطروحة خفاء الشخص. فإذا آن أوان ظهوره في (كرعة) ارتفع الخفاء الشخصي عنه ، ولكنه يبقى مجهولاً للناس مطابقاً لأطروحة خفاء العنوان ، حتى ما إذا وصل إلى مكة وقام بين الركن والمقام وأعلن عن اسمه واسم أبيه ، ارتفع خفاء العنوان وعرفه الناس .

الأطروحة الثانية : إننا لو التزمنا على أن الصبغة العامة للغيبة مطابقة لأطروحة خفاء العنوان ، دون الأخرى  كما ذهبنا إليه، في التاريخ السابق(1) كان محصّل المعنى للجمع بين الروايات :إن المهدي (ع) حين يريد الظهور في (كرعة) فإنه يكشف نفسه للناس ، أعني يطلعهم على اسمه واسم أبيه .ولكنه لا يمارس اي عمل إلا بعد الوصول إلى مكة والوقوف بين الركن والمقام .

 

صفحة (241)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص34وما بعدها.
 

الأطروحة الثالثة : أن نفترض أن (كرعة) عبارة أخرى عن (مكة المكرمة) ، بنحو المجاز أو الرمز .

وأما التعبير عن مكة المكرمة بالقرية فباعتبار التعبير عنها بذلك في عدة آيات من القرآن الكريم ...كما لا يخفى على القارىء .

غير أن ايّاً من هذه الأطروحات لا تخلو من الخدشة والإشكال ، مما نحيله على ذكاء القارىء ، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله ... بعد أن عرفنا سقوطها عن الإثبات التاريخي.

الزاوية الثالثة : إننا لو سلمنا بقابلية تلك الرواية للأثبات ، ونفينا تلك الأطروحات في الجمع ما بينهما ...فإننا سنواجه المعارضة بين هذه الرواية وروايات ظهوره في مكة وفي المسجد الحرام  بين الركن والمقام ...وهي روايات عديدة مروية عن جماعة من الرواة من الفريقين . فتكون متقدمة في الإثبات على تلك الرواية بطبيعة الحال .

الجهة السادسة :إن المهدي (ع) بعد أن ينتهي من خطابه ، يبدأ بأخذ البيعة من أنصاره ومؤيديه

وقد دلت على ذلك  عدة روايات ، نذكر اهمها ؛

أخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده عن أبان  بن تغلب ، قال : قال أبو عبد الله (ع) :

إن أول من يبايع القائم عليه السلام جبرئيل عليه السلام ... الحديث .

وأخرج النعماني(2) عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) في حديث أنه قال :

لكأني أنظر بين الركن والمقام يبايع الناس ... الحديث .

وأخرج روايات أخرى بنفس هذا المضمون(3).


صفحة (242)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر المصدر المخطوط .

(2) ص139 .

(3) انظر ص102 وص141 .

 

وأخرج الشيخ الطوسي(1) بسنده عن علي بن مهزيار ، قال : قال ابو جعفر :

كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام ، بين يديه جبريل ينادي :البيعة لله . فيملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

وأخرج الطبرسي(2) عن المفضل بن عمر عن أبي عبدالله (ع) ، في حديث :أنه ذكر أولاً مضمون خطبة الإمام المهدي (ع) ثم قال:

فيبعث الله عز وجل جبرئيل ، حتى يأتيه وسأله ويقول له : إلى أي شيء تدعو ؟ فيخبره القائم ، فيقول جبرئيل: فأنا أول من يبايع ، ثم يقول له :مد كفك . فيمسح على يده .وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، فيبايعونه ... الحديث

وقد وردت في مضمون هذه البيعة عدة روايات :

منها ما اخرجه النعماني(3) عن ابي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، في حديث ، قال :

يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد .

وفي رواية أخرى(4) عن أبي بصير ان أبي جعفر (ع) – في حديث ـ قال :

لكأني انظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد (شديد) وكتاب جديد وسلطان جديد من السماء.

واخرج الصافي في منتخب الأثر(5) عن كشف الأستار للحاج النوري عن عقد الدرر لجمال الدين المقدسي والفتن لأبي صالح السليلي عن أمير المؤمنين (ع) :

أنه ـ أي المهدي (ع) – يأخذ البيعة عن أصحابه ، على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يسبوا مسلماً ولا يقتلوا محرماً ولا يهتكوا حريماً محرماً .ولا يهجموا (يهدموا) منزل، ولا يضربوا احداً إلا بالحق ولا يكنزوا ذهباً ولافضة ولابراً ولا شعيراً ، ولا يأكلون مال اليتيم ، ولايشهدوا بما لا يعلمون ، ولا يخربوا مسجداً ولا يشربوا مسكراً ، ولايلبسوا الخز ولا الحرير . ولا يتمنطقوا بالذهب ، ولا يقطعوا طريقاً ولا يخيفوا سبيلاً ، ولا يفسقوا بغلام ، ولا يحبسوا طعاماً من بر أو شعير، ويرضون بالقليل ، ويشمون الطيب و يكرهون النجاسة ، ويأمرون المعروف وينهون عن المنكر ، ويلبسون الخشن من الثياب ،ويتوسدون التراب على الخدود ،ويجاهدون في الله حق جهاده .


صفحة (243)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص24.   (2) ص431.

(3) ص141. (4) غيبة النعماني أيضاً ص139.

(5) ص468.وانظر نفس المضمون في الملاحم والفتن لأبن طاووس ص122.

 

ويشترط على نفسه لهم : أن يمشي حيث يمشون ويلبس كما يلبسون ويركب كما يركبون ، ويكون من حيث يريدون ويرضى بالقليل ، ويملاً الأرض بعون الله – عدلاً كما ملئت جوراً ، يعبد الله حق عبادته ، ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً .

وهناك من الروايات ما يدل على أن المهدي يبايع كارهاً . وقد ورد هذا المضمون في طرق العامة بشكل أوسع مما عليه في طرق الخاصة .

أخرج أبو داود(1) بسنده عن أم سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) ، قال :

يكون اختلاف عند موت الخليفة ، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة ، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره ، فيبايعونه بين الركن والمقام ... الحديث .

ورواه ابن حجر في الصواعق (2) والقندوزي في ينابيع المودة (3) والصبان في إسعاف الراغبين(4).

ومن طريف ما روى السيوطي(5) بهذا الصدد ، ما أخرجه عن نعيم بن حماد ، عن ابن مسعود ، قال – في حديث عن المهدي (ع) ـ :

فيطلبونه فيصيبونه بمكة ، فيقولون له :أنت فلان بن فلان ؟ فيقول :لا ، بل أنا رجل من الأنصار ، حتى يفلت منهم ، فيصفونه لأهل الخيرو المعرفة به. فيقال: هو صاحبكم الذي تطلبونه ، وقد لحق بالمدينة ، فيخالفهم إلى أهل (مكة) ، فيطلبونه بمكة فيصيبونه . فيقولون :أنت فلان بن فلان . وأمك فلانة ابنة فلان ، وفيك آية كذا وكذا . وقد أفلت منا مرة ، فمد يدك نبايعك. فيقول: لست بصاحبكم حتى يفلت منهم . فيطلبونه بالمدينة، فيخالفهم إلى مكة .

فيصيبونه بمكة عند الركن ، ويقولون له:اثمنا عليك ، ودماؤنا في عنقك إن لم تمد يدك نبايعك . هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا ، عليهم رجل من حرام . فيجلس بين الركن والمقام . فيمد يده فيبايع له . فيلقي الله محبته في صدور الناس فيصير مع قوم أسد بالنهار رهبان في الليل .

 

صفحة (244)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر السنن ج2ص243.   (2) ص98.

(3) ص517ط النجف.          (4) ص135.

(5) الحاوي ج2 ص145.

وأخرج(1) أيضاً عن شهر بن حوشب ، قال: قال رسول الله (ص) :

سيكون في رمضان صوت .

إلى أن قال :

حتى يهرب صاحبهم ، فيؤتى بين الركن والمقام فيبايع وهو كاره .

ويقال له :إن أبيت ضربنا عنقك !!!...يرضى به ساكن السماء وساكن الأرض .

وورد في طرق الخاصة تفسير هذه الكراهة .أخرج النعماني(2) بسنده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) ، أنه قال:

ينادي باسم القائم فيؤتى وهو خلف المقام ، فيقال له :قد نودي باسمك ، فما تنتظر؟ ثم يؤخذ بيده فيبايع. قال : قال لي زرارة : الحمد لله .قد كنا نسمع أن القائم (ع) يبايع مستكرهاً (مكرهاً) فلم نكن نعلم وجه استكراهه، فعلمنا أنه استكراه لا إثم فيه.

فهذه هي أخبار البيعة ، ولا بد أن نتكلم حولها ضمن عدة نقاط .

النقطة الاولى : البيعة : هي المعاهدة على الطاعة والنصرة .وذلك بإيكال القيادة والرأي في كل الأمور العامة – بل والخاصة – إلى القائد الذي أعطيت البيعة له ، بحيث لا يحول دون بذل مال ولا نفس .


صفحة (245)

ـــــــــــــــــ  

(1) الحاوي ج2 ص161

(2) غيبة النعماني ص140

 

وهي أمر مشرع في الإسلام ، قام به النبي (ص) تجاه أصحابه في بيعة الرضوان ، ونزل في مدحهم القرآن الكريم : قال الله تعالى :

"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً  "(1).

وقد كانت البيعة أمراً معترفاً به ومطبقاً قبل الإسلام بين الملوك والرعية ....

وأمضاها الإسلام بعد أن أعطاها الصبغة الدينية ، لما لها من الأثر البليغ في ربط الفرد بالحاكم وشده إليه نفسياً وعاطفياً ، في أغلب المجتمعات التي هي في طريق التربية .ومن الواضح أن شد الفرد نفسياً إلى الحاكم أو القائد الإسلامي مطلوب وذو نتائج عامة وخاصة ، تعود إلى تربية الفرد نفسه وإلى المجتمع ، ومن ثم اقتضت المصلحة في الإسلام إقرار هذه الفكرة أو هذا الأسلوب في تأييد الحاكم  والإعتراف بحكومته وولايته .

وهذا لا يعني أن لها أثراً فقهياً أو (قانونياً) كاملاً في الإسلام ...لوضوح وجوب إطاعة الحاكم الإسلامي على كل حال ، سواء وقعت البيعة أولاً . كما أن عدم وقوع البيعة لا يعني التمرد على الحاكم إذا كان الفرد مؤمناً وعازماً على تطبيق أوامره وإرشاداته .وإنما تعني التمرد إذا كانت دليلاً على العصيان والإنحراف .

نعم ، إذا أمر الحاكم الإسلامي بالبيعة أو جلس لإستقبال المبايعين ، كما فعل النبي (ص) وسيفعل المهدي (ع) ، فيجب على الأفراد القيام بها تجاهه ، ويكون تركها عصيان من جهتين :

أولاً : لكون تركها إهمالاً لأمر الحاكم الإسلامي الذي يجب إطاعته في كل أوامره .

ثانياً :لإن أمره بالبيعة وجلوسه من أجلها يعطي هذه الفكرة ،وهي أن الحاكم الإسلامي يرى الان ـ ومن خلال هذا الأمر ـ أن الإعتراف بولايته وحاكميته منوط بالطبيعة ومتوقف عليها . فلو تركها الفرد كان غير معترف بولايته ، فيكون متمرداً عليه.

ومن ثم لا تقتضي تلك القاعدة الفقهية ترك البيعة التي يأمر الحاكم الإسلامي بها أو يجلس من أجلها .بل مقتضى القواعد الفقهية الإسلامية وجوبها على كل ملتفت إلى ذلك الأمر أو تلك الرغبة .


صفحة (246)

ـــــــــــــــــ  

(1) الفتح 48/ 18

 

نعم ، لو انتهى أمد الأمر ،وأراد فرد من غير المبايعين أن يعلن ولائه من جديد ....كفى له (فقهياً) مجرد الإعراب عن عقيدته ،ولم تكن هناك ضرورة لإتخاذ أسلوب البيعة ، وهذا كله صادق بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) عند ظهوره .

النقطة الثانية : إن الذين يبايعون المهدي (ع) في موقفه بين الركن والمقام ، يتكونون من عدة أقسام :

القسم الأول : جبرائيل الأمين (ع) ، وهو من أهم الملائكة ، و أحد أربعة أعاظمهم ، طبقاً للفهم الإسلامي .

وبيعته للإمام المهدي (ع) ، يمكن أن تحمل على أحد معنيين :

المعنى الأول : المعنى الرمزي ، الراجع في الواقع ، إلى مرتبة عليا من التأييد الإلهي للمهدي (ع) ومباركة حركته العالمية ودعوته .وإنما دون ذكر جبرائيل بالخصوص باعتباره الممثل للحق من زاوية عليا كاملة ، وقد كان هو رسول الحكمة وحامل الوحي بين الله عزوجل وسوله الكريم (ص) .

إلا أن هذا المعنى لا يكون صحيحاً ، بصفته رمزياً ، إلا بعد اليأس من المعنى (الصريح) المباشر. وهذا ما سنبحثه في المعنى الثاني .

المعنى الثاني : البيعة بالمعنى المباشر الذي يقوم به سائر الناس . يقوم بها جبرائيل بعد أن يتخذ شكل رجل ، توصلاً إلى فائدتين كبيرتين:

الفائدة الأولى : إلفات نظر الناس إلى لزوم مبايعة المهدي (ع) في موقفه ذلك بين الركن والمقام .فإن الناس غافلون ـ على الأقل ـ عن ذلك ، ويحتاجون إلى المنبه بطبيعة الحال ، وستكون مبايعة جبرئيل (ع) منبهاً لبعض الناس من الخاصة ، فإذا بايعوا كانت مبايعتهم منبهى لسائر الناس الموجودين في المسجد الحرام ساعتئذ .

الفائدة الثانية : دعم وتأييد حركة المهدي (ع) من أول حدوثها .إذ من الضروري أن مبايعة جبرئيل (ع) لا تكون إلا لأجل تلقيه الأمر الإلهي بذلك ،وإذا كان الله تعالى موجباً على جبرئيل (ع) مبايعة المهدي (ع) فذلك من أعظم الدعم  والتأييد .

غير أن هذا التأييد لا يمكن انعكاسه اجتماعياً ما لم يكن جبرائيل ، وهو على شكل رجل ، معروف الهوية لدى الموجودين حال مبايعته .وهذا ـ بحسب فهمنا المعاصر ـ مما يصعب توفره في ذلك الموقف .وإنما يمكن إعلانه تدريجياً طبقاً لإتساع حركة المهدي (ع) وسلطته .وهذا كاف لدعم الحركة بمقدار احتياجها التدريجي .


صفحة (247)

وقد يخطر في الذهن : أن هناك فائدة أخرى لمبايعة جبرائيل (ع) للمهدي (ع) .

وهي المشاركة في الدليل على صدق المهدي وأحقية دعوته .

وهذا يصح بالنسبة إلى من يعرف جبرئيل (ع) حال قيامه بالمبايعة أو بعدها بدقائق ، فإنه يكون من الأدلة العظيمة على صدق المهدي (ع) إلى جنب الخسف والحسوف والكسوف وقتل النفس الزكية ومضمون خطبته وغيرها من الأدلة ، غير ان هذا مما يصعب تحقيقه هناك كما قلنا .

وأما التعرف على حقيقته بعد ذلك ، فإنما يكون بإخبار المهدي (ع) وخاصته ، بعد قيام البرهان وإتمام الحجة على صدقه ، فيصلح دعماً لحركة المهدي (ع) ولا يصلح أن يكون دليلاً عليها .

وهناك بعض الإستفهامات عن مبايعة جبرايئل سنذكرها في النقاط الآتية :

القسم الثاني : ممن يبايع الإمام المهدي (ع) في موقفه الأول :

اصحابه الخاصون الذين كانوا يعرفونه على حقيقته في غيبته الكبرى ، فإننا سبق في تاريخ الغيبة الكبرى أن قلنا :أن هناك نفر قليل من البشرية في كل جيل ، يمكن أن يكون مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) ومكانه . وهناك من الروايات ما يدل على وجود مثل هؤلاء الأفراد وقد سبق أن رويناها هناك(1).

وبالطبع سيكون هؤلاء ، مع سائر المخلصين الممحصين الناتجين عن التخطيط الإلهي العام ، حاضرون خطاب المهدي(ع) في المسجد الحرام ، وقد يكونون على موعد خاص سابق بهذا الإجتماع . ولا يحتاجون في التعرف على شخص الإمام المهدي إلى أي إثبات .

ومعه فسوف يكونون هم الأوائل من المبادرين إلى البيعة بعد جبرائيل والمدافعين عنه عندما يحاول المنحرفون قتله ، عند سماعهم الخطبة ، كما دلت عليه رواية مما نقلناه عن المجلسي في البحار، خلال أخبار الخطبة ، بل سيكونون اللسان الناطق في إيضاح ما ينبغي إيضاحه في هذه الساعة الأولى .

القسم الثالث : ممن يبايع الإمام المهدي(ع) :

سائر المخلصين الذين كانوا في مكة ، وقد انتظروا الظهور بفارغ الصبر.

وسنتعرض لكيفية اجتماعهم وسائراوصافهم في الفصل الآتي .


صفحة (248)

ـــــــــــــــــ  

(1) انظر ص74منه وغيرها .

 

وسيشارك هؤلاء بنفس مهام القسم الثاني ، مع فرق انهم لم يكونوا  قد شاهدوا المهدي خلال العصر السابق... الأمر الذي يجعل الفكرة في أذهان القسم الثاني أوضح منها في أذهان هؤلاء في هذه الساعة الأولى ،وسيكون ما يشاهدونه وما يسمعونه في موقفهم ذلك كافياً في الإيضاح.

القسم الرابع : أفراد آخرون يشهدون الموقف . فتحصل لهم القناعة التامة ، فيأتون لمبايعة المهدي خاضعين. وهم عادة يمثلون الدرجة الثانية والثالثة من درجات الإخلاص الأربعة التي سبق أن سمعنا عنها .

النقطة الثالثة: في عرض بعض الإستفهامات  عن مبايعة جبرائيل(ع)  للمهدي(ع) ينبغي عرضها ، قبل العبور إلى خصائص أخرى من البيعة .

الإستفهام الأول : إن جبرائيل (ع) أفضل من المهدي في درجات الكمال الإلهي ، فكيف يخضع للمهدي (ع) بالمبايعة ؟...

وهذا الإستفهام يحتوي على عدة أجوبة ، نذكر منها اثنان :

الوجه الأول : إنه لا دليل على أن جبرائيل أفضل من الإمام المهدي(ع) .بل لعل الدليل قائم على العكس ، باعتبار أن الإنسان الصالح المتكامل في صلاحه ، أفضل من الملائكة  .لأن الملائكة ليس لهم نفس القيمة الخلقية في إطاعة الله تعالى كالفرد الصالح ، بل إن ميزان هذه القيمة في الفرد الصالح أرحج بكل تأكيد .لأن الملائكة إما أنهم لا يملكون الإختيار أصلاً ، بل هم مجبورون على أفعالهم من قبل باريهم جل وعلا ، أو هم على الأرجح مختارون ولكنهم يجدون الطاعة موافقة لهواهم ومنسجمة مع ميولهم .بخلاف الفرد الصالح فإنه مختار في طاعته ، ويجد في الطاعة مصاعب نفسية واجتماعية عديدة ،وهو مع ذلك جاد فيها مثابر عليها . ومن الواضح اتخاذ هذه الطاعة قيمة أخلاقية أعلى من تلك الطاعة . فيتصف هذا المطيع بكمال أكبر من ذاك الآخر .

هذا بالنسبة إلى أي فرد صالح متكامل من البشر تجاه أي ملك من الملائكة ،ومن الواضح ثبوت نفس التفاضل، وبدرجة أكبر ، لو تحدثنا عن النسبة بين رؤساء الملائكة وقادة البشر الدينيين . كالأنبياء والأولياء ، فإنهم يتصفون بالأفضلية على الملائكة . بطبيعة الحال .

فإذا كان المهدي (ع )أفضل من جبرئيل، كان المانع من هذه الجهة ، عن البيعة غير موجود .

 

صفحة (249)


الوجه الثاني : إن هذه المبايعة من قبل جبرائيل ليس خضوعاً للمهدي (ع )... وإنما هي احترام له وتقديس لمهمته العالمية التي خطط من أجلها خلال عمر البشرية كله، وقد وجدت المباعة لأجل مصالح معينة عرفنا بعضها .

الإستفهام الثاني : إنه ما الذي يسفيده جبرائيل من هذه المباعة ؟

والجواب على ذلك من عدة وجوه نذكر اهمها :

الوجه الأول : أنه يبايع إطاعة لأمر الله تعالى ، لا من أجل مصلحته الخاصة .

الوجه الثاني : إن احترام الحق وتقديس قادته ، يعتبر كمالاً له وفائدة تعود عليه .

وهذا ما يتحقق بالبيعة كما عرفنا .

الوجه الثالث : إن البيعة ذات مصالح عامة عرفناها ، تعود إلى البشر أنفسهم ،ومن ثم تتدرج في التخطيط العام الساري المفعول بعد الظهور ، وهذا كاف في إيجادها .

الإستفهام الثالث : إن فكرة مبايعة جبرائيل(ع) للمهدي (ع) لا تنسجم مع فكرة أن المهدي (ع) يبايع مكرهاً . فإن من يكرهه على المبايعة هم البشر المتضررون من الظلم الواقع عليهم ،وليس لجبرائيل(ع) في ذلك  أية مشاركة ، فكيف نجمع بين الأخبار الدالة على هاتين الفكرتين ؟! ..

وجواب ذلك :أننا سنفهم من الإكراه المشار إليه معنى معيناً ، يتضمن لهفة المظلومين إلى رفع الظلم عنهم ، وتواضع الإمام المهدي (ع ) عن أن يتصدى للمبايعة بنفسه ، بل من الأفضل أن تكون بطلب من غيره بطبيعة الحال . وكما دل على الإكراه أكثر من ذلك ، ينبغي الإستغناء عته ،وهذا المعنى لا ينافي مع بيعة جبرائيل(ع) معه ، بل هو منسجم معها ، وسيكون جبرائيل (ع) هو المبادر إلى طلب البيعة منه .

والإستفام الرابع :أنه دلت بعض الروايات على أن حبرائيل قال عند وفاة النبي (ص) :أنه لن ينزل إلى الأرض مرة أخرى .


صفحة (250)

قال علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمة(1): وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام ، قال :

أتي جبرائيل (ع) إلى رسول الله (ص) يعوده .فقال : السلام عليك يا محمد .هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا. وعن عطاء بن يسار أن رسول الله (ص) ، لما حضر أتاه جبرائيل ، فقال : يا محمد الآن اصعد إلى السماء ، ولا أنزل الأرض أبداً .وعن أبي جعفر(ع) قال: لما حضرت النبي (ص) الوفاة .إلى أن قال : فعند ذلك قال جبريل  : يامحمد ، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا ، إنما كنت أنت حاجتي فيها .

