|
كتب
المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
كتاب اليوم
الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر
نقد التكوين العام
للمادية التاريخية
لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية بمرور البشرية ردحا طويلا من الزمن
بعصر بدائي، يبدا بما قبل تكون المجتمعات، وان المجتمعات والأفكار والأساليب
تكونت تدريجا، ولا زالت البشرية في مجال التطور والرقي. إلا أن النقاش ينطلق
بعد ذلك، من عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان الماركسية مسؤولة عن الجواب على هذا السؤال،
وهو أن هذه التطورات خلال العهود التاريخية الخمسة، هل هي ضرورية أم لا.
مقتضى التكوين النظري الماركسي، هو كونه ض وريا، مقترنا اقترانا
قهريا بتطور وسائل الانتاج. ومعنى ذلك: اننا لو فرضنا ان !ىا بدائيا خلق في
الأرض من جديد، لأمكن أن نتنبأ بمروره بنفس هذه العهود الحسمسة من فى ون ان
يمكنه التخلف عن ذلك. كما لا يمكن لوعي ذويه او أية سلطة داخلية أو خارجية أن
تغير من ذلك.
ولكن مقتضى عبارة ستالن التي نقلناها في الفقرة الأولى من (التكوين
العام " أن هذه العهود الخمسة يستند تحديدها إلى النقل التاريخي صرفا. فلو
كان التاريخ قد سار في كل العهود او بعضها على شكل اخر، لما كان للماركسية اي
مانع في ان تقول: ان وسائل الانتاج تطير المجتمع على الشكل (ب " لا الشكل (آأ
بخلافه على الوجه الأول، فان تغير سير التطور المادي للتاريخ يكون مستحيلا.
وطبقا للوجه الأول- أيضا- يستحيل ان يمر قسم من البلدان بشكل
من التطور. ويمر قسم آخر بشكل آخر منه. بمعنى ضرورة مرور كل البشرية 16111
بهذه العهود الخمسة، وان اختلفت فى التفاصيل.
وحيث أن الوجه الأول، هو المطابق للنظرية الماركسية الأصلية، وللتأكيدات لا
كلمات الماركسيين على التطور الضروري للمجتمع، والخارج عن وعي الناس
وإدراكهم. فإذا وجدنا بعض البلدان تختلف عن البعض الآخر، أو تتخلف عن بعض
العهود- كـما سنسمع بعد ذلك- إذن نعرف ان الماركسية قد فشلت في تفسير
التاريخ، كـما تريده من العمومية وا لشمول.
الئقطة الثانية: ان نظر الماركسية مركز باستمرار نحو أوروبا، اوروبا
فقط، انطلاقا من اللاشعور الاوروبي القائل: بأن الانسان هو الانسان الأوروبي
وغيره هباء في شبك. إذن فلاينبغي أن يعتني بماضي الناس او حاضرهم أو مستقبلهم
إلا إذا كانوا أوروبيين، أو يعود عليهم بالفائدة. ولا ينبغي ان ننسى كلمة
لينين التي سمعناها قبل قليل: ان هذه
النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهية عامة، تطبق مثلا!ا بريطانيا على غير ما
تطبق في فرنسا، وثأ فرنسا على غيرما تطبق في ألمانيا، وفي ألمانيا على غير ما
تطبق في روسيا. وهذه الدول كلها اوروبية.
ولا زلنا نذكر أحلام انجلز وماركس التي حامت حول تطبيق الشيوعية
في انكلترا والمانيا قبل روسيا، وقد فشل هذا الحلم، وكذبه الواقع. وهذه كلها
دول اوروبية ايضا. ان تفكير الرجل الاوروبي بما فيهم لينين وانجلز وماركس،
يدور في بوتقة أوروبية مغلقة، ولا يخطر في ذهنه إلا أسماء الدول الأوروبيه،
كأنها الوحيدة الوجود في العالم.
إذا التفتنا إلى ذلك، فقد يكون صحيحا أن ندعي أن اوروبا مرت
فعلا بهذ 3 العهود الخمسة، على أن يكون هذا الحكم غانا غيرمستوعب، ومهملا من
التفلسف وذكر الأسباب، ويبقى مع ذلك، قابلا للمناقشة، على ما سيأتي.
