القسم الثالث


العالم بعد المهدي (ع)

وهو ينقسم إلى بابين :

الباب الأول

قيادة ما بعد المهدي (ع)

من حيث خصائص الدولة والمجتمع

       ونتكلم عن ذلك في فصل واحد ذو عدة عناوين داخلية :


قيادة ما
بعد المهدي
 

وأعني به نوعية الحاكم الأعلى الذي يتولى رئاسة الدولة العالمية العادلة بعده.

ونوجه بهذا الصدد أطروحتين رئيسيتين:

الأطروحة الأولى : القول بالرجعة ، أي الإلتزام برجوع الأئمة المعصومين إلى الدنيا ليمارسوا  الحكم بعد المهدي.

الأطروحة الثانية : حكم الأولياء الصالحين بعد المهدي (ع) .

وقد ورد في إثبات كل من الأطروحتين عدد من الأخبار، لا بد من سماع المهم منها ، وعرضها على القواعد والقرائن العامة ، لنختار في النهاية إحدى الأطروحتين .

القول بالرجعة:

حين ننظر إلى المفهوم على سعته ، يحتمل أن يكون له أحد عدة معان :

المعنى الأول: ظهور المهدي نفسه ،فإنه قد يصطلح عليه بالرجعة ، باعتبار رجوعه إلى الناس بعد الغيبة ،أو باعتبار رجوع العالم إلى الحق والعدل بعد الإنحراف .

وهذا المعنى حق صحيح ، إلا أن اصطلاح الرجعة عليه غير صحيح ، لأنه يوهم المعاني الاخرى الآتية التي هي محل الجدل والنقاش ،ونحن في غنى عن هذا الإصطلاح  بعد إمكان التعبير عن ظهور المهدي بمختلف التعابير ،وقد مشينا في هذا الكتاب على تسميته ( بالظهور).

المعنى الثاني : رجوع بعض الأموات إلى الدنيا ، وإن لم يكونوا من الأئمة المعصومين .وخاصة من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً.

 

صفحة (629)


المعنى الثالث : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) كأمير المؤمنين علي والحسين ،وربما قيل برجوع النبي أيضاً .وهو يرجعون على شكل يختلف عن حال وجودهم الأول في الدنيا من حيث الترتيب ومن حيث الفترة الزمنية أيضاً .

المعنى الرابع :رجوع كل الأئمة (ع) بشكل عكسي ، ضد الترتيب الذي كانوا عليه في الدنيا ، فبعد المهدي يظهر أبوه الإمام الحسن العسكري وبعده يظهر أبوه الإمام علي الهادي وهكذا .

ويمارسون الحكم في الدنيا ما شاء الله تعالى حتى إذا وصل الحكم إلى أمير المؤمنين كان هو دابة الأرض ، وكانت نهاية البشرية بعد موته بأربعين يوماً.

والمعنيان الأخيران، قائمان على الفهم الإمامي للإسلام كما هو واضح .كما أن المعاني الثلاثة الأخيرة التي وقعت محل الجدل والنقاش في الفكر الإسلامي.

وينبغي لنا أولاً :أن نسرد الأخبار الدالة على ذلك ،ونحن نختار نماذج مهمة ولا نقصد الإستيعاب .

أخرج المجلسي في البحار(1) بالإسناد عن محمد بن مسلم قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعاً – قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث-  أنهما سمعا أبا عبد الله (ع) يقول:

أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .وإن الرجعة ليست بعامة ،وهي خاصة ، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً.

وبهذا الإسناد عن بكر بن أعين ، قال: قال لي من لا أشك فيه ، يعني أبا جعفر(ع) : أن رسول الله (ص) وعلياً سيرجعان.

" ويوم نحشر من كل أمة فوجاَ" فقال : ليس أحداً من المؤمنين قتل إلا وسيرجع حتى يموت ،ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل .


صفحة (630)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) البحار :ج13 ص210 وكذلك الأخبار الثلاثة التي بعده.

 

وفي رواية أخرى عنه (ع)  يقول فيها: فلم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا ردهم جميعاً إلى الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي على بن ابي طالب أمير المؤمني(ع).

وفي رواية أخرى(1) عن حمران عن أبي جعفر ، قال:

إن أول من يرجع لجاركم الحسين (ع) ، فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر.

وعن أبي بصير(2) عن أبي عبدالله (ع) ، قال:

انتهى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وهو نائم في المسجد، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه. فحركه برجله ثم قال : قم يادابة الله . فقال رجل من أصحابه : يارسول الله ، أنسمي بعضنا بعضاً بهذا الإسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ،وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه :" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ،أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(3)

 ثم قال : ياعلي ، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة  ومعك ميسم تسم به أعدائك ...إلى أن قال :فقال الرجل لأبي عبد الله (ع) : إن العامة تزعم أن قوله :" ويوم  نحشر من كل أمة فوجاً "(4) عنى في القيامة، فقال أبو عبد الله(ع) فيحشر الله يوم القيامة من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا . ولكنه في الرجعة ، وأما آية القيامة "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً "(5).

وعن(6) الحسن بن الجهم ، قال: قال المأمون للرضا  (ع) : يا أبا الحسن ما تقول في الرجعة ؟ فقال:

إنها الحق ، قد كانت في الأمم السالفة ونطق بها القرآن .


صفحة (631)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) المصدر : ص211.  (2) المصدر ص213.

(3) 27/82.             (4) 27/83.

(5) 18/47.             (6) البحار13ص214.

وقد قال: رسول الله (ص) : يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة. وقال (ع) إذا خرج المهدي من ولدي ، نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه . وقال (ع) :إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ، فطوبى للغرباء . قيل : يارسول الله . ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله.

وعن(1) عبد الله بن سنان ، قال: قال أبو عبد الله (ع) قال رسول الله (ص) :

لقد أسري بي ربي عز وجل ، فأوحى إلي من وراء حجاب ما أوحى وكلمني ما كلم به ،وكان مما كلمني به...  يامحمد ، عليّ آخر من أقبض روحه من الأئمة (ع) وهو الدابة التي تكلمهم..... الخبر.

وفي البحار أيضاً(2) عن الإرشاد : روى عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) قال:

إذا آن قيام القائم مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب ، لم تر الخلائق مثله .فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم ،وكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ، ينفضون شعورهم من التراب .

وقال المجلسي بعد سرده للأخبار:

اعلم يا أخي أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت و أوضحت لك في القول بالرجعة التي اجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار .... وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم من مأتي حديث صريح  ، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام ، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم ، ثم عدهم المجلسي واحداً واحداً.

وهذا الكلام من المجلسي يواجه عدة مناقشات:

المناقشة الأولى: أن إجماع الشيعة وضرورة المذاهب عندهم ، لن تثبت على الإطلاق ، بل المسألة عندهم محل الخلاف والكلام على طول الخط . والمتورعون منهم يقولون: أن الرجعة ليست من أصول الدين ولا من  فروعه ولا يجب الإعتقاد بشيء بل يكفي إيكال علمها إلى أهله. فهل في هذا الكلام  - وهو الأكثر شيوعاً – اعتراف بالرجعة.


صفحة (632)
ـــــــــــــــــ
 
 
(1) المصدر : ص217.
  (2) المصدر : ص223.

 

وإنما اعتراف من اعترف بالرجعة وأخذ بها ، نتيجة لهذه الأخبار التي ادعى المجلسي تواترها ، إذاً ، فالرأي العام المتخذ حولها – ولا أقول الإجماع – ناتج من هذه الأخبار، ولا يمكن أن تزيد قيمة الفرع على الأصل.

المناقشة الثانية: أنه من الواضح أن مجرد نقل لرواية لا يعني الإلتزام بمضمونها والتصديق بصحتها ، من قبل الناقل أو الراوي .إذاً فهؤلاء الأربعون الناقلون لهذه الروايات لا يمكن أن نعدهم من المعترفين بالرجعة.

المناقشة الثالثة: أن هؤلاء الرواة الإثنين والأربعون الذين عددهم المجلسي لم يجتمعوا في جيل واحد. فلو رويت أخبار الرجعة من قبل أربعين شخصاً في كل جيل حتى يتصل بزمن المعصومين (ع) ،لكانت أخبار الرجعة متواترة .ولكن يبدو من كلام المجلسي نفسه ،وهو أوسع الناس إطلاعاً في عصره ، أن مجموع الناقلين لأخبار الرجعة من المؤلفين في كل الأجيال الإسلامية إلى حين عصره لا  يعدو  النيف والأربعين راوياً .فلو أخذنا المعدل وهو عملية لا مبرر لها الآن ، لرأينا أنه يعود إلى كل  جيل حوالي أحد عشر مؤلفاً، لأن المجلسي عاش في القرن الحادي عشر الهجري ،وهو عدد لا يكفي للتواتر .

المناقشة الرابعة : إن عدد المؤلفات التي ذكرها المجلسي ، لا تثبت عن مؤلفيها ، أو لم تصلنا عنهم بطريق صحيح مضبوط  ،أو أن روايته عن مؤلفه ضعيفة أساساً .كتفسير علي بن ابراهيم ،وكتب أخرى لا حاجة إلى تعدادها.

المناقشة الخامسة : إن الروايات التي نقلها هؤلاء ، ليست كلها صريحة وواضحة ، وسنعرف عما قليل أنها مشوشة قد لا تدل على الرجعة أصلاً وقد تدل على الرجعة بالمعنى العام المشترك بين الإحتمالات الثلاثة السابقة ،وقد تدل على واحد منها بعينه وتنفي الإحتمالات  الأخرى .وهكذا.