والجواب على ذلك ، يكون من عدة وجوه ، نذكر منها :

الوجه الأول : أن هذه الروايات النافية لنزول جبرائيل(ع) مقيدة ـ في حقيقتها ـ  بقيد خفي غير مصرح به ، وهو عدم تعلق الأمر الإلهي أو المصلحة العامة أو رغبة رسول الله (ص) بذلك ، فإن حصل شيء من ذلك ، فإني سأنزل إلى الدنيا .

ومن المعلوم أن الروايات الدالة على نزوله مع المهدي (ع) تدل على حصول شيء من ذلك ، أو كله ، فإن شأن المهدي (ع) بصفته المطبق الأكبر للهدف الأعلى من التخطيط العام ، يناسب ذلك .

ووجود مثل هذا القيد الخفي الضمني في مضمون الكلام واضح لا يحتاج إلى استدلال غير ان قوله في إحدى هذه الروايات :ولا أنزل إلى الأرض ابداً ، ينافي فكرة هذا التقييد ، فإنها تدل ـ على الأقل ـ  بأن شيئاً من ذلك سوف لن يحدث ومن ثم لن ينزل جبرائيل (ع) إلى الأرض ابداً ، غير ان هذه رواية واحدة يمكن التجاوز عنها بدلالة الروايات السابقة الدالى على نزوله في مناسبات أخرى بعد وفاة النبي (ص) إلى نهاية البشرية ، تكون نافية لمدلول هذه الرواية .

الوجه الثاني : هناك في هذه الروايات ما يدل على ما يشبه التقييد المشار إليه .وهو قوله :إنما كنت أنت حاجتي فيها .فإنه دال على أن نزوله كان من أجل رسول الله (ص) وتنفيذ مصالحه العامة ورغباته الحكيمة. فإذا علمنا أن رسول الله (ص) ، نفسه يرغب بتأييد المهدي(ع) ويدرك مصلحة وجوده وهدفه العام كما بشر به مراراً وتكراراً خلال حياته ، كما دلتنا على ذلك الأخبار المتواترة  .إذن فسيكون نزول جبرائيل (ع) مع المهدي (ع) مطابقاً لرغبة النبي(ص) فإذا كان ينزل في زمن النبي (ص) من أجل رغبته ، فأحرى به أن ينزل مع المهدي (ع) من أجل ذلك أيضاً .

 

صفحة (251)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص18-19 من ج1.

 

الوجه الثالث: أننا يمكن أن نقيد الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) بالهدف الذي كان ينزل لأجله يومئذ . وهو تبليغ الوحي إلى النبي (ص) .فكأنه قال : لن أنزل إلى الأرض من أجل تبليغ الوحي . وهذا أمر صحيح ولن يحدث أبداً لأن نزوله مع المهدي (ع) لن يكون من أجل تبليغ الوحي، بطبيعة الحال.

وهذا التقييد وإن كان مخالفاً لظاهر هذه الأخبار ، إلا أنه موافق مع طبيعة مهمة جبرائيل مع النبي (ص)... كما أن أخبار نزوله مع المهدي (ع) توجل الإلتزام بهذا التقييد ، بغض النظر عن الوجهين السابقيين .

الوجه الرابع : أننا لو تجاوزنا عن الوجوه الاسبقة .فوقع التنافي التام بين الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) والأخبار المثبة له .أمكننا بسهولة إسقاط الأخبار النافية لنزوله ، بأحد أسلوبين :

الأسلوب الأول : تقديم الأخبار القائلة بنزول جبرائيل مع المهدي (ع)  باعتبارها أكثر عددا ً وأصح سنداً .أما عدداً ، فهو واضح لمن راجع المصادر وأما سنداً فلأن الأخبار الثلاثة النافية كلها مرسلة لم يذكر الأربلي لها سنداً .

نعم ، واحدة منها رويت مرسلة عن عطاء بن يسار ، فأصبح هو الراوي الوحيد المعروف من سلسلة الرواة، والباقي كلهم مجاهيل ...وهو غير كاف في تصحيح الرواية .فكيف بالروايتين الأخيرتين اللتين لم يذكرها ولا راو واحد.

هذا ، بخلاف روايات نزول جبرائيل (ع) مع المهدي (ع) فإنها جميعاً مسندة في مصادرها معروفة الرواة .

الأسلوب الثاني :معارضة الأخبار النافية ، بكل ما يدل على نزول جبرائيل (ع) بعدالنبي(ص) إلى نهاية البشرية .

وقد سمعنا هذا الأسلوب  في الوجه الخصوص رواية :لا أنزل إلى الأرض أبداً .ولكن بعد التنزل عن الوجوه السابقة يكون هذا أسلوباً في معرضة كل الأخبار الثلاثة النافية .وهي أكثر عدداً منها .بحيث يكون مجموعها مستفيضاً ، فلا يبقى لهذه الأخبار الثلاثة بإزائها أي إثبات .

 

صفحة (252)

 

فإن هناك من الأخبار ما يدل على نزول جبرائيل (ع) في زمن الأئمة المعصومين (ع) عدة مرات ،كنزوله عند ثورة الحسين بن علي (ع) وعند ميلاد الإمام المهدي (ع) ومناسبات أخرى .وكنا أود أن أورد عدة أخبار منها ، لولا أنه يخرج بنا عن الصدد.

وعلى أي حال، فقد سقطت الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) بعد وفاة النبي (ص) عن قابلية الإثبات التاريخي النقطة الرابعة : ـ من الحديث عن البيعة ـ : ورد في مضمون البيعة ،كما سمعنا في الأخبارـ شكلان من الغرض ، كلاهما موافق للقواعد الإسلامية العامة .

الشكل الأول : إن المهدي (ع)  يبايع أصحابه على كتاب جديد وأمر جديد وسلطان جديد .

وهذا في حقيقته ـ يمثل مستوى الوعي الإسلامي الجديد الذي لم يكن معروفاً قبل الظهور. على ما سوف نبرهن عليه في مستقبل البحث .

ويمكن أن نفهم من المبايعة على ذلك  ، أحد ثلاث معان :

المعنى الأول : وهو الظاهر المباشرمن اللفظ ، وهو أن يقول المهدي (ع) حال المبايعة : أبايعكم وتبايعونني على كتاب جديد وسلطان جديد .

غير أن المعنى لا يخلو من بعد ، بإزاء المعاني الآتية ، من حيث : إن الكتاب الجديد والسلطان الجديد من الألفاظ غير المفهومة للجمهور الحاضر يومئذ ، وإنما يتضح معناه وتطبيقاته بعد ذلك من خلال عمل المهدي (ع) في دولته ،ومن المعلوم :إن المبايعة على امور غير مفهومة مخالفة للمصلحة ، مع وجود مفاهيم كثيرة واضحة ودافعة إلى الفداء أكثر من هذه الأمور .

المعنى الثاني لمبايعته على ذلك :إن نتيجة المبايعة هو العمل الجاد لإنجاز العدل وتطبيقه في العالم كله . الأمر الذي سيصبح أمراً جديداً وسلطاناً جديداً ويتضمن كتاباً جديداً ،كما سيأتي .فالمبايعة على ذلك يعني إنتاجها لذلك في المدى البعيد .

وهذا المعنى محتمل في التصور ، إلا أنه مخالف لظاهر هذا الأخبار وأبعد مفهوماً من المعنى الثالث الآتي ، كما هو غير خفي عند المقارنة .

المعنى الثالث : إن المهدي (ع) يبايع أصحابه على شروط معينة بتفاصلها ،وهذه التفاصيل تمثل ـ في واقعها ـ الكتاب ـ والسلطان والأمر الجديد .

فالكتاب الجديد  والأمر الجديد ، لا يذكره المهدي (ع) بصراحة ليكون مجهول المعنى للجمهور، طبقاً للمعنى الأول .كماأنه لا يهمل الإشتراط تماماً إتكالاً على النتائج ، طبقاً للمعنى الثاني .بل بذكره عدة أمور في البيعة ، تكون هي الكتاب الجديد والأمر الجديد ، في الواقع .


صفحة (
253)

وأما هذه التفاصيل التي يذكرها المهدي (ع) في البيعة ، فهو ما أعربت عنه الرواايت الأخرى التي سمعناها، والتي سنذكرها في الشكل الثاني .وبذلك يتحد محتوى الشكلين لمضمون البيعة، لأن الكتاب الجديد والأمر الجديد يعود إلى نفس التفاصيل المندرجة في الشكل الثاني .وليست شيئاً آخر .

الشكل الثاني:إن المهدي (ع) يبايع أصحابه على شروط معينة بتفاصيلها .تمثل في حقيقتها أهم أحكام الإسلام. وقد سردت إحدى الروايات السابقة ، قائمة طويلة منها لا حاجة إلى تكرارها الآن .

غير أن هذا الشكل من الشروط المطولة ، يحتوي على بعض الإستفهامات .لا بد من عرضها ونقدها :

الإستفهام الأول : كيف يتصور أن المهدي (ع) يتلو هذه الشروط على كل واحد من الحاضرين ، فإنه يستغرق زمناً طويلاً ؟...

وجوابه : واضح ، وهو أنه لا يحتاج إلى ذكرها أكثر من مرة ، أمام مجموع الحاضرين أو مجموعة منهم ، ثم يق,م بالتنبيه على تلك الشروط في كل مبايعة .

الإستفهام الثاني :إن ما ذكر في هذ القائمة الطويلة من الأحكام ، ليست أحكاماً جديدة ، بل هي احكام معروفة في الإسلام ، ونافذة قبل الظهور ، فكيف نقول أنها من الكتاب الجديد والأمر الجديد .

ويمكن الجواب على ذلك من عدة زواي، نذكر اثنتين منها :

الزاوية الأولى : أننا نحتمل ـ على الأقل ـ أن الرواية التي تكفلت بيان الشكل الثاني لمضمون البيعة قد حذفت من القائمة التي يذكرها المهدي (ع) لأصحابه ، كل حكم جديد..لأن ذكرها في الرواية يساوق إعلانها قبل الظهور :مثل قوله :ويرضون بالقليل ويشمون الطيب ، ويلبسون الخشن من الثياب ويتوسدون التراب على الخدود .

 

صفحة (254)

 

فإن هذه أحكام نافذة المفعول قبل الظهور،ولكنها مستحبة وغير (إلزامية) بمعنى أنه يجوز تركها للفرد ...ولكن بعد أن تعيش الأمة التجارب القاسية السابقة على الظهور ، التي تنتج فيها الإيمان العالي والإخلاص العميق في جماعة واسعة من الناس .... يصبح فيها القابلية لأن تكون (ملزمة) بهذه الأحكام وأمثالها . فتتحول هذه الأحكام من الإستحباب إلى وجوب .

ويكون هذا الوجوب ، ممثلاً لجهة مهمة من جهات (الكتاب الجدي والأمر الجديد) الذي سوف يعلن بعد الظهور .

ومن هنا نفهم الجواب على :

الإستفهام الثالث : إن هذه الأحكام (المستحبة) صعبة التنفيذ ، فكيف تكون واجبة بعد الظهور؟

وجوابه من وجهين :

الوجه الأول : أنه لا دليل على شمول هذه الأحكام للأمة كلها ،وإنما كل ما في الأمر ، أن الرواية دلتنا على أن المهدي (ع) يشترط على أصحابه ... ومن المعلوم أن هؤلاء الأصحاب المخلصين من الدرجة الأولى ، سيكونون على مستوى قابلية التنفيذ لا محالة.

الوجه الثاني: أنه لا بأس بشمول هذه الأحكام وأمثالها للأمة ككل ، بعد تكاملها نتيجة للتمحيص الطويل ، فإن التوقعات من الفرد تزداد كلما ازداد إخلاصاً وتكاملاً ،وكذلك الأمة ، بصفتها متكونة من الأفراد .

كل ما في الأمر ، أن إعلان أمثال هذه الأحكام سيكون تدريجياً ، بمقدار ما يستطيع الإخلاص العميق أن يرسخ أقدامه في الأمة. فهو يبدأ بأضيق صورة وهو الإشتراط خلال البيعة أمام جماعة محدودة من الناس، وينتهي بالإعلان العام عندما تقتضي المصلحة ذلك .

الإستفهام الرابع : قد يخطر في الذهن :بأننا عرفنا أن جبرائيل(ع) هو أول من يبايع، فهل تكون هذه الأحكام سارية المفعول عليه أيضا؟

إن مجرد إثارة هذا السؤال، غريب .... فإنه واضح النفي ، بعد أن عرفنا أن مبايعة جبرائيل (ع) ليس من أجل أن يصبح من شعب دولة المهدي (ع) بشكل مباشر...بل لأجل مصالح أخرى عرفنا طرفاً منها .وهذه الأحكام إنما تسري على شعب تلك الدولة من البشر بطبيعة الحال .

 

صفحة (255)
 

ومن هنا نسمع الروايات تقول :(لكأني انظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد ...) فهو يبايع الناس والملائكة ، غير أن الأمر الجديد ، سيكون ساري المفعول على البشر فقط .وفي الخبر الآخر : أنه يأخذ البيعة عن أصحابه ...وجبرائيل (ع) وإن كان من أصحاب المهدي(ع) ، غير أن لفظ الأصحاب واضح في اؤلئك الذين انتخبهم التمحيص ، كعدد كاف لغزو العالم بالعدل ، وكلهم من البشر بطبيعة الحال.

 النقطة الرابعة : ـ من الحديث عن البيعة ـ: انه ورد في بعض الروايات التي سمعناها عن البيعة :أن الإمام المهدي (ع ) يشترط على نفسه أموراً إلى جانب ما يشترطه على اصحاب الأمور .

والمفهوم الأساسي الذي تؤكد عليه هذه الأمور :إن الأمام المهدي(ع)  سيكون قائداً شعبياً يعيش حياة اعتيادية بعيدة عن الفخفخة والجبروت التي عاشها حكام العهد السابق على الظهور ، فهو(يمشي حين يمشون ، ويلبس كما يلبسون .ويركب كما يركبون ، ويرضى بالقليل ) .

وكذلك كان رسول الله خلال حكمه ،وكان أمير المؤمنين علي بن أبي  طالب (ع) الذي يقول :

فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادخرت من غنائمها وفراً ،ولااعددت لبالي ثوبي طمراً ..ولو شئت لأهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات ،أن يغلبني هواي ، ويقودني شجعي على تخير الأطعمة ،ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ... أأقنع من نفسي بأن يقال :أمير المؤمنين ،ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون لهم أسوة في جشوبة العيش ..."(1).

وكذلك ينبغي أن يكون المهدي (ع) ، بصفته الحاكم الأعلى للدولة العالمية العادلة ، فإن من القواعد العامة في الإسلام ، أن الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية يجب عليه أن يعيش في حياته الشخصية على مستوى افقر فرد في شعبه .وستأتي تطبيقات ذلك عند الحديث عن دولة المهدي ونظامها .

 

صفحة (256)

ـــــــــــــــــ  

(1) نهج البلاغة ، شرح : محمد عبده ج2 ص79-81.

غير انه تبقى بعض الإستفهامات عن هذه الأمور التي يفرضها المهدي(ع) على نفسه ينبغي عرضها ونقدها . الإستفهام الأول: أن ما يشترطه المهدي (ع) على أصحابه ، يعبرعن تكاليف عامة على المسلمين ، يكون مشمولا لها أيضاً ، فلماذا لم يشترطها على نفسه؟ في حين نجد أن ما اشترطه على اصحابه أكثر بكثير مما اشترطه على نفسه فلو كانت زيادة الأحكام تدور مدار عمق الإيمان والإخلاص ، لكان الأنسب هو العكس ، لأن المهدي (ع ) أعمق إيماناً وإخلاصاً من أصحابه بطبيعة الحال .

وجواب ذلك ينبغي أن يكون واضحاً للقارىء اللبيب...إذ لا معنى لشمول كل الأحكام لشخص الإمام المهدي (ع). إذ من الأحكام ما يقول بوجوب إطاعة الحاكم المتمثل يومئذ بالمهدي (ع) نفسه وكما من الأحكام ما يكون تربوياً للمراتب الواطئة نسبياً من الناس ، والمفروض بالمهدي (ع) أنه أعلى من هذه المراتب بكثير. فلا معنى لشمول امثال هذه الأحكام له .

هذا ، ولكن غالب الأحكام شاملة له ، غير أن تطبيقها من قبله واضح ومفروض ، لا يحتاج إلى اشتراط ـ فيكون اشتراطها عليه امراً مستأنفاً لا معنى له . كيف وهو الذي سيأخذ بزمام المبادرة لإشتراطها على أصحابه ، فكيف لا يلتزم هو شخصياً بها ، وإنما يتم هذا الإشتراط بالنسبة إلى المراتب الإيمانية التي يكون هذا الإشتراط في مصلحة تربيتها.

على حين أن كمال الإمام المهدي (ع) أعلى من هذا المستوى بكثير.

ففي لب الحقيقة أن ما يشترطه المهدي على نفسه وما يشترطه على اصحابه معاً ومكلف هو بها ، غير أن تلك الأمور لا تحاج إلى اشتراط.

وإنما، يخص المهدي (ع) نفسه باشتراط الأمور التي تخص القائد العادل في الإسلام ومضافاً إلى مهمته الخاصة التي كان مذخوراً من أجلها ،وهي : أن يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً .

وهو وإن كان عالماً بهذه الأمور ، عازماً على تطبيقها ، إلا أن الإعراب عنها أمام أإصحابه ، وخلال البيعة ، تنوير لهم عن وظيفته وتحديد لتوقعاتهم منه ، و بالتالي فهو إعلان مختصر عن المنهج الذي سوف يتبعه في المستقبل ... شأن البيان الوزاري الذي تعلنه الدول الحالية عند مجيء الوزارة الجديدة إلى الحكم.

 

صفحة (257)


الإستفهام الثاني: إن المهدي (ع) يأخذ فيما يأخذ على نفسه وأن يكون من حيث يريدون .ومن المعلوم بضرورة الدين، أن التطبيقات الإسلامية لا تكون بمشيئة الناس ، وإنما تكون بإرادة الله وتشريعه ، ومقتضيات العدل الكامل والمصالح العامة، والمهدي (ع) هو المطبق لذلك لا لما يريده الآخرون ، فكيف يشترط ذلك على نفسه.

والحق، أننا لو فهمنا من هذا الشرط كون الإمام المهدي (ع) يكون طوع إرادة أصحابه في التشريع والتطبيق ، لكان هذا الشرط باطلاً لا محالة .غير أن هذا نفسه سيكون قرينة لنا على أن نفهم هذا الشرط بأسلوب آخر .

ويتم ذلك من خلال وجوه غير متنافية ، فقد تصدق جميعاً أو أكثر من واحد منها .

الوجه الأول: أن أصحابه إنما يريدون العدل العالمي المطلق ،وأن تمتلىء الأرض قسطاً وعدلاً ...فإذا كان المهدي (ع) (من حيث يريدون) عنى ذلك تطبيقه للعدل المذخور من أجله ...

الوجه الثاني :إن في هذا الشرط إشارة إلى الأمور التي تكون موكولة (فقهياً) إلى رغبة المجتمع في الدولة الإسلامية ... كتأسيس المؤسسات ،والحصول على مقادير من الأرض أو الإشتغال في الوظائف العامة ...ونحوها ، فيكون معنى كون الإمام المهدي(ع) حيث يريدون ، أنه (ع) يرضى لهم بذلك ويمضي لهم هذه الحاجات ، في حدود ما لا يكون مخلاً بالعدل والمصلحة العامة .

الوجه الثالث: إن المهدي (ع) لا يقضي فقط هذه الحاجات ، بل يقضي لأصحابه ولكل المؤمنين جميع ما يريدون من حوائجهم الشخصية ،وهذا ما سوف يحدث فعلاً في نظامه العادل ، كما سو فنعرف طرفاً مهماً منه .خلال الحديث عن نظام الدولة العالمية المهدوية .

 الجهة السابعة :من هذا الفصل ، في التعرض إلى نقطة معينة وردت في الأخبار ، يحسن بنا الإلمام بها ،أعني أسلوب السلام عليه خلال بيعته وبعد ذلك ايضاً .

أخرج ابن الصباغ في الفصول المهمة(1) عن أبي جعفر (ع)  ـ في حديث ـ يقول فيه :فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ...


صفحة (258)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص322

 

فأول ما ينطق هذه الآية : بقية الأله خير لكم إن كنتم مؤمنين .ثم يقول :أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم .فلا يسلم عليه إلا قال : السلام عليك يا بقية الله في الأرض .. الحديث .

وفي منتخب الأثر(1) نقلاً عن اكمال الدين للصدوق انه روى أن التسليم على القائم أن يقال :

السلام عليك يا بقية الله في أرضه .

وفي إكمال الدين نفسه(2) بسنده عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر يقول :

القائم منا منصور الرعب مؤيد بالنصر ...إلى أن قال: فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ...الخ الحديث كما سمعناه عن الفصول المهمة .

وقال الشلبنجي في نور الإبصار(3): وهذه علامات قيام القائم مروية عن أبي جعفر رضي الله عنه ، قال : إذا تشبه الرجال بالنساء ..

وساق الخبر إلى قوله فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ...الخ الحديث كما سمعناه عن الفصول المهمة .

وفي منتخب الأثر(4) عن غيبة الشيخ بإسناده عن جابر عن أبي جعفر(ع) قال :

من أدرك منكم قائمنا ، فليقل حين يراه : السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن العلم وموضع الرسالة .

وأخرج الشيخ الحر في الوسائل (5) بإسناده عن عمر بن زاهر عن أبي عبد الله (ع) قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: لا ، ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمينن ،  لم يسم به أحد قبله ولا يسمي به أحد بعده إلا كافر. قلت : جعلت فداك ، كيف يسلم عليه .قال : تقول : السلام عليك يا بقية الله في أرضه .ثم قرأ: بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين .


صفحة (259)

ـــــــــــــــــ  

(1) ص517.   (2) انظر المصدر المخطوط.

(3) ص171-172، ونقله عنه في منخب الأثرص435 وما بعدها.

(4) ص517.   (5) وسائل الشيعة ، كتاب المزار من كتاب الحج ج2 ص468.

 

قال الشيخ الحر: والأحاديث في ذلك كثيرة  لكن ورد لها معارضات غير صريحة في الزيارة ، فالأحوط الترك .

وفي بعض الروايات التي لم يحضرني مصدرها ما مضمونه :أن المهدي (ع) إذا ظهر لم يلقب بأمير المؤمنين، فإنه لقب خاص بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، بل يقال له : السلام عليك يا بقية الله في أرضه .

والمراد من هذا اللقب: كون المهدي (ع) هو الباقي من خط الأنبياء والأولياء والصالحين الذين مهدوا لوجوده وضحوا من أجل تطبيق عدله ، فأصبح هو النتيجة الطبيعية الكبرى لجهودهم والقيمة العالية لأقوالهم وأعمالهم. فالمراد من (بقية الله) كونه (ع) بقية أنبياء الله ورسله عليهم السلام .

وإنما نسبت البقية إلى الله مباشرة باعتبار كون هذا الخط المقدس على طوله خط ممثل لعدل الله ودعوته الحقة ، وهو ـ عز وجل ـ مؤسسه ومخططه من أجل تربية البشرية والسير بها نحو الكمال .