إلا اننا لو نظرنا إلى خارج أوروبا، فقد نجد التاريخ يسير على خلاف
ما سار فى اوروبا، وبالتالي على خلاف ما تريده المادية التاريخية. فالشرق
الأوسط عموما لم يمر بعهد إقطاعي مشابه لأوروبا، وان كانت
هناك ملكيات للأرض غرقليلة... إلا انها لا تبلغ إلا نسبة ضئيلة مما كان
162
عليه الاقطاع الاوروبي. ولم يكن يتصف بنفس المعاملة الوحشية مع الفلاحـن،
لوجود الفوارق النفسية والدينية والاجتماعية بين المنطقتيئ. كهـ ا أن الشرق
الأوسط لم يمر بعهد رأسمالي كالعهد الذي مرت به أوروبا ولم يكن فيه إنتاح آلي
ضخم ولا توزيع على نطاق عالمي، كـما هو معلوم.
نعم، مر الشرق الأوسط في عهود قديمة، بعهد الرق ردحا طويلا من الزمن. ولكنه
تحول إلى عهد جديد لا يشبه شيئا مما ذكرته الماركسية من العهود، هو عهد "
الاسلام " وبخاصة في صدر الاسلام والخلافة الأولى. والصين الشعبية انتقلت من
الاقطاع إلى الاشتراكية، واهملت بالمرة
عهد الراسمالية الرئيسي، وكذلك عدد من البلدان الاشتراكية بما فيها الاتحاد
السوفييتي نفسه، وقد اعترفت بذلك المصادر المتأخرة، كـما سيأتي فيما بعد.
الئقفة الثالثة: إن البشرية بدأت بمرحلة بما قبل المجتمعات... ثم
بدات المجتمعات تحدث تدريجا، فهل كان هذا الحدوث ناشئا من الوجود الطبقي إن
الطبقية لا معنى لها بدون مجتمع بطبيعة الحال. ولكن إذا كان كل تطور مستندا
إلى الوجود الطبقي، كـما تريد الماركسية ان تقول، إذن فلا يمكن ان يحدث
التطور في البشرية الأولى... مع انها قد تطورت فعلا. وقد تقوله الماركسية: ان
حدوث المجتمعات مستند إلى تطور وسائل الانتاج، لا إلى الوجود الطبقي. وهذا
التطور كان موجودا في ما قبل المجتمعات.
وجوابه ان هذا غير صحيح لوجهيئ:
الوجه الأول: إن الماركسية عودتنا أن تسند التطور العام إلى تطور وسائل
الانتاج بشكل غير مباشر. وإنما تطورها يوجب تطور علاقات الانتاج، وهذا التطور
يوجب بدوره تطور الشكل الطبقي للمجتمع، وهذا الأخير يوجب تطور سائر ظواهر
المجتمع. فكيف انقطعت هذه السلسلة، وأصبح التطور مستندا إر وسائل الانتاح
مباشرة. إن هذا لا يمكن ان يكون مفهوما من زاوية قواعد المادية التاريخية.
وإذا أمكن التطوير المباشر للانسان، فلماذا لم تلتزم به الماركسية دائما...
هل اختلفت قوة وسائل
163
الانتاج بعد تطور المجتمعات؟ إ-. واذا لم يمكن التطوير المباشر فكيف حدث ذلك
في مورد حديثنا في الانسان قبل وجود المجتمعات.
الوجه الثاني: إنه بعد التنزل- جدلا- عن الوجه الأول، وافراض
أن الماركسية تختار التطوير المباشر لوسائل الانتاح. فهذا يعني اننا ينبغي ان
نجزم بحدوث التطور في وسائل الانتاج قبل حدوث المجتمعات، لتكون المجتمعات قد
حدثت عقيبه.
إن وجود اليد وحدها، غير كاف في ذلك، لأنها وجدت مع الانسان، ولم توجد
المجتمعات إلا بعد امد طويل، تتعذر النسبة إليها فيه. فينبغي ان نفحص عن
وسيلة الانتاح أخرى... وكل وسيلة لاحظناها- بما فيه استعمال الحجر- لايوجد
دليل تاريخي على تمدمها على تكون المجتمعات. ما لم تقل الماركسية ان مقتضى
قواعد المادية التاريخية هو ذلك، فيصبح مستنتجا منها لا دليلا عليها كـما هو
المطلوب الآن.
هذا ويمكن القول ان استعمال الحجر ونحوه، ليس تطورا في وسيلة الانتاج، وإنما
التطور كان نتيجة لعمل إنساني كتركيب الحجر على المقبض ليصبح فأسا مثلا. وإذا
صح ذلك، لم يكن وجود التطور إلا في مجتمع بطبيعة الحال، لأن الاختراع
والاكتشاف لا يكون إلا في مجتمع. ومعه يكون وجود التطور في العصر السابق على
المجتمعات متعذرأ... ومعه يتعين أن يكون هذا التطور الانساني الذي هو وجود
المجتمعات غيى مستند إلم! تطور وسائل الانتاج.