إذاً فالتواتر المدعى ليس له مدلول معين ، ومعنى ذلك: أن الأخبار لم تتواتر على مدلول بعينه. وسنحاول إيضاح هذه النقطة أكثر.

ومعه، فكلام المجلسي يحتوي على شيء من المبالغة في الإثبات على أقل تقدير وأما مناقشات مداليل الأخبار، فنشير إلى المهم منها:

المناقشة الأولى : عدم اتحاد الأخبار بالمضمون . فإن مداليلها مختلفة اختلافاً شديداً . حتى لا يكاد يشترك خبران على مدلول واحد تقريباً .

 

صفحة (633)
 

والمداليل التي تعرب عنها الأخبار عديدة :

المدلول الأول: رجوع من محض الإيمان محضاً ورجوع من محض الكفر محضاً.

المدلول الثاني: رجوع كل مؤمن على الإطلاق .لأنه إن كان قد مات فهو يرجع ليقتل ،وإن كان قد قتل فيرجع ليموت.

المدلول الثالث : رجوع الأنبياء جميعاً.

المدلول الرابع : رجوع رسول الله (ص) .

المدلول الخامس: رجوع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

المدلول السادس : رجوع الحسين بن علي (ع).

المدلول السابع: رجوع جماعة من كل أمة.

المدلول الثامن: رجوع عدد من المؤمنين في الجملة.

المدلول التاسع : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) إجمالاً.

المدلول العاشر: رجوع الحق إلى أهله ،وهو ليس قولاً بالرجعة كما عرفنا.

وليس شيء من هذه المداليل متواتر في الأخبار بكل تأكيد .

نعم، هناك مدلول مشترك إجمالي بين الأخبار الدالة على المداليل التسعة الأولى .

وهو رجوع بعض الأموات إجمالاً إلى الدنيا قبل يوم القيامة.وهو ما تتسالم عليه كثير من الأخبار . ومن هنا يكون قابلاً للإثبات ، إلا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ، على ما سنقول.

المناقشة الثانية : إن الإلتزام بصحة المداليل التسعة جميعاً ، أي القول بصحة الرجعة على إطلاقها ،مما لا يمكن ، لضعف الأخبار الدالة على كثير منها .وأما الإلتزام بها إجمالاً ، بالمعنى الذي أشرنا إليه، فهو لا ينفع القائلين بالرجعة ، لأن القول بالرجعة من الناحية الرسمية يتضمن أحد المعاني الثلاثة التي ذكرناها في أول الفصل . وهذا المعنى الإجمالي لا يعني واحداً منها . بل ينسجم مع افتراضات أخرى كما هو واضح .

فهي لا تتعين في حدوثها بعد وفاة المهدي (ع) مباشرة ، ولا أنها على نطاق واسع.

ولا تتعين في أحد المعصومين (ع) ولا من محض الإيمان محضاً ،ولا غير ذلك.


صفحة (634)
 

نعم، هناك مداليل تتكرر في الأخبار  ،واوضحها رجوع الإمام أمير المؤمنين (ع) بصفته دابة الأرض التي نص عليها القرآن االكريم .إن هذه المداليل لا ترد عليها هذه المناقشة ، وهي قابلة للإثبات من زاويتها.

المناقشة الثالثة : إن القول بالرجعة يتخذ سمة عقائدية ، فإنه على تقدير صحته يعتبر أحد العقائد – وإن لم يكن من أصولها ـ وليس هو من الفروع والتشريعات على أي حال .

وقد نص علماء الإسلام بأن العقائد لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحاً ومتعدداً ،ما لم يبلغ حد التواتر، وقد علمنا أن الأخبار في المداليل التسعة والمعاني الثلاثة غير متواترة ، فلا تكون الأخبار قابلة لإثبات أي منها حتى لو كان المضمون متكرراً في  الأخبار ، ما لم يصل إلى حد التواتر.

وأما المضمون الإجمالي المتواتر ، فقد عرفنا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ،وسنزيد هذا إيضاحاً.

المناقشة الرابعة : إن المعنى الأخير من المعاني الأربعة التي ذكرناها أولاً ، وهو رجوع الأئمة المعصومين (ع) بشكل عكسي، لعله من أكثر أشكال الرجعة تقليدية ورسوخاً في الأذهان المعتقدة بها .وقد وجدنا أنه ليس هناك ما يدل عليها على الإطلاق ولا خبر واحد ضعيف بل ليس هناك أي خبر يدل على رجوع جميع الأئمة المعصومين على التعيين ،ولو بشكل مشوش، إلا بحسب إطلاقات أعم منها بكثير ، ككونهم ممن محض الإيمان محضاً.

بل أن هناك ما يدل على نفي هذا المعنى التقليدي ، كقوله في الخبر: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .... فإنه لو صح ذلك لكان أول من يرجع هو الإمام الحسن العسكري (ع) وليس الحسين (ع).

وأما دلالة القرآن الكريم على الرجعة : فإما أن نفهمه على ضوء الأخبار المفسرة له ، وإما أن نفهمه مستقلاً.

أما فهمه على ضوء الأخبار ،وهو باستقلاله غير ظاهر بذلك المعنى ، فهذا لا يعدو قيمة الخبر الدال على هذا الفهم ،ويواجه نفس الإشكالات التي واجهناها في الأخبار .ومن ثم يكون من اللازم الإستقلال في فهم الآيات.

وإذا نظرنا إلى الآيات المذكورة للرجعة ،وجدنا لكل منها معنى مستقلاً لا يمت إلى الرجعة بصلة ، حتى بذلك المعنى الإجمالي العام، أي أنها لا تدل على إحياء بعض الموتى قبل يوم القيامة ،ولا أقل من احتمال ذلك المسقط  لها عن الإستدلال عن الرجعة.

 

صفحة (635)
 

وقد استدل البعض بأكثر من ثلاثين آية في هذا الصدد ،وهو تطرف ومبالغة في الإستدلال بكل تأكيد ،وإنما نود أن نشيرهنا إلى ثلاث لآيات فقط تعتبر هي الأهم بهذا الصدد ، لنرى مقدار دلالتها على الرجعة:

الآية الأولى : قوله تعالى: " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ، فاعترفنا بذنوبنا ، فهل إلى خروج من سبيل "(1).

وطريقة فهم الرجعة منها :أن الآية تشير إلى حياتين وموتين للناس .ونحن لا نعرف إلا حياة واحداً وموتاً واحد، فأين الثاني منهما؟ وجوابه :إن ذلك إنما يكون في الرجعة فإنها تتضمن حياة ثانية وموتاً بعدها ، فإذا أضفناها إلى الحياة المعاصرة والموت الذي  يليها ، كان المجموع اثنين اثنين.

غير ان هذا الفهم إنما يكون صحيحاً  بأحد أسلوبين:

الأسلوب الأول: أن تصح الأخبار الدالة عليه .وقد عرفنا مناقاشاتها.

الأسلوب الثاني : أن يكون فهماً منحصراً ، بحيث لا يوجد مثله أو أظهر منه في سياق الآية، فإن وجد ذلك ، لم يكن الإعتماد على هذا الفهم.

وهذه الآية تتضمن معاني محتملة غير الرجعة.

المعنى الأول: أن يكون الموت يشير إلى ما قبل الميلاد ، حال وجود النطفة مثلاً.

وأن تكون الحياة الثانية هي الحياة في يوم القيامة.فإذا أضفناها إلى الحياة والموت المعهودين كانا كما قالت الآية الكريمة.

المعنى الثاني: أن يكون المشار إليه. هو حياة وموت آخر يكون في عالم البرزخ أي ان الميت يحيى بعد موته إلى عهد قريب من يوم القامة. ثم يموت بنفخة الصور الأولى حين يصعق من في السموات والأرض، وأما الأحياء ليوم القيامة فهو زمن التكلم وكأنه غير داخل في الحساب .


صفحة (636)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) 40/11
 

إلى معاني أخرى محتملة ، ولعل أكثرها ظهوراً هو المعنى الأول ، دون معنى الرجعة والمعاني الأخرى .فلا تكون الآية دالة على الرجعة بحال.

ولعل أوضح ما يقرب المعنى الأول الرجعة ، هو أن المعنى الأول عام لكل الناس ، والرجعة خاصة ببعضهم، وظهور الاية هو العموم.

الآية الثانية : قوله تعالى : "ويوم نحشر من كل امة فوجاً"(1).

وقد أشار أحد الأخبار التي سمعناها  إلى طريقة فهم الرجعة من هذه الآية .أن الله تعالى يحشر في يوم القيامة الناس جميعاً ، لا أنه يحشر بعضاً ويدع بعضاً : وهو المشار إليه في قوله تعالى " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً"، إذاً فهي لا  تشير إلى حشر يوم القيامة،وإنما تشير إلى حشر آخر هو الحشر في الرجعة.  وإنما سمي حشراً باعتبار أنه يتضمن الحياة بعد الموت لجماعات كثيرة ، مشابهاً من هذه الجهة لحشر يوم القيامة .

ونحن إذا نظرنا إلى الآية الكريمة باستقلالها ، لن نجدها دالة على الرجعة بحال ولا اقل من احتمال معنى آخر بديل لمعنى الرجعة ، لا تكون الآية دالة عليه أقل من دلالتها على معنى الرجعة.

وهذا المعنى هو الحشر التدريجي .فإن الحشر والحساب في يوم القيامة له أحد أسلوبين محتملين:

الأسلوب الأول: الحشر الدفعي او المجموعي. بمعنى أن يحشر الناس كلهم من أول البشرية إلى آخرها سوية، ويحاسبون على أعمالهم.

وهذا هو المركوز في الأذهان عادة ، غير أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ، وترد عليه بعض المناقشات لسنا الآن في صددها.