وأما نسبتها إلى(أرض الله) حين يقال : بقية الله في أرضه ، فباعتبار تأسيسه (ع) للدولة العالمية العادلة على مجموع الكرة الأرضية .ومن المعلوم أن (أرض الله) هي كل الكرة الأرضية ، لا يستثني منها أي منطقة أو مجتمع ،كما أنه (ع) في عصره هو القائد الإلهي الوحيد الموجود في مجموع هذه الأرض .


صفحة (260)

الفصل الرابع

أصحاب الإمام المهدي (عج)


جنسياتهم ـ عددهم ـ كيفية اجتماعهم .

وينبغي أن نتكلم عنهم ، رضي الله عنهم في عدة جهات :

الجهة الأولى : في الروايات التي تخص اصحاب القائم المهدي (ع) وتتكفل بيان خصائصهم وصفاتهم ،حتى ما إذا حملنا عن ذلك فكرة كافية ، انطلقنا في الجهات الآتية إلى إعطاء فهم متكامل لما سمعناه .

والروايات بهذا الصدد كثيرة جداً ، ومتوفرة المصادر العامة والخاصة معاً ، بعضها مختصر العبارة وبعضها مسهب ، ونحن نقتصرعلى جملة كافية منها :

أخرج مسلم في صحيحه(1) عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله (ص) : ـ  في حديث ـ :

إني لأعرف أسماءهم وأسماء أبائهم وألوان خيولهم .هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ ، او من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ .

وأخرج أبو داود(1) بسنده عن أم سلمة عند موت الخليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه ، إلى أن قال: فإذا رأى الناس ذلك اتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق ، يبايعونه بين الركن والمقام .


صفحة (261)

ـــــــــــــــــ  

(1) ج8ص178.

(2) ج2ص423 .

 
ونقل هذا الحديث عن أبي داود وابن عساكر في المصادر المتأخرة عتهما . كالصواعق المحرقة لأبن حجر، والبيان للكنجي ،وينابيع المودة للقندوزي ، ونور الإبصار للشلبجي ، وإسعاف الراغبين للصبان وغيرها ...
وأخرج ابن ماجة(1) عن عبد الله ، قال : بينما نحن عند رسول الله (ص) .إلى أن قال :

حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود ، فيسألونه الخير ، فلا يعطونه .فيقاتلون فينصرون .فيعطون ما سالوا ، فلا يقبلونه ... حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جوراً .

فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج .

وفي حديث آخر(2) قال :

قال رسول الله (ص) : يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي ـ يعني سلطانه ـ .

وأخرج الحاكم في المستدرك (2) بسنده عن محمد بن الحنفية قال : كنا عند علي رضي الله عنه ، فسأله رجل عن المهدي .

فقال رضي الله عنه :هيهات ،ثم عقد بيده سبعاً ، فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان .إذا قال الرجل :الله الله ، قتل. فيجمع الله تعالى له قوماً ، قزع كقزع السحاب ، يؤلف الله بين قلوبهم ، لا يستوحشون إلى أحد ، ولا يفرحون بأحد . يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر ، لم يسبقهم الأولون ولايدركهم الآخرون .وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر ... الحديث

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

 

صفحة (262)

ـــــــــــــــــ  

(1) ج2 ص1366

(2) ابن ماجة ج2 ص1368
(3) ج4ص544

 

وأخرج القندوزي في الينابيع(1) عن الباقر والصادق رضي الله عنهما ، في قوله تعالى :

ولئن اخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة(2). قالا: إن الأمة المعدودة هم أصحاب المهدي في آخر الزمان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، كعدة أهل بدر ، يجتمعون في ساعة واحدة ، كما يجتمع قزع الخريف .

وأخرج الكنجي في البيان(3) عن ابن أعثم الكوفي عن كتاب الفتوح عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال :

ويحاً للطالقان ،فإن لله عز وجل بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته ، وهم أنصار المهدي (ع) ، في آخر الزمان .أقول : واخرجه عنه في ينابيع المودة في موضعين(4) .  

وأخرج السيوطي في الحاوي(5) عن نعيم بن حماد عن ابن مسعود ، قال:

بايع للمهدي سبعة رجال علماء توجهوا إلى مكة من أفق شتى على غير ميعاد .وقد بايع لكل رجل منهم ثلثمائة وبضعة رجلاً ، فيجتمعون بمكة فيبايعونه ، ويقذف الله محبته في صدور الناس . الحديث .

وأخرج ابن الصباغ في الفصول المهمة(6) عن أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) في حديث القائم يقول فيه :

فيصير إليه أنصاره من أطراف الأرض تطوى لهم طياً ، حتى يبايعوه .

أقول :هذا بعض ما أخرجته المصادر العامة بهذا الصدد.


صفحة (263)

ـــــــــــــــــ  

(1) ينابيع المودة ص509ط النجف.  (2) هود :11/8.

(3) 69.                               (4) ص538وص589.

(5) ج3ص148.                      (6) ص221.

وأخرج النعماني(1) في حديث عن أمير المؤمنين (ع) يذكر فيه جيش الغضب قال:

اولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع الخريف . والرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة ، حتى يبلغ تسعة .أما والله ، إني لأعرف أميرهم ومناخ  ركابهم ... الحديث .

وفي حديث آخر عن علي (ع) ، قال  فيه :

ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ما بين الواحد والإثنين والثلاث والأربعة والخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة .

وفي حديث آخر عن المفضل بن عمر ، قال : قال: ابو عبد الله (ع) :

إذا أذن الإمام ، دعا الله باسمه العبراني فاتيحت (فانتخب) له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف .فهم أصحاب الألوية . منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة . ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً يعرف بإسمه واسم أبيه وحليته ونسبه .قلت جعلت فداك أيهم (أيهما) أعظم إيماناً ؟ قال : الذي يسير في السحاب نهاراً .وهم المفقودون .وفيهم نزلت هذه الآية :أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً (2).

وفي خبر آخر (3) عن أبي خالد الكابلي عن علي بن الحسين أو عن محمد بن علي (ع) أنه قال :

الفقداء قوم يفقدون من فرشهم فيصبحون بمكة . وهو قول الله عز وجل : أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ، وهم أصحاب القائم (ع) .

وفي حديث آخر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) أنه قال :

فيكون أول خلق الله مبايعة له أعني جبرائيل. ويبايعه الناس الثلثمائة والثلاثة عشر. فمن كان ابتلى بالمسير وافى في تلك الساعة ، ومن افتقد من فرشه(3). وهو قول أمير المؤمنين علي(ع) : المفقودون من فرشهم ، وهو قول الله عزوجل : فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ... الحديث .

 

صفحة (264)

ـــــــــــــــــ

(1) ص 168

(2) من الغبة وكذلك الحديثين اللذين بعده .

(3) الغيبة للنعماني ص169 وانظر نفس المضمون في إكمال الدين للصدوق مروياً عن الإمام الجواد (ع) .

(4) المصدر و الصفحة وكذلك الحديث الذيبعده .

(5) معطوف على المبتدأ (من كان ) يعني أنه يوافي أيضاً .

 

وفي حديث آخر(1) عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (ع) ، قال:

أصحاب القائم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم .بعضهم يحمل في السحاب نهاراً يعرف بإسمه واسم أبيه وحليته .وبعضهم نائم على فراشه ، فيوافيه في مكة على غير ميعاد .

وفي خبر آخر(2) عن حكيم بن سعيد قال سمعت عليلً (ع) يقول :

إن اصحاب القائم شباب لا كهل فيهم ، إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد .وأقل الزاد الملح .وأخرج الشيخ في الغيبة(3) نحوه .

وأخرج الطبرسي(4) في حديث عن أبي بصيرعن أبي عبد الله (ع) أنه قال فيه :

لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام ، جبرائيل بين يديه ينادي بالبيعة له . فتصير شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه . فيملأ الله به الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .وأخرج المفيد في الإرشاد(5) نحوه.

وفي خبر آخر(6) عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال سمعت أبا جعفر (ع) ، يقول :

القائم منا منصور بالرعب ، مؤيد بالنصر، إلى أن قال :فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، إلى أن قال: فإذا اجتمع له العقد : عشرة الآف رجل ، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله ... الحديث .


صفحة (265)

ـــــــــــــــــ

(1) الغيبة للنعماني ص170.  (2)  المصدر والصفحة.

(3) ص28.                    (4) أعلام الورى ص430.

(5) ص341.                  (6) أعلام الورى ص433.

 

وأخرج المفيد في الإرشاد(1) عن المفضل بن عمر الجعفي عن أبي عبد الله (ع) في حديث ، بعد أن ذكر مبايعة القائم ، قال:

وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، فيبايعونه .ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس ، ثم يسير منه إلى المدينة .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(2) بسنده عن أبي بصير قال : سأل رجل من  أهل الكوفة أبا عبد الله (ع) : كم يخرج مع القائم (ع) فإنهم  يقولون :إنه يخرج مثل عدة أهل بدر ، ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً قال:

ما يخرج إلا في أولي قوة ،وما يكون اولوا قوة أقل من عشرةآلاف .

إلى غير ذلك من الروايات . وهناك بعض الروايات تقوم بتعداد أماكن و(جنسيات) أصحاب الإمام المهدي (ع) وتعرب ايضاً عن (المشكلة القانونية) التي سيحدثها وجودهم في مكة قبل الظهور ، وسنسمع طرفاً منها في هذا الفصل . كما أن هناك من الروايات ما يوضح شجاعتهم وإمانهم وإخلاصهم لقائدهم والأعمال الموكولة إليهم.

وهذا ما سنذكره فيما بعد كلاً في مكانه المناسب .

الجهة الثانية : في أهمية أصحاب الإمام المهدي (ع) :

يكتسب أصحاب الإمام المهدي (ع) أهميتهم من جهة كونهم ناجحين وممحصين في التمحيص الإلهي الذي كان ساري المفعول في عصر الغيبة الكبرى ، كما عرفنا .فقد اثبتوا ـ من خلال التمحيص الذي عاشوه ـ جدارتهم وإخلاصهم وقدرتهم على التضحية الكبرى في سبيل الأهداف الإسلامية العليا .

وهذه هي الجهات الرئيسية التي تميز المؤمن الحقيقي ، والمشارك الرئيسي في تنفيذ الأهداف الإسلامية ، عن غيره .وكلما كان الهدف أوسع وأكبر احتاج إلى تركيز في الإيمان والإخلاص ، بشكل اعمق . فكيف لو كان هدفاً عالمياً لم ينله فيما سبق أي قائد كبير ولا نبي عظيم .وإنما كان خط الأنبياء والمرسلين ، وما نالته البشرية من مظالم وما ادته من تضحيات كلها من مقدمات هذا الهدف الكبير وإرهاصاته . وقد كان التخطيط العام السابق على الظهور مركزاً من أجل إنتاج هؤلاء على المستوى المطلوب لهذا الهدف الكبير .


صفحة (266)

ـــــــــــــــــ

(1) ص343.

(2) انظر المصدر المخطوط .

ومن هنا نطقت الروايات التي سمعناها وغيرها ، بمدحهم والثناء عليهم ، فهم "رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته" وهم "رهبان بالليل ليوث بالنهار" وهم " خير فوارس على ظهر الأرض ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض" وهم أيضاً  " أبدال الشام وعصائب أهل العراق" و "النجباء من مصر" . كل ذلك باعتبار  أهميتهم  التي اكتسبوها من التخطيط العام السابق على الظهور .

وأما أهميتهم: بإعتبار ما سيشاركون به تحت إمرة القائد المهدي (ع) من غزو العالم بالعدل وإقامة الدولة العالمية العادلة ، وممارسة الحكم في مناطق الأرض المختلفة ، كما سيأتي ...فحدّث عن هذه الأهمية ولا حرج ، فإنه الهدف الذي وجدوا من أجله وكرس التخطيط العام السابق من اجل تنمية قابلياتهم عليه .

الجهة الثالثة : في عددهم .

نصت الروايات ، بشكل مستفيض يكاد أن يكون متواتراً ، أن عددهم بمقدار جيش النبي (ص) في غزوة بدر : ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً(1)، كما وردت روايات سمعناها تنص على أن اصحابه لا يقلون عن عشرة آلاف رجل .فإنه (ع) :

" ما يخرج إلا في أولي قوة وما يكون أولو قوة أقل من عشرة آلاف "

كما نصت على ذلك الروايات .

والسر في ذلك يعود إلى اختلاف درجات الإخلاص التي قسمناها إلى أربعة في التاريخ السابق(2) .ينتجها التخطيط العام السابق على الظهور. ولا حاجة إلى تكراراها الآن ، وإنما المهم أنها تنتج بصددنا هذا عدة نتائج :

النتيجة الأولى: اختلاف عدد الناجحين في كل درجة . ولضوح أن درجات الإخلاص كلما ارتفعت ، تطلبت قابليات أوسع وثقافة أعمق لإحراز النجاح .ومن المعلوم ان الأفراد الأكثر قابلية والأوسع ثقافة أقل في العالم ممن هم دونهم ... وهكذا .


صفحة (267)

ـــــــــــــــــ

(1) قال ابن الأثير في الكامل (ج2ص82) خلال حديثه عن غزوة بدر الكبرى :وكان مسير رسول الله (ص) لثلاث خلون من شهر رمضان ، في ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وقيل أربعة عشر، وقيل بضعة عشر رجلاً ، وقيل ثمانية عشر .الخ كلامه ، فقد اختار هو العدد الذي نصت عليه الروايات واعتبرته امراً مسلماً ، وربما كان مشهوراً بين المسلمين لفترة  طويلة من صدر الإسلام .

وفي سيرة ابن هشام (ج2ص274) جاء في تقدير أحد أفراد الجيش المعادي لجيش رسول الله (ص) :إنهم ثلاث مئة رجل  يزيدون قليلاً أو ينقصون .أقول :هذا الرقم التقريبي يناسب مع الرقم المطلوب ، لأنهم عنئذ يزيدون على الثلثمائة بقليل.

(2) ص248وما بعدها .

 

 ومن هنا كان الناجحون من الدرجة الأولى أقل منهم في الدرجة الثانية .وهم أقل منهم في الدرجة الثالثة. وكلما قلت درجة الإخلاص زاد عدد القواعد الشعبية المتصفة به .

وقد دلتنا هذه الروايات على ان المخلصين الممحصين من الدرجة  الأولى ، منحصرون في ذلك الجيل الذي يظهر فيه الإمام المهدي (ع ) بثلثمائة وثلاثة عشرة رجلاً ، على أن الناجحين الممحصين من الدرجة الثانية، لا يقلون عن عشرة الآف شخص في العالم ، إن لم يكونوا أكثر .

فهذا هو السبب في اختلاف العدد الذي نطقت به هذه الأخبار ، وستأتي في النتائج الآتية إيضاحات أكثر .

النتيجة الثانية: سرعة التحاقهم بالمهدي(ع) ووصوله إليه ... فالثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً يكونون حاضرين في المسجد  الحرام في مكة ، حين خطاب المهدي (ع) وبيعته الأولى .على حين أن الباقين يتواردون إلى مكة بعد ذلك خلال الأيام القليلة القادمة . ومن هنا دلت الروايات التي سمعناها : أن الإمام المهدي (ع) ينتظر في مكة حتى يتكامل لديه عشرة الآف رجل.

النتيجة الثالثة : سرعة إيمانهم بالمهدي (ع) وسرعة مبايعتهم له . إذ من المعلوم أن الفرد كلما كان أعمق إيماناً وأوسع ثقافة يستطيع أن يفهم قول الحق ويشخص القائد الحق ، بشكل اعمق وأسرع. ومن هنا سيكون هؤلاء هم الرواد الأوائل إلى مبايعة الإمام المهدي (ع) بعد جبرائيل (ع) ، ولربما كان جملة منهم يعرفونه في عصر غيبته ، كما اسلفنا ، فلا يحتاجون معه إلى أية حجة أو معجزة .

النتيجة الرابعة : ان هؤلاء سيكونون أول من يدافع عنه ، وذلك باعتبار ما دلت عليه بعض الروايات .

أخرج المجلسي في البحار(1) بالإسناد عن علي بن الحسين (ع) في ذكر القائم (ع) – يقول فيما قال -: فيقوم هو بنفسه فيقول : أنا فلان بن  فلان ، أنا بن نبي الله ، ادعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله . فيقومون إليه ليقتلوه .فيقوم ثلاثمائة أو نيف على الثلثمائة ، فيمنعونه منه .... الحديث .


صفحة (268)

ـــــــــــــــــ

(1) ج13ص179 وما بعدها .

 

فبينما كان (النفس الزكية) حين يلقي خطابه بين الركن والمقام ، رجلاً أعزل ليس له مدافع ، فيثورون عليه فيقتلوه .نجد أن المهدي (ع) يقف في نفس الموضع بعد عدة أيام ، فيخطب ، فيثورون عليه ليقتلوه ـ طبقاً لهذه الرواية ـ لأن المنحرفين يكرهون هذا الإتجاه الذي يمثله الحق على كل حال .

غير أن الله تعالى يكون قد رصد للإمام المهدي (ع) من يحميه ويدافع عنه ويضحي من أجله. وهم هؤلاء الرادة الأوائل للثورة العالمية الجديدة .

غير أنه من الملاحظ أن هذه الرواية وحدها ،لاتكفي للإثبات التاريخي غير ان طبائع الأشياء تقتضي صحة حدوث محاولة القتل هذه ، والله العالم .

النتيجة الخامسة: اختلاف اصحاب الإمام المهدي (ع) في الوظائف والأعمال التي توكل إليهم ،نتيجة لإختلاف درجاتهم في الإخلاص .

فإن هؤلاء الممحصين الكاملين ، سوف يكونون في  جيش المهدي (ع) "هم أصحاب الرايات" يعني القواد و رؤساء الفرق ، بالإصطلاح الحديث .على حين يكون الممحصون من الدرجة الثانية عامة جيشه الفاتح للعالم بالعدل .

وبعد أن يستتب الحكم العادل للمهدي (ع) على البسيطة ، سيكون هؤلاء الخاصة حكاماً في العالم موزعين على مجموع الكرة الأرضية ،كما سيأتي مفصلاً ، على حين لن يكون للمحصين من الدرجة الثانية هذه المنزلة ، بل يتكفلون أموراً إدارية أدنى من ذلك .

النتيجة السادسة : أننا نفهم من مجموع الروايات : أن العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ، الذي أنتجه التخطيط العام السابق على الظهور .والذي كان هو الشرط الأخير من شرائط الظهور وإيجاد اليوم الموعود ... ليس العدد الكافي هو وجود ثلاثمائة وثلاثة عشر جندياً ،كما قد يتخيل الناس من هذه الروايات وتذهب إليه بعض الأفهام الكلاسيكية ، إذ يفهمون حصر أصحاب المهدي (ع) بهذا العدد .

وإنما العدد الكافي لغزو العالم ، يتمثل في مثل هذا العدد من القواد  ، والحصرفي حقيقته ـ لو كان مستفاداً من الروايات ـ منصب على ذلك ، بقرينة ما عرفناه ونعرفه من الروايات الأخرى الدالة على كونهم قواداً و حكاماً .


صفحة (269)
 

يضاف إلى هؤلاء، عدد ضخم من الجيش لا يقل عن عشرة الآ فشخص في نواته الأولى عند مبدأ الحركة، ومن هنا قالت إحدى الروايات :"ما يخرج إلا في أولي قوة ، وما يكون أولو قوة أقل من عشرة الآف" فهي تنفي بصراحة أن يكون جيش المهدي منحصراً بالثلاثمائة وثلاثة عشر ، فإنهم وحدهم لا يشكلون قوة ولا يكونون كافين في تحقيق الهدف الكبير، وإنما هم يقومون بالقيادة والإشراف بالنسبة إلى غيرهم من الناس.

وسنعرف في مستقبل البحثأن عشرة آلاف جندي عدد كاف للمهدي (ع) في أول حركته ،وكلما تتسع حركته، فإن جشه يتسع وتتضح أهدافه وأسلحته وتتكاثر على ما سوف نرى.

الجهة الربعة : في كيفية وروده إلى مكة:

ونواجه حول ذلك أطروحتين محتملتين :

الأطروحة الأولى: أن هؤلاء الجماعة يصلون ألى مكة بشكل إعجازي ، يجعل وصولهم سريعاً جداً . وهذا هو ظاهر قسم من الروايات ويكاد ان يكون صريح روايات أخرى .

فهم " يجتمعون في ساعة واحدة ، كما تجتمع قزع الخريف " وهم " الفقداء" قوم يفقدون من فرشهم فيصبحون بمكة "وهو قول الله عز وجل : أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً" والإستشهاد بالآية الكريمة في الأخبار بدفع الإستغراب الناتج من تجمعهم الإعجازي .

والصريح في ذلك ما صرح من الأخبار بأنهم يصلون عن طريق طي الأرض يعني اختصارها  بطريق إعجازي: ففي خبر ابن الصباغ :

فيصير إليه أنصاره من أطراف الأرض تطوى لهم طياً ، حتى يبايعوه"

وفي خبر الطبرسي : " فتصير شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طياً ، حتى يبايعوه"

بل أن ظاهر عدد من الروايات أن المعجزة تتحكم في سرعة وصول الفرد تبعاً لمقدار إخلاصه . فكلما كان إخلاصه أعمق اوصله الله تعالى بشكل أسرع ، فمن هنا سيكون هؤلاء على عدة أقسام :


صفحة (270)
 

القسم ألأول: "من كان ابتلى بالمسير" وهو السفر الأرضي .وظاهر سياق الرواية أنه أردأ  الأقسام ، بالرغم من أهميته .فلم يوفق إلى الوصول الإعجازي ،

القسم الثاني: "المفقودون من فرشهم"  يكون الفرد مستلقياً وهو نائم على فراشه ، فيوافيه في مكة على غير ميعاد " وظاهر السياق العام :أنهم هم الذين تطوى لهم الأرض . وبذلك فهم افضل من القسم الأول .

القسم الثالث :" الذي يسير في السحاب نهاراً" وهو "يعرف بإسمه واسم أبيه ونسبه وحليته". وهم الأسرع وصولاً والأعظم إعجازاً ... فيكون الأفضل من الثلاثة .

وظاهر هذه الروايات أن القسمين الأخيرين لا يكونان إلا من الثلاثمائة والثلاثة عشر من الخاصة .ولكن لا ظهور على انهم جميعاً يصلون بالمعجزة بل قد يكون منهم من يكون من القسم الأول ، فيبتلى بالمسير .هذا ، فضلاً عن غيرهم الذين هم أقل إخلاصاً ، فإن وصولهم عن طريق المعجزة غير محتمل .

الأطروحة الثانية :أنهم يصلون إلى مكة بطريق السفر الإعتيادي ،وقد سبق أن سمعنا كيف يحدث ذلك في وقت واسع وبأسلوب طبيعي غير ملفت للنظر .

حيث سمعنا أنه ينادى باسم المهدي (ع) في شهر رمضان ، ويكون موعد ظهوره في العاشر من محرم الحرام وسيمر خلال هذه الفترة موسم الحج في ذي الحجة الحرام.

