القسم الثاني
في تاريخ الإنسانية في عصر الغيبة الكبرى
فيما يرجع إلى الحوادث والصفات التي تكون للإنسانية عامة أو للمجتمع المسلم أو للقواعد الشعبية الإمامية خاصة. من حيث مقدار تمسكهم بالدين وما يترتب على ذلك من نتائج ... وما هو تكليفهم الواعي الصحيح أثناء الغيبة الكبرى .
وينقسم الكلام في هذا القسم إلى ثلاثة فصول رئيسية :
أولها : في تمحيص الأخبار الواردة في هذا الصدد ، وفرزها عما سواها من حيث المورد والمفهوم ... وإعطاء القواعد العامة في فهمها .
وثانيها : فيما دلت عليه الأخبار من حوادث وصفات للناس ، تخص مقدار تمسكهم بالدين وبتعاليم الإسلام.
وثالثهما : فيما هو التكليف الواعي للناس خلال عصر الغيبة الكبرى .
صفحة (173)
الفصل الأول
في تمحيص الأخبار التي نريد الاستشهاد بها في هذا القسم ، وتمييزها عما سواها من حيث المورد والمفهوم ، وإعطاء القواعد العامة في فهمها . وذلك قبل الدخول في سر تفاصيلها في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى
وينبغي أن يقع الكلام حول ذلك في عدة جهات :
الجهة الأولى :
في تمحيص هذه الأخبار ، وتشخيص حاجتنا في الاستدلال بها .
فإننا إذ نريد أن نعرف المستوى الديني ، لأي مجتمع ، في أي عصر ، نرجع – عادة – إلى تاريخ ذلك العصر لاستعراض ما فيه من حوادث وآثار تدل على ما كان عليه المجتمع من مستوى ديني وشعور بالمسؤولية الدينية . وهذا طريق صحيح ، لو استطاع التاريخ أن يسعفنا بما نحتاجه من حقائق ومستمسكات .
ولكن ما نعرفه – عادة – من تأريخ ، يتصف بالنقص – حتماً – بما لا يقل عن ثلاث جهات :
الجهة الأولى :
إسقاطه لبعض الحوادث التاريخية ، وعدم التعرض لها ، بأي دافع من الدوافع ... وتاريخنا الإسلامي مليء بمثل هذه الفجوات .
الجهة الثانية :
عدم الموضوعية في شرح الحادثة . ووجود الاحتمال على أقل تقدير – في أن يكون المؤرخ قد غير منها شيئاً لكونه يميل عقائدياً أو عاطفياً مع أحد الأشخاص التاريخيين دون الآخر .
صفحة (175)
الجهة الثالثة :
عدم التعرض لحوادث المستقبل . وهذا ضروري الوقوع في كل تاريخ ، لأن المستقبل مجهول ، إلا بنحو الحدس أو علم الغيب .
أما الجهتين الأولى والثانية ، فيمكن دفع تأثيرهما والحد من ضررهما ، إلى حد كبير ، لدى المقارنة بين مصادر التواريخ وأقوال المؤرخين ، حتى يحصل للفرد البحث وثوق وقناعة بحصول الحادثة أو عدم حصولها . وخاصة بعد استيعاب سائر وجهات نظر المؤرخين ومذاهبهم .
وأما الجهة الثالثة : فيستحيل – عادة – مَلْؤُهَا في التاريخ الاعتيادي للبشر أياً كانوا ... فيبقى المستقبل المجهول ، فجوة تاريخية شاغرة أمام الناظر يحار في تشخيصها وترتيبها .
وهنا ينفتح وجه الحاجة إلى الروايات التي نحن بصددها ، فإنها تتنبأ عن حوادث المستقبل مروية عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وعن خلفائه المعصومين عليهم السلام ... بطرق متواترة لا يقبل مجموعها التشكيك ... وإن كانت كل رواية منها ظنية على أي حال ، وقابلة للمناقشة أحياناً . كما سمعنا مثل ذلك في أخبار المشاهدة ، مع فرق مهم هو أن الروايات الواردة في المقام أضعاف روايات المشاهدة ، على ما سنعرف صورة منه في الفصل الآتي .
على أن جملة منها يحتوي على التنبؤ بحوادث قد حدثت فعلاً خلال الزمان ، على ما سنعرف ، وقد صدر التنبؤ بها قبل حدوثها بزمن طويل ... وهو شاهد على صدقها وصدق قائلها وعلى ارتباط القائل بالله عز وجل بشكل وآخر ، فإن كل علم غيب لا بد أن يكون مستقى من علام الغيوب .
صفحة (176)
ومعه فتكون هذه الروايات ، صالحة لملء الفجوات التاريخية التي أهملها التاريخ ، أو لم يكون موضوعياً تجاهها. ولكنها – على أي حال – تحتوي على بعض المصاعب ، لا بد من استعراضها ، واستعراض ما يمكن أن يكون منهجاً لتذليل تلكم المصاعب .
مصاعبها :
تتلخص المصاعب في نقطتين رئيسيتين ، من حيث أن الطعن تارة يتوجه إلى السند أي إلى وثاقة الرواة وصدقهم . ويتوجه إلى الدلالة ، أي إلى ما نفهمه من النص المروي تارة أخرى .
النقطة الأولى :
فميا يرجع إلى السند . ولئن كانت القاعدة العامة في الروايات هي التأكد من وثاقة الراوي والتزامه الصدق في المقال قبل قبول روايته ... فإن الروايات التي نحن بصددها أشد خطراً في هذا المجال ، من أشكال الروايات الأخرى. من حيث أن احتمال الوضع والتحريف أكثر بكثير مما هو في سائر الروايات . وذلك باعتبار عدة أمور :
الأمر الأول :
احتمال الوضع . فإن الكاذب قد يخشى الوضع عندما يخاف الافتضاح ، عند وضوح عدم مطابقة روايته للواقع . وخشية الافتضاح متوفرة – عادة – في سائر موارد الروايات ، إلا أنها في روايات التنبؤ أقل منها في غيرها من عدة نواحٍ :
الناحية الأولى :
إن هذه الروايات تتنبأ عن حوادث مغرقة في المستقبل السحيق الذي لا يمكن أن تتأكد من صدقه الأجيال . ومعه تبقى الرواية محتملة الصدق دهراً طويلاً جداً ، أكثر مما يطمع به الكاذب . وفي كل جيل إن لم تحدث الحادثة الموعودة يقال : لعلها في الأجيال القادمة ، ومعه يبقى كذب الرواي سراً غير قابل للكشف .
الناحية الثانية :
إن جملة من هذه الروايات – على ما سنسمع – ذو بيان رمزي وعبارات ذات درجة كبيرة من السعة والإبهام ، بحيث يمكن أن تنطبق العبارة على عدة حوادث محتملة . ومعه فيقول كل جيل : لعل المقصود هذه الحادثة ولعل المقصود حادثة أخرى آتية ... ويبقى الكذب سراً غير قابل للكشف .
صفحة (177)
الناحية الثالثة :
إن جملة من هذه الروايات ، يحتمل – على أقل تقدير – أن تكون قد وضعت بعد حدوث الحوادث ، ونسبت إلى قائل سابق على الحدوث . ومعه قد يجدها الفرد الباحث مطابقة للواقع ، مع أنها مكذوبة . ومن الطبيعي أن يكون شعور الكاذب بمطابقة روايته للواقع ما يهوّن لديه خوف الافتضاح إلى حد كبير .
الأمر الثاني :
النقل بالمعنى . وهذا ليس محتملاً فحسب ، بل هو معلوم التحقق في كثير من الأخبار .
والنقل بالمعنى ، لا يكاد يكون مضراً في الروايات الاعتيادية ، كالروايات المتعرضة إلى الفقة والفلسفة ... فإن اللفظ أو مرادفه ، والجملة ومثيلتها ، يعطيان معنى متشابهاً إلى حد كبير ... واحتمال اختلاف المعنى يكون ملغى ومدفوعاً إذا كان الراوي معلوم الضبط والوثاقة .
وأما في روايات التنبؤ بالمستقبل ، فليس الأمر فيها على هذا الغرار . فأنها تصدر في الأعم الأغلب عن قائلها : النبي (ص) أو غيره رمزية غير واضحة المعنى ، بحيث يحتاج فهمها إلى تدقيق . ومن المعلوم أن التعبير عن اللفظ الرامز بلفظ آخر يمسخه مسخاً ويغير معناه تغييراً كلياً أو يكاد .
وهذا الاحتمال لا يدفعه العلم بالوثاقة والضبط في الراوي ، بعد جواز النقل بالمعنى شرعاً ، واحتمال عدم فهم الراوي للمعنى المرموز إليه ، كي يختار المرادف الصحيح لألفاظ الراوية .
الأمر الثالث :
احتمال الإسقاط من ألفاظ الرواية في أثناء تناقلها من قبل الرواة .
فإن القواعد العامة في سائر الروايات ، تقتضي إلغاء هذا الاحتمال ، باستظهار كون الراوي ناقلاً لجميع الألفاظ ، أو لجميع ما يتعلق بالمضمون الواحد من قرائن وخصوصيات . إذا كان الراوي ثقة ، إذ لو كان قد أسقط بعض ذلك لكان قد أخل بنقله وبوثاقته في نهاية المطاف . ومعه تكون وثاقته دليلاً على أنه نقل إلينا كل ما يتعلق بالمضمون المعطى في الرواية .
صفحة (178)
إلا أن ذلك ليس بذي فائدة في روايات التنبؤ بالمستقبل ، وذلك من ناحيتين :
الناحية الأولى :
إذا احتملنا وجود قرينة لفظية أو غيرها ، لم يفهم الراوي كونها قرينة مغيرة للمعنى أو مؤثرة فيه ، فحذفها . والراوي الثقة إنما يتعهد نقل ما يفهم تأثيره من القرائن بطبيعة الحال ، دون غيرها . ومعه لا تكون وثاقة الراوي نافية لهذا الاحتمال .