الأسلوب الثاني : الحشر التدريجي ، جيلاً بعد جيل أو ديناً بعد، أو مجموعة بعدد معين بعد مجموعة وهكذا. وحتى يتم حساب الدفعة الأولى تحشر الدفعة الثانية وهكذا.


صفحة (637)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) 27 /83

فقد تكون الآية التي نحن بصددها دالة على هذا الأسلوب من الحشر. حيث يقول :" ويوم نحشر من كل أمة فوجاً " . لأن حشر الجيل الواحد يتضمن أن يعود إلى الحياة جماعة من كل مذهب ودين :" من كل أمة" كما كان عليه الحال في الدنيا .وهو لا يريد إهمال الآخرين ، بل هو يشير إلى دفعة واحدة من الحشر التدريجي ،وأما الدفعات الأخرى فيأتي دورها تباعاً .ولن تكون مهملة بدليل قوله تعالى :"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " أي أن الحشر التدريجي سيستوعب في النتيجة كل البشرية من أولها إلى آخرها .
إذا ، فكلتا الآيتين تشير إلى يوم القيامة ،ولا تمت إلى الرجعة بصلة ،ولا أقل من احتمال ذلك بحيث تكون دلالتها على الرجعة غير ظاهرة.
الآية الثالثة :
" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم  أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(1)
وطريقة دلالتها على الرجعة بأحد أسلوبين :
الأسلوب الأول : أن حادثة خروج دابة الأرض تكون عند الرجعة ، فهي تخرج مع الراجعين لتقوم بوظيفتها بينهم .
إلا أن هذا الأسلوب غير صحيح بكل وضوح ، لأن الآية لا تشير إلا إلى خروج دابة الأرض ، وأما أنها تخرج في جيل طبيعي في جيل الرجعة ، فهذا  ما لا تشير إليه الآية إليه بحال.
الأسلوب الثاني : أنها تشير إلى رجعة دابة الأرض نفسها أعني حياتها بعد الموت ، فهي تشير إلى رجعة شخص واحد لا أكثر. وإذا أمكن ذلك في شخص أمكن في عديدين .
وهذا يتوقف على أن نفهم من"دابة الأرض" أنه إنسان سبق له أن عاش في هذه الحياة .وفي الآية قرينة على بشرية هذه الدابة وهي قوله : "تكلمهم" فإن الكلام يكون من البشر دون غيره .ويتوقف على أن نفهم من قوله "أخرجنا " معنى ؛ : أرجعنا إلى الحياة بعد الموت ، لا أن هذا الإنسان يولد في حينه . 

صفحة (638)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) 27  / 82

 

وقد يجعل قوله تعالى : " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" ، دليلاً على ذلك ، لأن الآية إنما تكون بالرجوع بعد الموت ،وأما لو كان يولد في زمانه ، لما حدثت  الآية ،وقد قامت الأخبار التي سمعنا طرفاً منها ، بتعيين هذا الإنسان بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

والإنصاف أن فكرة الأسلوب الثاني هي المستفادة من الآية الكريمة . فدابة الأرض هو إنسان بعينه ، وقوله أخرجنا دال على الإيجاد غير الطبيعي لا على مجرد الولادة . إذاً، فالآية الكريمة دالة على رجعة هذا الإنسان.

غير أنها لا تدل على أي معنى آخر للرجعة ، لا العام ولا الخاص ،ومن المحتمل بل المؤكد أن هناك مصلحة في حكمة الله تعالى لرجوع دابة الأرض ، لا تتوفر في أي بشري آخر ،ومعه لا يمكن القول بالتعميم منه إلى رجعة أي شخص آخر. ومجرد الإمكان في قدرة الله عز وجل ، وهو مما لا شك فيه ، لا يدل على الوقوع الفعلي.

وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة ،استطعنا أن نستنتج نتيجة أخرى مهمة ، هي التوحيد بين مدلول القرآن ومدلول الأخبار .فإنناعرفنا أن الأخبار لا يمكنها أن تثبت إلا المعنى الإجمالي الذي تواترت الأخبار عليه ،وهو رجوع بعض الأموات إلى الحياة قبل يوم القيامة، بشكل  يناسب أن يكون هذا الراجع واحداً لا أكثر .وهذا صالح للإنطباق على ما دل عليه القرآن الكريم من رجعة دابة الأرض .فإن هذا المعنى الإجمالي لم يثبت انطباقه بدليل كاف إلا على دابة الأرض فيتعين فيه ، بعد ضم الدليلين إلى بعضهما.

ومعه في الإمكان القول: إن المقدار الثابت في السنة الشريفة ، ليس أكثر مما دل عليه القرآن الكريم .كما أن ما دل عليه القرآن الكريم  هو بعينه ما ثبت في السنة.

ومعه ، فلم يثبت أي معنى من معاني الرجعة  ولا احتمالاتها السابقة ،وإنما لا بدلنا كمسلمين ،أن نتعبد بخروج دابة الأرض التي نطق بها القرآن الكريم .وفي الإمكان أن نسمي ذلك بالرجعة إلا أنه على خلاف اصطلاحهم.

فهذا هو نبذة الكلام حول الرجعة.

حكم الأولياء الصالحين:

أخرج الشيخ  في الغيبة(1) بسنده عن ابي حمزة عن أبي عبد الله (ع) – في حديث طويل-  أنه قال :

يا أبا حمزة ، إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً.


صفحة (639)
ـــــــــــــــــ
 
  

(1) ص285

 

وأخرج أيضاً(1) بإسناده إلى جابر الجعفي ، قال:

سمعت أبا جعفر(ع) يقول: والله ليملكن منا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة .قلت: متى يكون ذلك؟ قال: بعد القائم . قلت:وكم يبقى القائم في عالمه .قال:تسع عشر سنة .ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين(ع) ودماء أصحابه ، فيقتل ويسبي ، حتى يخرج السفاح.

وأخرجه  النعماني في الغيبة(2) إلى قوله:

تسع عشر سنة ،إلا أنه قال : ثلاثمئة سنة ويزداد تسعاً.

وأخرج في البحار(3) نقلاً عن غيبة الشيخ عن أبي عبد الله الصادق (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع) ، قال:

قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته ، لعلي : يا أبا الحسن ، أحضر صحيفة ودواة .فأملى رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى (إلى) هذا الموضع .فقال : يا علي: ،إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثني عشر مهدياً .فأنت يا علي أول الإثنا عشر إمام ... وساق الحديث ، إلى أن قال : وليسلمها الحسن (يعني الإمام العسكري (ع) إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم. فذلك اثني عشر إماماً. ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً. فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين (المقربين: نسخة الغيبة). له ثلاثة أسامي:اسم كإسمي واسم أبي، وهو عبد الله ،وأحمد، والإسم الثالث: المهدي . وهو أول المؤمنين .

وفي عدد من الأدعية الواردة في المصادر الإمامية الدعاء لهؤلاء الأولياء الصالحين (ع) بعد الدعاء للمهدي (ع) والسلام عليه .


صفحة (640)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) ص286.  (2) ص181.

(3) ج13 ص237 وانظر غيبة الشيخ.

وفي بعض الأدعية المكرسة للدعاء للمهدي (ع) والثناء عايه ، يقول في آخره :

اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده وزد في آجالهم ،وأعز نصرهم وتمم لهم ما اسندت إليهم من أمرك وثبت دعائمهم ، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً ... الخ الدعاء(1) .

وفي دعاء آخر يذكر فيه المهدي (ع) ويثني عليه طويلاً، ويقال في آخره:

اللهم صل على وليك وولاة عهدك والأئمة من  ولده  ومد في اعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم اقصى آمالهم ديناً ودنيا وآخرة .إنك على كل شيء قدير(2) .

إلى غير ذلك من الادعية.

هذا، وقد حاول المجلسي في البحار(3) أن يرفع التنافي بين هذه الأخبار من حيث كونها دالة على إيكال الرئاسة العليا بعد المهدي (ع) إلى غير الأئمة المعصومين عليهم السلام ،وبين القول بالرجعة الذي يقول: بإيكال الرئاسة إلى الأئمة المعصومين أنفسهم .حيث قال: هذه الأخبار مخافة للمشهور – يعني القول بالرجعة. وطريق التأويل أحد وجهين:

الأول:أن يكون المراد بالإثني عشر مهدياً: النبي وسائر الأئمة سوى القائم (ع)، بأن يكون ملكهم بعد القائم....

والثاني : أن يكون هؤلاء المهدويون من أحباء القائم هادين للخلق في زمن سائر الأئمة الذين رجعوا ، لئلا يخلو الزمان من حجة . وإن كان أوصياء الأنبياء الأئمة حججاً أيضاً .والله تعالى أعلم.

وقال الطبرسي في أعلام الورى(4):وجاءت الرواية الصحيحة بأنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد ، إلا ما روي من قيام ولده إن شاء الله ذلك ،ولم ترد في الرواية على القطع والثبات .وأكثر الروايات أنه لن يمضي – يعني المهدي القائم (ع) – من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ، يكون فيها الهرج.


صفحة (641)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) مفاتيح الجنان المعرب ص542.   (2) المصدر ص53.

(3) ج13 ص237.                    (4) ص435.

 

هذا ما قالته المصادر الإمامية ،ولم نجد لدولة ما بعد المهدي  في المصادر العامة أي أثر.

ونود أن نعلق أولاً على كلام المجلسي : انه يعترف سلفاً أن كلا الوجهين نحو من أنحاء التأويل ،والتأويل دائماً خلاف الظاهر ، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة  ،ولا يكفي مجرد  الإمكان أو الإحتمال لإثباته.