وحيث يعلم المخلصون الممحصون حصول الظهور بمكة ، كما يعلمون بانفصال وقت الظهور عن وقت النداء زماناً ليس بالكثير .إذن فسوف يسافر إلى الحج في ذلك العام كل راغب بلقاء الإمام المهدي (ع) مع سائر الحجاج. وبعد انتهاء موسم الحج سيختلف هؤلاء في الحجاز ، أو في مكة على التعيين ، بدافع من رغبتهم الملحة في حدوثه وسيبقون هناك حتى يحصل الظهور في محرم الحرام.

وبهذا نفهم كيف يحضر الفرد من بلاده البعيدة ، بالرغم من أنه لا يعلم بنفسه أنه من المخلصين الممحصين الكاملين كما سبق من ان الفرد لا يعلم انطباق نتجة التخطيط عليه ، غير أنه يبقى في مكة انطلاقاً من إيمانه وأشواقه ، لا نتيجة لمعرفته بحقيقة نفسه .

وبذلك تتم معرفة : كيف ان الله يجمعهم  من البلاد المتباعدة " قزعاً كقزع الخريف" أي قطعاً كقطع السحاب حين تجتمع في السماء "على غير ميعاد" لا يعرف بعضهم بعضاً ، ولا يعرف أي واحد منهم بمقصود الآخر ،وربما لا يستطيع أن يسأله عن مقصوده أو أن يخبره بذات نفسه .إلا أن جميعهم في الواقع ، منتظرون للظهور مؤيدون له بكل ما لديهم من نفس ونفيس .


صفحة (271)
 

فإذا ظهر قائدهم ،كانوا هم أول سامع لخطابه وأول مدافع عنه ، و أول مبايع له .

وهم من قبائل مختلفة ،ومن بلدان شتى ، لا تجمعهم جنسية ولانسب ولا قبيلة .

إنما يكون من كل قبيلة "الرجل والرجلان والثلاثة .حتى يبلغ تسعة" وهكذا الحق ينطبع على أفراد قلائل على غير تعيين ، بحسب ما للفرد من قابليات وثقافة لا بحسب جنسيته أو لغته أو نسبه .

وهم يجتمعون في ساعة واحدة ، لا باعتبار أن الطريق إلى مكة يستوعب ساعة واحدة . فقط ،بطي الأرض الإعجازي .فإن المعجزة لا تستغرق أكثرمن دقائق ولا تحتاج إلى ساعة .وإنما بمعنى :أن وقت اجتماعهم متوافق في ساعة واحدة يكونون كلهم في المسجد الحرام سوية ، ساعة إلقاء المهدي (ع) خطبته ..بغض النظر عن كيفية وصولهم تماماً .

وأما انهم "يفقدون من فرشهم" فباعتبار خروجهم خلسة عن أهلهم وذويهم المنحرفين الكارهين للسفر إلى الحق ،سواء كان إلى الحج أو إلى المهدي (ع) .

وأما السير في السحاب نهاراً فهو السفر بطريق الجو إلى مكة .وهو أيضاً بدوره اسلوب معتاد وطبيعي في الوصول إلى مكة .

ولعمري أن هذه الأمور كانت حال صدور هذه الأخبار ،وحال تسجيلها في مصادرها الأولى ، أموراً على مستوى المعجزات ، إلا أن العصر الحديث عصر السرعة حقق ذلك ورفع الإستغراب عنه ، نعم ، بقي الإعجاز في حصول الأخبار عن هذه الأمور وتسجيلها في المصادر قبل حدوثها بمئات السنين . ولم يكن قانون " كلم الناس على قدر عقولهم" ليسمح بالتصريح بهذه الحقائق في ذلك العصر من قواد الإسلام الأوائل، بغير هذا الأسلوب.

ونفس الشيء نستطيع أن نفهمه من (طي الأرض) ، فإن الإنطباع العام عنه وإن كان هو الإعجاز حتى يكون نصاً فيه بحسب الذوق العام ...إلا اننا يمكن أن نفهم منه _ في كل مورد نسمعه  في السنة الشريفة _ معنى رمزياً لسرعة الإنتقال بالوسائط الحديثة ، أو ما كان على غرارها في أي عصر ماض أو مستقبل .بإعتبار أن التصريح بحقيقة الأمر لم يكن مناسباً مع فهم السامعين الموجودين في عصر صدور هذه الأخبار .

صفحة (272)
 

ومن تسلسل هذه الفكرة يمكن أن نفهم الوجه فيما دلت عليه بعض الروايات من أن من يسير في السحاب نهاراً أفضل من المفقود في فراشه ليلاً ، وذلك :لأننا فهمنا أن المفقود من فراشه ليلاً سيتخذ طريق البر طريقاً له ، على حين يتخذ الآخر طريق الجو. وطريق الجو أسرع وصول، فطبقاً لإحتمال ظهور المهدي (ع) في اي لحظة ، يكون الوصول السريع بعد (النداء) أدل على الإخلاص والإيمان ،لأن فيه توفيراً للوقت الزائد على السفر البري ، واستعداداً للظهور بشكل أسرع .

كما يمكن ان نفهم معنى كون الفرد الذي يسير في السحاب نهاراً ،معروفاً بحليته واسمه واسم أبيه. فإن ذلك مما يضبط عادة في سجلات السفر في الدوائر المختصة ، وفي الدفتر الذي تزوده به ،وإلا فليس المفروض ان يعرفه كل الناس أو أغلبهم حتى لو سافر بالطريق الإعجازي إلا أن تكون المعرفة بالطريق الإعجازي أيضاً .

وليس في الروايات صراحة في أن المفقودين من فرشهم ،أعني من يسافرون أرضاً ، ليسوا معروفين .فإنهم لا محالة معروفون لجماعة من الناس ،كالآخرين ومزودون أيضاً بدفتر السفر الذي يحتوي على الصورة والإسم وأسم الأب وغير ذلك .

بقيت حول هذه الأطروحة الثانية (الطبيعية) بعض الإستفهامات ، ينبغي عرضها ونقدها ، لتستطيع هذه الأطروحة أن تقف تجاه الأطروحة الأولى (إعجازية) .

الإستفهام الأول : إن ظاهر عدد من الروايات ، أن الجميع يصلون سوية في صباح يوم واحد مشترك ، يكون ـ في الأكثر ـ هو اليوم الذي يحصل الظهور خلاله ،او في مسائه ، على ما في بعض الروايات ،وهذا لا يمكن تفسيره إلا بالمفهوم  الإعجازي فكيف نوافق بينها وبين الأطروحة الثانية .؟!

وجوابه "إن كلا الإنطباعين وإن كانا يردان إلى الخيال عند استعراض الروايات ، إلا أن استظهارهما منها محل المناقشة .فإن الروايات قالت : "منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة " . وهذا صحيح بالنسبة إلى الفرد الواحد ، باعتبار سرعة الواسطة التي تحمله ،وأما إن كان كل الأفراد صلون في صباح يوم واحد، فهذا مما لا دليل عليه .

صفحة (273)
 

وأما بالنسبة إلى الإنطباع الآخر ،وهو أنهم يجتمعون في يوم الظهور ،دون الأيام السابقة عليه ، فكل ما سمعناه من الروايات أنها تقول :"فتصير شيعته من أطراف الأرض .حتى يبايعوه " أو تقول : "وقد وافاه ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، فيبايعونه" وهي غير  دالة على ذلك كما هو واضح ...إذ يناسب أن يصلوا في يوم ، ويبايعونه في يوم آخر مهما كان هذا اليوم بعيداً .

الإستفهام الثاني : إن الأطروحة الأولى الإعجازية ، موافقة لقانون المعجزات .لأن مجيئهم الإعجازي السريع في وقت  ضيق نسبياً ، هو الأوفق بنجاحهم  في مهمتهم ، ومن ثم نجاح المهدي (ع) نفسه .فيكون المجيء الإعجازي دخيلاً في نجاح الدولة ـ العالمية العادلة نفسها ، فيكون قيام المعجزة ضرورياً لذلك ، لأنها بحسب قانونها تقوم حينما توقف عليها الهدف العادل وتطبق الهدى والحق .:الأمر الآن على ذلك .

وبذلك تترجح الأطروحة الأولى ، فكيف ولماذا نرجح الأطروحة الثانية؟

وجواب ذلك : إن قانون المعجزات دلنا على أن المعجزة إنما تقوم إذا انحصر طريق إقامة الحق والعدل بالمعجزة .واما إذا كان  هناك أسلوبان  كلاهما موصل إلى نفس النتيجة ، احدهما طبيعي ، والآخر :إعجازي. لم تحدث المعجزة ، بل أوكلت النتيجة إلى الأسلوب الطبيعي لإنتاجها ،وإن كان يستغرق وقتاً أكبر وجهداً أكثر، وقد استنتجنا من ذلك عدة نتائج في التاريخ السابق .

وقلنا هناك أن كل ظهور في الروايات أو غيرها ، يخالف هذا القانون ، ينبغي الإستغناء عنه وعدم الإعتماد عليه.

والحال بالنسبة إلى هؤلاء الخاصة كذلك، فإن الأطروحة (الطبيعية) لا قصور فيها عن انتاج النتيجة ، وهو مؤازرة المهدي (ع) ودعم حركته ، فإن المهم وجودها جميعاً حال إلقائه الخطبة ، التي هي أول لحظات الظهور ،وأما الذي لم يحدث لهم قبل ذلك ، فهذا لا يزيد ولا ينقص في الأمر شيئاً إذا احرزت حياتهم إلى ذلك الحين ،وسنعرف عدم تعرض أحد منهم للقتل.

فإذا كانت الأطروحة الطبيعية منتجة للمطلوب ، كانت هي المتعينة ضد الأطروحة الإعجازية ، لأن المعجزة لا تقوم مع إمكان الإنتاج بالطريق الطبيعي ، وكل ظهور في الروايات يقف ضد ذلك ،لا بد من الإستغناء عنه .

الجهة الخامسة : في جنسيات هؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر ، بمعنى تعيين بلدانهم التي كانوا فيها قبل حضورهم إلى مكة ، أو اللغات التي ينتسبون إليها .

صفحة (274)
 

ويحسن بنا ،لاً ، أن نتذكر بعض العبارات التي تمت إلى ذلك من الروايات السابقة ، ونضيف إليها روايات أخرى ، لنعرف الموضوع بوضوح .

قالت الروايات : "فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه ...أتاه أبدال الشام  وعصائب أهل العراق".و" يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه" و" الرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة ، حتى يبلغ تسعة " و" أصحاب القائم ثلثمائة .و ثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم ."

وأخرج النعماني(1) بسنده إلى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، أنه قال:

سيبعث الله ثلثمائة وثلاثة عشر إلى مسجد بمكة ، يعلم أهل مكة أنهم لم يولدوا من آبائهم ولا أجدادهم . الحديث .

وأخرج الشيخ(2) عن الفضل بن شادان بسنده عن جابر الجعفي :قال أبو جعفر(ع) :

يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمئة ونيف عدة أهل بدر .فيهم النجباء من أهل مصر .والأبدال من أهل الشام ،والأخيار من أهل العراق .... الحديث .

وأخرج السيوطي في الحاوي(3) عن الطبراني في الأوسط والحاكم عن ام سلمة قالت : قال رسول الله (ص) :

يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام ... الحديث .

وفي حديث آخر(4):

الأبدال من الشام وعصب أهل المشرق . الحديث

 

صفحة (275)

ـــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ص169.     (2) غيبة الشيخ الطوسي ص284.

(3) انظر ص129.              (4) ص137 منه.

وأخرج أيضاً(1) عن أبي غنم الكوفي في كتاب الفتن عن علي بن أبي طالب ، قال :

ويحاً للطالقان ، فإن لله فيه كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة ، ولكن بها رجال عرفوا الله حق معرفته ، وهم أنصار المهدي في آخر الزمان .ورواه الكنجي في البيان(2) عن ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح ،ونقله القندوزي في الينابيع (3) عن الكنجي .ونقله عنه أيضاً في موضع آخرمن الينابيع(4) بلفظ مقارب .

وهناك بعض الروايات التي تحمل اسماء أصحاب المهدي (ع) وأسماء مدنهم تفصيلاً .ينبغي أن نذكر بعض نماذجها لأجل أن نفهمها بعد ذلك فهماً متكاملاً.

أخرك ابن طاووس في الملاحم والفتن(5) عن أبي صالح السليلي في كتاب الفتن . من عدد رجال المهدي (ع) بذكر بلادهم، ثم ذكر السند إلى الإصبغ بن نباتة ، قال: خطب أمير الأمؤمنين علي (ع) خطبة فذكر المهدي وخروج من يخرج معه وأسمائهم . فقال : له أبو خالد الحلبي صفه لنا يا أمير المؤمنين ! فقال علي (ع) :

ألا انه يشبه الناس خلقاً وخلقاً وحسناً برسول الله (ص) .ألا أدلكم على رجاله وعددهم .قلنا بلى يا أمير المؤمنين .

قتا: سمعت رسول الله (ص) قال : أولهم من البصرة وآخرهم من اليمامة .وجعل علي (ع) يعدد رجال (المهدي) (ع) والناس يكتبون فقال :

رجلان من البصرة ورجلان من الأهواز ورجل من عسكر مكرم ، ورجل من مدينة تستر ،ورجل من دورق ،ورجل من الباستان (لعلها:الباكستان) واسمه علي ،وثلاثة ...من اسمه (لعلها : اسمرة) :أحمد وعبد الله وجعفر، ورجلان من عمان :محمد والحسن ،ورجلان من سيراف :شداد وشديد .وثلاثة من شيراز : حفص ويعقوب وعلي.

 

صفحة (276)

ـــــــــــــــــ

(1) ص161 منه .        (2) انظرص69.

(3) ينابيع المودة ص589 غير انه قال: رجال معروفون وهم عرفوا الله . الحديث .

(4) المصدر ص538.    (5) ص119وما بعدها .

 

وأربعة من أصفهان :موسى وعلي وعبدالله وغلفان .ورجل من أبدح واسمه يحيى .ورجل من  المرج ( العرج) واسمه داود .ورجل من الكرخ واسمه عبد الله .ورجل من بروجرد واسمه قديم .ورجل من نهاوند واسمه عبد الرزاق .ورجلان من الدينور :عبد الله وعبد الصمد .وثلاثة من همدان : جعفر واسحق وموسى .وعشرة من قم: اسماؤهم على أسماء أهل بيت رسول الله (ص) ورجل من خراسان اسمه دريد .وخمسة من الذين أسماؤهم على أهل الكهف .ورجل من آمل .ورجل من جرجان .ورجل من هراة .ورجل من بلخ .ورجل من قراح ،ورجل من عانة . ورجل من دامغان ،ورجل من سرخس وثلاثة من اليسار ، ورجل من ساوة ورجل من سمرقند وأربعة وعشرون من الطالقان ، وهم الذين ذكرهم رسول الله (ص) ، وفي خراسان(1) كنوز لا ذهب ولا فضة، ولكن رجال يجمعهم الله ورسوله .ورجلان من قزوين ، ورجل من فارس ،ورجل من أبهر ، ورجل من برجان (لعلها جرجان) ورجل من جموح ،ورجل من شاخ ، ورجل من صريح ، ورجل من اردبيل ،ورجل من مراد ، ورجل من تدمر ،ورجل من أرمينية ، وثلاثة من المراغة ،ورجل من خوي ،ورجل من سلماس ورجل من أردبيل (مكرر في الرواية) ورجل من بدليس ورجل من نسور ،ورجل من بركري ورجل من سرخيس. ورجل من من ارجرد (لعلها :بروجرد) ، ورجل من قلقيلا، وثلاثة من واسط ، وعشرة من الزوراء ، ورجل من السراة ،ورجل من النيل، ورجل من صيداء ،ورجل من جرجان ،ورجل من القصور ،ورجل من الأنبار ،ورجل من عكبرا ،ورجل من الحنانة ،ورجل من تبوك ، ورجل من الجامدة ، وثلاثة من عبادان ،وستة من حديثة الموصل ،ورجل من الموصل ، ورجلمن معلثاي، ورجل من نصيبين ،ورجل من كازرون ورجل من فارقين (أقول أصله :ميا فارقين ) ورجل من آمد ،ورجل من راس العين ،ورجل من الرقة ورجل من حران، ورجل من بالس ،ورجل من قبج ..


صفحة (277)

ـــــــــــــــــ

(1) قوله : كنوز لا ذهب ولا فضة .ورد بالنسبة إلى الطالقان في الرواية السابقة لا بالنسبة إلى خراسان ، فلعل قوله: وفي خراسان هنا ، زائد والعبارة تنسجم بدونه.

 

ثلاثة من طرطوس ،ورجل من القصر، ورجل من أدنة (لعلها أدرنة) ورجل من خمري (أقول أصلها : باخمري) ورجل من عرار (لعلها :عرعر)، ورجل من قورص (لعلها : قبرص) ،ورجل من انطاكية ،وثلاثة من حلب ،ورجلان من حمص .وأربعة من دمشق، ...ورجل من سورية ،ورجلان من قسوان (لعلها :اسوان) ، ورجل من قيموت (لعلها :بيروت) ورجل من كراز ورجل من أذرح ،ورجل من عامر ، ورجل من دكار .ورجلان من بيت المقدس ،ورجل من الرملة ،ورجل من بالس (مكرر) ورجلان من عكا ،ورجل من صور ، ورجل من عرفات ،ورجل من عسقلان ،ورجل من غزة  \،وأربعة من الفسطاط .ورجل من قرميس، ورجل من دمياط ، ورجل من المحلة ورجل من الأسكندرية ورجل من برقة ،ورجل من طنجة ورجل من الإفرنجة (يعني أوروبا بلاد الإفرنج، أو فرنسا خاصة) ورجل من القيروان وخمسة من السوس (لعلها : الشرق الأقصى) ، ورجلان من قبرص ،وثلاثة من حميم . قوص .ورجل من عدن ورجل من علالي، وعشرة نت مدينة الرسول (ص) وأريعة من  مكة ،ورجل من الطائف، ورجل الدير ، ورجل من الشيروان ورجل من زبيد ،وعشرة من مرو ورجل من الإحساء ورجل من القطيف، ورجل من هجر ، ورجل من اليمامة .قال علي عليه الصلاة والسلام :

أحصاهم لي رسول الله (ص) ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، بعدد أصحاب بدر ، يجمعهم الله من مشرقها إلى مغربها .

فهؤلاء حوالي المائتين والأربعين فرداً ،وهو ينقص عن العدد المطلوب بتسعين .

وهناك رواية تذكرهم بكاملهم وتذكر أسماءهم ومدنهم ، يحسن بنا أن نذكرها بالرغم من طولها ، لنتوفر على المقارنة بين الروايتين .

روي في إلزام الناصب(1) بسند ضعيف عن عبد الله بن مسعود رفعه إلى علي بن أبي طالب :لما تولى الخلافة ....أتى البصرة فرقي جامعها وخطب الناس ...وهي آخر خطبة خطبها "وتسمى خطبة البيان ،وهي لها نسختان وهذا النص مطابق لأحد النسختين .كما ذكر في المصدر" أقول :بين النسختين اختلاف كبير جداً ونحن ننقل منها بمقدار الحاجة من النسخة الأولى :


صفحة (278)

ـــــــــــــــــ

(1) ص193 وما بعدها إلى عدة صفحات طايران.

اسمعوا أبين لكم أسماء انصار القائم ! .إن أولهم من أهل البصرة وآخرهم من الأبدال .فالذين من أهل البصرة رجلان:اسم أحدهما علي والآخر محارب .ورجلان من قاشان :عبد الله وعبيد الله .وثلاثة رجال من المهجمة :محمد وعمر ومالك .ورجل من السند :عبد الرحمن .ورجلان من حجر (لعلها :هجر) :موسى وعباس .ورجل من الكورة: ابراهيم .ورجل من شيراز عبد الوهاب .وثلاثة رجال من سعداوة :أحمد ويحيى وفلاح .وثلاثة رجال من زين :محمد وحسن وفهد .ورجلان من حمير :مالك وناصر. وأربعة رجال من سيروان ، وهم :عبد الله وصالح وجعفر وابراهيم. ورجل من عقر :أحمد . ورجلان من المنصورية :عبد الرحمن وملاعب .وأربعة رجال من سيراف :خالد ومالك وحوقل وابراهيم ،ورجلان من خوفج (لعلها خوي) :محروز ونوح .ورجل من المثقة ، هارون ورجلان من السنن (لعلها السند): مقداد وهود. وثلاثة من رجال الهويقين : عبد السلام وفارس وكليب.ورجل من الزناط :جعفر .وستة رجال من عمان :محمد وصالح وداود وهواشب وكوش ويونس ،ورجل من العارة (لعلها :عانة) مالك .ورجلان من ضفار يحيى وأحمد. ورجل من كرمان : عبد الله .وأربعة رجال من صنعاء :جبرائيل وحمزة ويحيى وسميع .ورجلان من عدن :عون وموسى .ورجل من لونجة كوثر.

ورجلان من صمد (لعلها : صفد) علي وصالح .وثلاثة رجال من الطائف :علي وسبا وزكريا .ورجل من هجر :عبد القدوس .ورجلان من الخط :عزيز ومبارك .وخمسة رجال من جزيرة آوال ،وهي البحرين :عامر وجعفر ونصير وبكير وليث .ورجل من الكبش :فهد (محمد) .ورجل من الجدا :أبراهيم .وأربعة رجال من مكة :عمر وابراهيم ومحمد وعبد الله .وعشرة من المدينة ،على أسماء أهل البيت :

علي وحمزة وجعفر وعباس وطاهر وحين وحسين وقاسم وابراهيم ومحمد.

وأربعة رجال منا لكوفة : محمد وغياث وهود وعتاب (عباب) ورجل من مرو :حذيفة ، ورجلان من نيشابور: علي ومهاجر .ورجلان من سمر قند : علي وجاهد ، وثلاثة رجال من كازرون :عمر ومقمر ويونس .

 

صفحة (279)

 

ورجلان من الأسوس : شيبان وعبد الوهاب . ورجلان من دستر-: احمد وهلال . ورجلان من الضيف : عالم وسهيل . ورجل من طائف اليمن : هلال . ورجلان من مرقون : بشر وشعيب . وثلاث رجال من بر وعد : يوسف وداود وعبد الله . ورجلان من عسكر مكرم : الطب وميمون . ورجل من واسط : عقيل . وثلاثة رجال من الزوراء : عبد المطلب واحمد وعبد الله ورجلان من سر من راى : مرائي وعامر . ورجل من المسهم   (المتهم ) ، : جعفر وثلاث رجال من سيلان : نوح وحسن وجعفر . ورجل من كرخ بغداد : قاسم . ورجلان من نوبة : واصل وفاضل . وثمانية رجال من قزوين : هارون وعبد الله وجعفر وصالح وعمر وليث وعلي ومحمد.  ورجل من البلخ : حسن . ورجل من المداغة ( لعلها: المراغة ) صدقة . ورجل من قم : يعقوب . واربعة وعشرون من الطالقان ، وهم الذين ذكرهم رسول الله (ص) فقال : أجد بالطلقان كنز ليس من الذهب ولا فضة (الفضة) ، فهم هولاء كنزهم الله فيها وهم صالح وجعفر ويحييى وهود وفالح وداود وجميل وفضيل وعيسى وجابر وخالد وعلون وعبد الله وايوب وملاعب وعمر وعبد العزيز ولقمان وسعد وقبضة ومهاجر وعبدون وعبد الرحمن وعلي . ورجلان من سحار : أبان وعلي .