ومثل هذا الاحتمال ، لا يكاد يكون موجوداً في الروايات الاعتيادية ولكنه موجود بكل وضوح في الروايات الرمزية ، التي قد تخفى معاني ألفاظها ، فضلاً عن قرائنها الدقيقة .
الناحية الثانية :
إذا احتملنا أن الرواية كانت متضمنة لنقل أكثر نم حادثة واحدة ، واحتملنا أن نقل الحادثتين معاً ، له تأثير في الفهم الدقيق والصحيح لإحداهما أو لكليهما . في حين لم تكن الرواية التي وصلتنا حاوية إلا لحادثة واحدة .
وهذا الاحتمال لا يمكن إلغاؤه بالعلم بوثاقة الراوي ، فإن غاية ما يتعهد به الراوي الثقة هو أن ينقل كل ما له ارتباط بالمضمون الواحد ، وأما إذا كان الإمام (ع) أو النبي (ص) قد أعرب عن مضمونين ، فقد يختار الراوي نقل أحدهما دون الآخر ، ولا يكون في ذلك اختلال في وثاقته .
واحتمال أن يكون لنقل المضمونين أو الحادثتين معاً دخلاً في المعنى ... غير موجود عادة في سائر الرويات . ولكنه موجود في الروايات التي نحن بصددها ... بل هو ليس احتمالاً فقط ، وغنما نحن نعلم بذلك لعدة أسباب ، أهمها : أننا نحتاج في بحثنا إلى الربط بين الحوادث وتشخيص تسلسلها الزمني ، ومعرفة اتجاهات أصحابها ، ومعرفة التخطيط الإلهي الذي يقتضي كلا منها . فإذا اطلعنا على الحادثة وحدها لم يكن إلى فهم شيء من ذلك سبيل . وأما إذا اطلعنا عليها منضمة إلى غيرها ، أمكننا أن نتوصل إلى ذلك .
صفحة (179)
إذن فلا بد لنا أن نضع منهجاً لتمحيص هذه الجهات السندية وتذليل مصاعبها ، وذلك ما سنعرضه فيما يلي :
منهج التمحيص السندي :
وهو يتضمن جانبين : جانب إيجابي وجانب سلبي ، فالجانب الإيجابي يقتضي بالأخذ ببعض الروايات والجانب السلبي يقتضي رفض الأخذ بالبعض الآخر منها .
أما الجانب الإيجابي ، فهو الأخذ من الروايات بوقوع الحادثة وصحة النقل . وبكل مضمون مستفيض لفظاً أو معناً ، بحيث يوجب الاطمئنان من تجمع الروايات بصحة النقل ووقوع الحادثة . وبكل مضمون اقترنت به القرائن العامة أو الخاصة ، التي توجب العلم أو الاطمئنان بالصدق . وهذا يستدعي – في كثير من الأحيان – تجميع العديد من الروايات والقرائن على صحة مطلب أو وقوع واقعة .
وهذا ما سنعمله في ما يلي من هذا التاريخ .
وأما الجانب السلبي : فيتلخص بضرورة رفض كل رواية لم تكن من ذاك القبيل ، وإن كانت مما يؤخذ بها عادة بحسب الموازين العامة في سائر الروايات ، كما لو كانت الرواية ذات سند موثوق ... فإننا لا نقبلها ما لم تقم القرائن على صحتها أو تؤيدها غيرها من الروايات .
وبهذا التشدد السندي نستطيع أن نتلافى كل الصعوبات السابقة . إذ مع العلم أو الاطمئنان بصدق المضمون، لا يبقى لاحتمال الوضع أثر ، كما لا يبقى لاحتمال النقيصة في المعنى أو اللفظ أو لاحتمال تغير المعنى عند تغير اللفظ ، أي أثر . فإن كل ذلك إنما هو حديث عن رواية واحدة لو لوحظت باستقلالها ، وأما لو انضمت إلى غيرها فلا معنى لهذا الاحتمال .
كما أن هذا الانضمام يرفع الناحية الأخيرة التي أشرنا إليها ، وهو الجهل بترابط الحوادث . فإن الانضمام يجعلنا عالمين بهذا الترابط كما هو واضح .
صفحة (180)
النقطة الثانية :
من مصاعب هذه الروايات : مصاعب الدلالة .
تتصف روايات التنبؤ بحوادث المستقبل ، بشكل عام ، بصعوبات في الدلالة والمضمون ، بعد الغض عن السند ... تلك الصعوبات الناشئة من عدة مناشئ رئيسية ، يحتمل وجود واحد منها أو أكثر في كل رواية مروية في هذا الصدد ،على ما سنرى .
وينبغي أن نتحدث أولاً ، عن السبب الذي أوجب صدور هذه الروايات عن قائليها بشكل رمزي صعب الفهم إلى حد كبير . ثم نتحدث ثانياً عن أسباب الصعوبة بالنسبة إلى فهمنا الخاص بعد أن تكون الروايات قد وصلت إلينا . ومن هنا يقع الحديث في ناحيتين :
الناحية الأولى :
في التحدث عن الأسباب التي دعت النبي (ص) والأئمة (ع) للتكلم عن حوادث المستقبل بشكل أقرب إلى الغموض والإبهام . وترك السير – بتعمد واضح – في طريق التوضيح والتفصيل .
وما يمكن أن نتصوره من أسباب ذلك ، بحسب ما نستطيع تشخيصه الآن ، يمكن إيراده ضمن عدة أمور :
الأمر الأول :
قانون : خاطب الناس على قدر عقولهم .. هذا القانون الذي سبق أن ذكرنا إنه عرفي وصحيح ، وقد مشى عليه النبي (ص) والأئمة (ع) في سائر كلماتهم .
فلئن كان النبي (ص) أو الإمام (ع) على مستوى إدراك الواقع التاريخي المتحقق بعد ألف عام أو عدة آلاف من السنين ، بحيث يرى المستقبل ببعد نظره وتوفيق ربه ، كما يرى الحاضر .. فإن البشر لم يكونوا في أي عصر من العصور على هذا المستوى من الفهم على الإطلاق . وغاية ما نرى الحكومات الحاضرة على كثرة مفكريها ودقة سياساتها ،إنها تستطيع أن تخطط لخمس سنوات أو عشر سنوات ، على نحو محتمل غير مضمون التطبيق الكامل، في الأغلب .
صفحة (181)
وأما التخطيط وبعد النظر إلى مئات وآلاف السنين ، فهو خاص بالله عز وجل ومن ارتضى من رسول ومن علمه الرسول (ص) من هذا العلم . وهو علم ضروري للأئمة المعصومين (ع) ، كي يستطيعوا أن يأخذوا بالتخطيط الإلهي إلى حيز التنفيذ ، كما سمعنا طرفاً منه ، وسنسمع طرفه الآخر فيما يأتي وعلى أي حال ، فالناس قاصرون دائماً عن إدراك مثل هذا العلم وتقبل مثل هذه الأخبار ، إذن فلا بد للإمام أخذاً بقانون التفاهم العرفي أن يببرز للناس من الحقيقة ما لا ينافر أفهامهم وما يتناسب مع واقع حياتهم . وحيث أن الواقع المعبر عنه ، أوسع وأعمق مما يستطيعون فهمه ، إذن فلا بد من اللجوء إلى الرمز والغموض في التعبير ، حفظاً لمستوى التفاهم العام .
الأمر الثاني :
إن هناك مصلحة مهمة في جعل الفرد المسلم منتظراً لظهور المهدي (ع) في كل حين ، ومستعداً نفسياً لتلقي هذا النبأ الكبير ... ومن المعلوم أن النبي (ص) أو الإمام (ع) ، لو أخبر عن الحوادث بشكل واضح ومفصل ، فإن هذا الجو النفسي يتغير إلى حد كبير . فإن الناس سوف يصبحون عالمين بعدم قيام المهدي (ع) وظهوره ما دامت تلك الحوادث لم تحدث .
وينحصر المحافظة على مستوى الانتظار المطلوب ، إذا كان الأخبار بالحوادث مشوباً بالغموض والتعميم وإهمال تحديد التاريخ . بحيث يحتمل حدوث الحادثة الموعودة في أي عصر ، فيحتمل حينئذٍ ظهور المهدي (ع) بعدها في ذلك العصر .
الأمر الثالث :
إننا نحتمل – على الاقل – أن الحوادث لو كانت قد عرضت مفصلة ، لأوجبت فشل التخطيط الإلهي للإعداد لظهور المهدي (ع) ، لإمكان استغلال المستغلين لها قبل حدوثها ، وإمكان تلافي ما يتوقع أن تنتجه من الظلم ، واستدرار ما يمكن أن تدره من ربح . وهذا ليس فيه مصلحة . بل إنما يكون التخطيط ناجحاً إذا جاءت الحادثة عفوية وعلى طبق التطور الطبيعي للتاريخ .
إذن فالإغماض عند عرض الحوادث ، يعتبر مشاركة فعلية من قبل النبي (ص) والإمام (ع) في إنجاح المخطط الإلهي ، لإيجاد شرائط الظهور .
صفحة (182)
الأمر الرابع :
إن النبي (ص) أو الإمام (ع) إنما يذكر بعض حوادث المستقبل لمحل الاستشهاد أوعبرة أو موعظة أو نحو ذلك . إذن فلا بد له أن يقتصر على المقدار الذي يوفي المطلوب ، ويكون من المستهجن – عادة – الاستمرار في سرد تفاصيل الحوادث أكثر من ذلك . شأنه شأن القرآن الكريم نفسه ، الذي اقتصر من تفاصيل القصص على موضع العبرة ومورد التربية للسامعين ، وترك سائر التفاصيل . فكذلك الحال بالنسبة إلى النبي (ص) أو الإمام (ع) حين يعرب عن حادثة من حوادث المستقبل .