وعلى أي حال ، فالوجه الأول حاول فيه المجلسي على ان يقول أن الأولياء الإثني عشر بعد المهدي (ع) هم الأئمة المعصومون الإثنا عشر أنفسهم، فترتفع المعارضة بين روايات الأولياء وروايات الرجعة .ويكون المراد منهما معاً الأئمة المعصومين أنفسهم.

إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة من وجوه نذكر منها اثنين:

الوجه الأول : إن عدداً من روايات الأولياء التي سمعناها، تنص على أن الأولياء الإثني عشر من ولد الإمام المهدي(ع) .قال في أحد الأخبار :" ثم يكون من بعده اثني عشر مهدياً ، فإذا حضرته الوفاة – يعني المهدي – فليسلمها إلى ابنه أول المهديين".

وقال في الدعاء "والأئمة من ولده" .مع أن الأئمة المعصومين السابقين هم آباء الإمام المهدي (ع) بكل وضوح .

الوجه الثاني: إننا لم نجد – كماعرفنا ـ دليلاً كافياً على عودة الأئمة الإثنا عشر كلهم ، لا بشكل عكسي ولا بشكل مشوش ،وإنما نص فقط – بعد النبي (ص) – على امير المؤمنين (ع) وابنه الحسين (ع) .

وإذا لم يثبت رجوع الأئمة الإثنا عشر جميعاً كيف يمكن حمل هذه الأخبار عليه.

وأما الوجه الثاني: االذي ذكره المجلسي ، فيتلخص في الإعتراف بوجود الأئمة المعصومين (ع) والأولياء الصالحين في مجتمع ما بعد المهدي (ع) متعاصرين. ولكن الحكم العام سيكون للمعصومين (ع) .وأما الأولياء فسيكونون هداة عاملين في العالم من الدرجة الثانية .وبذلك يرتفع التعارض بين الروايات.

وأوضح ما يرد على هذا الوجه هو أن روايات الأولياء ، صريحة بمباشرتهم للحكم على اعلى مستوى، بحيث يكون التنازل عن هذه الدلالة  تأويلاً باطلاً .كقوله :"ليملكن من أهل البيت رجل" وقوله :" فإذا حضرته الوفاة فليسلمها –  يعني الإمامة، أو الخلافة – إلى ابنه أول المهديين" قوله : "اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده "ونحوه في الدعاء الآخر.

 

صفحة (642)
 

ويحتوي كلام المجلسي في الوجه الثاني على استدلال ضمني على الرجعة مع جوابه.

وملخص الإستدلال :أنه ثبت في الفكر الإسلامي أن الأرض لا تخلو من حجة باستمرار ما دام للبشرية وجود، حتى لو كان اثنان كان أحدهما الحجة على صاحبه.ولكن الأرض بعد الإمام المهدي(ع) ستخلو من الحجة.ما لا نقل بالرجعة ، ليرجع الأئمة المعصومون (ع) ليكونوا هم الحجج بعده، تطبيقاً لهذه القاعدة .
إلا أنه من حسن الحظ أن يكون المجلسي نفسه قد أجاب على ذلك.

وملخص الجواب: إننا لا نحتاج إلى القول بالرجعة كتطبيق لتلك القاعدة بل إن حكم الأولياء الصالحين تطبيق لها أيضاً، قال المجلسي لأن" أوصياء الأنبياء و(أوصياء) الأئمة حجج أيضاً" فالأرض تكون مشغولة بصفتهم أوصياء للأئمة (ع) ، فلا تكون خالية من الحجة.

ومعه لا تكون هذه القاعدة مثبتة للرجعة،ولا منافية مع حكم الأولياء الصالحين.

وأما تعليقنا على كلام الطبرسي ،فهو أن ما ذكره من أن ما روي من قيام ولد المهدي (ع) بعده، لم يرد على القطع واليقين ، أمر صحيح لأن الروايات الدالة على حكم الأولياء الصالحين متواترة ،ولكننا سنرى أنها صالحة للإثبات التاريخي ، وهذا يكفينا في المقام.

وأما ما ذكر من أنه ليست بعد دولة القائم دولة لأحد ، فهو أمر صحيح لأنه إن أريد بدولة القائم نظام حكمه، فهو نظام مستمر إلى نهاية البشرية تقريباً أو تحقيقاً على ما سنسمع ، وليس وراءه حكم آخر .وإن أريد به حكمه ما دام في الحياة ،بحيث تنتهي البشرية بعده مباشرة ، فهو أمر غير محتمل لأنه امر تدل كثير من الروايات على نفيه، كروايات الرجعة وروايات الأولياء وروايات أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق وغير ذلك ، بل تدل على ذلك بعض آيات القرآن كآية دابة الأرض بعد العلم بعدم خروجها في زمن المهدي (ع) نفسه.

إذاً ، فالبشرية ، ستبقى بعد المهدي (ع) والنظام سوف يستمر ، وإنما يراد من ذلك القول: أنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد من المنحرفين والكافرين على الشكل الذي كان قبل ظهوره.


صفحة (643)
 

وأما قوله : وأكثر الروايات أنه لن يمضي من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ... فهذه الروايات سنسمعها، ومؤداها أن الحجة سيرفع – أي يموت – قبل القيامة بأربعين يوم، وسنرى أنه ليس المراد بالحجة شخص الإمام المهدي بل شخص آخر، قد يوجد بعد زمان المهدي (ع) بدهر طويل .

وبعد هذه المناقشات ،وقبل إعطائهم الفهم الكامل لحكم الأولياء الصالحين، لا بد لنا أن نجيب على هذا السؤال الذي يخطر في ذهن القارىء :وهو أننا كيف استطعنا أن نعتبر روايات كافية للإثبات التاريخي ، على حين لم نعتبر روايات الرجعة كافية للإثبات ،مع  أنها أكثرعدداً وأغزر مادة  وأوضح في أذهان العديدين .

وأما من زاوية كفاية روايات الأولياء للإثبات التاريخي ، فهو واضح طبقاً لمنهجنا في هذا التاريخ أنها متكاثرة ومتعاضدة ،وذات مدلول متشابه إلى حد بعيد.

وأما من زاوية معارضتها لأخبار الرجعة ، فهو واضح بعد فشل الوجهين اللذين ذكرهما المجلسي للجمع بين الأخبار، إذ يدور الأمر عندئذ بين أن يكون الحكم بعد المهدي (ع) موكولاً إلى المعصومين (ع) أو إلى الأولياء الصالحين.

ونحن حين نجد أن أخبار الرجعة غير قابلة للإثبات، كما عرفنا، ونجد أن أخبار الأولياء قابلة للإثبات. كما سمعنا ، لا محيص لنا على الأخذ بمدلول أخبار الأولياء بطبيعة الحال.

وبالرغم من أن مجرد ذلك كاف في السير البرهاني ،إلا أننا أن نوضح ذلك بشكل أكثر تفصيلاً.

إن نقطة القوة الرئيسية في أخبار الأولياء المفقودة في أخبار الرجعة ، هي أن أخبار الأولياء ،ذات مضمون مشترك تتسالم عليه، بخلاف أخبار الرجعة، فإنها ذات عشرة مداليل على الأقل ، ليس لكل مدلول إلا عدد ضئيل من الأخبار قد لا يزيد أحياناً على  خبر واحد.

ومن هنا نقول لمن يفضل أخبار الرجعة : ها أنت تفضل أخباراً منها ذات مدلول معين ،كرجوع الإمام الحسين (ع) مثلاً .أو تفضل تقديم مجموع أخبار الرجعة.

فإن رأيت تفضيل  قسم معين من أخبار من أخبار الرجعة ،فهي لا شك أقل عدداً وأضعف سنداً من أخبار الأولياء ، بل وأقل شهرة أيضاً . وكل قسم معين منها يصدق عليه ذلك بكل تأكيد ، غير ما دل على رجوع الإمام علي بن  أبي طالب (ع) الذي سوف نشير إليه.

 

صفحة (644)
 

وإن رأيت تفضيل مجموع  أخبار الرجعة على أخبار الأولياء ،إذاً ،فستصبح أخبار الرجعة بهذا النظر متعارضة ومختلفة المدلول كما عرفنا ،غير ذلك المدلول العام الإجمالي الذي برهنا على انطباقه على خروج دابة الأرض التي نطق بخروجها القرآن الكريم.وهو – بمنطوق الأخبار ـ يعني خروج علي أمير المؤمنين (ع) ، وهو بعيد عن أي مفهوم تقيلدي للرجعة ، بل هو ليس من الرجعة في شيء ، فإن مفهوم دابة الأرض غير مفهوم الرجعة عندهم.

وهذا المفهوم لا ينافي حكم الأولياء الصالحين ولا يعارض الأخبار الدالة عليه ،وذلك لعدة أمور ،نشير إلى أمرين منها:

الأمر الأول : أن خروج دابة الأرض غير محدد بتاريخ ،لا في القرآن الكريم ولا في السنة الشريفة ، ومعه فقد يحدث بعد حكم الأولياء الصالحين بمدة طويلة.

الأمر الثاني: إن دابة الأرض سوف لن تأتي لتمارس الحكم  الأعلى في الدولة العالمية العادلة ،كما يستشعر من القرآن وتصرح به الأخبار ، بل تأتي من أجل إعطاء الأفراد حسابهم الكامل فتعين منزلة كل فرد ودرجة تطبيقه للمنهج العادل المطلوب منه ،ولعلنا نوضح ذلك فيما بعد.

وإذا تم ذلك ، لم يكن خروج الدابة منافياً مع حكم الأولياء حتى لو خرجت في زمن حكمهم ،لأن وظيفتهم في المجتمع غير وظيفتها.