ورجلين من شرحيس : ناحية وحفص . ورجل من الانبار : علوان . ورجل من القادسية : حصين . ورجل من الدورق: عبد الغفور وستة رجال من الحبشة : ابراهيم وعيسى ومحمد وحمدان واحمد وسالم . ورجلان من الموصل: هارون وفهد . ورجل من بلقا : صادق. ورجلان من نصيبين احمد وعلي . ورجل من سنجار : محمد ورجلان من خرسان(لعلها: خراسان): نكبة ومنسون . ورجلان من ارمينية : احمد وحسين . ورجل من اصفهان : يونس . ورجل من وهان ( لعلها : وهران ) حسين . ورجل من الري : مجمع . ورجل من دنيا : شعيب . ورجل من هراش : نهروش . ورجل من سلماس : هارون ورجل من بلقيس : محمد . ورجل من الكرد : عزن ورجل من الحبش كثير . ورجلان من الحلاط : محمد وجعفر . ورجل من الشوبا : عمير . ورجلان من البيضا : سعد وسعيد . وثلاث رجال من الضيعة : زيد وعلي وموسى . ورجل من أوس : محمد. ورجل من الانطاكية : عبد الرحمن .

 

صفحة (280)

 

ورجلان من حلب : صبيح ومحمد . ورجل من حمص : جعفر . ورجلان من دمشق : داود وعبد الرحمن . ورجلان من الرملية (لعلها: الرميلة) : طليق وموسى . وثلاث رجال من بيت المقدس : بشر وداود وعمران وخمسة رجال من غسقان ( لعلها : عسفان ) محمد ويوسف وعمر وفهد وهارون . ورجل من عزة : عمير. ورجلان من عكة(عكا) مروان وسعد . ورجل من عرفة : فرخ . ورجل من الطبرية : فليح . ورجل من البلسان : عبد الوارث . واربعة من القسطاط (لعلها الفسطاط ) من مدينة فرعون لعنة الله : احمد وعبدالله ويونس وظاهر. ورجل من بالس :قيصر. واربعة رجال من الاسكندرية: حسن ومحسن وشبيل وشيبان.وخمسة رجال من جبل اللكام : عبد الله وعبيدالله وقادم وبحر وطالوت . وثلاثة رجال من السادة : صلب وسعدان وصبيب . ورجلان من الافرنج : علي واحمد . ورجلان من اليمامة : ظافر وجميل . واربعة عشر رجلا من المعادة : سويد واحمد ومحمد وحسن ويعقوب وحسين وعبدالله وعبد القديم ونعيم وعلي وحيان وظاهر وتغلب وكثير . ورجل من المرطة : معشر . وعشرة رجال من عبادان : حمزة وشيبان وقاسم وجعفر وعمر وعامر وعبد المهيمن وعبد الوارث ومحمد واحمد . واربعة عشر من اليمن : جبير وحويش ومالك وكعبب واحمد وشيبان وعامر وعمار وفهد وعاصم وحجرش وكلثوم وجابر ومحمد. ورجلان من بدو مصر : عجلان ودواج . وثلاثة رجال من بدو عقيل : منبه وضابط وعريان . ورجل من بدو غير : عمر . ورجل من بدو شيبان : نهرش . ورجل من تميم : ريان . ورجل من بدو قين : جابر . ورجل من بدو كلاب : مطر . وثلاث رجال من موالي اهل البيت : عبدالله ومخنف وبراك . واربعة رجال من موالي الانبياء : صباح وصياح وميمون وهود . ورجلان مملوكان : عبد الله وناصح . ورجلان من الحلة : محمد وعلي . وثلاثة رجال من كربلاء : حسين وحسين وحسن . ورجلن من النجف . جعفر ومحمد . وستة رجال من الابدال ، كلهم اسماؤهم عبد الله .....الحديث   

وينبغي ان نتحدث عن هذه الروايات ضمن عدة نواحي : الناحية الاولى : تحتوي هاتان الروايتان الاخيرتان على عدة من نقاط الضعف : النقطة الاولى : انهما معا ضعيفتان سندا والثانية تزيد على ذلك بانها مرفوعة ،

 والمرفوع ما يكون محذوف بعض رواته مرسولاً فلا يكون قابلاً للإثبات.


صفحة (281)

 

النقطة الثانية :إن لخطبة البيان نسختين غير متشابهتين . يكفينا أنه ليس في النسخة الثانية تعرض لأنصار الإمام المهدي (ع). وإنما تعدد أسماء الحكام الذين يوزعهم على العالم .ونحن لا نعلم أن أي النصين أو النسختين هي الصادرة عن أمير المؤمنين (ع) ، فيكون كلاهما ساقطاً عن قابلية ألإثبات .

النقطة الثالثة : إن عدداً من المدن والأماكن  المذكور فيها غير معروف .وينبغي أن نلتفت أن للخطأ المطبعي والكتابي دخلاً كبيراً في تغيير أسماء البلدان ،مضافاً إلى صعوبة الضبط خلال كتابة الخطبة ، في مثل القوائم المفصلة ، مع تشابه الأسماء وتفرق البلدان .

هذا ولعل بعضها قرى منعزلة غي معروفة ، وبعضها معروف ولكنه بائد الآن تماماً .

ولعل بعضها مدن ستوجد في المستقبل لا نعلم الآن منها شيئاً !!

النقطة الرابعة : إن هاتين الروايتين بالرغم من التقائهما في عدد من المضامين إلا انها تحتوي على عدد من نقاط التعارض ، كما لا يخفى على القارىء عند المقارنة .

النقطة الخامسة : توجد بعض الروايات الأخرى الناقلة لأسماء أنصار الإمام المهدي (ع) ، وهي تختلف ايضاً مع كلتا الروايتين وفي أسماء المدن وأسماء الأشخاص معاً ، في أسماء المدن وأسماء الأشخاص معاً ،وإن اتفقت معهما على بعض الأمور الرئيسية ، كعدد الطالقانيين في هؤلاء الخاصة .

ومهما يكن شأن تلك الروايات التي لا نحب الإطالة بذكرها ، فإنها تعارض كلتا هاتين الروايتين في عدد من مضامينهما ... فتكون قابلية هاتين الروايتين وتلك المشار إليها ، للإثبات التاريخي أقرب للوهن والسقوط.

ولكننا إذا أردنا أن نكون عن جنسيات أصحاب الإمام المهدي فهماً معيناً لا بد ان نغض النظر عن هذ النقاط ...وإلا كان الطريق إلى فهم ذلك منسداً تقريباً ،وإن كان الجهل بذلك لا يحتوي على إسفاف تاريخي أو عقائدي.

الناحية الثانية :لا يخفى وجود نقطتين للقوة في هذه الروايات ،ونظرنا إلى هذا الإستدلال بها ، لو ضممنا إلى الروايتين الأخيرتين مع معطيات الروايات  ، ونظرنا إلى هذا المجموع كله .

النقطة الأولى :اشتراك مضمون كل من الروايتين الأخيرتين مع معطيات الروايات الأخرى ...إذا لوحظت الروايتين كل على حدة .

 
صفحة (282)

 

النقطة الثانية : أن هناك عدد من المعطيات مشترك بين هاتين الروايتين ومشترك في نفس الوقت مع مضمون بعض الروايات السابقة .وإذا أصبح المضمون متسالماً عليه بهذا الشكل ، فمن الممكن القول بأنه ثابت تاريخياً ومتجاوز نقاط الضعف السابقة ، باعتبار تسالم عدد من الروايات على صحته .وسنرى لكل من هاتين النقطتين فيما يلي :

الناحية الثالثة : أننا بملاحظة مجموع الروايات الناقلة لجنسيات أصحاب الإمام المهدي(ع)  ويمكن أن نصل إلى النتائج التالية:

النتيجة الأولى : أن مضمون (حديث الطالقان) مروي عن النبي (ص) من كلا الفريقين .وإن اختلف بعض الفاظه.

النتيجة الثانية : إن مقدار الكنز الذي بشربه النبي (ص) وامتدحه ، في الطالقان ، مكون من أربعة وعشرين رجلاً .فإن ذلك مما تسالمت عليه جميع الروايات الناقلة لأسماء هؤلاء الأصحاب ، بالرغم من اختلافاتها الأخرى .

النتجة الثالثة : إن مصر والشام والعراق من جملة البلاد التي تحتوي على عدد من هؤلاء الخاصة . فقد ذكرت ذلك على وجه الإجمال الروايات من الفريقين ، كما ذكرا الروايات المكرسة لأسمائهم عدداً من مدن هذه البلاد وأن في كل منها جماعة منهم .

النتيجة الرابعة : نصت الروايات التي سمعناها على أن هؤلاء يجتمعون من مختلف بقاع العالم ...وهذا هو نفس المعطى الذي توحيه الروايات المكرسة لأسمائهم .

النتيجة الخامسة :إن الأعم الأغلب من هؤلاء الخاصة ،هم من المشرق الأوسط الذي كان هو الموقع الرئيسي لخط الأنبياء والمرسلين ، والمنطلق الأهم للتخطيط الإلهي .فمصر سوف ترسل من عدد  من مدنها (نجباء) ... والعراق سوف تعطي عدداً آخر (أخياراً) وخاصة من البصرة والكوفة والنجف ...والشام تبعث أبدالاً وخاصة من دمشق نفسها .وإن كان عنوان الشام في الأخبار شاملاً لكل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين .والحجاز سوف تشارك في هذا المجد العظيم بأفراد من مدينتها المقدستين : مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما .

و(المشرق) سوف يشارك أيضاً في هذه المهمة الجليلة ، كما نصت على ذلك الروايات الموجزة والروايات المطولة معاً .فإنه عنوان ينطبق على ما كان في شرق المنطقة المشار إليها ، أعني في شرق العراق على وجه التحديد . وهو يشمل إيران على الخصوص، والمنطقة الشاملة لأفغانستان وباكستان والجمهوريات المسلمة في الإتحاد السوفيتي على العموم .وقد عددت الروايات المطولة عدداً من مدن هذه المنطقة ،وإن كان أغلبها من إيران خاصة.

 
صفحة (283)

 

النتيجة السادسة : إن سائر مناطق العالم سوف تشارك في هذه المهمة ولكن على نطاق أضيق .

وإن أوسع المناطق مشاركة بعد المناطق السابقة هو الشمال الأفريقي المسلم، وتليه إفريقيا السوداء ،وهنالك أفراد من اليمن وشرق الجزيرة العربية ومن ،أوروبا وقبرص ومن الشرق الأقصى ،وهذا ما تدل عليه الروايات المطولة من الخصوص ،وما دل من الروايات على ان أصحاب المهدي (ع) يجتمعون في كل مناطق العالم.

الناحية الرابعة : إذا اعتبرنا اتفاق الروايتين الأخيرتين ، قابلاً للإثبات التاريخي .

أمكننا أن نلاحظ ما يلي :

أولاً: اتفقت الروايتان على نسبة قليلة من المدن . فبينما ذكرت الرواية الأولى مائة وستاً وعشرين مدينة والثانية : مائة وست مدن مع انساب وعناوين أخرى... نراهما يتفقان في تسمية خمس وثلاثين مدينة فقط . وهي نسبة تقل عن الثلث في كلتا الرواتين .

ثانياً : لأجل الحقيقة وتسهيلا على القارئ نذكر المدن المتفق عليها : البصرة ، عسكر مكرم ، عمان ، سيراف ، شيراز ، أصفها ، الكرخ ، قم ، الطالقان ، قزوين ، أرمنية ، الزوراء ، عبادان ، الموصل ، نصبين، نابليس ، حلب، حمص ، دمشق،  بيت المقدس، غزة ، الفسطاط الإسكندرية ، الافرنج ، عدن ، المدينة ، مكة ، الطائف، مرو ، هجرعرفات (عرفة) ، رملة (رملية) عكا ، انطاكية ، اليمامة .

ثالثا: اختلفت الرواتيات في العدد الذي يخرج من هذه المدن .... فيما عدا احدى عشر مدينة ، هي كما يلي: البصرة اثنان ، الطالقان أربع وعشرون بالس واحد ، عرفات واحد ، الفسطاط أربعة ، المدينة المنورة عشرة ، مكة المكرمة أربعة، هجر واحد ، عكر اثنين . أنطاكية واحد.

رابعاً: اهملت الرواية الثانية عدداً من المدن المهمة التي ذكرتها الرواية الاولى والتي يبعد أن لا يوجد أحد من الخاصة نذكر على سبيل المثال : بروجرد ونهاوند وهمدان وخرسان وأردبيل وصيدا وصور والاحساس والقطيف ودمياط والقيروان .       

واهملت الرواية الثانية عددا من المدن المهمة التي ذكرتها الرواية الاولى والتي يبعد أن لا يوجد أحد من الخاصة . نذكر على سبيل المثال : بروجرد ونهاوند وهمدان وخرسان وأربيل وصيدا وصور والاحساء والقطيف ودمياط والقيروان .

واهتمت الرواية الاولى عددا من المدن المهمة أيضا ، مما ذكرتة الرواية الثانية ـ كعمان وقاشان وسمر قند وبغداد وكربلاء والنجف والكوفة وعكا والبحرين واليمن .

ويعتبر هذا من نقاط الضعف في هاتين الروايتين .


صفحة (284)

 

الناحية الخامسة : هناك بعض الاستفهامات حول هذه الروايات ، نذكر اهمها ، خشية التطويل :

الإستفهام الأول: دلت بعض الروايات السابقة على ان هؤلاء الخاصة هم(أولاد العجم)...فهل يمكن الأخذ بذلك؟

وجوابه :أننا بعد أن نلفت الإنتباه إلى أن المراد من العجم غير العرب عموماً لا خصوص الفرس .نجد نسبة عالية من المدن المذكورة في كل من الروايتين المطولتين هي مدن غير عربية .وإن الأهم منهم وهم الطالقانيون من العجم .غير أن هذه النسبة ان تزيد على النصف كثيراً ، بل لعلها أقل، كما يتضح عند الإحصاء والمقارنة .

ومعه لا يمكن الإلتزام بظاهر تلك الرواية بأن كلهم او أغلبهم من العجم فإن فيهم من العرب نسبة عالية بكل تأكيد على أن اللغة غير مهمة بإزاء الدفاع عن الحق وتوطيد الهدف العادل.

الاستفهام الثاني : دل الخبر الذي اخرجه ابو داود وغيره ، على ان اهل مكة الذين يخرجون المهدي (ع) ويبايعونه وظاهره ان جميعهم من اهل مكة فهل يمكن الالتزام بذلك ؟

وجوابة : انه كان المراد من اهل مكة : من يكون فيها يومئذ \ن فهذا صحيح، لأن جميع الخاصة سوف يكونون فيها ، فيكونون من اهلها بهذا المعنى ، مهما كانت بلدانهم السابقة .

وان كان المراد سكانها الاعتياديون  ، كما هو مفهوم عادة من اللفظ اعني (أهل مكة) .... فهو غير صحيح ، فان آحاد أمنهم من اهلها غير الكثرة الكاثرة منهم  ليسوا منهم على أي حال . يدل على ذلك ما في الخبر نفسه من أن منهم (ابداب الشام وعصائب أهل العراق) وان منهم (ناس من المشرق) وان منهم (الرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة ...) وليست القبائل كلها في مكة .
مضافاً الى الرواتين المطولين اللتين دلتا على ان جميعهم ما عدا اربعة فقط من غير اهل مكة إذا اضفت الى ذلك : الخبر الذي سمعناه عن ابي عبدالله الصادق (ع) .

"سيبعث الله ثلثمائة وثلاثة عشر إلى مسجد مكة ، يعلم أهل مكة أنهم لم يولدوا من آبائهم ولا أجدادهم ".


صفحة (285)

 

وظاهره أنهم جميعاً ليسوا من أهل مكة ، غير ان التنزل عن هذا الظاهر في أربعة فقط ، غير عسير .

مضافاً إلى ما سنسمعه ، غير بعيد ، من أن وجود هؤلاء في مكة سيشكل (مشكلة قانونية) بصفتهم غرباء لم يدخلوا بترخيص من الجهات الحاكمة ،كما دلت عليه الأخبار .

فلو كانوا من أهل مكة ،لم يكن لهذ ه المشكلة أي موضوع.

الإستفهام  الثالث: هل أن وجود بعض هؤلاء الخاصة في مدينة ما ، يعتبر شرفاً وفضيلة تلك المدينة ، أم لا؟

وجوابه: أنه لا شك أن هذه جهة معينة مهمة جداً بالنسبة إلى أي مدينة ، غير أنه  ينبغي المبالغة في ذلك...... لأن السبب الرئيسي لتكامل الفرد في المدن الإعتيادية ، ما لم تحتو المدينة  على زخم علمي وعقائدي  خاص موجب للتكامل كالذي يوجد في القاهرة والنجف وقم وجامعة القرويين وأمثالها في العالم الإسلامي وإلا فسيكون المسبب الرئيسي للتكامل هو زيادة الظلم والإنحراف الساري المفعول ضد المؤمنين في كل الأجيال . وكلما تطرف أهل المدينة إلى جانب الباطل تطرف هؤلاء إلى جانب الحق وكما برهنا عليه في التاريخ السابق  ومن هنا يكون سبب التكامل العالي ، حتى يكون الفرد بدلاً من الأبدال ،وهو تطرف الأفراد الآخرين إلى جهة الباطل وإضطهادهم الأفراد المؤمنين إلى أقصى حد.

وهذا هو الذي يجعل إنتاج المدينة الإعتيادية  لبعض الأفراد المتكاملين الخاصين ، لايمثل شرفاً ولا فضيلة بالنسبة إلى الأفراد الآخرين في الأعم الأغلب .

الجهة السادسة :من هذا الفصل: في المشكلة القانونية التي يحدثها بقاء هؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر في مكة المكرمة ، ما بين ورودهم إلى حين تحقق الظهور .

ونتحدث عن ذلك ، ضمن عدة نقاط :

النقطة الأولى : في محاولة فهم هذه المشكلة أساساً .

أن المنطلق الأساسي الذي يثير المشكلة هو وجود هؤلاء الغرباء  فترة من الزمن تقل أو تكثر بدون سبب ظاهر .

 

صفحة (286)

ـــــــــــــــــ

(1) ص244 وما بعدها .

 

إنها مشكلة مفهومة في جو المجتمع القديم ، حين كان الغريب منظوراً إليه بعين الإستغراب ،ومراقباً من قبل أي فرد في كل تحركاته ، تصعب مجاملته ومكالمته وتعتبر الصداقة معه خطوة خطرة . بل أن مجرد بيع الطعام إليه لأ يكون إلا بالحذر. فكيف إذا كان الغرباء كثيرين في وقت لم تعتد المدينة على استقبال الزوار. وكان من الواضح عدم وجود هدف معين لإجتماعهم . ولم يتذكر فرد من أهل البلدة أنه رأى أي واحد منهم طيلة حياته . إن أهل مكة سيعيشون مثل هذه المشكلة إذا كانوا يمثلون المجتمع القديم .

وهي مشكلة مفهومة أيضاً ، بحسب قوانين الدول الحديثة ، على كلا الفهمين (الطبيعي) والإعجازي في ورودهم إلى مكة.

أما طبقاً للفهم الطبيعي الذي أعطيناه وهو أنه سوف يقع النداء في شهر رمضان وسيظهر الإمام المهدي(ع) ـ كما دلت الروايات ـ في اليوم العاشر من محرم الحرام ، فتكون المدة المتخللة ،وهي حوال أربعة أشهر ، فترة كافية للسفر الإعتياي إلى مكة لمقابلة الإمام (ع) ، من قبل أي شخص مشتاق إلى ذلك ، وسيمر موسم الحج خلال هذه الفترة ،وسيكون الذهاب من هذه الجهة مشروعاً تماماً للناس ، كما سيفوز الفرد المخلص بأداء فريضة الحج أولاً وبمقابلة الإمام المهدي (ع) ثانياً .

إن هذه الأطروحة هي مركز المشكلة بالنسبة إلى أهالي مكة ، فإن ما بين انتهاء فترة الحج واليوم العاشر من محرم أكثر من خمسة وعشرين يوماً .والمفروض أن الحجاج سيعودون أدراجهم بعد انتهاء موسم الحج مباشرة ،كما هو الحال في كل عام فما الذي حصل في أن تتخلف جماعة كبيرة بعد الحج زمناً طويلاً نسبياً ؟ وما هي مقاصدهم من هذاالتخلف .؟

إن هؤلاء(الخاصة) لا يمكنهم أن يصرحوا بهدفهم الحقيقي لأحد ، بل لعل أي واحد لا يستطيع أن يصرح للآخر منهم بذلك ، لعدم سابق معرفة بينهم أصلاً فضلاً عن التصريح به للشعب المكي أو للحكام .

إن غاية ما يستطيع الفرد منهم أن يعمله ، هو أن يأخذ إذناً بالإقامة لمدة شهر ، عسى أن يحصل الظهور خلاله ، فإن لم يحصل أخذوا  إذناً بالبقاء شهراً آخر .ولكن الظهور سوف لن يتأخر عنهم أكثر من شهر .

فهذه هي الصورة للفهم الطبيعي الذي أعطيناه .وسنعرف فيما بعد مدى صحة هذه الصورة وعدمها .

 

صفحة (287)
 

وأما طبقاً للفهم الإعجازي لإجتماعهم ، وذلك في الليلة السابقة على الظهور ، كما سنسمع .. فالمشكلة أوضح، إذ يصبح اهل مكة ، فيجدون هؤلاء بالمئات من الناس يتجولون في الأسواق بدون هدف معروف .لا يعرفون واحداً منهم ، ولم يسبق لأي منهم أن حمل في فيجيبه جواز سفر أو إذناً بالإقامة .

ولعل الروايات أقدر مني في بيان شكل المشكلة . غير أنها منطلقة من زاوية إعجازية ـ اولاًـ وفي مجتمع لا تحكمه دولة نظامية حديثة ، ثانياً .

النقطة الثانية : في سرد الروايات  الواردة بهذا الصدد.

وهي عدة روايات ، اكثرها يورد المشكلة باختصار .ولعل أهم الروايات وأوضحها :ما أخرجه ابن طاووس في الملاحم والفتن (1) نقلاًعن كتاب يعقوب بن نعيم قرقارة الكاتب لأبي يوسف . قال ابن طاووس :قال النجاشي الذي زكاه محمد بن النجار :إن يعقوب بن نعيم المذكور روى عن الرضا (ع) وكان جليلاً في أصحابنا ثقة .