يستثنى من هذا الوجه ، الروايات التي تكون بصدد بيان حوادث المستقبل مباشرة كذكر أشراط الساعة أو علامات الظهور . فإن لا يكون من المستهجن في مثلها الاستمرار في بيان الحوادث . ومعه يكون الغموض مستنداً إلى الوجوه الأخرى .
الأمر الخامس :
أمر فلسفي عقائدي ، يعود إلى النبي (ص) أو الإمام (ع) بأن يخبر بما لا يدخله المحو والإثبات ، ويهمل ما يحتمل أن يدخله ذلك ، لاحتمال ظهور عدم مطابقته للواقع .. على تفصيل وتحقيق ليس له مجال في المقام.
فإذا عرفنا هذه الأسباب الرئيسية للغموض والإجمال في مداليل الروايات التي نتكلم عنها .. نستطيع أن ندخل ، ونحن على بينة من أمرنا ، في البحث عن تشخيص المناشئ الرئيسية اللفظية او المعنوية للغموض ، لكي نعود بعدها إلى تشخيص ما يمكن أن يكون ميزاناً لتلافي هذه المناشئ ، والخروج عن مصاعبها ، وفهم الروايات فهماً مستقيماً صحيحاً .
مناشئ الغموض :
ويمكن عرض أهم هذه المناشئ ، فيما يلي :
المنشأ الأول :
الرمزية . والمراد بها استعمال المعنى التركيبي أو الجملي ، وإرادة معنى آخر ، غير ما يفصح عنه اللفظ بوضوح.
وهذا هو الذي يميز الرمز عن الكناية والمجاز ، فإنها لا تكون إلا في مفردات الألفاظ أو النسب الكلامية ، بخلاف الرمز فإنه يكون – عادة – في الجمل التركيبية .
صفحة (183)
ومن هنا يمكن أن يكتب الفرد صفحة أو عدة صفحات من الكلام ذات معان معينة ، ولكن لا يريد الكاتب أي واحد من المعاني على التحديد ، وإنما يرمز بها إلى معان أخرى ، لا يمكن التوصل إليها إلا عن طريق قرائن خاصة أو قرائن عامة متفق عليها .
وهذا النحو من الرمز وجد في الكلام العربي القديم . وهو شائع في هذه العصر في الأدب ، وخاصة في مدرسة (الشعر الحر) . وهو الذي يفسر لنا عدداً من موارد الغموض في تلك الروايات .
مثاله : التعبير في الروايات بمثل قوله : تفقأ عين الدنيا أو قوله : تخرج من اليمن نار تضيء لها أعناق الأبل في بصري . فإن كل ذلك ليس على وجه الحقيقة ، وإنما هو رمز عن حوادث أو حركات تاريخية معينة لإيراد التصريح بها أو عرضها بشكل تفصيلي .
ومن المؤسف أن الناس حين غفلوا عن هذا المنشأ ، حملوا مثل هذه التعبيرات على معانيها المباشرة الحقيقية . وبعدها انقسموا إلى قسمين : فهناك من الناس من يصدق بما يسمعه ويفهمه من هذه الروايات ، ويحملها على المعجزات وخوارق العادات وإن كان يجهل مناشئها ومصالحها . وهناك من الناس من هو مكذب لهذه المعاني ساخط عليها ، بل على كل روايات التنبؤ بالمستقبل .
مع إن كلا المسلكين ، مما لا حاجة إلى الالتزام به . إما المسلك الأول : فلأن المعجزات لا تكون إلا بقانون – كما سبق أن عرفنا – فلا بد من تطبيق الروايات عليه ، قبل الالتزام بمضمونها جملة وتفصيلاً . على إننا لا يمكن أن نحمل مضمون الرواية على المعجزة ما لم نتأكد من فهمها أولاً . وقد عرفنا إنه من المحتمل – على أقل تقدير – أن يراد بها معان أخرى غير ما هو ظاهرها ، وقد يكون ذلك معنى لا يمت إلى المعجزة بصلة . ولعل استبعاد الفهم الإعجازي في عدد من الحالات ، يكون قرينة على الرمزية ، وإمكان حملها على ذلك .
صفحة (184)
وأما المسلك الثاني : فهو باطل أيضاً ، باعتباره منطلقاً من الاعتقاد بتشويش هذه الروايات وغرابة مضامينها ، ونحن بعد أن نثبت تنظيمها وصحة مداليلها ، لا يكون لها المسلك أي موجب . مضافاً إلى أن كثرة هذه الروايات إلى حد تفوق حد التواتر ، يمنع من إنكارها جملة وتفصيلاً كما هو واضح .
نعم ، يبقى البحث عن الأمر المرموز إليه بهذا الرمز أو ذاك . ما هو ؟ ويكف نعرفه ؟ فهذا ما سنبحثه بعد قليل .
المنشأ الثاني :
استعمال مفاهيم معينة ذات مداليل ومصاديق خاصة ، بحسب ما يعيشه الناس في عصر صدور الرواية . ومن المؤكد أنهم لم يفهموا منه إلا ذلك . إلا أن النبي (ص) أو الإمام (ع) أراد منها مصاديق أخرى ، هي المصاديق والتطبيقات التي تكون لهذا المفهوم في عصر حدوث الحادثة التي يخبر عنها .
مثال ذلك : قولهم عليهم السلام : إن المهدي (ع) يقوم بالسيف . والمراد به قوة السلاح المناسب لعصر الظهور . على حين لم يفهم المعاصرون للنبي أو الإمام إلا السيف نفسه .. ولعلهم أضافوا إليه في مخيلتهم الدرع والرمح أيضاً ..!
ومثاله الآخر : إخبارهم عن جيش يخسف به في البيداء ، فإنه من المؤكد أنه لم يفهم الناس ، حين سماعهم هذا الخبر لأول وهلة ، إلا كونه جيشاً محارباً بالسيف على الغرار القديم . مع أن مثل هذا التخيل مما لا موجب له ، بل إن الجيش محارب بسلاح عصره لا محالة .
المنشأ الثالث :
الحذف وعدم التعرض إلى التاريخ المحدد تارة وإلى المكان أخرى وإلى أسماء الأشخاص ثالثة .. وإلى أهداف ومناهج وإيديولوجيات الحركات الموعودة في التاريخ ، رابعة .. وغير ذلك من الأمور . مما يجعل العلم المفصل بالحوادث متعذراً إلى حد كبير .
مثاله : التعبير بالنفس الزكية وبالسفياني ، وعدم التعرض إلى أسمائهم صراحة . والأخبار بخروج رايات سود من خراسان ، أو بوجود طائفتين متحاربتين ودعوتهما واحدة .. مع عدم التصريح بأن دعوة هؤلاء الناس قائمة على حق أو على باطل .. إلى غير ذلك من الأمثلة .
صفحة (185)
المنشأ الرابع :
سبب نفسي من المطلعين على هذه الروايات من الباحثين ، يحمل الفرد على عدم الإذعان والتصديق أو صعوبته بتحقق الحادثة أو صدق الرواية ، وإن توفرت فيها شرائط السند ، وزالت المناشئ الثلاثة الأولى لغموض الدلالة .
وهذا الاتجاه النفسي له عدة مناشئ .. أهمها ما يلي :
أولاً : احتمال الحذف أو التغيير خلال النقل . فإن اختلال الحرف الواحد بل النقطة الواحدة ،فضلاً عن الكلمة والأكثر، مما يخل بالمقصود ويغير المعنى .. وبخاصة في مثل هذا الحقل من المعرفة الإنسانية .
ثانياً : استبعاد وقوع كل الحوادث المخبر بها في مجموع الروايات . فإن كثرة هذه الروايات ، كما تجعلها متواترة نعلم بصدق عدد مهم منها .. كذلك تجعلنا نعلم أو نظن – على الأقل – بكذب عدد آخر منها . ومن المعلوم أننا لا نستطيع أن نشخص المعلوم الصدق من معلوم الكذب . فإن كل رواية لو أخذناها لرأيناها محتملة الصدق والكذب .
ثالثاً : عدم التأكد من مطابقة عدد من المعجزات المروية في هذه الروايات ، مع قانون المعجزات الذي ذكرناه .. أي عدم التأكد من أن هذه المعجزات واقعة في طريق إقامة الحجة . ومن المعلوم أنها لو لم تكن واقعة في هذا الطريق، فمقتضى القاعدة نفيها وتكذيب راويها .
وعلى أي حال فهذه هي المناشئ المهمة للغموض والتشكيك في دلالة هذه الروايات . وهناك مناشئ أخرى تكون في مورد دون مورد ... لا حاجة إلى التعرض لها .
منهج التمحيص الدلالي :
بعد أن عرنا هذه المناشئ الرئيسية للغموض والإبهام في روايات التنبؤ عن المستقبل ، لا بد لنا أن نعرض منهجاً يذللها وإسلوباً من الفهم يبسط محتواها ويربط بين أجزائها ، لكي نتلافى تلك الصعوبات إلى أكبر حد ممكن .
ونبدأ أولاً بمناقشة المنشأ الرابع ، لكونه خاصاً بالسامع ، أي بأسلوب وصول
صفحة (186)
الفصل الثاني
فيما دلت عليه أخبار التنبؤ من حوادث وصفات للأفراد والمجتمع ، فيما يخص مقدار تمسكهم بالدين وشعورهم بالمسؤولية الإسلامية عقائدياً وسلوكياً
ونتكلم في هذا الفصل عن ناحيتين رئيسيتين ، من حيث استفادة التفاصيل المطلوبة من القواعد العامة تارة ومن الأخبار الخاصة تارة أخرى .
الناحية الأولى
فيما تقتضيه القواعد العامة من شكل أوضاع المجتمع ومصيره إلى الإنحراف ،ومقدار حاجته إلى ظهور المهدي(ع) لنشر الحق والعدل فيه .