إن تطور البشرية من المجتمع الشيوعي البدائي إلى عصر الرق، لم
يكن مستندا إلى الوجود الطبقي، لفرض اعتراف الماركس!ن بعدم وجود الطبقات في
المجتمع البدائي. فإذا كان كل تطور مستندا إلى الوجود الطبقي، وغير مستند إلى
وسائل الانتاج مباشرة، كما عرفناه مطابقا لقواعد المادية التاريخية وتصريحات
الماركسيين. إذن فتطور المجتمع البدائي إلى الرق، لا يكون مطابقا لتلك
القواعد.
-3-
إن الماركسية ربطت بين وجود المجتمع البدائي، وبين عدم وجود
164
الطبقية من ناحية وعدم وجود الملكية الخاصة من ناحية أخرى. مع ان كلا الأمرين
يمكن وجودهما في ذلك المجتمع.
إن المجتمع البدائي- على الأقل- كان يشعر بأهمية الأب والجد وسيطرتهما على
ذريتهما، أو- على الأقل ايضا- إن ذلك قد حدث قبل وجود الرق بزمن طويل. وهذا
يعني تحقق الوجود الطبقي في المجتمع. فإن طبقة الاباء أعلى وأكبر من طبقة
الأبناء لا محالة.
كما أن المجتمع البدائي، مهما كان التوزيع الاقتصادي فيه بدائيا ومشاعا، كما
تريد الماركسية أن تقول... إلا أن هناك اشياء- بلا شك- مستندة إلى الفرد
ومختصة به، يشعر بالغبن عند سيطرة الآخرين عليها، وانخرام مصالحه الشخصية في
ذلك، لا أقل من وجبة طعامه او ثيابه أو سلاحه، مهما كانت هذه الأمور بدائية.
كـما أن الاشاعة في الملكية، هي سيطرة جماعة محدؤخ على كمية من
المتاع كالطعام أو السلاح مثلا. وهذه الجماعة ترفض بطبيعة الحال سيطرة جماعة
اخرى على اموالها (1)، وهذا يعني وجود الملكية الخاصة في حدود الجماعة. فإن
فكرة الملكية الخاصة لا تعني استنادها لفرد واحد، بل قد تكون مشتركة بين
متعددين.
إذن، فالملكية الخاصة، كانت موجودة ايضا في المجتمع البدائي، و.!
يكن هذا المجتمع شيوعيا، كـما تريد الماركسية ان تقول. وسنبحث ذلك ايضا عند
التعرض إلى ذلك المجتمع.
ومن هنا نستطيع أن نعجب للتشكيك الذي ذكره انجلز في ملكية ابراهيم الخليل
عليه السلام لقطعانه، حيث قال:
يا ومن العسيى القول ما إذا كان موسى مؤلف ما يسمى بالكتاب الأول، قد اعتبر
البطريرك ابراهيم مالكا لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية،
أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة" (2).
بالرغم من أن ابراهيم عليه السلام كان يعيش في منطق الماركسية، يخا
(1) وهذا ما يحدث بين مجتمعيئ بدائيين لو أراد أحدهما السيطرة على الآخر. وقد
يحدث في داخل المجتمع الواحد، ولو ناثوا.
(2) اصل العائلة: انجلزص 67.
165
عهد الرق، ولا شك في وجود الملكية الخاصة في ذلك العهد. مضافا إلى ما ذكرناه
من وجود الملكية في المجتمع البدائي، لو كان مجتمعه بدائيا. وهل الملكية
الخاصة مستلزمة لاستثمار الانسان للانسان، كـما قالت الماركسية، ام لا؟!..
إن الملكية الخاصة شيء، واستثمار الانسان للانسان شيء اخر، قد
يقترنان وقد يفترقان.
قد تكون الملكية الخاصة مقترنة مع هذا الاستثمار الشنيع، كـما يحدث
في عصور الرق والاقطاع والراسمالية وعصر دكتاتورية البروليتاريا، بالنسبة إلى
غيرهم من " الرجعيين " و"أعداء الشعب والتقدم ".