ورأينا أن ما ننقله في نسخة عتيقة لعلها كتبت في حياته ، وعليه خط السعيد فضل الله الرواندي قدس الله روحه فقال: ما هذا لفظه :

حدثني أحمد بن محمد الأسدي عن سعيد بن جناح عن مسعدة أن أبا بصير قال لجعفر بن محمد (ع) :هل كان أمير المؤمنين (ع) يعلم مواضع أصحاب القائم (ع) كما كان يعلم عدتهم . فقال جعفر بن محمد (ع) : إ ي والله يعرفهم بأسمائهم رجلاً فرجلاً ،ومواضع منازلهم . أقول وتحتوي هذه الرواية على تعداد الأماكن وإن من كل مكان رجل أو رجلان أو أكثر، من دون تسمية ثم يقول :

فهؤلاء ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، يجمعهم الله عز وجل بمكة في ليلة واحدة ، وهي ليلة الجمعة .فيصبحون بمكة في بيت الله الحرام ، لايتخلف منهم رجل واحد ، فينتشرون بمكة في أزقتها ويطلبون منازل يسكنونها ، فينكرهم أهل مكة ،وذلك(لأنهم) لم يعلموا بقافلة قد دخلت من بلدة من البلدان لحج ولا لعمرة ولا تجارة .فيقول من يقول من أهل مكة بعضهم لبعض :ما ترون .قوماً من الغرباء في يومنا هذا ، لم يكونوا قبل هذا ليس هم من أهل بلدة واحدة ولا هم قبيلة واحدة .ولا معهم اهل ولا دواب .


صفحة (288)

ـــــــــــــــــ

(1) ص169وما بعدها.

 

فبينما هم كذلك ، إذ أقبل رجل من بني مخزوم فيتخطى رقاب الناس ويقول : رأيت في ليلتي هذه رؤيا عجيبة ، وأنا لها خائف وقلبي منها وجل .فيقولون :سر بنا إلى فلان الثقفي ، فاقصص عليه رؤياك .فيأتون الثقفي ، فيقول المخزومي :رأيت سحابة انقضت من عنان السماء ، فلم تزل حتى انقضت على الكعبة ما شاء الله ،وإذا فيها جراد ذو أجنحة خضر، ثم تطايرت يميناً وشمال، لا تمر ببلد إلا احرقته ،ولا بحصن إلا حطمته .

فيقول الثقفي :  لقد طرقكم هذه الليلة ، جند من جنود الله عز وجل ، لا قوة لكم به .فيقولون :اما والله ، لقد رأينا عجباً ! ويحدثونه بأمر القوم .ثم ينهضون من عنده فيهتمون بالوثوب بالقوم .وقد ملأ الله قلوبهم رعباً وخوفاً . فيقول بعضهم لبعض وهم يأتمرون بذلك: يا قوم لا تعجلوا على القوم ولم يأتوكم بمنكر ولا شهروا السلاح ، ولا أظهروا الخلاف .ولعله أن يكون في القوم رجل من قبيلتكم فإن بدا لكم  من القوم أمر تنكرونه، فأخرجوهم  .أما القوم فمتنسكون ، سيماهم حسنة ،وهم في حرم الله  جل وعز الذي لا يفزع من دخله حتى يحدثوا فيه حادثة ولم يحدث القوم ما يجب (به) محاربتهم .

فيقول المخزومي ـ وهو عميد القوم ـ :أنا لا آمن أن يكون من ورائهم مادة .وإن أتت إليهم انكشف أمرهم وعظم شأنهم .فأحصوهم وهم في قلة العدد وعزة بالبلد . قبل أن تأتيهم المادة ، فإن هؤلاء لم يأتوكم إلا وسيكون لهم شأن .وما أحسب تأويل صاحبكم إلا حقاً .

فيقول بعض لبعض : إن كان من يأتيكم مثلهم فإنه لا خوف عليكم منهم ، لإنه لا سلاح معهم ، ولا حصن يلجأون إليه .وإن أتاكم جيش نهضتم بهؤلاء فيكونون كشربة ضمآن .

 

صفحة (289)


فلا يزالون في هذا الكلام ونحوه .حتى يحجز الليل بين الناس .

فيضرب على آذانهم بالنوم . فلا يجتمعون بعد انصرافهم (إلى) أن يقوم القائم . فيلقي أصحاب القائم (ع) بعضهم بعضاً كبني أب وأم ، افترقوا غدوة واجتمعوا عشية .... الحديث .

النقطة الثالثة : في تلخيص المهم من مضامين هذه الرواية ، مع نقده :

أولاً: تدل بوضوح ، على اجتماع هؤلاء الخاصة هؤلاء بطريق المعجزة ، لا يبقون إلا نهاراً  واحداً يظهر الإمام المهدي في مسائه .

وهذه المعجزة منافية لقانون المعجزات ، بعد أن عرفنا إمكان انتقالهم بطريق السفر الإعتيادي .وكلما أمكن انتاج الهدف بالأسلوب الطبيعي لم تقم المعجزة لإنجازه .

ثانياً: تعكس هذه الرواية مدى القلق الذي يسيطر على أهل مكة وحكامها من هؤلاء الغرباء ....حتى أنهم يفكرون في مقاتلتهم ، لولا أن الله تعالى يصرفهم عن ذلك ، باعتبار الحرمة الإسلامية في القتل في مكة المكرمة ما لم يبدأ الآخرون بالقتال ، فيحفظ الله تعالى نفوسهم بذلك إلى حين الظهور .

وهذا القلق لدى أهل مكة، واضح وضروري ، مع صحة الإنتقال الإعجازي لهؤلاء الخاصة .وأما مع وصولهم بالسفر الإعتيادي لأجل الحج ـ كما قلنا ـ فالظاهر انه ليس هناك لأية مشكلة ولن يكونوا ملفتين للنظر على كل حال.

فإن مكة المكرمة في الأزمنة الاسبقة .كانت لا تستقبل الزوار الحجاج ،إلا في موسم الحج، فمن الطبيعي أن يكون بقاء الزوار في غير هذا الموسم أو بعد انقضائه ، غريباً ملفتاً للنظر .إلا أن الحال قد اختلف جداً في السنوات المتأخرة .فقد أصبحت مكة تستقبل اعداداً كبيرة من الزوار على طول مدار العام .وتشتغل فنادقها بالقاطنين طوال السنة لا تخرج جماعة إلا لتدخل أخرى .ويكون التخلف عن الحج لأجل عدة أهداف كالتجارة و النزهة وتطويل الزيارة ومراجعة الكتب والمفكرين والعلماء ، وغير ذلك .... أمراً طبيعياً لاغبار عليه .

ومعه ، يكون أهل مكة قد اعتادوا مواجهة الغرباء باستمرار ، واعتادت السلطات على إعطاء الإذن بالإقامة فترات مختلفة من الزمن طول العام .إذن، فبقاء هؤلاء الخاصة لن يكون ملفتاً للنظر ولن يوجب أي مشكلة ولا دليل كامل على أن الباقين بعد الحج هم هؤلاء فقط ، بل لعل أناساً آخرين يستمرون بنفس القصد أو لأغراض أخرى .

 

صفحة (290)

ثالثاً : تدل الرواية على ان السلطات المكية بدائية الشكل، والمجتمع المكي متدين إلى حد ما بحيث يتورع عن قتل هؤلاء في الحرم المكي ، وكلا الفكرتين قابلة للمناقشة .

أما بدائية الدولة فقد ارتفعت في العصر الحديث ، وتبدلت إلى الدولة النظامية الحديثة ، ومن الواضح :أن معجزة مثل هذه لو حدثت في دولة حديثة لما تلكأت الدولة في إلقاء القبض على هؤلاء واستنطاقهم فرداً . ولا أقل من  تشديد قوى الأمن الداخلي وجعلهم تحت الرقابة المستمرة استعداداً لكل طارىء فالغض عنهم . ووقوع الجدل بشأنهم لا يكاد يكون محتملاً في أنظمة الدولة الحديثة .

نعم ، سوف يكون لهذا أثر مع صحة الأطروحة الطبيعية التي عرضناها لإجتماعهم .كما هو واضح . وإنما يترتب ذلك طبقاً للفهم الإعجازي لإجتماعهم .وقد يعتبر ذلك أحد نقاط الضعف في هذا الفهم .

وأما تدين المجتمع المكي ... فهناك قرينة رئيسة على نفيه ، وهو قتل النفس الزكية بين الركن والمقام قبل الظهور بخمسة عشر يوماً ، وسيصادف ذلك زمن وجود هؤلاء في مكة طبقاً للأطروحة الطبيعية ، ومن يكون على مستوى القتل في داخل المسجد الحرام ، سوف لن يتورع عما هو دونه ،وهو القتل في خارج المسجد.

غير أن ذلك مما سوف يكون مستغنى عنه طبقاً للأطروحة الطبيعية للإختلاف الجذري بين مهمة النفس الزكية الذي يواجه الشعب المكي بما لا يرتضيه ،وبين مهمة هؤلاء الذين لن يحركوا ساكناً ولن يلفتوا نظراً قبل الظهور.

الجهة السابعة : في خصائص أخرى نصت عليها الروايات ، لأصحاب الإمام المهدي (ع) :

الخصيصة الأولى : تسميتهم بجيش الغضب.

وهو ما دلت عليه روايات أخرجها النعماني في الغيبة(1) والصدوق في إكمال الدين(2) وقد نقلنا بعضها فيما سبق.

 

صفحة (291)

ـــــــــــــــــ

(1) ص167وما بعدها .

(2) انظر النسخة المخطوطة

 

والسر في هذه التسمية هي انها بقيادة إمامهم  المهدي(ع) ، يمثلون غضب الله تعالى على المجتمع الفاسد المتفسخ عقيدة ونظاماً ولأخلاقاً ، والحكم عليه بالفناء والزوال ، مع بديله إلى مجتمع عادل تسوده السعادة والرفاه .

الخصيصة الثانية : أنهم شباب لا كهول فيهم إلا أقل القليل ، كالكحل في العين أو كالملح في الطعام ، كما دلت عليه إحدى الروايات .وهذا التشبيه دال على أن هؤلاء الكهول القلائل هم من أفضل الجماعة إيماناً وإخلاصاً وثقافة ، وإن وجودهم فيهم ضروري .....شأن الملح في الطعام فإنه على الرغم من قلته إلى سائر الأجزاء ، إلا أنه أهمها و أكثرها ضرورة .

وهذا أمر موافق مع خصائص النفس الإنسانية . فالشاب بطبيعته أقوى من الكهل إندفاعاً وقوة وإرادة ، والكهل أفضل من الشاب رشداً وتجربة وثقافة ، والجيش المتكامل يحتاج إلى كلا النوعين بطبيعة الحال .ولكنه إلى الإندفاع وقوة الإرادة أحوج .وأما الرأي ـ إن احتيج إليه ـ فيكفي فيه العدد القليل ،ومن الواضح كون الرأي الأهم موكول إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، إلا في ما يستشير أصحابه من الأمور ،كما كان النبي (ص) يفعل أحياناً ،وخاصة بعد أن وعدهم  أن يكون حيث يريدون .

وقد يخطر في الذهن: أن المفروض في أصحاب الإمام المهدي (ع) ـ كما قلنا ـ أن يكونوا من المخلصين الممحصين المتكاملين في الإيمان والإرادة إلى درجة عالية جداً.  وهذا ما يحتاج الفرد في الوصول إليه إلى سنين وسنين ، وإلى ظروف كثيرة وتجارب مثيرة ، وهذا لا يتم في الشباب على أي حال ،فكيف ينسجم ذلك مع ما دل على كونهم ـ في الأغلب ـ من الشباب .

والجواب على ذلك يكون على مستويين :

المستوى الأول : أننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1):إن تمحيص الفرد وتربيته لا يعود فقط إلى الظروف التي يعيشها الفرد خلال حياته ...بل يعود جزء كبير منها إلى تربية الأمة كلها متمثلة بالأجيال المتصاعدة ، فكل جيل من الصالحين يوصل نتيجة التمحيص إلى درجة معينة ويورثها إلى الجيل الذي يليه ليمشي بها خطوة أخرى ،،،وبقانون (تلازم الأجيال) يبقى التمحيص ساري المفعول على مجموع الأمة .


صفحة (292)

ـــــــــــــــــ

(1) أنظر ص364وغيرها .

 

ومعه فمن الممكن القول : إن التمحيص في الجيل الأسبق على الظهور قد بلغ من العمق والشمول بحيث لم يبق منه إلى انتاجه الكامل ، إلا خطوات قليلة تتحقق خلال السنوات الأولى من الجيل الذي يليه وهو الجيل السابق على الظهور مباشرة ، أعني الجيل الذي يحصل فيه الظهور ،ومعه فسيتحقق الظهور حال شباب الأعم الأغلب من هؤلاء الصالحين .

المستوى الثاني : إن الأسباب التي يخرج بها الفرد ممحصاً كاملاً تمثل في حقيقتها

كما برهنا عليه في االتاريخ السابق(1) المواقف وردود الفعل التي يتخذها الفرد تجاه الظروف الخارجية الظالمة والعادلة على حد سواء .فكلما كانت المواقف أصح وكانت ردود الفعل افضل، كان الفرد أكثر نجاحاً وتمحيصاً .

وهذه الظروف قد تكون بطيئة الإنتاج ، بمعنى أن كل حادثة تمر بالفرد لا تقتضي منه إلا درجة بسيطة من الإخلاص وقوة الإرادة ، فيكون تكامله محتاجاً إلى تجارب كثيرة وطويلة ، فيصبح بطيئاً محتاجاً إلى عشرات السنين ،وقد لا ينتج المستوى المطلوب طول عمر الفرد أصلاً ،وإنما يصل الفرد إلى مرتبة ناقصة من الكمال فحسب.

وقد تكون الظروف التي تمر بالفرد تقتضي منه  قوة ضخمة في الإرادة  ودرجة عظيمة في الإخلاص ،وتكون موافقة وردود فعله صالحة وصحيحة .... فتكون تربيته سريعة و وصوله إلى  الدرجة المطلوبة ­ لو وفق إلى النجاح في كل الخطوات ـ غير محتاج إلى زمان طويل.

ومعه يمكن أن نحصل على أشخاص  ممحصين كاملين ،وهم في سن الشباب .

على أننا لو جمعنا بين هذين المستويين ... والحياة تتضمن ـ في الأعم الأغلب ـ الجمع بينهما بشكل وآخر. فالفرد ـ حتماً – يكتسب من الجيل السابق ما يمكنه اكتسابه من الثقافة والإخلاص ، ويضيف عليه من عنده فيما يتخذه من مواقف وردود فعل صالحة تجاه الحوادث .فإن كانت هذه الحوادث ضخمة ومهمة ،ووفق إلى النجاح فيها ، كان من المخلصين الممحصين لا محالة .


صفحة (293)

ـــــــــــــــــ

(1)المصدر ص307 وما بعدها و التي تليها .

الخصيصة الثالثة : أن هؤلاء الخاصة الثلاثمئة والثلاثة عشر رجلاً يتميزون عن غيرهم  لعدة أسباب :

أولاً : إتصافهم بالإخلاص من الدرجة الأولى ، في نتيجة التمحيص السابق على الظهور ....دون غيرهم .

ثانياً : مبايعتهم للمهدي(ع) لأول مرة بعد جرائيل (ع) واستماعهم لخطبته .

ثالثاً : أنهم قادة جيشه خلال القتال ...لا أنهم يمثلون كل الجيش كما سبق أن قلنا ....فهم العدد الكافي من القواد لغزو العالم ، لا من الجنود العاديين .

ومن هنا ، لن يكتفي الإمام المهدي (ع ) بهؤلاء الخاصة ، بل انه "ما يخرج إلا في أولي قوة ،وما يكون  من أولي قوة أقل من عشرة " كما سمعنا في الروايات . "ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس ، ثم يسير منها إلى المدينة " كما سمعنا في رواية أخرى "فإذا اجتمع له العقد :عشرة  آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله " كما في رواية ثالثة .

والروايات تسكت عن تحديد فترة بقائه ، في مكة ريثما يجتمع له هذا العدد .وإن كان المظنون من مجموع القرائن أنه لن يزيد عن أسبوع.

الجهة الثامنة : هناك سؤال قد يخطر على البال ، من  خلال التأكيد في الروايات عل أعداد هؤلاء الخاصة و التعرف على شخصياتهم وأماكنهم .وهو أنه إذا صح ذلك فسوف لن ستطيع أي إنسان آخر ان يصبح متصفاً بالإخلاص من الدرجة الأولى ،وسوف تذهب جهوده في ذلك سدى ، بعد أن كان المتصفون به معينين ومعروفين سلفاً.

فكيف نوفق بين ذلك، وبين قانون التمحيص العام الساري المفعول قبل الظهور، الذي لا يقتضي نجاح أفراد  لأعيانهم بل يوكل ذلك إلى همة الفرد وإيمانه ومقدار تضحياته في سبيل الحق . وهذا معنى عام قد تزيد نتيجته وقد تنقص فكيف نوفق بين هذين المعنيين ؟!.

ويمكن أن نعرض هذا السؤال على مستويات ثلاثة :

المستوى الأول: أن ننظر إلى التنافي المحتمل بين المفهوم العام لقانون التمحيص  وما ورد من التحدي بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. لاعتبار ان هذا التحديد واضح وثابت في الروايات ، وأما التحديدات الأخرى ، فلا يخلو ثبوتها من ضعف ، كما سمعنا .

 

صفحة (294)

 

ويمكن الجواب على هذا التنافي بوجوه ثلاثة :

الوجه الأول : أن النجاح في التمحيص من الدرجة الأولى غير خاص بهذا العدد لو نظرنا إلى مجموع أجيال الأمة الإسلامية ،فإن عدداً من الناس  قد يصلون إلى هذا المستوى الرفيع ، ولكن حياتهم تنتهي ولا يحصل الظهور .لأن  مجموع من حصل على هذه الدرجة العليا من الجيل ليس كافياً لغزو العالم بالعدل .

 ومعه ، فلو نظرنا إلى أجيال الأمة لوجدنا عدداً ضخماً من الناس المتصفين بهذه الصفة .كل ما في الأمر أن كل جيل بعينه ، لا يحتوي على العدد الكافي منهم ... وأول جيل يحتوي على ذلك هو الجيل الذي يحصل فيه الظهور.

إذن ، فالفرصة مفتوحة ، طبقاً للقانون االعام ،للوصول إلى تلك المرتبة وإنما يقصر الناس عن ذلك انطلاقاً من اختيارهم وإرادتهم . وأول جيل سوف يتوفر العدد الكافي فيه لغزو العالم  بالعدل . سوف يتم فيه الظهور .

الجواب الثاني: إن المسألة مسألة وقت ليس إلا ، غير أنه وقت متعين غير قابل للزيادة والنقصان. فإن الظهور كما لا يمكن أن يحدث قبل توفر العدد الكافي لا يمكن أن يتأخر عن زمان توفره .

أما قبل توفر العدد كله، فالفرصة موجودة بوضوح ، لأجل توفير العدد بالتدريج من مجموع الناس ، حسب ما لديهم من الهمة والتضحية ....طبقاً للقانون ، واما بعد توفر العدد ، فالقانون ولو كان باقياً ، غير ان الظهور سوف لن يتأخر عندئذ بطبيعة الحال .وبه سوف يستوفي القانون السابق غرضه ،وتتحول تربية البشرية إلى التخطيط العام الجديد.

فعدم إمكان الزيادة على العدد ،لا لأجل التصور في الفرص القانونية للتمحيص بل لأجل تحقق الظهور عند توفر العدد الكافي، الأمر الذي يغير قانون التمحيص إلى شكل جديد .

الجواب الثالث: أننا لو تنزهنا ـ جدلاً ـ عن ذلك كله ،وفرضنا كون هذا  الرقم  مرصوداً لأشخاص معينيين ، أمكننا الجواب على ذلك من نواحي أخرى  اجتماعية  وفلسفية بالشكل الذي نحاول عرضه في الجواب على المستوى الثالث.

المستوى الثاني : أنه بعد البرهنة على التنافي بين رقم الثلاثمئة والثلاثة عشر وبين قانون التمحيص العام .وإن هذا الرقم يبقى فارغاً قابلاً للملء بأي إنسان ، ننظر في المستوى الثاني إلى التنافي المحتمل بين قانون التمحيص وبين تسمية البلدان والأعداد لمذكورة لكل منها .إذ قد يخطر في البال ، عدم وجود الفرصة للزيادة على ذلك .

 

صفحة (295)

 

ويمكن تقديم ثلاثة أجوبة موازية للروح العامة للأجوبة الثلاثة الواردة في المستوى الأول .

الجواب الأول :أننا لو نظرنا غلى الأجيال المتطاولة للبصرة ـ مثلاً ـ لم نجد أربعة من الناجحين الكاملين فقط ،بل أكثر من ذلك بكثير، وكل ما في الأمر أن هذا الرقم هو الذي سيخرج من البصرة في الجيل المعاصر للظهور .

بل إن الحال أوسع من ذلك ، فقد يوجد في  البصرة أكثر من هذا العدد في جيل ما .وإنما لم يحصل الظهور باعتبار عدم توفر العدد المطلوب في العالم ، على وجه العموم ، لتقلص عدد من المدن  عن المشاركة في تصدير حصتها من هؤلاء ،

بينما يعاصر جيل الظهور تقلصاً في رقم (البصرة) وتوسعاً في بعض المدن الأخرى ،طبقاً للحالة النفسية والعقلية والإجتماعية التي تعيشها كل مدينة .

الجواب الثاني: إن المسألة مسألة وقت لا غير ، تماماً كالمستوى الأول لكن بعد ملاحظة (البصرة) وكل مدينة عينها ، كجزء من كل مشارك في التخطيط العام لإيجاد العدد الكافي .فبمجرد أن يتم العدد الكافي يحدث الظهور ولكن من حسن حظ بعض المناطق أنها تشارك بعدد أكثر لحسن تصرف الأخبار من أهلها وأدائهم التضحية في سبيل الحق والهدى ، على حين تشارك المدن الأخرى بعدد أقل ، لسوء تصرف أهلها وتفضيلهم اللذاذة العاجلة على التضحية العادلة .

ولا ينبغي أن ننسى ما عرفناه في التاريخ السابق من صعوبة الوصول إلى هذه الدرجة العليا والإخلاص، واحتياجها إلى قوة في الإرادة وسعة في الثقافة لا تتوفر إلا في القليل من الناس .

والجواب الثالث: أننا لو تنزلنا ـ جدلاً ـ عن الوجهين السابقين ، وفرضنا أن رقم الأربعة من البصرة ، مرصود لأشخاص معينين ،وكذلك غيرها من المدن ، أمكننا الجواب على ذلك من زوايا أخرى ، على من سنذكره  في الجواب الثاني والثالث على المستوى الثالث.

المستوى الثالث: أنه بعد البرهنة على عدم التنافي بين مجرد الترقيم سواء منه العام أو الخاص بكل مدينة ، وبين التمحيص العام ....يبقى التنافي بين هذا القانون العام وبين التسمية الواردة في الروايات ، فإنها ـ على أي حال ـ إشارة إلى أشخاص معينين ، لا يمكن إبدالهم بغيرهم .وليس كالترقيم يمكن ملؤه بأي إنسان  .