ويتم بيان ذلك بكشف القناع عن التخطيط الالهي لليوم الموعود ، مدعماً بفلسفة ذلك ومناشئه وآثاره . ويتوقف بيان ذلك على عدة جهات :
الجهة الأولى :في مناشيء التخطيط الالهي :
ويمكننا أن نعرض ذلك ضمن عدة نقاط:
النقطة الأولى :
إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق متفضلاً ، ولم يخلقهم عبثاً ولم يتركهم هملاً . بل خلقهم وهو غني عنهم ، لأجل حصولهم على مصالحهم الكبرى ووصولهم إلى كمالهم المنشود ، المتمثل بإخلاص العبادة لله تعالى . قال عز من قائل : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ﴾ (1).
صفحة (201)
إذن فالغرض من الخليقة هو الحصول على هذا الكمال العظيم المتمثل بتوجيه العقيدة والمفهوم إلى الله عز وجل ، وقصر السلوك على طاعته وعدله في كل حركة وسكون . وإذا نظرنا إلى حقيقة هذا الكمال من جوانبه المتعددة ، واستطعنا تحصيل الفكرة المتكاملة عنه ، عرفنا الهدف الالهي المقصود الذي أصبح هدفاً لإيجاد الخليقة .
الجانب الأول :
إيجاد الفرد الكامل . من حيث أن قصر الإنسان نفسه على التربية بيد الحكمة الالهية الكبرى وتحت إشرافها وتدبيرها ، يوجد فيه الإنسان العادل الكامل ، الذي يعيش محض الحرية عن إنحرافات العاطفة والمصالح الضيقة ، والمساوق في إنطلاقه مع إنطلاقة الكون الكبرى إلى الله عز وجل .
الجانب الثاني :
إيجاد المجتمع الكامل ،والبشرية الكاملة المتمثلة من مجموعة الأفراد الذين يعيشون على مستوى العدل والإخلاص، والتجرد من كل شيء سوى عبادة اله تعالى ، تلك العبادة التي تتضمن تربية الفرد والمجتمع ، والارتباط بكل شيء على مستوى العدل الالهي .
الجانب الثالث :
إيجاد الدولة العادلة التي تحكم المجتمع بالحق والعدل ، بشريعة الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . وتكون هي المسؤولة الأساسية عن السير قدماً بالمجتمع والبشرية نحو زيادة في التكامل في الطريق الطويل غير المتناهي الخطوات .
فهذا هو معنى
العبادة المقصود في الآية ، وكل ما كان على خلاق ذلك فهو تقصير في العبادة
الحقيقية تجاه الله عز وجل ، ولا يمكن أن نفهم من الآية هذا المعنى القاصر بطبيعة
الحال .
ـــــــــــــــــ
(1)
الذاريات 51 / 56
صفحة (202)
النقطة الثانية :
إن الآية واضحة الظهور في أن الغاية الأساسية والغرض الأصلي من إيجاد البشرية هو إيجاد هذه العبادة الكاملة في ربوع البشرية ، أو إيصالها إلى هذا المستوى الرفيع . وذلك بقرينة وجود التعليل في قوله تعالى : ليعبدون ، مع الحصر المستفاد من الآية من وقوع أداة الاستثناء (إلا) بعد النفي حين قال عز من قائل : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ﴾ .
إذن فهذا هو الهدف الوحيد المنحصر الذي لا شيء وراءه من خلقة البشرية ، المعبر عنهم بالإنس . وهذا الهدف ملحوظ ومخطط بشكل خاص منذ بدء الخليقة ، ويبقى ـ بطبيعة الحال ـ مواكباً لها ما دامت البشرية في الوجود .
وهذا بالضبط هو ما نعنيه حين نقول : أن الله تعالى لم يخلق البشرية لأجل مصلحته ، فأنه غني عن العالمين ، وإنما خلقهم لأجل مصلحتهم . وأي مصلحة يريدها الله لعباده غير كمالهم ورشدهم وصلاحهم المتمثل بالعبادة المخصلة والتوجه إليه بالخيرات نحوه عز وعلا .
النقطة الثالثة :
إن الغرض الالهي من خلق البشرية ، ما دام هو ذلك ، إذن فلا بد أن يشاء الله تعالى إيجاد كل ما يحققه والحيلولة دون كل ما يحول عنه ... شأن كل غرض إلهي مهم .... فإن الحكمة الأزلية حيت تتعلق بوجود أي شيء ، فإن تخلفه يكون مستحيلاً ، وتكون إرادة الله تعالى متعلقة بإيجاده لو كان شيئاً آنياً فورياً ، أو التخطيط لوجوده لو كان شيئاً مؤجلاً ومحتاجاً إلى مقدمات من الضروري أن توجد قبله .
وقد برهنا في رسالتنا الخاصة بالمفهوم الإسلامي للمعجزة أن الغرض الالهي المهم إذا تعلق بهدف من الأهداف ، فإنه لا بد من وجود ذلك الهدف ، ولو استلزم بوجوده أو ببعض مقدماته خرق قوانين الطبيعة ، وإيجاد المعجزات . فإن القوانين الطبيعية إنما أوجدها الله تعالى في كونه لأجل تنفيذ أغراضه من إيجاد الخلق . فإذا توقفت تلك الأغراض على انخرام تلك القوانين وحدوث المعجزات أحياناً أو في كثير من الأحيان .... كانت تلك القوانين الطبيعية قاصرة عن الممانعة والتأثير .
صفحة (203)
وهذا هو الذي يلقي الضوء على الفكرة الأساسية التي يقوم عليها ( قانون المعجزات ) الذي أشرنا إليه .... ونؤجل الغوص في تفاصيل ذلك إلى رسالتنا الخاصة بها .
النقطة الرابعة :
أننا نجد بالوجدان القطعي أن هذا الغرض الالهي المهم الذي نطقت به الآية بالمعنى الذي فهمناه ، لم يحدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ وجودها إلى العصر الحاضر . إذن فهو باليقين سوف يحدث في مستقبل عمر البشرية بمشيئة خالقها العظيم . وهذه هي الفكرة الأساسية التي ننطلق فيها إلى التسليم بالتخطيط الالهي لليوم الموعود .
ولئن كان المنطق الأساسي في هذا البرهان هوقوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ﴾...فإنه يمكن الإنطلاق إلى نفس النتيجة من آيات قرآنية أخرى نذكر منها آيتين ، مع بيان الوجه في الاستدلال مختصراً ،ونحيل التفصيل إلى الكتاب الخامس من هذه الموسوعة الخاص بإثبات وجود المهدي (ع) عن طريق القرآن الكريم .
الآية الأولى :
﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً . ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾(1) .
فهذا وعد صريح من
الله عز وجل ، و ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد
﴾(2)
للبشرية المؤمنة الصالحة التي قاست الظلم والعذاب في عصور الإنحراف وبذلت من
التضحيات الشيء الكثير ... بأن يستخلفهم في الأرض ، بمعنى أنه يوفقهم إلى السلطة
الفعلية على البشرية وممارسة الولاية الحقيقية فيهم .
ــــــــــــــــــــــ
(1)
سورة النور 24 / 55 .(2)
آل
عمران 3 / 9 والرعد 13 / 31 وغيرهما بألفاظ مشابهة .
صفحة (204)
فإذا استطعنا أن نفهم من (الأرض ) كل القسم المسكون من البسيطة ، كما هو الظاهر من الكلمة والمعنى الواضح منها حملاً للأم على الجنس بعد عدم وجود أي قرينة على انصرافها إلى أرض معينة . ومعنى حملها على الجنس : إن كل أرض على الإطلاق سوف تكون مشمولة لسلطة المؤمنين واستخلافهم وسيحكمون وجه البسيطة .
وهذا هو المناسب مع الجمل المتأخرة في الآية الكريمة ، كقوله تعالى : ﴿ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ﴾. فإن التمكين التام والاستقرار الحقيقي للدين ، لا يكون إلا عند سيادته في العالم أجمع . وكقوله تعالى : ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ .... بعد أن نعرف أن المؤمنين كانوا قبل الاستخلاف يعانون الخوف في كل مناطق العالم لسيادة الظلم والجور في العالم كله . فلا يكون الخوف قد تبدل إلى الأمن حقيقة إلا بعد أن تتم لهم السلطة على وجه البسيطة كلها .
فإذا تم لنا من الآية ذلك ، ولاحظنا وجداننا الذي ذكرناه وهو أن هذا الوضع الإجتماعي العالمي الموعد ، لم يتحقق على مدى التاريخ منذ فجر البشرية إلى عصرنا الحاضر . إذن فهو مما سيتحقق في مستقبل الدهر يقيناً طبقاً للوعد الالهي القطعي غير القابل للتخلف أو التمييع .
الآية الثانية :
قوله تعالى : ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾(1) .
وهي تعطينا بوضوح ، الغاية والغرض الرئيسي من إرسال رسول الإلسام صلى الله عليه وآله بالهدى ودين الحق. يدلنا على ذلك قوله تعالى ليظهره ، حيث دلت لام التعليل على الغاية ، والسبب في إنزال شريعة الإسلام وهو أن يظهره أي يجعله منتصراً ومسيطراً على غيره من الأديان والقائد كلها . وذلك لا يكون إلا بسيطرة دين الحق على العالم كله .
وإذا كان هذا غاية
من إرسال الإٍسلام ،إذن فهو يقيني الحدوث في مستقبل الدهر . لأن الغايات الالهية
غير قابلة للتخلف .
ــــــــــــــــــــــ
(1)
التوبة : 9 / 23 والصف : 61 / 9 وانظر سورة الفتح : 48 / 28
صفحة (205)
ولئن دلت هاتان الآيتان على نفس المطلوب ... إلا أن قوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾، أهم في مقام الاستدلال على ذلك ، لأنها تدلنا على الغرض الأسمى لخلق البشرية أساساً ذلك الغرض الذي كان موجوداً منذ بدء الخلق . بخلاف الآيتين الأخيرتين ، فإنهما مختصتان بمضامين محدودة نسبياً ، كما يتضح لمن فكر في مدلوليهما .