 وبعد ترجيح روايات حكم الأولياء الصالحين ، ينبغي لنا أن نقدم لها فهماً متكاملاً ملحقاً بالتسلسل الفكري الذي سرنا عليه في هذا الكتاب. ثم نعقبه بدراً ومناقشة بعض الإشكالات التي قد تخطر في الذهن في هذا الصدد .

إن الإمام المهدي (ع) لن يهمل أمر الأمة الباقية بعده ،لا لمجرد أن لا  تبقى رهن الإنحلال والضياع ،وإن كان هذا صحيحاً كل الصحة، بل لأكثر من ذلك، وهو ماقلناه من أن إحدى الوظائف الرئيسة للمهدي (ع) بعد ظهوره هو تأسيس القواعد العامة المركزة والبعيدة الأمد لتربية البشرية في الخط الطويل ، تربية تدريجية لكي تصل إلى المجتمع المعصوم .وهذه التربية لا يمكن أن يأخذ بزمام تطبيقها إلا الإنسان الصالح الكامل حين يصبح رئيساً للدولة العادلة ،ومثل هذا الرجل لا يمكن معرفته لأحد غير الإمام المهدي نفسه ولعله يوليه التربية الخاصة التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة .وأما احتمال تعيينه بالإنتخاب فهو غير وارد على ما سنقول.
 

صفحة (645)
 

ومن هنا سيقوم الإمام (ع)  بتعيين ولي عهده أو خليفته ،خلال حياته وربما في العام الأخير ، ليكون هو الرئيس ألأعلى للدولة العالمية العادلة بعده والحاكم الاول لفترة حكم (الأولياء الصالحين).

وبالرغم من أن هذا الحاكم قد يكون هو أفضل من الأحد عشر الآتين بعده باعتبار أنه نتيجة تربية الإمام المهدي (ع) شخصياً والمعاصر لأقواله وأفعاله وأساليبه ، بخلاف ما سيأتي بعده من الحاكمين .بالرغم من ذلك فإنه سيفرق فرقاً كبيراً عن المهدي (ع ) نفسه، على حد لا يصدق " أنه لا خير في الحياة بعده".

والسر في ذلك- على ما سيبدو يعود إلى أمرين رئيسين :

الأمر الأول: ما سبق أن عرفناه من الفرق الشخصي والثقافي والنفسي بين الإمام المهدي (ع) وخليفته،الأمر الذي ينتج اختلافاً واضحاً في التصرفات بينهما.

الأمر الثاني: راجع إلى الأمة نفسها أو البشرية كلها بتعبير آخر من حيث أن المجتمع مهما كان قد سار بخطوات كبيرة نحو الأمام، في السعادة والعدالة والتكامل ،إلا أنه لم يصل إلى درجة العصمة بأي شكل من أشكالها التي سنشير إليها، وبقيت هناك في أطراف العالم مجتمعات متخلفة عن الركب العام ، لوجود انخفاض مدني أو حضاري جديد سابق فيها ،منعها أن تكون – مهماارتفعت بجهود الإمام المهدي (ع) – مواكبة للإتجاه العالمي العادل فيه.

إذاً فستكون التركة العالمية ثقيلة جداً ،وتخلفات عدد من الأفراد والمجتمعات عن تطبيق العدل ، بعد ذهاب القائد الأعلى ،محتملة جداً ... وعدم استيعاب الكثيرين من وعيهم العقائدي لضرورة التجاوب الكلي مع الرئيس الجديد ،احتمال وارد تماماً ، وخاصة وأن الأمر الأول من هذين الأمرين سيعيشه العالم يومئذ بكل وضوح.

نعم ،لا شك أن الإمام المهدي (ع) قبل فاته قد أكد وشدد ، بإعلانات عالمية متكررة على ضرورة إطاعة خليفتة وعلى ترسيخ (حكم الأولياء الصالحين) في الأذهان ترسيخاً عميقاً ،إلا أن البشرية حيث لا تكون بالغة درجة الكمال المطلوب ’فإنها ستكون مظنة العصيان والتمرد في اكثر من مجال.

ولكن وجود هذه المصاعب لا يعني الفشل بحال، بعد القواعد التربوية التي تلقاها هذا الحاكم عن الإمام المهي بكل تفصيل. إن الدولة ستبقى مهيبة ومحبوبة للجماهير على العموم وستبقى تمارس التربية المركز وباستمرار ،تماماً كما كانت عليه في عصر الإمام المهدي أخذاً بالمنهج المهدوي العام.


صفحة (646)
 

وسيكون حكم الأولياء الصالحين ، فترة تمهيدية أو انتقالية ،يوصل المجتمع العالمي إلى عصر العصمة ،حيث يكون الرأي العام المتفق معصوماً ، كما أشرنا في التاريخ السابق(1) وعندئذ سترتفع الحاجة إلى التعيين في الرئاسة العامة ،كما كان عليه الحال خلال حكم الأولياء الصالحين ،وستوكل الرئاسة إلى الإنتخاب أو الشورى، حين يكون الأفراد كلهم من :
"للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون "(2).
وستوضع الشورى موضع التنفيذ طبقاً لقوانين تصدر يومئذ لا يمكن التعرف عليها الآن.
وببدء الشورى يكون عصر حكم الأولياء الصالحين المنصورين بالتعيين قد انتهى. ولكن الحكام الجدد المنتخبين سيكونون أولياء صالحين أيضاً ،إلا أنه هناك فرقاً بين اسلوب تربيته أساساً .ان الحاكم الذي سيتم تنصبه عن طريق التعيين ،يكون بكل تأكيد نتيجة لتربية خاصة مركزة من قبل سلفه، مقترنة بالتعليم الواضح المفصل للقواعد الموروثة من قبل الإمام المهدي (ع).
وأما الحاكم المنتخب، فهو لا يكون إلا في مجتمع يكون رأيه العام معصوماً ،ومثل هذا المجتمع كما أن الأعم الأغلب من أفراده صالحين وعادلين ولذا أصبح رأيه العام معصوماً، لأن الرأي العام من الصالحين لا يكون إلا صالحاً . يحتوي – إلى جنب ذلك ـ على عدد يقل أو يكثر وصلوا إلى درجة عليا من العدالة والإلتزام الصالح، قد نسميها بالعصمة ،أعني ما يسمى بلغة الفلاسفة المسلمين بالعصمة غير الواجبة .وبتلك الصفة نفسها يكونون مؤهلين لتولي الرئاسة العامة للدولة العالمية العادلة ،ولن يكون بينهم وبين توليهم الفعلي إلا تجمع الأصوات في صالح أحدهم.
بقيت بعض الأسئلة و المناقشات ،تلقي أجوبتها أضواء كافية على هذا التسلسل الفكري ،نعرضهاعلى شكل سؤال وجواب.

صفحة (647)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) تاريخ الغيبة الكبرىص480

(2) 42/36-38

 

السؤال الأول : ما هو عدد الأولياء الصالحين؟

هذا ما لا بد في تعيينه الرجوع إلى الأخبار السابقة. قال الخبر الأول الذي نقلناه " أن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً ". وقال في خبر آخر " ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً".

وموقفنا من هذا الإختلاف ،أننا أما أن نعتبر كلا الخبرين ،إذا نظرنا لكل واحد منهما مستقلاً، قابلاً للإثبات التاريخي  ،وإما أن نعتبرهما معا غير قابلين له ،أو يكون أحدهما قابلاً دون الآخر.

فإن لم يكونا قابلين للإثبات وهذا لا يعني سقوط أصل نظرية حكم الأولياء الصالحين ،لإستفادتها من مجموع الأخبار ...إذاً فيصعب الجواب على هذا السؤال ، فقد يكون عددهم كثيراً وقد يكون قليلاً .تبعاً للمصلحة التي يراها المهدي نفسه حين يؤسس هذا الحكم بعده ،وميزاته كماعرفنا تصل البشرية إلى عهد الشورى حين يكون الرأي العام معصوماً ، ولا يبقى العدد مهماً إلى درجة عالية.

نعم، قد ينبثق من التفكير الإمامي رجحان أن يكون الأولياء اثني عشر ،كما كان الأئمة المعصومون(ع) اثني عشر، غير أن هذا بمجرده لا يكفي للإثبات كما هو واضح.

وإن كان كلا الخبرين قابلاً للإثبات دون الآخر ،أخذ بمدلوله دون الاخر ،ويمكننا بدوياً أن نقول: أن الخبر القائل بعدد الإثني عشر أصح واثبت  فيؤخذ به ، ويبقى الآخر غير قابل للإثبات.

وأما إذا كان كلا الخبرين قابلين للإثبات، فيمكن الجمع بينهما، برفع اليد عن ظهور الخبر القائل بالأحد عشر ولياً،عن ظهوره بالحصر والضبط ، بقرينة الخبر الآخر القائل بالإثني عشر ،تكون النتيجة هو الإلتزام بالإثني عشر بطبيعة الحال.

وبذلك يظهر أن الرقم الإثني عشر راجح على كل التقادير ،وإن كان يحتاج إلى دليل مثبت أحياناً ،وسنفرضه فيما يلي أمراً مسلماً لتسهيل الفكرة على أقل تقدير.

السؤال الثاني: كم  مدة حكم الأولياء الصالحين بالسنين؟

إذا كان عدد الأولياء الحاكمين إثني عشر، وهم يتولون الرئاسة في عمر اعتيادي بطبيعة الحال، غير أن معدل العمر الإعتيادي ،في دولة العدل الكامل في مجتمع السعادة والأخوة والرفاه ، لن يكون هو الستين أو السبعين، بل هو مئة على أقل تقدير ، ومن هنا يمكن أن يعيش الرئيس ثمانين عاماً منها ،وهو على كرسي الرئاسة. فإذا كان معدل بقاء الفرد منهم ستين عاماً ،كان مجموع  مدة حكم الأولياء الصالحين سبعمئة وعشرين عاماً.