صفحة (296)
 

ويمكن أن يجاب على ذلك بثلاثة أجوبة :

الجواب الأول : أننا بينما نرى أن الترقيم ثابت في الروايات فإن العدد : ثلاثمائة وثلاثة عشر، مستفيض النقل وعليه عدد مهم من الروايات ،كما أن التحديد لكل مدينة أكثر نقلاً من التسمية ،من حيث أن بعض الروايات تتضمن الرقم والتسمية وبعضها تتضمن الرقم فقط ، كالرواية الأولى التي نقلناها عن ابن طاووس  .

فبينما نرى الترقيم ثابتاً في الجملة ، نجد أن التسمية غير ثابتة ، لما سمعناه من أن الروايات الناقلة للأسماء ضعيفة السند وقلقلة العدد متعارضة في ذكر الأسماء ، فتسقط عن قابلية الإثبات التاريخي .ومع انتفاء الدليل على التسمية يكون الإشكال في مستواه الثالث منتفياً موضوعاً.

هذا وسيكون الجوابان الآتان شاملين للمستويات الثلاثة كلها ، وإنما أجلناها إلى المستوى الثالث لمناسبتها معه دون ما سبق من الأجوبة على المستويين الأولين ، وستكون زاوية النظر في احدهما اجتماعية وفي الآخر فلسفية .

الجواب الثاني: أن نعيد النظر في الخصائص المعطاة لهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر، فبينما عرفناها خصائص (داخلية) تمت إلى تكوينهم الشخصي الإيماني بصلة وثيقة يمكن أن نعتبرها الآن خصائص عرضية أوخارجية ، تمت إلى وضعهم الإجتماعي بصلة ، الشكل الذي سنذكره بعد لحظة .

فليس هؤلاء فقط هم المتصفين بالدرجة الأولى من الإخلاص ، بل هناك أناس غير مسمين  متصفين بها أيضاً .وإنما يختص هؤلاء بصفات أخرى (اجتماعية) يمكن فهمها على شكلين طبقاً للأطروحة المختارة لكيفية اجتماعهم .

فإن اخترنا لهم الإجتماع الإعجازي في مكة .كانت خصيصتهم الرئيسية أنهم ـ دون غيرهم ـ ينقلون بالمعجزة من أجل نصرة المهدي (ع) .وليس اختصاصهم بذلك من أجل مستواهم الإيماني ، بل قد تكون لمصالح أخرى في علم الله عز وجل ،كإتصافهم بقوة جسمية معينة أو بثقافات وتدريبات قيادية معينة يفقدها الآخرون ...مما لا يمت إلى قانون التمحيص بربط مباشر ومعه لا تكون هذه الخصائص ولا خصيصة الإنتقال الإعجازي مضرة بشمول هذا القانون .


صفحة (297)
 

وإن اخترنا لهم الإجتماع الطبيعي، كما رجحناه، امكننا أن نضع التسلسل الفكري للحوادث كما يلي: أن الوصول إلى الدرجة الأولى من الإخلاص أوسع من هذا الرقم وأوسع من هذه الأسماء المذكورة في الروايات، وسوف يؤثر (النداء) باسم المهدي (ع) في إثارة الشوق في نفوس الجميع ، وسيسافرون جميعاً  إلى مكة المكرمة. غير أ ن لحظة الظهور حيث انها غير محددة في اذهانهم وانما ينتظرونها بعد الحج اجمالا فمن الصعب بطبيعة الحال أن يبقى الجميع في المسجد الحرام باستمرار طوال الايام انتظارا للظهور، وانما هم يبقون في منازل مكة وفنادقها. ثم يحصل الظهور في لحظة معينة وهي مساء اليوم العاشر. كما ورد في بعض الروايات. وسيصادف ان المسجد الحرام يحتوي على ثلاثمائة وثلاثة عشر من المنتظرين في مكة المكرمة .. لمجرد رغبتهم في الطواف في تلك الساعة.

وهذه المصادفة سوف تقتضي أن يكون هؤلاء ـ دون غيرهم ـ هم أول من يواجه الإمام المهدي (ع) ويسمع خطبه ويتشرف بمبايعته ... ريثما يتسامع الناس بالظهور ، ويهرع الآخرون للوصول بخدمة الإمام المهدي (ع).

ومن الواضح أن هذه المصادفة  غير مضرة بشمول قانون التمحيص ، ولا منافية معه.

الجواب الثالث: أننا لو تنزلنا عن كل ذلك ، وفرضنا أن التسمية لأشخاص معينين لايمكن  تبديلهم .وأنه أمر ثابت لا محيص عنه الآن فكرة مبسطة ومختصرة محيلين التفصيل إلى المصادر الفلسفية .

إن هذه الروايات الناقلة للأسماء ـ على تقدير ثبوتها ـ تنقل لنا رأي قائليها وهم الأئمة المعصومون (ع. وآرائهم دائماً مستقاة من الني الأعظم (ص) .وهو "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" .

إذن فالأمر يعود إلى تعلق العلم الإلهي بنجاح أشخاص معينين ووصولهم إلى الدرجة الأولى من الإخلاص .

وعلم الله عز وجل عين إرادته ، كما ثبت الفلسفة ، فلو كانت إرادته تعالى قد تعلقت باتصاف هؤلاء بهذه الصفة على كل حال ، أعني :ولو بسبب قهري غير إرادي ، لكان الإشكال  وارداً ، إذ من الظلم أن تتعلق الإرادة الإلهية بإنجاح هؤلاء دون غيرهم ، والظلم مستحيل  الثبوت لله عز وجل كما ثبت في الفلسفة أيضاً .


صفحة (298)

ـــــــــــــــــ

(1) النجم : 53 /3-4.

 

ولكن إرادة الله تعالى على نجاح هؤلاء بملىء إرادتهم واختيارهم .وهو ـ في واقعه ـ معنى النجاح في التمحيص . لما عرفناه من أن عنصر الإختيار ضروري في قانون التمحيص وأحد الأركان الرئيسية للنجاح فيه إذ لو كان النجاح جبرياً قهرياً ، لما كان نجاحه أصلا .

فإن إعطاء معدن الذهب شكل الحلي الجميل ليس فخراً للذهب كما هو واضح .

ومعه نعرف : إن علم الله الأزلي بنجاح هؤلاء باختيارهم وبرسوب الراسبين بإختيارهم أيضاً .

وإرادته تعلقت بذلك أيضاً ... فهما متساوقان مع القانون العام للتمحيص الذي سنه الله  تعالة بعلمه وإرادته أيضاً ،ووهب الإختيار للبشر بعلمه وإرادته أيضاً.

ومعه يكون مدلول الروايات: إن هؤلاء المسلمين أو المعدودين هم الذين سيحسنون التصرف وتكون مواقفهم الإختيارية صحيحة وعادلة ، وإن غبرهم سوف لن يبلغ مبلغهم بإختياره أيضاً ،ولو لم يقصر المقصرون ، وكان الناس على المسؤولية في عهد التمحيص ، لكان الناجحون أكثر ولو ردت تسميتهم في الروايات أيضاً. ولكن من المؤسف أن الناس قد أبدوا باختيارهم سلوك المقصرين وتصرف المذنبين ، فتضاءل عدد الناجحين ، فتضاءلت تسميتهم في الروايات أيضاً ، وقد قال الله تعالى: " ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون "(1).

ومن الطبيعي أن يكون الناجحون باختيارهم والواصلون إلى الدرجة الأولى بتضحياتهم وجهادهم ، يكونون اهلاً لكل المميزات التي يتفردون بها عن البشر أجمعين، لأنهم أدوا من التضحيات ما لم يؤد غيرهم من الناس ، فأرتفعوا إلى مستوى لم يرتفع إليه غيرهم من البشر ....إبتداء بأهتمام رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) بتعدادهم وتسميتهم ،وانتهاء بنصرتهم للمهدي (ع) وممارسة القيادة والحكم بين يديه.

هذا ولا ينبغي أن ننسى أن الدرجات الأخرى من الإخلاص ، ينالها الفرد بالإختيار أيضاً ،ولكنها حيث تكون أسهل منالاً .فإن القواعد الشعبية المتصفة بها أيضاً ستكون أوسع ، وكلهم بالتدريج سينصرون المهدي (ع) ويعملون بين يديه .


صفحة (299)

ـــــــــــــــــ

(1) يس : 36/30

الفصل الخامس

المنجزات الأولى للإمام المهدي (ع)

إلى حين الوصول إلى العراق


وينبغي أن نتكلم في هذا الفصل ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى : في حديث : يصلحه الله في ليلة .

وهو ما نود استهلال هذا الفصل به لأن انتصاره سيكون في ليلة ظهوره نفسها .

وهذا الحديث وارد في مصادر كلا الفريقين .وإن كان في المصادر العامة أغلب .

فمن مصادر الإمامية : ما أخرجه الصدوق في إكمال الدين بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ـ في حديث ـ ، قال: ويصلح الله عز وجل أمره في ليلة .وروى نحوه عن أبي جعفر الباقر (ع) (1) ما رواه الطبرسي(2) عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال الحسين (ع) ـ في حديث ـ :

قائمنا أهل البيت يصلح الله تعالى امره في ليلة واحدة .

ومن المصادر العامة ،ما أخرجه ابن ماجة(3) عن علي (ع) ، قال:

قال رسول الله (ص) المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة .

ونقل نحوه ابن حجر في الصواعق(4) عن أحمد .وفي مفتاح كنوز السنة(5) نقله عن أبي داود و الترمذي وأحمد.

 

صفحة (301)

ـــــــــــــــــ

(1) انظر الخبرين في المصدر المخطوط.    (2) ص401.

(3) ج2 ص1367.                          (4) انظر ص97.

(5) ص484.

 

ونقله السيوطي(1) عن أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم ابن حماد في الفتن وأخرجه القندوزي في الينابيع أيضاً(2) .

وفي بعض الروايات  تشبيهه بموسى بن عمران (ع) من هذه الناحية .روى القطب الراوندي(3) مرسلاً ، قال: قال محمد بن علي التقي الجواد لعبد العظيم الحسني :

المهدي ... من ولدي ،وإن الله يصلح أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (ع) حيث ذهب ليقتبس لأهله ناراً.

والمراد من إصلاحه أو إصلاح أمره توفير النصر لديه ،أو إيجاد المقدمات الواضحة للنصر. قالوا في اللغة: صلح ضد  فسد ، أو زال عنه الفساد ، يقال :صلحت حال فلان .وأصلحه بعد فساد أقامه(4).

فالمهدي (ع) بعد أن كان في حال غيبته وتنكر ، وكان أعزلاً عن السلاح بعيداً عن الحكم، يصبح بين عشية وضحاها، في ليلة واحدة ، منتصراً فائزاً  قائداً له من العدة والعدد ما يستطيع به السيطرة على العالم بأسرع وقت وأسهل سبيل .

وأول وأهم خطوة لهذا النصر هم اجتماع أصحابه الخاصين حوله ومبايعتهم له ، وهو يحدث في ليلة واحدة  هو نفس المساء الذي يخطب فيه بين الركن والمقام . وهذا صحيح على كلا الأطروحتين: ألإعجازية والطبيعية لإجتماعهم ... فإنهم يجتمعون في تلك اللحظة حوله على أي حال .

إذن ، فإجتماع أصحابه هو الشيء الرئيسئ المشار إليه في هذا الحديث الشريف ،بصفته أول مراحل تصاعد الإنتصار التدريجي السريع بما فيه اجتماع عشرة الآف نفس في الأيام القليلة القادمة قبل الخروج من مكة .

الجهة الثانية : عرفنا تقدم حكم السفياني وتهديده للإمام المهدي (ع) بالقتل والخسف بالجيش الذي يرسله، تقدم كل ذلك على الظهور . حتى جعل الخسف من علامات الظهور للمهدي (ع) كما سمعناه في هذا الكتاب وسابقه(5).


صفحة (302)

ـــــــــــــــــ

(1) ج2 ص124.   (2) ص519ط النجف.

(3) الخرايج والجرايح ص199.

(4) أقرب الموارد ،مادة :صلح :ج2ص656.

(5) انظر تاريخ الغيبة الكبرى .ص599.

 

 

غير ان هناك من الأخبار ما يدل على تأخير التهديد والخسف على الظهور .وهو إنما يحصل في الأيام الأولى للظهور ،وهي الفترة التي نعرضها الآن من حياة الإمام المهدي . فينبغي أن لا نمر بهذه الأخبار مسرعين .

أخرج أبو داود(1) عن أم سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) قال:

يكون اختلاف عند موت خليفة .... فيخرجونه ( يعني المهدي (ع)) وهو كاره ، فيبايعونه بين الركن والمقام. ويبعث الله اليه بعث من أهل الشام فيخسف بهم البيداء بين مكة والمدينة .فإن رأى الناس ذلك ، أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه ، الحديث .

وأخرجه السيوطي(2) عن أبن ابي شيبة وأحمد وأبو يعلي والطبراني، اخرج السيوطي(3) عن الطبراني في الأوسط والحاكم عن أم سلمة ، قالت : قال رسول الله (ص) :

يبايع لرجل بن الركن والمقام عدة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال اهل الشام  . فيغزوه جيش من أهل الشام  ،حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم .

وأخرج المجلسي في البحار(4) عن عبد الأعلى الحلبي ، قال: قال أبو جعفر (ع) :

يكون لصاحب هذا الأمر غيبة .... ( ثم يذكر حوادث الظهور واجتماع أصحاب المهدي (ع) ومبايعتهم له. ويقول بعد ذلك) :حتى ينتهي (يعني المهدي (ع) وجيشه) إلى البيداء . فيخرج إليه جيش السفياني ، فيأمر الله الأرض فيأخذهم من تحت أقدامهم ،وهو قول الله " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب(5) وقالوا آمنا  به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون ،كما فعل بأشياعهم من قبل ، إنهم كانوا في شك مريب" يعني بقائم آمحمد "وقد كفروا به " يعني بقائم آل محمد ، إلى آخر السورة . فلا يبقى منهم إلا رجلان .. الحديث .


صفحة (303)

ـــــــــــــــــ

(1) انظر سنن أبي داود ج2 ص423

(2) الحاوي ج2 ص126

(3) المصدر ص129

(4) ج13 ص188 وما بعدها .

(5) سبأ :24/52-54

وتحتوي هذه الأخبار عالى نقاط قوة ونقاط ضعف.

أما نقاط القوة فثلاث :

النقطة الأولى : ان الوضع العام يكون واضحاً .وإرسال الجيش للقضاؤ على حركة المهدي (ع) في مهدها ، من قبل قوى الإنحراف والطغيان .... يكون معلوم الدوافع ، بخلاف محاولة القضاء على المهدي (ع) قبل ظهوره واتضاح دعوته، فإنه لا يكون واضحاً بهذا المقدار .

النقطة الثانية :أنه في صورة تقدم الخسف على الظهور ،يثور التسائل عن كيفية معرفة السفياني بالمهدي (ع) ليحاول الإجهاز عليه؟ كما سبق أن عرضناه وناقشناه، غير ان هذا السؤال يكون بلا موضوع مع تأخر الخسف عن الظهور .فإن السفياني سيتعرف على المهدي بظهوره وسيرسل عليه الجيش وهو عالم بحقيقته .

النقطة الثالثة : إن  الخسف سيصبح بعد الظهور بأيام قلائل ، هو المعجزة الرئيسية الكبرى التي تدعم حركة الإمام المهدي(ع) وتفهم الناس بكل صراحة عدالة دعوته وأحقية حركته .

وقد صرحت الروايات بتأثيرهذه المعجزة في النفس ( فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل  الشام  وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه) ( وقالوا آمنا به ) " يعني بقائم آل محمد (وقد كفروا به) يعني بقائم آل محمد ".

بل إن معجزة الخسف ستؤثر في (السفياني) نفسه ، فتجعله قرب العاطفة من المهدي (ع) .الأمر الذي يسبب عدة نتائج أهمها : دخول العراق بدون قتال .

ففي خبر أخرجه السيوطي (1) عن نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن محمد بن علي يقول فيه :

فيقول الذي بعث الجيش حين يبلغه الخبر من ايلياء :لعمر الله ، لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة .بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض .

إن في هذا لعبرة ونصرة .فيؤدي إليه السفياني الطاعة....الخ الخبر الذي يروي نقض السفياني للبيعة ومقتله.


صفحة (304)

ـــــــــــــــــ

(1) الحاوي ج2 ص146

 

وهذا الخبر واضح بأن بيعة السفياني للمهدي (ع) ، واتخاذه معه موقف الملاينة ،إنما هو نتيجة للخسف بجيشه .

وأما نقاط الضعف في تلك الأخبار ، أعني الدالة على تأخر الخسف عن الظهور :

النقطة الأولى : معارضة هذه الأخبار مع الأخبار الدالة بصراحة على وقوع الخسف قبل الظهور.

منها : ما رويناه في التاريخ السابق (1) عن غيبة النعماني عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :

من المحتوم الذي لا بد منه أن يكون قبل قيام القائم : خروج السفياني وخسف بالبيداء .

وفي خبر آخر عنه  (ع) ... قال الراوي :قلت له :ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى .قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي .إلى أن قال  : والخسف في البيداء .

وهذا الأمر تعبير عن الظهور .  وبين يديه يعني قبله.

وفي خبر آخر عنه (ع) : "للقائم خمس علامات ،وعد منها : الخسف في البيداء .

أقول : و العلامة لا تكون إلا سابقة على الظهور ، كما هو واضح .

النقطة الثانية: معارضة هذه الأخبار بما دل من الأخبار بأن الخسف يحصل من اجل رجل او جماعة لاعدد لهم ولاعدة .إذ من الواضح أن الإمام المهدي (ع) بمجرد ظهوره سيكون له عدد وعدة ، لا تقل عن عشرة آلاف جندي.

أخرج مسلم (2) : أن رسول الله (ص)  قال:

"سيعوذ بهذا البيت  قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولاعدة ، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم "أقول : وهذه صفة المهدي (ع) بل الظهور .


صفحة (305)

ـــــــــــــــــ

(1) انظرالأخبار الثلاثة في تاريخ الغيبة الكبرى ص600

(2) انظر الصحيح ج8 ص167

 

النقطة الثالثة :

معارضة هذه الأخبار بما دل من الأخبار المطولة الدالة على تفاصيل الحوادث ، والتي تنص على حدوث الخيف قبل الظهور .

أخرج النعماني في الغيبة (1) بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث طويل قول فيه:

ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكة . فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة ، فيبعث جشاً في أثره فلا يدركه حتى دخل مكة خائفاً يترقب على سنة موسى بن عمران .قال: وينزل أمير جيش السفياني بالبيداء. فينادي مناد من السماء : يا بيداء أبيدي القوم ، فيخسف بهم ...قال: والقائم يومئذ بمكة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً ..الخ الحديث الذي يستمر في نقل خطبته (ع) .

وأخرجه المجلسي في البحار(2).وهو واضح – على الأقل ـ عدم تأخر الخسف عن الظهور .

ومع وجود هذه الروايات  تكون الأخبار الدالة على تأخر الخسف عن الظهور ، ساقطة عن قابلية الإثبات في هذه الجهة . ولكننا مع ذلك لن نخسر نقاط القوة السابقة التي ذكرناها لها .

أما النقطة الأولى : فلأن عزم السفياني على قتل المهدي (ع) لن يكون بصفته مهدياً ،بل بصفة أخرى يشعر معها السفياني بأن المهدي بتلك الصفة شخص متمرد عليه ثائرعلى نظامه ، فينبغي الإجهاز عليه .

وهذا الوضع طبيعي وواضح ، من موقف الإنحراف تجاه الحق وأهله دائما .ولا يلزم من ذلك ان المهدي (ع)  حال غيبته يكون قد قام بحركة واسعة ضد السفياني ....  ذلك مخالف لفكرة غيبته .إلا أن نفس وجود المهدي (ع)  بالصفة الأخرى هادياً للناس يثير حقد  السفياني ضده وتخيله بالتمرد عليه .


صفحة (306)

ـــــــــــــــــ

(1) ص149 وما بعدها  

(2) ص146 ج13

 

وأما النقطة الثانية : قد سبق أن بحثناها مفصلاً .وعرفنا ان السفياني لن يعرف المهدي (ع) بصفته الحقيقية، بـ(شخصيته الثانية) التي يتصف بها في ذلك العصر من عصور غيبته .

وأما النقطة الثالثة : فباعتبار أنه من الواضح أن كون الخسف معجزة صريحة ، وعلنية تقع إلى جانب المهدي(ع) فتثبت عدالة دعوته ،لا يفرق الحال فيه بين أن يكون الخسف متأخرا عن الظهور بأيام أو متقدماً عليه بأيام .

فإن تقدمه على الظهور يكشف للناس: أن هذا الذي وقع الخسف من أجله ، هو المهدي (ع) ، وهذه المعجزة تشارك في إثبات حصانته عن الكذب والتزوير ، عند إلقاء الخطبة وأخذ البيعة ، وإلى نهاية الخط .

( الجهة الثالثة والرابعة الخامسة حذفت من المسودة )


صفحة (307)
 

الباب الثاني

(من القسم الثاني للكتاب )

فتح العالم بالعدل

وهو على عدة فصول

الفصل الأول

نقطة الإنطلاق إلى العالم

 

و نتكلم في هذا الفصل ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الدالة على ذلك :

ستكون نقطة الإنطلاق إلى فتح العالم هي الكوفة من العراق على وجه التعيين ، وستكون في المدى القريب عاصمة الدولة العالمية المهدوية العادلة .

والمراد بالكوفة وكما عرفنا . المنطقة التي تشمل النجف أيضاً ، باعتبار أن تجاورهما أرضاً وبناءً ، يجعلهما كالمدينة الواحدة .ومن هنا جاءت الأخبار لتسمي الكوفة تارة والنجف أخرى . وكلا  القسمين يرجع إلى معنى واحد:

روى القندوزي في الينابيع(1) عن كتاب فضل الكوفة لمحمد بن علي العلوي ، بسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله (ص) : يملك المهدي أمر الناس سبعاً أو عشراً . أسعد الناس به أهل الكوفة .

 وروى ابن الصباغ في الفصول المهمة (2) عن أبي جعفر (ع) –  في حديث طويل  –  قال: إذا قام (ع) سار إلى الكوفة فوسع مساجدها ..  الخ الرواية .

 

صفحة (311)

ـــــــــــــــــ

(1) ينابيع المودة ص531

(2) الفصول المهمة ص321

 

وروى المفيد في الإرشاد(1) عم أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (ع) ، قال:

كأني بالقائم (ع) على نجف الكوفة ، فد سار إليها من مكة في خمسة الآف من الملائكة . جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والمؤمنون بين يديه ،وهو يفرق الجنود في البلاد .

وفي رواية عن عمر بن شمر عن أي جعفر (ع) . قال : ذكر المهدي فقال :

يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت ، فتصفو له . ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب ، فلا يدري الناس ما يقول ، من البكاء .

فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة .فيأمر أن يخط له مسجد على الغري ويصلي بهم هناك ... الحديث .ورواه الطبرسي(2) أيضاً بنفس النص .

ورواه الشيخ في الغبة (3) عن عمر بن ثابت عن ابيه عن أبي جعفر (ع) وساق الحديث إلى قوله :

ولا يدري الناس ما يقول من البكاء وقال فيه : فإذا كانت الجمعة الثانية ، قال الناس : يابن رسول الله  الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله (ص) والمسجد لا يسعنا . فيقول أنا مرتاد لكم . فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس .

وأخرج الشيخ أيضاً (4) بسنده عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر(ع) قال:

إذا دخل القائم الكوفة ، لم يبق مؤمن إلا وهو بها أو يجيء إليها .

وهو قول أمير المؤمنين (ع) . وقول لأصحابه : سيروا بنا إلى هذا الطاغية ، فيسيروا إليه .

وأخرج أيضاً(5) بسنده عن صالح بن أبي الأسود عن ابي عبد الله (ع) قال: ذكر مسجد السهلة ،فقال له :اما أنه منزل صاحبنا إذا قدم باهله .


صفحة (312)

ـــــــــــــــــ

(1) ص341 وكذلك الحديث الذي بعده .

(2) أعلام الورى للطبرسي ص430.

(3) ص281.  (4) ص275.

(5) ص282.

 

وروى المجلسي في البحار(1) عن السيد علي بن الحميد في كتاب الأنوار المضيئة بإسناده إلى أحمد بن محمد الأبادي يرفعه إلى اسحق بن عمار قال :

سألته عن أنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه فقال : إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.  قال : الوقت المعلوم يوم قام القائم . فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة ... الخ الخبر .

وروى أيضاً(2) عن بعض مؤلفات أصحابنا بإستاده عن المفضل بن عمر ، قال سألت سيدي الصادق (ع) :

هل للمأمور(3) المنتظر من وقت موقت يعلمه الناس – والحديث طويل إلى عدة صفحات ، يقول فيه – قال المفضل : قلت : يا سيدي ، فإين يكون دار المهدي ويجتمع (مجمع) المؤمنين . قال :دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها . وبيت ماله مقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة . وموضع خلواته الذكورات البيض بين الغريين . قال المفضل : يا مولاي ، كل المؤمنين يكونون بالكوفة ؟ قال : أي والله ، لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها . وليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم ... الخ الخبر .

وهناك عدد من الأخبارعن منجزات الإمام المهدي (ع) في الكوفة ، سيأتي الحديث عنها عند عرض نظام دولته(ع). 

وذكر الشبلنجي في نور الإبصار(4) عدة فوائد بعد إيراده لأخبار المهدي (ع) وقال : الخامسة أنه بعد أن تعقد له البيعة بمكة يسير منها إلى الكوفة وثم يفرق الجند إلى الأمصار .

اقول : التعبير في الأخبار بالنجف ونجف الكوفة ، والغري ، والذكوات ، البيض بين الغريين ، كلها تعبيرات عن منطقة واحدة هي مدينة النجف الأشرف الحالية ، التي فيها مرقد الإمام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام .

 

صفحة (313)

ـــــــــــــــــ

(1) البحار،  ص197 ج13.

(2) المصدر : يبدأ هذا الخبر المطول ،  ص200 ج13 وما نقلناه موجود ، ص203 .

(3) لعلها : المامول.

ومسجد (السهلة) أحد مساجد الكوفة يبعد عنها إلى جه الشمال نحو كيلو متر واحد . بناه أحد أصحاب الإمام أميرالمؤمنين (ع) و ويحتوي على عدة نقاط ، روى أنها موضع صلاة عدد من الأنبياء والأولياء  والظاهر أن أول من قام بتحديدها هو السيد مهدي بحر العلوم من أبرز علماء الإمامية في القرن الثاني عشر الهجري . وهو أعلم ما قال وفعل .

منها: الموضع الذي يعرف مقام المهدي (ع) . الذي يروي أ ن الإمام المهدي (ع) صلى فيه ركعتين في بعض عصور غيبته .

وأما (جامع الكوفة) الكبير الذي كان مركز قضاء الإمام أمير المؤمنين (ع) وصلاته وخطبه .وفيه الموضع الذي ضرب فيه ضربته التي توفي عنها ... وكان له في التاريخ الإسلامي أثر كبير ، فهذا الجامع غني عن التعريف .

(الجهة الثانية والجهة الثالثة حذفت من  المسودة )

الجهة الرابعة : هل هذه الروايات قابلة للإثبات بالنسبة إلى الأغراض التي سقناها من أجلها .

دلتنا هذه الروايات على عدة اشياء داخلة في حاجتنا وغرضنا :

أولاً : أن المنطقة الرئيسية لوجود الإمام المهدي (ع) بعد مكة المكرمة هي الكوفة (بالمعنى الشامل للنجف الأشرف).

وقد أصبح هذا المضمون مستفيضاً بل متواتراً ، بعد أن كان مروياً من كلا الفريقين . ويدل عليه هذا المجموع من الروايات . كما تدل عليه الأخبار التي سمعناها لسفر المهدي (ع)  وجيشه إلى الكوفة . و تدل عليه أيضاً مجموعة أخرى  من الأخبار التي تتحدث عن انجازات المهدي (ع)  في الكوفة ، مما أجلنا الحديث عنه .

ثانياً : اجتماع المؤمنين في الكوفة نصرة وتأييداً للإمام (ع) .

وقد دلّ على ذلك عدد من الأخبار ، ذكر أهمها . وهو عدد كاف للإثبات .

ثالثاً : إلقاء المهدي خطاباً أساسياً في مسجد الكوفة .

 

صفحة (314)

 

وهذا  ما دلت عليه روايتان مما سبق روتهما ثلاثة من المصادر الإمامية القديمة . فإذا لاحظنا طبيعة الموقف تقتضي إلقاء هذا الخطاب ، بحيث لو لم يرد له ذكر ، لكان الأنسب عرضه كأطروحة محتملة على أقل تقدير ، فكيف وقد ورد ذكره في الأخبار .إذن ، يكون هذا الخطاب ثابتاً وتاريخياً.

رابعاً : إن الكوفة والعراق على العموم ، محكومة للسفياني ،وإنه يقوم من المهدي (ع) – لأول مرة – موقف المجاملة والملاينة .

وهذا ثابت تاريخياً كما سمعنا من أخبار السفياني السابقة ، وما سيأتي من الأخبار التي تتحدث عن قتاله مع المهدي (ع) ، وإن كانت أخبارنا في هذا الفصل لم تذكر ذلك بوضوح .

خامساً : إن الشعب الكوفي والنجفي سيخضع للمهدي (ع) بسهولة ويؤيده بحرارة .

وهذا واضح من مجموع الروايات ، وقد تحدثت كل منها عن زاوية من نتائجه ... إلى جانب مناسبته مع طبع هذا الشعب وطبع الحوادث .

نعم ، دلت إحدى الروايات أن المهدي (ع) يصلي بالناس صلاة الجمعة .

وهو أمر دلت عليه الروايات ، وتقتضيه القواعد الفقهية الإسلامية أيضا، كما لا يخفى على المطلع .إلا أننا عرفنا أنه لا دليل على شرعة إقامته لهذه الصلاة ...وإن  كان الطلب منه لإقامتها سريعاً ، نتيجة لإندفاع الناس عاطفياً نحو الإمام المهدي (ع) وحبهم له واحترامهم إياه واعتبارهم له الحجة بينهم و بين الله تعالى .

فقد تتأخر إقامتها إلى حين انتهاء بناء المسجد الكبير في النجف بين الغريين .

سابعاً: إن المهدي (ع) يبدأ بغزو العالم انطلاقاً من الكوفة ، وذلك بإرسال السرايا وبث الجيوش المتكاملة للقيام بهذه المهمة .

وقد عرفنا ذلك تاريخياً ، بعد وروده في مصادر كلا الفريقين . حتى اعتبره الشبلنجي أصلاً مسلماً ، كما عرفنا .

مضافاً إلى اقتضاء طبع الحوادث له ، من حيث الحصول على القوة الكافية لهذا الهدف يومئذ وعدم حصولها قبل ذلك .وخاصة بعد سيطرته على حكم البلاد على وجه العموم ،وأما تأجيلها أكثر من ذلك فهو بلا موجب بعد حصول القوة الكافية ،ووجود الضمانات الكافية للإنتصار التي سنسمعها عما قريب .

هذه هي أهم الأمور التي أردنا التعرف عليها في هذا الفصل .

 

صفحة (315)

 الفصل الثاني

في مقدار سعة ملكه وشموله لكل العالم

 

ونتكلم عن ذلك ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى : في سرد الروايات الدالة على ذلك . والروايات المندرجة تحت هذا العنوان على أقسام :

القسم الأول: ما يتكفل بيان ذلك بصراحة :

أخرج أبو داوود (1) بسنده عن أم سلمة عن النبي (ص) قال:

يكون اختلاف عند موت خليفة ...إلى أن قال : فيقسم المال وعمل في الناس بسنة نبيهم (ص) ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض .

وأخرج أيضاً (2) عن أبي هريرة عن النبي (ص) في حديث أنه قال :

ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام .

وأخرج القندوزي(3)  عن زرارة قال : سئل الباقر رضي الله عنه ، عن قوله تعالى :

(قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم  كافة (4) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)(5).

 

صفحة (317)

ـــــــــــــــــ

(1) انظر السنن ج2 ص423.   (2) المصدر ص432.

(3) ينابيع المودة ص705.      (4) 9/26.

(5) 8/39.

 

قال : لم يجيء تأويل هذه الآية . وإذا قام قائمنا بعد ، يرى من يدركه  ، ما يكون من تأويل هذه الآية . وليبلغن دين محمد (ص) ما بلغ الليل والنهار ، حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض ، كما قال الله عز وجل. وعن عباب بن ربعي(1) قال :

قال أمير المؤمنين على كرم الله وجهه ، في هذ الاية : والذي نفسي بيده ، لا تبقى قرية إلا نودي  فيها بشهادة أن لاإله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، بكرة وعشياً .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(2) في الحديث المسند عن النبي (ص) في كلام منقول عن الله تعالى يقول فيه: لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ولأطهّرن الأرض بآخرهم – يعني آخر الأئمة المعصومين عليهم السلام – من أعدائي ولأملكنهم مشارق الأرض ومغاربها .... حتى يعلن دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي ...الخ الحديث.

وأخرج أيضاً(3) عن محمد بن مسلم الثقفي قال : سمعت : أبا جعفر محمد بن علي الباقر(ع) يقول:

القائم منا... يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ويظهر الله عز وجل به دينه ،على الدين كله ولو كره الكافرون. ولا يبقى في الأرض خراب إلا عمر ... الخ الحديث .

وما أخرجه المفيد في الإرشاد (4) في حديث عن القائم(ع) ،قال: ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان .أما سمعت قول الله سبحانه ." وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون "(5) ... الحديث

 

صفحة (308)

ـــــــــــــــــ

(1) ينابيع المودة ص 508 ط النجف .   (2) انظر الإكمال المخطوط .

(3) المصدر المخطوط.                    (4) ص243.

(5) آل عمران : 3/83 .

 

وأخرج المجلسي في البحار(1) عن المفضل بن عمر : قال الصادق (ع): كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة ، وحوله أحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، عدة أهل بدر. وهم أصحاب الأولوية ، وهم حكام الله في أرضه على خلقه.

وفي حديث آخر (2) عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال :

كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين .ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم .

إلى أخبار أخرى مشابهة .

القسم الثاني : ما دلّ من الأخبار على أن المهدي (ع)  يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .

وهو خبر متواتر، كما سبق أن عرفنا أخرجته الصحاح  العامة والحفاظ وأجمع  رجال الحديث  من الفريقين على صحته وقد خرجناه في التاريخ السابق(3).

وقد ورد بألفاظ متقاربة وبمناسبات مختلفة . بمعنى أن النبي (ص) وقادة الإسلام (ع) كرروه مراراً ، ولم يقتصروا على المرة والمرتين . ومن هنا كان مجموع النقول واضحة ومتواترة .

والمراد من (الأرض) كل الأرض المعمورة بطبيعة الحال ، إذ لا قرينة على ما دون ذلك .

القسم الثالث : تشبيه المهدي (ع)  بذي القرنين ، في سعة الملك .

 أخرج الصدوق في إكمال الدين(4) عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول :

إن ذي القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله حجة على عباده . إلى أن قال : وإن الله عز وجل سيجري سنته في القائم من ولدي . ويبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى منها موضعاً من سهل ولا جبل وطأه ذو القرنين إلا وطأه .. يملأ  الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً .


صفحة (319)

ـــــــــــــــــ

(1) بجار الانوارج 13 ص 184.  (2) المصدر ص185.

(3) انظر ص281.                 (4) اكمال الدين المخطوط .

وأخرجه الطبرسي في إعلام الورى(1) .

القسم الرابع : سيطرته على أقاليم الأرض جميعاً .

أخرج النعماني  في الغيبة بسنده (2) عن ابي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي (ع) يقول :

لو قد خرج قائم آل محمد (ع) ... إلى أن قال  : يفتح الله له الروم والصين والترك والديلم و السند والهند وكابل شاه والخزر .

واخرج الطبرسي(3) عن ابي بصير عن أبي جعفر (ع) في حديث عن القائم (ع) ، قال :

ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم ... الحديث .

ويندرج في هذا القسم ما ورد من توزيع المهدي (ع) أصحابه حكاماً على اقاليم الأرض ، كما سوف يأتي في الحديث عن الشكل الإداري للدولة العالمية .

وهذه الأخبار بأقسامها الأربعة متواترة قطعة الصدق بالنسبة إلى المطلوب وهو : عالمية الدولة المهدوية. وخاصة إذا التفتنا إلى أن نتيجة التخطيط الإلهي العام تقتضي ذلك بعينه ، كما سنذكر في الجهة الآتية .

وسنحاول فهم تفاصيل هذه الأخبار بعد الحديث عن التخطيط الإلهي.

الجهة الثانية : اقتضاء التخطيط الإلهي العام عالمية الدعوة المهدوية .

سبق ان ذكرنا في هذا التاريخ ، والذي قبله(4) انه يمكن أن ننطلق من قوله تعالى :

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"(5)  .     

 

صفحة (320)

ـــــــــــــــــ

(1) ص413.   (2) ص122-123.

(3) ص432.   (4) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص34.

(5) 51/ 56.

 

وآيات كريمة اخرى في القرآن ، إلى الإستدلال على أن هدف وجود الخليقة عموماً إنما هو العبادة بمعناها الكامل الشامل الدقيق ، وهو تطبيق العدل الكامل على الفرد و المجموع ، المتمثل بتفاصيل أوامر الله ونواهيه وارشاداته بدقائقها على كل الخليقة : الإنس و الجن .

 وقد عرفنا ، فيما يخص الإنس أو البشرية ، أنها عاشت حقباً طويلاً من الدهر في التخطيط التربوي العام لها، لأجل تحقيق شرائط هذا الهدف  وإيجاد المستوى اللائق به في المجتمع البشري .

وكان القائد الكبير المذخور لتحقيق هذا الهدف الكبير هو الإمام المهدي الموعود عليه السلام .وهو الذي بشرت به الأديان ونادى به الإسلام . باعتبار أن كل الأديان السماوية بما فيها الإسلام ، إنما كانت واقعة في طريق ذلك الهدف الكبير ، ومن ثم لتحقيق شرائط قيادة المهدي (ع) ووجود دولته العالمية .

ومن ثم يتضح بجلاء ، ان عمل المهدي (ع) وقيادته وأهدافه في البشرية هي الأهداف التي أرادها الله تعالى لخليقته من حين وجودها ، وهي نتيجة جهود الأنبياء والأولياء والصالحين جميعاً . وهي تطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة في ربوع المجتمع الإنساني (الإنس) كلهم ، على ما نطقت به الآية الكريمة .

ولا يمكن أن يكون هذا الهدف ضيقاً أو مقتصراً على قوم دون قوم أو مجتمع أو دولة دون دولة ...فإن نسبة البشرية إلى الخالق الحكيم وإلى الأهداف التي توخاها في خليقته ، نسبة واحدة متساوية ، إذن فالهدف يجب أن يكون عاماً شاملاً ، وبشرياً بكل ما في هذه الكلمة من سعة وشمول .

إذن ، فمن الطبيعي ان نفهم من الآية الكريمة نفسها كأن دولة الإمام المهدي (ع) ستكون شاملة للإنس كلهم وللمجتمع والبشرية كلها.

ولسنا الآن في حاجة إلى إعطاء التفاصيل لهذا التخطيط العام ، بعد الذي عرفه قارىء الموسوعة ، وما سوف يأتي في الكتاب الآتي تفصيل عميق لهذا التخطيط.

الجهة الثالثة : في إعطاء بعض الملحوظات التي تساعد على فهم الروايات السابقة .

الملحوظة الأولى : روايات القسم الأول التي سمعنا ، صريحة في عالمية الدولة المهدوية . كقوله: وليبلغن دين محمد (ص)  ما بلغ الليل والنهار ، حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض .

 

صفحة (321)

 

ولا تبقى قرية إلا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بكرة وعشياً .

والقرية هي كل منطقة مسكونة وقد ورد في الرواية طبقاً للفهم القرآني حين يقول :

"ذلك من أنباء الغيب نقصه عليك منها قائم وحصيد "(1)  .

والمقصود من الرواية :أن كل المدن على الإطلاق ، سوف ينادى فيها بالآذان الإسلامي المعهود .

وكذلك قوله : يبلغ سلطانه المشرق والمغرب . وقوله : لأملكنهم مشارق الأرض ومغاربها ....حتى يعلن دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي . إلى غير ذلك .

الملحوظة الثانية : إن عقد المقارنة بين سعة ملك ذي القرنين ، وبين سعة حكم المهدي (ع) ، إنما هو باعتبار أن ذي القرنين أكبر قائد عرفه التاريخ القديم ، وسيكون المهدي أكبر قائد يعرفه التاريخ الحديث . وسيبقى الفرق بين هذين القائدين هو الفرق بين العهدين ،وما يحتويانه من إمكانيات معنوية ومادية .

وليس المراد بهذه المقارنة تشابه المقدار الذي يفتحه المهدي (ع)  مع المقدار الذي فتحه ذو القرنين ، ليخطر على البال : أن ملك المهدي لا يزيد على ذلك ولا يستوعب العالم كله ،لأن ذا القرنين لم يستوعب بملكه العالم كله على أي حال .

أن النصوص التي سمعناها في الملحوظة الأولى ، صريحة في عالمية الدولة العالمية ، مضافاً إلى اقتضاء التخطيط الإلهي العام لذلك ، فتكون قرينة على أن المراد من التشبيه هو مجرد السعة والشمول دون التحديد .

وليس في الرواية دلالة على الإنحصار . فإنها قالت : حتى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً وطأه ذو القرنين إلا وطأه وهذا صادق مع استيعاب الحكم المهدوي للعالم ، فإن مناطق "ذي القرنين" تقع "ضمن الحكم المهدوي" بطبيعة الحال .

فالتحديد المروي يعني أن المهدي (ع) لا يطأ أي لا يفتح مقداراً أقل من ذلك ، بل يفتح هذا المقدار الذي فتحه ذو القرنين . وقد يزيد المهدي (ع) على ذلك بكثير . وليس في الرواية ما يدل على نفي ذلك ، فإذا دل على هذه الزيادة دليل كاف كالروايات من القسم الأول والتخطيط العام ،كانت عالمية الدولة المهدوية أمراً ثابتاً ، بل قطعياً .


صفحة (322)

ـــــــــــــــــ

(1) هود : 11 / 100

الملحوظة الثالثة : نصت روايات القسم الرابع على أسماء بقاع معينة في العالم يستولي عليها الإمام المهدي (ع) ضمن دولته العالمية ، وهي – بلسان كلا الروايتين – : الروم والصين والديلم والترك والسند والهند والقسطنطينية وكابل شاه والخزر .

وهذا أكبر استيعاب ممكن لمناطق العالم  ، بحسب مستوى الفهم العام للمجتمع حال صدور هذه النصوص ، الفهم الذي لم يكن ليساعد على تعداد ماهو أكثر من ذلك .

وفي الحقيقة . أن هذه المناطق إنما ذكرت لإعطاء الإنطباع عن سعة فتح الإمام المهدي (ع) ودولته .... وسيقت كامثلة لذلك لا على وجه التعيين . ومعه فيمكن استفادة فهم الإنحصار  بهذه المذكورة .وكيف يمكن فهم الإنحصار مع قيام الدليل القطعي الذي عرفناه على خلافه .

ومن هذه الأمثلة نعرف سعة حكم المهدي (ع)  على ذي القرنين ، فإن المعروف أن ذي القرنين لم يحكم الصين ولا الروم(1) ، وإنما حاربهم . على حين أن المهدي سوف يسيطر على ذلك سيطرة تامة .

والمراد بالروم في الرواية ، طبقاً للفهم المعاصر لصدورها ، معناه الشامل للإفرنج كلهم أعني أوروبا عموما ، وقد يشمل قادة أمريكا أيضاً .لا أنهم من عنصر بشري مشابه ، أي أنهم من الإفرنج بالمعنى العام.

والمراد بالصين المنطقة المعروفة في شرق آسيا.... الشاملة للقسم المحكوم للشيوعيين اليوم والقسم المحكوم لأمريكا وللصين الوطنية ، والشامل لليابان أيضاً .

والمراد بالديلم أو جبال الديلم ، المناطق التي تقع الآن في "جنوب الإتحاد السوفيتي" والتي تحتوي على أكثرية مسلمة .فإن نسبة الديالمة في التاريخ إلى تلك المنطقة . وقد تسمى بمنطقة ما وراء النهر في بعض التواريخ .

وأما الهند فمعروفة ، إلا أن  المقصود منها ما يشمل باكستان أيضاً ، لكونهم مما يصدق عليهم اسم الهند لغة بطبيعة الحال .

وأما السند فالمراد به ما يسمى اليوم بجنوب شرقي آسيا ، بما فيها اندونيسيا وفيتنام ولاوس وغيرها .


صفحة (323)

ـــــــــــــــــ

(1) اعني الجزء الغربي من اوروبا ، فان الجزء الشرقي منها دخل تحت حكم ذي القرنين 

 

والمراد بالقسطنطينية ، مدينة استانبول ، التي هي الجزء الأوروبي من تركيا . وهي ترد - عادة – في لسان الروايات كأقوى مدينة في العالم القديم ، بحيث يكون فتحها نقطة استراتيجية مهمة في حركة القيادة العالمية، وإنما تكتسب أهميتها باعتبارها إحدى المداخل الرئيسية لأوروبا الشرقية .

ومن هذا المنطلق ورد التبشير في الروايات بشمول الفتح الإسلامي للقسطنطينية ، وبات منتظراً عدة قرون ، حتى تحقق على يد "العثمانيين" وبذلك اكتسبوا  أهمية كبيرة بصفتهم المطبقين لذلك التبشير الإسلامي ، وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق (1) وسيفتحها المهدي (ع) مرة أخرى.

وكابل شاه ، هي عاصمة مملكة الأفغان الحالية . وفتحها يعني فتح المنطقة كلها بطبيعة الحال وشهرتها على (كابل) وأضيفت إلى الشاه أما باعتبار أنها الأسم القديم لها ، أو باعتبار عاصمة دولة ملكية ..والشاه هو الملك عندهم.