وإن هاتين الآيتين في الواقع ، من تطبيقات ذلك الغرض الأسمى الذي نطقت به ، الآية الكريمة الأولى ، كما سيتضح بعد قليل عند معرفتنا بتفاصيل التخطيط الالهي لليوم الموعود .
النقطة الخامسة :
إن تكامل الفرد ، وبالتالي تكامل المجتمع البشري ، يتوقف ـ بعد أن وهبه الله عز وعلا العقل والاختيار ـ على عاملين : عامل خارجي وعامل داخلي أو قل : عامل موضوعي وعامل ذاتي .
أما العامل الخارجي الموضوعي ، فهو إفهام الفرد ـ وبالتالي المجتمع ـ معنى العدل والكمال الذي ينبغي أن يستهدفه والمنهج الذي يجب عليه أن يتبعه في حياته ويقصر عليه سلوكه .
وهذا الإفهام لا يمكن صدوره إلا عن الله عز وجل ، بعد البرهنة على عدم إمكان توصل البشرية إلى كمالها ومعرفتها بالعدل الحقيقي إذا عزلت فكرياً عن الحكمة الأزلية الالهية ، كما صح البرهان عليه في بحوث العقائد الإسلامية . ومن ثم لا يمكن أن يتحقق الغرض الالهي المهم في هداية البشرية وإيجاد العبادة الكاملة في ربوعها ، إذا أوكلت البشرية إلى نفسها وفكرها القاصر ، وألقي حبلها على غاربها . إذن ، فلا بد من أجل التوصل إلى ذلك الغرض الكبير من أن يفهمها الله تعالى معنى العدل والكمال وتفاصيل السلوك الصالح الذي يجب اتخاذه .
وحيث أن إفهام البشرية من قبل الله تعالى بالمباشرة والمواجهة مستحيل ، كما صح البرهان عليه في بحوث العقائد الإسلامية ، احتاجت البشرية إلى أن يرسل الله تعالى إليها أنبياء مبشرين ومنذرين . وأن يكون إرسالهم وإثبات صدقهم طبقاً لقانون المعجزات . لأن هذه المعجزات تقع في طريق هداية البشر والوصول إلى إيجاد الغرض المهم من إيجادهم .
صفحة (206)
ومنه نستطيع أن نلاحظ ، كيف أن خط الأنبياء الطويل ، والأعداد الكبيرة منهم ، إنما كان باعتبار التقديم والتمهيد للغرض الكبير . باعتبار أن البشرية حين أول وجودها كانت قاصرة عن فهم تفاصيل العدل الكامل ، فلم يكن في الإمكان إيجاد المجتمع العادل الكامل الموعود في ربوعها لأول وهلة . بل كان لا بد أن تتربى البشرية تدريجياً إلى أن تصل إلى المستوى اللائق الذي يؤهلها لمجرد فهم العدل الكامل الذي يريد الله تعالى تطبيقه في اليوم الموعود .
ومن هنا نعرف أن الأنبياء إنما تعددوا وتكثروا من أجل إعداد البشرية وتربيتها للوصول إلى هذا المستوى اللائق ... لكي يتم لها هذا العامل الخارجي الأساسي وهو إفهامها العدل الكامل والأطروحة النظرية التامة للعدل التشريعي الذي يريد الله تعالى تطبيقها على وجه الأرض ، والتي بها تتحقق العبادة الكاملة التي يرضاها الله تعالى لخلقه ، وبها يتحقق الهدف الأساسي لإيجاد الخليقة .
وأما العامل الداخلي الذاتي ، فهو الشعور بالمسؤولية تجاه الأطروحة العادلة الكاملة ، باعتبار أنها إنما تضمن العدل فيما إذا أطاعها الأفراد وطبقت في حياتهم ،وهي إنما تضمن الطاعة التامة،مع وجود الشعور بالمسؤولية،إذن فلا بد من أجل وجود العدل أن يوجد هذا العامل الداخلي الذاتي في الإنسان .
وإنما يوجد الشعور بالمسؤولية وينمو ، نتيجة لأسباب ثلاثة ، مقترنة :
السبب الأول :
إدراك العقل لأهمية طاعة الله والخضوع له والإنصياع إلى أوامره ونواهيه ، باعتباره مستحقاً للعبادة مع غض النظر عن أي اعتبار آخر .
السبب الثاني :
الشعور بأهمية طاعة الله تعالى ، باعتبارها الضامن الحقيقي للعدل المطلق ، على المستويين الفردي والإجتماعي، أو بتعبير آخر : تربية الإخلاص الذاتي لطاعة الله باعتبار المعرفة الواضحة بضمانها للعدل المطلق .
صفحة (207)
السبب الثالث :
العامل الأخروي المتمثل بالطمع بالثواب الذي رصده الله تبارك وتعالى للمطيعين ، والخوف من العقاب الذي توعد به العاصين والمذنبين .
وهناك فرق أساسي في طرق إيجاد هذه الأسباب . فالسببان الأول والأخير يوجدان بالتربية النظرية فقط ، ويتحققان بمجرد الفات الفرد إليهما وتصديقه بصحتهما . وأما السبب الثاني ، فالبرهنة النظرية عليه غير كافية بطبيعة الحال، بشكل ينتج الإخلاص والوعي الحقيقيين والاستعداد للتفاني في سبيل العدل المطلق .... في سبيل الله تعالى . بل يحتاج ذلك إلى تمرين طويل الأمد وتجربة وممارسة .
ومن هنا تنبثق أهمية هذه التجربة والممارسة في تربية الإخلاص بشكل خاص ، والتكامل بشكل عام ... بصفة إحدى المقدمات الأساسية والأسباب الرئيسية لإيجاد المجتمع العادل ، الذي يتحقق فيه الغرض الأساسي لإيجاد البشرية .
النقطة السادسة :
إن التجربة والممارسة التي عرفنا أهميتها في تربية الإخلاص والإندفاع إلى الطاعة ، إذا لاحظناها على أساس فردي لم تكتسب أهمية أكثر من انتاج الإخلاص والتكامل للفرد الواحد . وأما إذا لاحظناها على أساس عام ، وقلنا أن المجتمع بصفته مكوناً من أفراد ، والأمة بصفتها مكونة من مجتمعات ، يجب أن تمر بدور التربية والتجربة التي تنمي فيها روح الإخلاص والطاعة تجاه تعاليم الله عز وجل .
إذن تكتسب تربية الأمة والتجربة التي يجب أن يمر بها الأمة نفس الأهمية الكبرى ، باعتبارها مقدمة حقيقية للغرض الالهي الكبير من إيجاد الخليقة . فإذا علمنا ـ كما سبق ـ أن الله تعالى يفعل أي شيء يكون مقدمة لوجود غرضه الأساسي .... إذن فهو ـ بكل تأكيد ـ سوف يخطط لتربية الأمة على هذا الطريق .
وقد يخطر في الذه هذا السؤال : إن هذه التربية حين تكون مقدمة للغرض الالهي ، ويكون الغرض مهماً بحيث عرفنا أنه يمكن إقامة المعجزات في سبيل التمهيد إليه . فلماذا لا توجد هذه التربية في ربوع الأمة دفعة واحدة عن طريق المعجزة ؟
صفحة (208)
والجواب على هذا السؤال يكون من وجوه ثلاثة :
الوجه الأول :
إن إيجاد الإيمان والإخلاص في أنفس الأفراد بطريق المعجزة ، يؤدي بنا إلى القول بأن الله تعالى يجبر الأفراد على الطاعات وترك المعاصي وهذا مبرهن على بطلانه وفساده في بحوث العقائد الإسلامية .
الوجه الثاني :
إن هذا الأسلوب المقترح من المعجزة ينافي قانون المعجزات ، إذن فلا يمكن وجود مثل هذه المعجزة .
والسبب في ذلك هو أن قانون المعجزات ، كما عرفناه ، يقضي بعدم قيام المعجزة ما لم يكن قيامها طريقاً منحصراً لإقامة الحجة وهداية البشرية . وأما إذا كانت للنتيجة المطلوبة أساليب طبيعية غير إعجازية ، كان عدم قيام المعجزة حتمياً ، وأوكل الله تعالى إيجاد النتيجة إلى أسبابها الطبيعية نفسها ، مهما طال الزمن بهذه الأسباب والنتائج. فإن الله تعالى طويل الانات ولا يفرق في ذاته مرور الزمان .
فإذا طبقنا ذلك على مورد حديثنا ، وجدنا أن لتربية الأمة أسباب طبيعية سوف نعرض لها في النقطة الآتية ، يمكن أن تنتج نتائجها خلال زمان طويل . ومعه يكون عدم قيام المعجزة لإيجاد تلكم النتائج الحتمية .
الوجه الثالث :
أننا لو تنزلنا ـ جدلاً ـ عن الوجهين السابقين. وقلنا بإمكان تربية الأمة عن طريق المعجزات . فيكون الأمر دائراً ومردداً بين تربية الامة عن هذا الطريق أو تربيتها عن الطريق الطبيعي . عندئذ يمكن القول : أن الأهداف التربوية التي يمكن إيجادها بالطرق الطبيعية أفضل بكثير من الأهداف التربوية التي يمكن إيجادها بالمعجزات . ولا تتحقق العبادة الكاملة المطلوبة لله عز وجل إلا باختيار أفضل الفردين . ومن هنا لا بد من الالتزام بعدم قيام المعجزات لأنها الطريق الأردأ في تربية الأمة .