 

صفحة (648)
 

وهي مدة كافية جداً لتربية البشرية تربية مركزة دائبة ودقيقة ،وإيصالها إلى مجتمع العصمة.

السؤال الثالث: كيف يعرف المجتمع بدء صفة العصمة؟

ومعرفته بذلك يعني عدة نتائج أهمها ما عرفناه من انتهاء حكم الأولياء الصالحين وبدء حكم الأولياء المنتخبين عن طريق الشورى .

لمعرفة المجتمع بذلك عدة أطروحات محتملة:

الأطروحة الأولى:

في غاية البساطة، وهي أن المجتمع عرف بوصية المهدي(ع) نفسه عدد الأولياء الصالحين الذين سيمارسون الحكم فيه ،ككونهم اثني عشر فرداً – مثلاً ـ فإذا تم العدد ، كان حكم هؤلاء الأولياء قد انتهى وبالملازمة يكون مجتمع العصمة قد بدأ .إذ من غير المحتمل أن تكون الدولة قد فشلت في مهامها التربوية.

الأطروحة الثانية : لو فرضنا عدد الأولياء كان مجهول، وهو أمر بعيد عن أي حال .فمن المحتمل أن تكون هناك وصية خاصة بالأولياء أنفسهم موروثة من الإمام المهدي (ع) تقول : في عام كذا إذا مات الولي الحاكم يومئذ ، فعليه ألا يوصي إلى شخص بعده ، بل ينتقل الأمر إلى الشورى. وقد يكون في ضمن الوصية تعليل ذلك بأن مجتمع العصمة قد بدأ.

الأطروحة الثالثة : أن تكون هناك وصية خاصة بالأولياء موروثة عن الإمام المهدي (ع) تحدد انتهاء حكمهم بحوادث وصفات اجتماعية معينة ،تعود إما إلى وقائع تاريخية أو إلى تحديد في المستوى العقلي والثقافي  للبشرية ، الذي سيكون عليه في المستقبل ، أو إلى غير ذلك.

وهذه الأطروحة صادقة أيضاً فيما إذا لم يكن عدد الأولياء الصالحين معيناً سلفاً.

السؤال الؤابع: إن هؤلاء الأولياء الصالحين، هل هم متفرقون من حيث النسب ، أو انهم متسلسلون في النسب ينتهون إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، أو أنهم على شكل آخر.

وينبغي أن نفهم سلفاً أنه لا اهمية كبيرة في الجواب على هذا السؤال إذ الأهم في الموضوع هو صفاتهم الذاتية وأعمالهم العادلة ، دون قضية النسب .


صفحة (649)
 

نعم ، أجابت يعض الأخبار على ذلك ، قال أحدها: " إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً" .والمفهوم من قوله من أنهم من نسل  أهل البيت (ع) إجمالاً .وقال الخبر الآخر : " فليسلمها إلى ابنه أول المهديين" وهو دال على أن الولي الأول ابن المهدي نفسه ولم يذكر الأولياء الذين بعده.

ويقول احد الأدعيى التي سمعناها :

" وولاة عهدك والأئمة من ولدك"

فلو اعتبرنا كل هذه الأخبار قابلة للإثبات مستقلة، لفهمنا أن هؤلاء الأولياء الصالحين هم من نسل أهل البيت (ع) ولا يراد بأهل البيت في لغة الأخبار إلا الأئمة المعصومين (ع) .وحيث لا يحتمل أن يكونوا من نسل إمام آخر غير المهدي (ع) باعتبار بعد المسافة الزمنية ،إذاً فهم من أولاد الإمام المهدي نفسه .وهذا افتراض واضح تعضده بعض هذه الأخبار ولا تنفيه الأخبار الأخرى .

يبقى لدينا هل أنهم متسلسلون في النسب أحدهم ابن الآخر ،أو أنهم متفرقون من هذه الجهة ،وإن انتسبوا إلى المهدي في النهاية.

وفي هذا الصدد لا تسعفنا الأخبار بشيء ، لكن هناك فكرة عامة صالحة للقرينية على التسلسل النسبي .وهي ما نسميه بتسلسل الولاية .فإن كل ولي في ذلك العهد المرحلي السابق على صفة العصمة يحتاج إلى إعداد خاص وتربية معينة ، قبل أن يتولى الحكم .

ومن الصحيح أن المجتمع ككل وخاصة إذا كان صالحاً وعادلاً يمكنه أن يربي الحاكم أفضل تربية ، إلا أن هناك عدداً من الحقائق والأساليب والقوانين الإجتماعية وغيرها ، تكون خاصة بالحاكم عادة ولا يعرفها غيره على الإطلاق ،وهي موروثة وراثة خاصة عن الإمام المهدي (ع) .وهي تحتاج في ترسيخها وكشفها إلى الحاكم الجديد إلى مدة وجهود من قبل الحاكم السابق ، الأمر الذي لا يتوفر عادة بين الوالد وولده ،ومن الصعب جداً توفره بين أبناء الأعمام مثلاً.

ومعه، فمن المظنون جداً أن يكون تسلسلهم النسبي محفوظاً ،من أجل الحفاظ على تسلسل الولاية الضروري لتربية كل حاكم.

السؤال الخامس: هل المنطلق إلى فكرة "حكم الأولياء الصالحين" بعد الإمام المهدي هو الفهم الإمامي للمهدي ، أو ينسجم مع الفهم الآخر .

 

صفحة (650)

 

كلا .إن حكم الأولياء الصالحين الذي طرحناه ، ينسجم تماماً مع الفهم الآخر الذي يقول : إن المهدي رجل يولد في حينه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً .ولا ربط له مباشر بغيبة المهدي قبل ظهوره ولا بكونه الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين كما هو واضح.

غير أن فكرة حكم الأولياء الصالحين ، يبقى مفتقراً للدليل من أخبار العامة أنفسهم .ولم نجد في حدود تتبعنا أي إشارة في تلك المصادر إلى دولة ما بعد المهدي (ع) مهما كانت صفتها ،ويبقى مفكرو العامة بعد ذلك مخيرين بالإلتزام بهذه الأطروحة.

السؤال السادس : ماذا – بعد ذلك – عن احتمال العصيان والتنرد خلال حكم الأولياء الصالحين .

لا شك أن هذا الإحتمال يتضاءل تدريجياً، بالتربية المركزة التي تمارسها الدولى باتجاه العدالة والكمال .حتى ما إذا وصل المجتمع إلى درجة العصمة ، ولو بأول أشكالها ، ارتفع احتمال التمرد والعصيان ارتفاعاً قطعياً ، لبرهان بسيط هو منافاة العصمة مع العصيان ،ولا أقل من أن تكون الأكثرية الساحقة للبشرية كذلك ، بحيث من الصعب أن يفكر أحد في حركة تمرد أو بث دعاية باطلة.

وإنما يقع التساؤل عن الفترات الأولى لحكم الأولياء الصالحين ، عدة ضمانات ضد مثل هذا الإحتمال ، يمكننا أن نتعرف على بعضها ، بحسب مستوانا الذهني المعاصر:

الضمان الأول: السعادة والرفاه والأخوة والتناصف بين الناس هذا الذي أسسه ونشره الإمام المهدي نفسه، الأمر الذي يجعل الفرد ومن ثم الجماعات تميل تلقائياً إلى حب هذا النظام واحترامه والتعاطف معه ،مما يحدو بالأعم الأغلب جداً من الناس بعدم التفكير بأي عصيان واضح ، بل يحدو الكثيرين إلى الوقوف تلقائياً تجاه أي تمرد أو عصيان يفهمون به ،وفضحه ولوم صاحبه لوماً شديداً .

الضمان الثاني: القواعد والأسس الخاصة التي علمها المهدي (ع) نفسه لخلفائه ، مما يمت إلى طبيعة المجتمع وحركة التاريخ وأفضل الطرق في التصرف به ودفع شروره ، وجلب مصالحه .الأمر الذي كان هو (ع) ، أكثر الناس علماً به وإطلاعاً على تفاصيله.

ومن أجل فوائد علمه بذلك ، تزريقه إلى خلفائه الصالحين ، ليستطيعوا أن يبنوا دولتهم الحديثة ، ويدفعوا عنها الشرور بأيسر طريق.

 

صفحة (651)
 

الضمان الثالث : عالمية الدولة العادلة : فإن لهذا العنصر جهتين من الضمان .

الجهة الأولى : الهيبة التي تكسبها الدولة العالمية في نفوس الناس وعقولهم  بصفتها تمارس حكما مركزيا مهما لم تمارسه اي دولة اخرى في التاريخ .

الجهة الثانية : سيطرتها على كل مصادر ومصانع الأسلحة في العالم لا يستثنى من ذلك شيء ، ولها الطرق المعقدة للحد من التهريب والختل والخداع ونحو ذلك.

فهذه الضمانات وغيرها ، تنتج في هذا الصدد ، نتيجتين مهمتين :

النتيجة الأولى : أنها تقف ضد احتمال كثرة التمرد والعصيان ، بشكل يعيق عن تطبيق المنهج التربوي العام . إذ مع وجودها سيقل من يفكر من البشر بالحركات العصيانية.

النتيجة الثانية: أنها تقف ضد ما قد يحدث من حوادث التمرد والعصيان من القلائل الذين قد يفكرون بذلك، وعن طريق هذه الضمانات التي تملكها الدولة ستستطيع أن تقضي على كل حركة.