وقد تكون الملكية الخاصة موجودة بدون استثمار الانسان للانسان،
كـما لو تعهد افراد المجتمع او القانون السائد أن لا تنتقل الملكية من شخص
إلى آخر، إلا برضائه وطيب قلبه، بحيث يلتزم ببطلان كل أسلوب معاملي يفقد هذا
العنصر الهام، مع سد الفرص تماما أمام اي استغلال او تحكم، كما هو الحال يا
القانون الاسلامي، كما هو غير خفي لمن راجعه. كـما قد يكون استثمار الانسان
للانسان موجودا ولاتكون الملكية
الخاصة موجودة. وذلك- بكل بساطة- في المجتمع الشيوعي (بصورته البدائية على
الأقل). فإن المتاع حيئ يكون مشاعا ولا يكون هناك جهاز حاكم، فقد يخطر في ذهن
الألوياء الأذكياء ان يحوزوا لأنفسهم أكثر من الاخرين، وهذا هو الاتجاه الذي
ولد مجتمع الرق في نهاية المطاف، باعتراف الماركسية، وهو اتجاه وجد في العصر
السابق عليه لا محالة. وباختصار، فإن استثمار الانسان للانسان، لا يحدث إلا
حين تتحكم
الأثرة والأنانية، وينعدم التعاطف الانساني، ولا ربط لذلك بالملكية الخاصة
بذاتها.
ولكن ما هو الدليل على ان استثمار الانسان للانسان شيء شنيع
وقبيح.
إننا لو قلنا بالقيمة الاخلاقية المطلقة للأشياء، فالحكم بالشناعة والقبح
على ذلك يكون يسيرا وواضحا، وأما لو قلنا باستناد القيم إلى وسائل الانتاح
166
والوجود الطبقي، فمن الواضح أننا يمكن أن نقول بكل وضوح: ان كل استثمار مناسب
في عهد تاريخي معين هوحسن في تلك الفترة وليس قبيحا. فالاسترقاق في عهد الرق
لم يكن قبيحا، حتى عند العبيد أنفسهم، ولا القنانة في عهد الاقطاع، ولا العمل
في عهد الرأسمالية. ومن ثم فاستثمار الانسان للانسان شيء جيد وحسن في نحتلف
عصور البشرية. وكذلك ليس من القبيح محاربة " أعداء الشعب يا في عصر دكتاتورية
البروليتاريا، وهي حرب عنيدة وطويلة، كما سيأتي عند الحديث عن هذا العصر.
نعم، يمكن أن تتبدل هذه القيمة إلى الشناعة والقبح في المجتمع الشيوعي
النهائي، حين تنعدم الطبقات ويزول النضال الطبقي والدولة. فإذا علمطا أن
البشرية لم تدخل بعد في الطور الأعلى النهائي، في أية
منطقة في العالم، بل ان مناطق العالم الآن موزعة- في منطق الماركسية- بين
الاقطاع والرا 1سمالية ودكتاتورية البروليتاريا... إذن فلا بد أن نحكم بحسن
استثمار الانسان للانسان، ونحن معاصرون لهذه العهود. وشمتحيل على اي فرد أن
يسبق التاريخ، بما فيهم المفكرون الماركسيون أنفسهم. فكيف حكموا بقبح
الاستثمار خلافا لقواعد ماديتهم التاريخية. فإن هذا اما على خلاف اعتقادهم،
أو ان هذا الاعتقاد وجد في أذهانهم على خلاف تلك ا لقوا عد.
وأما الدولة التي اعتقدت الماركسية أنها لم تكن في العهد الشيوعي
الأول وستكون غير موجودة في العهد الشيوعي الأخير.
قال انجلز:
" والمجتمع الذي ينظم الانتاج تنظيما جديدا على أساس اتحاد المنتجين بحرية،
وعلى قدم المساواة، سيرسل الة الدولة بأكملها، حيث ينبغي أن تكون حينذاك: إلى
متحف العاديات بجانب المغزل البدائي والفأس البرونزية لما (1).
ونحن بعد أن عرفنا وظيفة الدولة في المجتمع، وانها تنظم ما لا يستطيع الأفراد
تنظيمه... نستطيع ان نعرف تبعا لذلك عدة حقائق.
الحقيقة الأولى: إن وجود الدولة تابع لوجود درجة من التعقيد، تكتسب فيا
(1) أصل العائلة لانجلزص 230.
167
المصالح العامة درجة صعبة لايمكن للأفراد القيابم بها.
الحقيقة الثانية: إن وجود الدولة يكون ضروريا ما دامت الحياة معقدة، لا تختلف
في ذلك عهود التاريخ. ولا يمكن لأي مجتمع مهما كان اشتراكيأ أن يسوس نفسه
بنفسه بدون دولة او حكومة. إلا بعض الفروض النادرة أو غير المشروعة، التي
سنشير إليها بعد ذلك.