صفحة (209)
والسبب في ذلك : هي أن التربية إن وجدت بطرقها الطبيعية ، كانت متضمنة لمرتبة عالية من الرشد والنضج من الناحية السلوكية والعقائدية ، لأن من الطرق الطبيعية للتربية ـ على ما سنعرف ـ التمحيص والاختبار ، والمرور بالتجارب القاسية . فإذا خرج الفرد من التمحيص والتجربة ناجحاً منتصراً ، كان إخلاصه قد اكتسب نضجاً ورشداً لم يكن في السابق ، باعتبارأن الفرد أصبح يعرف ما هي ردود الفعل المطلوبة تجاه المصاعب ، وما هي قيمة العدل في حل مشاكل البشرية بإزاء الحلول الأخرى الفاشلة التي عرضها الآخرون . وكل ذلك لا يكون إلا خلال ردح طويل من الزمن .
بخلاف المعجزة ، فإنها إن أحدثت المجتمع الصالح ، فإنها لا يمكن أن توجد نضجه ورشده بأي حال ، بل سوف يكون مجتمعاً فجاً وعدلاً صورياً بطبيعة الحال . ما لم تفترض أمور أخرى إضافية كنزول الوحي على كل أفراد الأمة ... أو نحو ذلك مم الم تقم عليه الدعوة الالهية على طول خط التاريخ الطويل .
النقطة السابعة :
في محاولة التعرف على الأسباب الطبيعية للتربية وإيجاد الإخلاص .
تتوقف التجربة والممارسة التي يجب أن تمر بها الأمة في تربيتها الطويلة ... على أحد عاملين :
العامل الاول :
التطبيق الفعلي الحي للمجتمع العادل المطلق ، حتى يراه الناس ويحبوه ويقدموا مصالحه العامة على مصالحهم الخاصة . فإن شعور الناس بوجود العدل المطلق مبطقاً على وجه الأرض ، يكفي بمجرده في توجيه عواطف الناس وصهر إخلاصهم إلى حد بعيد .
صفحة (210)
العامل الثاني :
مرور الأمة خلال تربيتها بعوامل صعبة وظروف ظالمة عسرة ، تجعلها تتوفر شيئاً فشيئاً على التعمق الفكري والعاطفي ، وتصوغ منها في نهاية المطاف أمة شاعرة بالمسؤولية قوية الإرادة والعزم على تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة .
وذلك بعد أن تعيش الأمة الشعور بأمرين مقترنين :
أحدهما : الشعور بأفضلية الأطروحة العادلة ، لا بشكل نظري فحسب ، بل بشكل حسي معاش . بعد أن تمت المقارنة لدى الأمة بكل وضوح بين هذه الأطروحة وبين سائر النظم والقوانين والنظريات المخالفة لها . وثبت بالتجربة فشل سائر النظم والنظريات ، وأدائها إلى أنواع مختلفة من الظلم والتعسف . باعتبار النقص الذاتي الموجود في سائر النظم ، ذلك النقص الذي تبرأ منه وتعلو عليه الأطروحة الكاملة .
ثانيهما : الشعور بأهمية التضحية الحقيقية على مختلف المستويات في سبيل الأطروحة الكاملة التي يؤمنون بها . والإحساس المباشر بلزوم الصبر والمثابرة والصمود أمام القوى الظالمة تمسكاً بالحق .
وبالرغم من صحة العاملين كليهما وأثرهما الأكيد في تربية الأمة . إلاّ أننا إذا فرضنا كلاً منهما معزولاً عن الآخر، نجد أن العامل الثاني أهم من الأول من جهتين أساسيتين :
أولاً : إن محبة الأطروحة العادلة والإخلاص لها عند تطبيقها ، أمر موافق للهوى والمصالح الشخصية ، لأنها تضمن للإنسان سعادته ورفاهه الفردي والإجتماعي .
وأما محبة الأطروحة العادلة في ظروف الظلم والتضحية ، فهي محبة واعية عميقة تدفع الإنسان إلى المكافحة والجهاد في سبيل إيجاد الواقع الإجتماعي العادل .
ومن المعلوم أن المحب المخلص على الشكل الأول ، إذا لم يمر بتجارب التضحية ، يكون مهدداً بالإنحراف والإرتداد عند مواجهة أول صعوبة يجابهها ، يشعر خلالها بالتنافي بين مصالحه الخاصة والمصالح العامة . فإذا كانت هذه الظاهرة عامة بين الأفراد ... لم يكن ذلك التطبيق قابلاً للاستمرار والبقاء . ولا يمكن أن تكون هذه الظاهرة عامة بأي حال لو كان الإخلاص ناتجاً عن تضحية وصمود .
صفحة (211)
ثانياً : نعرف مما تقدم أن العامل الثاني يجب أن يكون متقدماً زماناً على العامل الأول ، باعتبار توقف التطبيق الحقيقي عليه . فإن العدل لا يكون عميقاً وأساسياً في المجتمع ، ما لم يكن كل الأفراد أو جلهم ـ على أقل تقدير ـ ممن شحذت اخلاصه التجارب ورفعت إيمانه وإرادته التضحيات ، فإنهم يكونون أقدر على العمل وأسرع انتاجاً وأكثر تحملاً للصعوبات ، مما يجعل العدل أعمق أثراً وأضمن للبقاء والاستمرار .
إذن فالغرض الالهي في إيجاد البشرية ، يتوقف وجوده على الإخلاص المنصقل بالتجارب والتضحيات . ومن المعلوم أن هذا الصقل لا يمكن حصوله إلا بالمرور في تيار التجارب والتضحيات نفسه . وهذا التيار ليس إلا الظروف الصعبة والأزمنة المظلمة الظالمة التي تمر بها البشرية خلال الأجيال .
إذن يتبرهن بكل وضوح توقف الغرض الالهي في هداية البشر وإيجاد مجتمع العبادة الكاملة ... على مرور البشرية في ظروف صعبة ظالمة ، ليكونوا عند ابتداء التطبيق على مستوى المسؤولية المطلوبة للعدل ، ويستطيعون بجدارة القيام به وبسهولة الانسجام معه .
النقطة الثامنة :
أنه من هذا المنطلق بالذات نعرف أهمية التمحيص والاختبار الذي دلت عليه الأخبار ، كما سوف نسمع ، وارتباطه الأساسي بالتقديم للهدف الالهي الكبير :
باعتبار أن ما تعيشه البشرية من ظروف ظالمة من ناحية وأمور مغرية من ناحية أخرى .... وكم للخوف والإغراء من قوة في الإندفاع ومن تأثير على النفس ... فيكون ذلك حاملاً للفرد على الإنحراف عن الله تعالى والخروج على تعاليمه العادلة. ويصبح تطبيق هذه التعاليم على نفسه وغيره من أصعب الامور ، كما قد وصف في بعض الأخبار ، بأنه كالقبص على الجمر .
ومن هنا تكون هذه الظروف ومحاولة هذا التطبيق محكاً أساسياً لمدى الإخلاص وقوة الإرادة لدى الأفراد . فينهار العدد الإغلب من البشر في أحضان الظلم والإغرا ، تبعاً لضعف إرادتهم ، وتقديم مصالحهم الشخصية وراحتهم القريبة على الأهداف الكبرى والغايات القصوى .
صفحة (212)
ويبقى العدد الأقل صادمين مكافحين ، تشتد إرادتهم وتقوي عزيمتهم ، ويشعرون باللذة والفخر في مكافحة تيارات الإنحراف والفساد . ولا يزالون في تكامل وصمود حتى يبلغوا مستوى المسؤولية الكبرى في مواجهة العالم بالعدل المطلق في اليوم الموعود .
ويكون العالم عند تمخض قانون التمحيص هذا عن نتائجه كما نطقت به الأخبار ... متكوناً من فسطاطين أو معسكرين : فسطاط كفر لا إيمان فيه وفسطاط إيمان لا كفر فيه . على ما سنسمع في الناحية الثانية من هذا الفصل .
فإن قال قائل : كيف يمكن التوفيق بين ما قلناه قبل قليل من لزوم كون الأمة بشكل عام ، المتمثلة في أكثر أفراده، مخلصة إخلاصاً حقيقياً نتيجة للتجربة والتمحيص . وبين ما قلناه الآن من أن أغلب الناس سوف ينهارون تجاه الظلم والإغراء ولا يبقى من ذوي الإخلاص الحقيقي إلا القليل .
نقول في جواب ذلك : أنه يمكن القول أن النتائج الصالحة للتمحيص لا تختص بالقليل من البشر ، وإن اختص هؤلاء بدرجات رفعية من الإخلاص لا يضارعهم بها غيرهم من الناس .
فإننا يمكن أن نرتفع بنتائج التمحيص ، من الزاوية التي نتوخاها الآن ، إلى أربع درجات :
الدرجة الأولى :
الإخلاص التام والوعي الكامل . الذي يتمثل باستعداد الفرد بالتضحية بكل عال ورخيص على الإطلاق في سبيل العدل الالهي وتطبيق تعاليم الرب العظيم وأهدافه الكبرى .
ويكون مثل هذا الفرد مؤهلاً لنيل بعض درجات القيادة والسلطة العسكرية أو المدنية في اليوم الموعود .
الدرجة الثانية :
الإخلاص الثابت المهم الذي يتمثل في قدرة الفرد على السيطرة بإرادته على كل صعوبة وإغراء مر به في حياته ، من درجات الخوف والطمع المعروفة . بغض النظر عن أنه لو مر في حياته بدرجة أعلى من التمحيص والمصاعب فهل يستطيع النجاح أيضاً أو لا . وهذا هو الذي يفرق هذه الدرجة عن سابقتها .
صفحة (213)
وهذه الدرجة هي التي تؤهل الفرد لأن يكون واحداً من القواعد الشعبية الصالحة لدولة الحق في اليوم الموعود . أو أن يكون جندياً خلال الفتح العالمي في ذلك اليوم .