السؤال السابع: هل لدابة الأرض خلال هذا العهد ، وظيفة معينة؟

لما كانت الوظيفة الرئيسة لدابة الأرض ، كما يستفاد من الأخبار، هي تمييز  الكافر من المؤمن ، والمنحرف من الملتزم ،وإعطاء  القيمة الأخلاقية لكل منهم علانية ، فهذا لا يمكن أن ينجز في عهد ما بعد الظهور، المتطور نحو المجتمع المعصوم الخالي من الكفار والمنحرفين ... فهو لا يمكن ان ينجز إلا في إحدى فترتين :

الفترة الأولى : فترة ما بعد المهدي (ع) مباشرة ، حيث تعيش الدولة العالمية العادلة أحرج عهودها وأدق فتراتها ، بعد فقد قائدها العظيم.

فإنه من الصحيح ،كما عرفنا ،أن الإمام  المهدي (ع) قام باستئصال المنحرفين من الكرة الأرضية ، إلا أن هناك جزءاً من البشر ،مهما كان قليلاً ، قد سلم لدولة المهدي خوفاً أو طمعاً ، لا عن إخلاص حقيقي ، فمن المحتمل جداً أن تتحرك الأطماع بعد القائد الأعظم إلى السبطرة على الدولة أو على بعض أجزائها على الأقل.

والضمانات السابقة وإن كانت صالحة للوقوف ضد أي احتمال ، غير أنه من المحتمل أن تخرج دابة الأرض، لتأخذ بعضد الدولة العالمية العادلة ، باتجاه النصر والسبطة على كل تمرد وعصيان.


صفحة (652)
 

الفترة الثانية :الفترة السابقة على يوم القيامة مباشرة ،وهي فترة سنبحث عن صحة وجودها في الفصل القادم .غير أنه – على تقدير صحتها – سيتصف المجتمع العالمي خلالها بالكفر والإنحراف ، بعد أن يكون قد تنازل عن آخر صفات العصمة والعدالة. فمن المحتمل أن دابة الأرض تخرج لتضمن بقاء المؤمنين على إيمانهم ،ومدى خسارة الكافرين والمنحرفين ، حين تنازلوا بسوء تصرفاتهم عن العصمة والعدالة ،وتقف في وجه الذين يكفرون بقتل المؤمنين ، أو الإطاحة بكيانهم بشكل أو آخر .

وعلى أي حال ، فحيث نعلم من القرآن الكريم ، بضرورة خروج دابة الأرض ،وعد خروجها خلال المجتمع المعصوم لعدم انسجام وظيفتها معه كما أنه ليس هناك احتمال حقيقي لخروجها قبل  الظهور ... إذاً يتعين وجودها في إحدى الفترتين المشار إليهما .وأما إذا عرفنا في الفصل الآتي. عدم وجود الدليل على إنحراف  المجتمع بعد اتصافه بالعصمة ، إذاً ينحصر خروج دابة الأرض بعد وفاة المهدي (ع) مباشرة ، لتقوم بوظيفتها الكاملة.

وبذلك يكون سيف الإمام علي بن ابي طالب قد وطد الإسلام في "آخر الزمان" كما وطده في عصر الرسالة وصدر الإسلام سلام الله عليه.

وبهذه الأسئلة وضعنا الرتوش الكافية على فترة حكم الأولياء الصالحين وما بعدها ،ولا ينبغي لنا أن نزيد على ذلك ، وإنما نحيل القارىء إلى الكتاب الرابع الآتي من هذه الموسوعة.


صفحة (652)
 

الباب الثاني

 قيام الساعة على شرار الخلق

 وهو باب في فصل واحد

 

وينبغي أن يتم الحديث في هذا الفصل ضمن عدة جهات:

الجهة الأولى : في سرد أهم الأخبار الدالة على ذلك .وهي واردة في مصادر الفريقين .

أخرج مسلم في صحيحه(1) عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (ص) – في  حديث تحدث فيه عن الدجال والمسيح عيسى بن مريم (ع) ، ثم تحدث فيه عن عصر ما بعد المسيح فقال فيما قال:

فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام الساعة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار ّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور .

وأخرج أبو داود(2) عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله (ص) :

لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها ، فذاك حين " لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً "(3)

وأخرج الحاكم في المستدرك(4) عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله (ص)

لا يزداد الأمر إلا شدة ولا المال إلا إفاضة ،ولا تقوم الساعة إلا على شرار من خلقه .وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


صفحة (657)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) ج8 ص201.  (2) ج2 ص430.

(3) 6 /158.      (4) ج4 ص440.

 

وأخرج أيضاً(1) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص):

لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدين إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ،ولا مهدي إلا عيسى بن مريم .

وأخرج الشيخ في الغيبة(2) عن عبد الله بن جعفر الحميري ، قال:

اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو(3) عند أحمد بن اسحق بن سعيد الأشعري القمي ، فغمزني أحمد أن اسأله عن الخلف – يعني الحجة المهدي (ع) .

فقلت له : يا أبا عمرو إني أريد (أن) أسألك وما أنا بشاك فيما أريد أريد أن أسألك عنه .فإن اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك وقعت (رفعت) الحجة ، وغلق باب التوبة .فلم يكن" ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ،أو كسبت في إيمانها خيراً...(4)  فأؤلئك الأشرار من خلق الله عزوجل .وهم الذين تقوم عليهم القيامة ... الحديث

وأخرج السيد البحراني في معالم الزلفى(5) عن بستان الواعظين ، قال حذيفة : كان الناس يسألون رسول الله (ص) عن الخير وكنت أسأله عن الشر فقال النبي (ص):

يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم ،فإذا غضب الله تعالى على أهل الأرض أمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق .فينفخ على حين غفلة من الناس ... الحديث .

فهذه كل الروايات التي وجدناها دالة على هذا  المضمون .


صفحة (658)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) ج4 ص440 ويرويه في الصواعق (98) عن ابن ماجة.
(2) ص218.

(3) هو الشيخ عثمان بن سعيد النائب الأول  للنهدي (ع) خلال غيبته الصغرى.

(4) 6 / 158.      (5) ص136.


الجهة الثانية :في نقد هذه الأخبار .

إن أكثر هذه الأخبار يمكن إسقاطها عن الإستدلال تماماً ،لأن كل خبر يواجه بحياله بعض المناقشات ، فلا يبقى منها إلا القليل.

أما الخبر الذي أخرجه مسلم في صحيحه ، فهو يصف أولاً فسق الناس وإطاعتهم للشيطان ،وتحولهم إلى عابدي أوثان. وهذا كله – بمعنى وآخر- مما يقع قبل الظهور .

ويقول بعدها : ثم ينفخ في الصور. والنفخ فيه كناية عن نهاية البشرية .إلا أن وجود هذه النهاية في ذلك الجو الفاسق مما لا يدل عليه الخبر ،لأن حرف العطف (ثم) دليل على التراخي والإنفصال كما نص النحاة واللغويون .فإن لم يكن الخبر دليلاً على بقاء البشرية بعد ذلك المجتمع الفاسق ، فلا أقل من كونه ليس دليلاً على انتهائه به.

وأما خبر أبي داود ، فهو غير دال بالمرة على المضمون المشار إليه .فهو دال على أن الناس يؤمنون كلهم حين تطلع الشمس من مغربها .ولا يقول شيئاً غير ذلك .وقد قلنا في التاريخ السابق(1) أن المراد من الشمس التي تطلع من مغربها : المهدي حيث يطلع بعد غيبته ،ولا تقبل عندئذ من الفاسق توبة.

وكذلك الخبر الثاني الذي نقلناه عن الحاكم ،فإن فيه قوله :ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ،وقد نقده ورفضه أهل الحديث العامة والخاصة ،كما سبق ،ولا حاجة إلى تكراره ، مضافاً إلى إشكالات أخرى مشتركة ستأتي.

وكذلك الخبر الذي نقلناه عن معالم الزلفى فإنه خبر مرسل وضعيف ،ويحتوي من خلاله على مضامين مدسوسة وغير صحيحة ، كما يبدو لمن راجعه في مصدره .

لا يبقى عندنا – بعد هذا – إلا خبران ، أحدهما : الخبر الأول الذي نقلناه عن الحاكم والخبر الذي أخرجه الشيخ في الغيبة.
على أن خبر الشيخ أيضاً لا يخلو من مناقشة فإنه ليس رواية عن معصوم وإنما يعبر فيه عبد الله  بن جعفر الحميري عن إعتقاده ،وليس بالضرورة أن كل ما يعتقده له الإثبات التاريخي الكافي ،وإن كان هو شخصياً من العلماء الصالحين ، كما ثبت في تاريخه.

وعلى اي حال ، فالخبران يواجهان إشكالاً مشتركاً ، هو أن مثل هذه القضية وهي: ان الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس ،من الأمور الإعتقادية في الدين .ومن الواضح عند العلماء أن الأمور الإعتقادية لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحاً سنداً وواضحاً مضموناً ،وإنما تثبت فقط بالخبر المتواتر القطعي ، مع العلم أن مجموع هذه الأخبار غير متواترة فضلاً عما بقي بعد النقد منها.

 

صفحة (659)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص596

هذا مضافاً إلى أشكال مشترك آخر على أكثر من خبر واحد .كالخبر الذي يقول " لا يزاد الأمر إلا شدة ولا الدين إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ... فإن قارىء هذه الموسوعة ،وخاصة التارخ السابق، يعلم أن هذه هي صفة المجتمع قبل الظهور .

وسيرتفع كل ذلك بالظهور ،مع أن ظهور الخبرين هو أن ذلك باق إلى يوم القيامة .وهو أمر تنفيه كل الدلائل السابقة التي عرفناها.

أضف إلى ذلك معاضة هذه الأخبار ، بما دل على بقاء دولة العدل إلى يوم القيامة .لأن الإنحراف القوي يستدعي لا محالة ،انتقال الحكم إلى المنحرفين مع أن الأخبار تنص على بقاء الدولة مع المؤمنين العادلين .