الدرجة الثالثة :
الإخلاص الإقتضائي : وهو أن يكون الفرد محباً للحق والعدل الالهي في دخيلة نفسه ومسايراً لظروف الظلم أو الإغراء إلى حد ما أيضاً .
فإننا نجد في كثير من الأفراد انفكاكاً بين العقيدة والسلوك . فبينما نجد عقيدته صالحة نجد سلوكه منحرفاً نتيجة لاضطراره وظروفه الشاذة واحتياجه إلى لقمة العيش . وهو في ذات الوقت من الممكن أن يكون مدركاً لمعنى الظلم وفظاعته ، وللمسؤولية تجاه تعاليم الله العادلة . ولكنه يشعر بالقصور عن تطبيقها نتيجة لظروف الضغط والظلم التي يعيشها . ومن ثم فهو يدفن عقيدته ووعيه في قلبه ويساير الظلم والإغراء إلى بعض الخطوات .
ويمن في حق مثل هذا الفرد ، أنه بمجرد أن ترتفع ظروف الظلم ويبدأ التطبيق العادل ... فإنه سوف ينطلق إخلاصه الاقتضائي الكامن ، بعد أن ارتفع عنه المانع ، ويكون له حركة فعالة في المشاركة والتعاون في ظروف التطبيق الجديد .
الدرجة الرابعة :
أن لا يوجد الإخلاص بأي درجة من درجاته السابقة . ولكن يكون الفرد قد شعر بوضوح نتيجة لظروف التمحيص العالمي ، بفشل التجارب التي عشاتها المبادئ والفلسفات التي ادعت حل مشاكل العالم وتذليل مصاعبه ونشر العدالة والرفاه في ربوعه . فإن هذه المبادئ بعد أن تعيش التجربة والتطبيق ، وتتمخض عن نتائجها الرئيسية ، سوف يبدو بوضوح للأعم الأغلب من البشر أنها لم تتمخض إلا عن الفساد والضياع نتيجة لقصورها الذاتي ، كما سبق أن أشرنا ، وقد أضافت إلى مشكلات العالم لا أنها قد ذللت منها شيئاً .
عندئذ ينبثق شعور
خفي ، في اللاشعور ، بالحاجة العالمية الماسة إلى الحل الناجز الذي ينقذ العالم
من ورطته ويخرجه من وهدته ويوقظه من رقدته .
صفحة (214)
وهذا الحل ، وإن لم يكن ملتفتاً إليه بوضوح أو معروف بتفاصيله . ولكنه على أي حال ، توقع نفسي غامض يمكن انطباقه على أول دعوة رئيسية جديدة تدعي حل مشاكل العالم وتذليل مصاعبه . ومن هنا تفوز مثل هذه الدعوة بتأييد كل من يمثل هذه الدرجة من نتائج ريثما كانت هذه الدعوة محتملة الصدق على أي حال .
فإذا كانت هذه الدعوة هي دعوة الحق ، في يومها الموعود ، فسيكون لهذا الجو النفسي العالمي أثره الكبير في دعم التطبيق العادل ، في ذلك اليوم .
فهذه هي الدرجات الأربع التي يتمخض عنها التمحيص الالهي الكبير في عصر ما قبل الظهور . والتي تشارك ، بشكل وآخر في بناء العدل في اليوم الموعود .
ونحن نستطيع أن
نلاحظ بوضوح أن هذه الدرجات كلما ارتفعت قلَّ الأفراد المتصفون بها من البشر ،
وكلما نزلت كثر الأفراد المتصفون بها بطبيعة الحال . ومن هنا كان المتصفون
بالدرجة الأولى من الإخلاص قليلين في البشر . وهم الذي سبق أن برهنا على أن
الإمام المهدي (ع) يمكن أن لا يحتجب عنهم خلال غيبته الكبرى . كما كان المتصفون
بالدرجة الرابعة ، هم أكثر البشرية في العصر المباشر لما قبل الظهور . وتختلف
الدرجتان الثانية والثالثة فيما بين هذين الحدين من العدد .
ومن هنا نستطيع أن نقول لمن يوجه السؤال السابق: أن الدرجات الصالحة الناتجة عن
التمحيص الالهي تمثل بمجموعها عدداً كبيراً من البشر ، بل الأعم الإغلب منهم .
وليس العدد قليلاً كما تخيله السائل . وإنما العدد القليل منحصر بالدرجة العليا
من الإخلاص ، وهو مما لا يؤثر على التطبيق العادل الموعود شيئاً ، باعتبار أن
الأفراد الذي يمثلون هذه الدرجة ، سيكونون بالمقدار الكافي الذي يقومون خلاله
بمسؤولية القيادة الناجحة في اليوم الموعود . وليس من المتوقع من كل البشر أن
يكونوا قواداً ، بطبيعة الحال ! ....وعلى أي حال ، فقد اتضحت من هذه النقاط
الثمان ، المناشئ الحقيقية للتخطيط الالهي لهداية البشر وتحقيق العبادة التامة في
ربوعهم . كما اتضح البرهان على وجود هذا التخطيط ، حيث يحتاج الأمر إلى مقدمات
طويلة وطبيعية غير اعجازية . كما اتضحت جملة من ملامح هذا التخطيط ، وما يلعبه
الظلم والإنحراف الذي تعانيه البشرية على مدى التاريخ ، من دور في هذا التخطيط
الالهي الكبير .
صفحة (215)
وبقي علينا أن نعرف تفاصيل أعمق وأكثر عن هذا التخطيط ، خلال الجهات الآتية ، شروعاً بما قبل الإسلام وانتهاء بالعصر الحاضر .
الجهة الثانية :
التخطيط الالهي قبل الإسلام .
والمراد به الجزء الذي يعود إلى الفترة السابقة على الإٍسلام من عمر الخليقة ، منذ دخلت عهد الفهم والإدراك إلى حين بعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله .
وذلك : إن التخطيط الالهي الشامل لليوم الموعود ، بدأ بوجود الخليقة نفسها ، لأنه يعبر عن أسلوب تحقيق الغرض الأساسي من إيجادها . إذن فقد كان هذا التخطيط مستمراً قبل الإٍسلام وبقي مستمراً بعد الإسلام ، وسيبقى نافذاً إلى يوم يتحقق به اليوم الموعود بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة .
وينبغي أن ننطلق في الحديث عن ذلك ضمن عدة نقاط :
النقطة الأولى :
في مشاركة الأنبياء
إجمالاً في هذا التخطيط .
وهو ما سبق أن حملنا عن ذلك فكرة مختصرة ، وينبغي لنا أن نحمل الآن فكرة تفصيلية
عن السر الأساسي لذلك:
إن البشرية في مبدأ أمرها لم يكن يتوفر لديها ، بطبيعة الحال ، الشرط الأول
والثاني ، السابقين ، من شرائط تطبيق العدل الكامل (1) . فهي لا تعرف
ما هو ما هو العدل الكامل ، ولا هي مخلصة له أو مستعدة للتضحية في سبيل تطبيقه لو
عرفته .
ـــــــــــــ
(1)
أما
الشرط الثالث وهو معرفة الثواب والعقاب الآخرويين فقد كان متوفراً بشكل وآخر في
دعوات الأنبياء . فالمهم إذن هو الحديث عن الشرطين الأولين .
صفحة (216)
فكان لا بد لها ـ كجزء من التخطيط ـ أن تمر بتربية طويلة الأمد من كلتا هاتين الناحيتين . فكان أن تكفل الأنبياء هذه المهمة ، وهي تربية البشرية لتكون صالحة لفهم العدل الكامل . فكان كل نبي يشارك مشاركة جزئية قليلة أو كثيرة في ذلك ، سواء علم الناس ، بذلك في عصره أو جهلوه . لأن المهم هو تربيتهم الفكرية ، وليس المهم الفاتهم بوضوح إلى هذا التخطيط .
وهذه التربية قد انتهت ، واستطاعت البشرية ـ في نهاية المطاف ـ أن توفر الشرط الأول ، فأصبحت قابلة لفهم الأطروحة العادلة الكاملة ، فأرسل الله تعالى إليها تلك الأطروحة متمثلة بالإسلام . وبذلك تحقق الشرط الأول .
ولم تستطع البشرية إلى حد الآن أن توفر الشرط الثاني وهو استعدادها للتضحية في سبيل تطبيق العدل ، وهي على أي حال في طريق التربية على ذلك .
وكان كل نبي بطبيعة الحال ، بما فيهم نبي الإسلام (ص) يقرن تربيته الفكرية للناس بالتربية على الشرط الثاني أيضاً بمعنى إيجاد الإخلاص والاستعداد للتضحية في نفوس البشر . فكانت مشاركة الأنبياء في التربية الأولى متمثلة بما بلغوا من أحكام ، وكانت مشاركتهم في التربية الثانية متمثلة بما قدموا من تضحيات ودماء .
إلا أن التربية الأولى أنتجت نتيجتها الكاملة ، على حين لم تنتج التربية الثانية نتيجتها إلا في القليل من الناس . وذلك لمدى الضغط والإغراء الذي يوجهه الناس نحو الإنحراف من داخل نفوسهم وخارجها ، على طول خط التاريخ، مما يجعل الحق في أفواههم مراً وتحمل العدل عليهم صعباً .. وينتج في نهاية المطاف بطء التربية على الإخلاص وصعوبتها .
النقطة الثانية :
لم يكن الأنبياء ليسكتوا عن تبليغ الناس ، بشكل وآخر ، بالغرض الأساسي من إيجاد البشرية . متمثلاً بإعلامهم أن هناك يوماً يأتي في مستقبل الزمان يسود فيه العدل الالهي المطلق ويرتفع فيه كل ظلم وجور . ولا زلنا نسمع صدى هذا التبليغ متمثلاً باعتقاد عدد من الديانات السماوية بذلك وإيمانها به ، وإن اختلفت في تسمية القائد الذي يتولى ذلك التطبيق الكبير .
صفحة (217)
ولكن حيث لم يكن هذا اليوم الموعود بقريب ، ولم يكن قد تحقق الشيء المهم من شروطه .. لم يكن من اللازم إعطاء التفاصيل أكثر من هذا المقدار المجمل القليل . ومن هنا نرى أن التبليغات السابقة على الإسلام لم تكن واضحة وكافية لاجتثاث جذر الخلاف في ما تعتقده الديانات من تفاصيل اليوم الموعود .
ومعه فمن الممكن القول أن المقدار المشترك بين هذه الأديان من الاعتراف باليوم الموعود ، أمر حق ناتج عن تبليغات الأنبياء عليهم السلام . وأما التفاصيل المختلف بشأنها على مستوى هذه الديانات كتسمية القائد وغير ذلك، فهي أمور مضافة غلى تلك التعاليم من قبل الفكر البشري المنفصل عن إلهام السماء .
ومن هنا نستطيع أن نفسر اتفاق الأديان على ذلك ، منسجماً مع الغرض الأصلي لإيجاد الخليقة . ونجيب بذلك على ما يذكره بعض المستشرقين المغرضين ، من أن بعض هذه الاديان عيال على البعض الآخر في ذلك و وأن الاعتقاد باليوم الموعود راجع إلى بعض الأديان القديمة الموروثة ... وهو اعتقاد كاذب في رأي هؤلاء المغرضين .
بل هو اعتقاد صادق ، اتفقت عليه الأديان باعتبار سبب واحد هو الوحي الالهي . وكلها تشير إلى أمر واحد هو الغرض الأساسي من إيجاد الخليقة ، الذي عرفنا أن يكون من الطبيعي وجوده منذ ولادة البشرية ، وتبليغه إلى الناس من أول عهود النبوات .
كما نستطيع بذلك أن نجيب على كلام آخر يقوله بعض المرجفين ، من أن الاعتقاد باليوم الموعود ، ناشئ من شعور البشرية بالظلم وتوقانها إلى ارتفاعه وسيادة العدل على الارض .
فإننا عرفنا السبب الحقيقي لوجود هذا الاعتقاد . ومن الواضح أن مجرد التوقان إلى العدل لا يصلح سبباً له ، لأن الفرد أو المجتمع إذا أمل ارتفاع الظلم عنه ، فإنما يود أن يحدث ذلك في الزمن المعاصر القريب ، لكي يستفيد منه بشكل وآخر . وأما الاعتقاد بوجود اليوم الموعود في أجيال غير معاصرة فهذا مما لا يعود بالمصلحة إلى أي فرد معين ، لكي نحتمل أنه ناشئ من ظروف الظلم والمصاعب . فضلاً عما إذا اقترن بهذا الاعتقاد كون التقديم إليه لا يكون إلا بمرور البشرية بالمشاكل والمظالم . كما نريد البرهنة عليه . فأنه في واقعه اعتقاد بزيادة الظلم والمشاكل على البشرية في أي جيل معاصر ،وليس توقاناً إلى العدل العاجل بأي شكل من الأشكال .
صفحة (218)
ومن هنا انحصر السبب في وجود الاعتقاد القديم باليوم الموعود ، بتبليغ الأنبياء الناشئ من إلهام السماء .
وإذا طبقنا ذلك على عقيدتنا في المهدي ، كما تم عليها البرهان الصحيح ، استطعنا أن ندرك بسهولة ووضوح ، كيف أن المهدي (ع) هو القائد المذخور من قبل الله عز وجل لتحقيق الغرض الأساسي من الخليقة ... وإن عدداً من الأنبياء السابقين قد أخبروا عن ظهوره ، فضلاً عن نبي الإسلام (ص) الذي تواتر عنه النقل في ذلك . وإنما كان الاختلاف في تسميته نتيجة لاختلاف اللغات ، أو للانحراف الناشئ عند أهل الأديان بعد ذهاب أنبيائهم .
النقطة الثالثة :
لم يكن بالإمكان أن يتخذ أي نبي من الأنبياء موقف القائد للتطبيق الأساسي العام لهداية البشر ، أويتكفل إيجاد اليوم الموعود . ولم يكن ذلك داخلاً في التخطيط الالهي أصلاً . لعدم توفر أي من الشرطين الأساسيين السابقين :
أما بالنسبة إلى اشتراط أن تكون الأمة على مستوى الإخلاص والاستعداد للتضحية في سبيل التطبيق العادل ... فعدم توفره في الأمم السابقة على الإسلام واضح جداً . وحسبنا أن نستعرض النصوص الواردة في الأنبياء المشهورين ، لنعرف حال البشرية في عصورهم وفي ما بين ذلك من الدهر . فإنه إذا لم يستطع النبي منهم أن يرفع مستوى الإخلاص إلى الدرجة العليا في زمانه ، فكيف سوف يحدث بعد وفاته ؟
﴿ أما آدم عليه
السلام فقد عصى ربه فغوى
﴾
، كما نص على ذلك التنزيل (1) وقال عنه : ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل
فنسي ولم نجد له عزماً
﴾(2)
. وبدون هذا العزم المطلوب لا يمكن وجود اليوم الموعود .
ــــــــــــــ
(1)
ط . 20 / 121 .
(2)
نفس
السورة : 115 .
صفحة (219)
وأما نوح عليه السلام ، فقد قضى المئات من السنين مرشداً واعظاً ، فلم يؤثر في الناس أثراً محسوساً حتى شكا إلى الله تعالى قائلاً : ﴿ ربِّ إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ، فلم يزدهم دعائي إلى فراراً . وإني كلما دعوتهم لتغقر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم واصروا واستكبروا استكباراً ﴾(1) . حتى اضطر إلى أن يدعو عليهم بالهلاك ، فاستجاب الله تعالى دعاءه وأغرقهم بالطوفان . وليس هناك وضوح في النصوص التاريخية في تحديد مقدار ما استطاع نوح عليه السلام اكتسابه من المؤمنين بعد الطوفان .
وأما إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ، فقد كان أكثر من سابقيه تأثيراً في توجيه الناس واكتساب إيمانهم وثقتهم به . ولكنه مع ذلك لم يستطع الوصول بالأمة إلى المستوى المطلوب في العدل المطلق . حبسنا من ذلك أنه في أول عهده ألقي في النار ولم يوجد في المجتمع شخص معترض أو مستنكر ولو من الناحية الإنسانية المحضة !... ثم أنه بعد فترة غير قليلة من نبوته ، وضع زوجته وولده في واد غير ذي زرع ، ولمن يكن لديه شخص مخلص يضمه إليهما يدفع عنهما ألم الجوع والعطش وخوف السباع والهوام . فاكتفى إبراهيم (ع) بالدعاء لهما وتركهما وذهب .
فكان الله تعالى حافظاً لهذه الأمانة التي أودعت عنده ، فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم . ولولا ذلك لكانا من الهالكين .
وأما الامة التي بعث فيها موسى بن عمران عليه السلام ، فحدث عنها ولا حرج ، من حيث التمرد على نبيها وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه دينها . وكان المنطق القائل : ﴿ إذهب أنت وربك فقاتلا أنّا ههنا قاعدون ﴾(2) . هو المسيطر على أذهانهم ومعنوياتهم .. فهم على غير استعداد أن يبذلوا أن شيء في سبيل نبيهم وعقيدتهم .
وأما عبادتهم
للعجل ردحاً من الزمن ، ومطالبتهم برؤية الله تعالى جهرة ، ومراجعتهم في شأن
البقرة التي أمروا بذبحها ، وغير ذلك من الحوادث ... فهي أوضح من أن تذكر .
ــــــــــــــ
(1)
نوح
71 / 5 ـ 7
(2)
المائدة : 5 / 34 .
صفحة (220)
وأما المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، فحسبنا شاهداً على حال أمته ، أن الحواريين ، وهم طلابه وخاصته واجهوه بهذا الكلام : " يا عيسى بن مريم ، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " تشكيك صريح في قدرة الله تعالى .
ومن ثم أجابهم : ﴿ قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين . قالوا : نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم إن قد صدقتنا ونكون علينا من الشاهدين ﴾(1) . إذن فهم لم يطمئنوا به بعد ، ولم يعلموا بصدقه . فإذا كان هذا هو مستوى خاصته وطلابه ، فكيف حال سائر أفراد الأمة والمجتمع .
إذن ، فلم يكن يوجد في الناس على طول التاريخ ، ذلك المستوى العظيم من الإخلاص الذي يمكن به بناء العدل المطلق في اليوم الموعود ، وإذا كان هذا الشرط غير متوفر ، فماذا ترى الأنبياء صانعين ، حين يجدون أممهم على هذا المستوى المنخفض من الإخلاص ؟
كيف وقد عرفنا فيما سبق ، أن هذا الشرط غير متوفر إلى حد الآن ،وأن البشرية لا زالت في طريق التربية ، لكي يتوفر في ربوعها في يوم من الأيام .
وأما بالنسبة إلى الشرط الآخر وهو علم الأمة أو البشرية بالأطروحة العادلة الكاملة المأمول تطبيقها في اليوم الموعود ... فمن الواضح أن تلك الأطروحة لم تكن ناجزة ،ولمن يكن البشر على مستوى فهمها على الإطلاق . ويمكن أن يتم بيان ذلك ،باستعراض فترات التاريخ إجمالاً أيضاً .
أما الأنبياء السابقين على موسى بن عمران عليه السلام ، فلم يكن هدفهم إلا ترسيخ العقيدة الالهية ، وتوضيحها بالتدريج ، من دون أن يكون لهم تعاليم تشريعية كثيرة . حتى تكللت تلك الجهود بجهود إبراهيم الخليل عليه السلام الذي أوضح عقيدة التوحيد بشكل مبرهن وصحيح . إذن فلم يكن هناك تشريع مهم فضلاً عن افتراض وجود الأطروحة العادلة الكام