أخرج الصدوق(1) في إكمال الدين بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه عن النبي (ص) – في حديث طويل ـ قال (ص) :

فنوديت : يا محمد ، أنت عبدي وأنا ربك – ويستمر الحديث إلى ذكر آخر الأئمة الإثني عشر ، المهدي (ع) فيقول :- حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ،ثم لأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة.

وأخرج النعماني في الغيبة(2) بسنده عن يونس بن رباط ، قال : سمعت أبن عبد الله (ع) يقول:

إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة ،أما أن ذلك إلى مدة قريبة وعاقبة طويلة .

وأخرج الشيخ في الغيبة(3) بإسناده عن أبي صادق عن أبي جعفر (ع) قال :

دولتنا آخر الدول، ولم يبق بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ،لئلا يقولوا ، إذا رأوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء ، وهو قول الله عز وجل : " والعاقبة للمتقين"(4).


صفحة (660)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) نسخة مخطوطة.  (2) ص152.

(3) ص282.         (4) 7 /128.

 

وأخرجه المفيد في الإرشاد(1) في ضمن حديث عن علي بن عقبة عن أبيه،وكذلك فعل الطبرسي في الإعلام(2).

فقوله: "ولا داولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة" واضح ببقاء المجتمع برمته مؤمناً إلى نهاية البشرية، وهو ناف بصراحة لفكرة المجتمع الفاسق قبل يوم القيامة.

وكذلك قوله:"دولتنا آخر الدول" فإنه واضح أنه ليس بعد دولة الحق دولة من حين قيامها إلى آخر عمر البشرية .فإذا علمنا أن البشرية لا يمكن أن تخلو من حكومة أو دولة ،وأن المجتمع المنحرف يستدعي انحراف الدولة عادة ، يتعين أن تكون دولة مستمرة في البشرية إلى آخر عمرها.

ومع وجود هذه المناقشات ،تكون تلك الأخبار ساقطة عن إمكان الإثبات التاريخي ،ولا دليل على انه : لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ،وستأتي في الكتاب التالي مناقشات أخرى قائمة على أسس جديدة .

الجهة الثالثة : إعطاء الفهم المتكامل لهذه الأخبار ، أعني القائلة أنه لا تقوم القيامة إلا على شرار الناس .

فإننا لا يخلو الأمر إما أن نلتزم بمضمون هذه الروايات ،وإما أن ، رفضها. وعلى كلا التقديرين يمكننا أن نربط  تسلسل الفكرة بالنتائج التي توصلنا إليها والمعلومات التي عرفناها فيما سبق .

ومن هنا لا بد أن يقع الكلام في ناحيتين :

الناحية الأولى :

إذا التزمنا بصدق هذه الأخبار، فسيكون تسلسل الفكرة على الشكل التالي : إن التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور، بعد أن ينتج نتيجته الكبرى وهي إيجاد المجتمع المعصوم ،وتنتقل الرئاسة الإسلامية من التعيين إلى الشورى ، يكون الهدف الأعلى من خلقة البشرية ،وهو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها ، قد تحقق ،وخاصة بعد بقاء المجتمع على حاله الرفيع ردحاً طويلاً من الزمن .


صفحة (661)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) ص344.       (2) أعلام الورى ص432.

 

عندئذ يبدأ – طبقاً لهذا الفهم – تخطيط إلهي جديد ، هو التخطيط الأخير في البشرية ، ليستهدف إيجاد المجتمع  الكافر او المنحرف بكل أفراده ، ليكون هو المجتمع الذي تقوم عليه الساعة .

ولو نظرنا إلى طبائع الأشياء بحسب فهمنا المعاصر ،أمكننا أن نجد الخطوط العامة لهذا التخطيط العام.

إن الدفع الإيماني القوي الذي أوجده المهدي القائم (ع) في البشرية والذي أذكى أواره وحافظ على كيانه المهدويون الإثني عشر بعده ، خلال مئات السنين ، حتى انتج نتيجته الكبرى ،هو المجتمع المعصوم ....إن هذه الدفع سوف يكون مهدداً بالخطر إلى حد ما حين ينقلب أمر الخلافة من التعيين إلى الإنتخاب.

إن هذا الدفع سوف يبقى صافياً صحيحاً أجيالاً متطاولة من الزمن ما دامت درجة العصمة محفوظة في المجتمع ،إلا أن الأجيال المتأخرة سوف تنزل عن هذه الدرجة تدريجياً.

وستعمل عوامل الشر في نفس الإنسان ونوازع المصلحة من جديد .وسوف لن يوجد لها الردع الكافي في حفظ العصمة ، لأن التخطيط الإلهي قاض بارتفاع هذه الصفة تدريجياً من المجتمع.

وسوف يأتي بالإنتخاب إلى كرسي الرئاسة ،أولياء مهما كانوا على مستوى العدالة العليا ، إلا أنهم لم يرافقوا المهدي (ع) ولم يعاصروا خلفاءه المهديين .ولم توجه إليهم تربية خاصة من أجل تولي مهام الرئاسة – ومن هنا سوف يبذل كل رئيس وسعه في دفع التيار المنحرف لن يستطيع الإجهاز عليه ، بل يبقى يستفحل على مر السنين ويعم بين البشر ، إلى أن ينحسر الدين عن القلوب والعقول ، ويصبح الناس كما كانوا قبل ظهور المهدي (ع) على مستوى عصيان واضحات الشريعة الإلسامية ،حيث سمعنا من إحدى الروايات قتل إحدى الشخصيات الإسلامية داخل الحرم ،بل سوف يزداد الوضع سوءاً حتى لا يقال الله ،الله ، على ما نطقت بعض الروايات(1) .


صفحة (662)
ـــــــــــــــــ
 
 

(1) انظر مثلاً – مستدرك الحاكم ج4 ص494

 

الأمر الأول : إن الرئيس العادل الذي هو حجة الله على الخلق في ذلك الحين يصبح مسلوب الصلاحيات من الناحية العملية لا يستطيع القيام  بأي عمل على الإطلاق ، ولا يؤمل من وجوده أي فائدة.
الأمر الثاني: إن الله عز وجل يشتد غضبه على الأمة والبشرية ، بحيث تكون أهلاً لأي عقوبة.
ويترتب على الأمر الأول أن الرئيس الإسلامي ،حيث لا فائدة من وجوده فينبغي أن يرتفع من الأرض، فيقبضه الله له ،ويتوفاه .وذلك قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، كما ورد في الرواية .
وعند زوال هذا القائد ، لن تكون البشرية على مستوى الشعور بالمسؤولية إنتخاب شخص جديد ،بل سيبقون في فساد محض وظلم كامل لمدة أربعين يوماً .وهم شرار الله ، فيؤثر الأمر الثاني أثره ،وذلك بإنزال العقاب عليهم بالنفخ في الصور وقيام الساعة.
وبهذا التسلسل الفكري استطعنا الجمع بين عدة قواعد مروية في السنة الشريفة ، أحدها: أن الدولة الإسلامية العادلة تبقى إلى يوم القيامة ثانيها : ان  الحجة يرفع عن الأرض قبل يوم القيامة بأربعين يوماً. ثالثها : أن القيامة تقوم على شرار الناس ،وعرفنا عدم المنافاة بين هذه التخطيط والتخطيط السابق عليه المنتج لوجود المجتمع المعصوم.
يبقى سؤالان قد يخطران على الذهن ، ينبغي ذكرهما مع الإجابة عليها:
السؤال الأول : أنه كيف يمكن للمجتمع المسلم بعد ارتفاع صفة العصمة عنه أن يمارس الإنتخاب ،مع أن إعطاء حق الإنتخاب إليه ،كان بسبب هذه الصفة ،إذاً، فلا بد أن يرتفع بارتفاعها ،ويعود الأمر إلى التعيين أو إلى أي أسلوب آخر.
وهذا السؤال له عدة إجابات ، نذكر أهمها:
أولاً : إن الإنتخاب سوف لن يكون عشوائياً ، وإنما يكون للمؤهلين للرئاسة ، بحسب النظام الساري المفعول في الدولة العالمية ، لا يختلف في ذلك عصر العصمة عما بعده .وإنما الفرق أنه في عصر العصمة يتوفر عدد كبير من الناس المؤهلين لذلك، بخلاف العصر المنحرف اللاحق له ،فإن عددهم يتضاءل تدريجياً ،وهذا لا ينافي قاعدة الإنتخاب بطبيعة الحال.
ثانياً : إن القاعدة يومئذ سوف تقتضي بقاء الإنتخاب ، لأن هذا هو الأمر المعروف الموروث عن الدولة العادلة ، وليس بين البشر من يستطيع إيجاد تشريع جديد ،كما جاء به المهدي (ع) نفسه زيادة على المعروف قبله .ومن هنا ينحصر سير البشرية على قاعدة الإنتخاب بالضرورة ،وسيكون تغييره انحرافاً عن القواعد العادلة المعروفة يومئذ .

صفحة (663)
 

وأما اقتران الإنتخاب بصفة العصمة ،وإناطته بها ، فقد لا يكون شيئاً مفهوماً فهماً عاماً يومئذ ،وإنما هو تقدير خاص موجود في ذهن المشرع الذي بلغ للناس وجوب الإنتخاب عند دخولهم في عصر العصمة .وهو آخر الأولياء المهديين الإثني عشر .وقد يكون معروفاً لبعض خاصته أيضاً.

السؤال الثاني : إن إعداد البشرية للإنحراف يعني رضاء الله تعالى بالظلم وإرادته لوجوده ، فكيف يصح ذلك منه وهو العدل المطلق؟