الحقيقة الثالثة: إن هنالى فرقأ بين الشيوعية الأولى والشيوعية الأخيرة، لو
سلمنا بوجوديهما. فانه في الشيوعية الأولى، لم تكن الحياة معقدة، بل كانت
بدائية وبسيطة للغاية، فلم تكن البشرية بحاجة إلى الدولة. واما في الثيوعية
الأخيرة، فالحياة بطبيعة الحال معقدة، بل هي أكز تعقيدا من أي عهد مضى، لأنها
أكثر حضارة ومدنية وإنتاجأ من أي وقت مضى، على ما هو المفروض. والتعقيد تابع
لوجود الحضارة والمدنية بطبيع الحال. فكيف يمكن عدم وجود الدولة، وكيف يمكن
للأفراد ان يسوسوا المجتمع باستقلالهم.
ولو كان عدم الدولة، مقترنا من التوزيع الشيوعي للمال، وناتجا منه... لكان
القول بعدم الدولة في المجتمع الأول ملازما للتهول بعدمها في المجتمع الأخير،
كما أرادت الماركسية... لأن صفة التوزيع الشيوعي مشتركة بينهما. إلا ان
الأمر- مع الأسف!- ليس كذلك بل هو تابع لدرجة معينة من التعقيد الاجتماعي.
وهو متوفري المجتمع الأخير وغير متوفر في المجتمع الأول، فمن الطبيعي أن يكون
المجتمع الأول غير محتاج إلى الدولة، على حين يكون الأخير غير مستغن عنها.
وبالنسبة إلى وجهة النظر المادية التاريخية للتطور، لو كان العامل الأساسي
فيه هو الوجود الطبقي او التوزيع غير المتساوي لوسائل الانتاج او للأرباج...
لكان عدم وجود الدولة مشتركا بين المجتمعين الأول والأخير. إلا أن الماركسية
أفهمتنا اخها ترى ان السبب الرئيسي هو تطور وسائل الانتاج بالذات، وان كل
مرتبة أو مرحلة معينة من التطور تنتج شيئا معينا أو ظاهرة اجتماعية معينة.
ولا معنى للقول بأن مرحلتين مختلفتين من تطور وسائل الانتاج تكونان متصفتين
بنفس الظاهرة الاجتماعية.
وهذا ينتج منه نتيجتان مهمتان ماركسيا:
النتيجة الأولى: انه مع اختلاف درجات التطور في وسائل الانتات من
عصر الرق إلى عصر الراسمالية، كيف يمكن أن تبقى ظاهرة معينة محفوظة !وغيى
متبدلة، هي ظاهرة الدولة. إذ لا معنى لاتصاف مرحلتين من التطور
168
بنفس الظاهرة، كـما عرفنا.
وقد يخطر في الذهن: اننا وجدنا عدة استثناءات لهذه القاعدة، اهمها
اللغة وغيرها. فلتكن الدولة من هذه الاستثناءات.
والجواب على ذلك: اننا عرفنا ايضا ان هذه الاستثناءات لا تعني شيئا
اخر غير انخرام القاعدة المادية وبطلانها. فلتكن الدولة كذلك. الئتيجة
الثانية: إن درجتين سن وسائل الانتاج إحداهما نب غاية
البساطة والبدائية، والأخرى في ثمة التعقيد والتطور، وهما متباعدتان في
التاريخ جدا، قد يزيد الفاصل الزمني بينهما على الفي عام... احداهما في
المجتمع البدأئي والأخرى في المجتمع الشيوعي الأعلى... قد اتصفت هاتان
الدرجتان من التطور المتباين بنمس الظاهرة، وهي انعدام الدولة. مع اننا عرفنا
قبل قليل أنه لا يمكن لمرحلتين من تطور وسائل الانتاح ان تتصفا بنفس الظاهرة.
فكيف صح للماركسية الالتزام بذلك؟!!..
ولو انسجمنا مع القواعد الماركسية لقلنا بأن الوسائل البدائية للانتاج
تنتج المجتمع امحالي من الدولة، واما الوسائل المتطورة جدا فتقترن بوجود
الدولة. ولا يمكن للتاريخ ان يعود القهقرى بأي حال.
-7-
قلنا اننا إذا نظرنا إلى خارح اوروبا، لا نجد عهود المادية التاريخية
مطبقة بوضوح، فكذلك لو نظرنا إلى اوروبا نفسها...
فإن أوروبا بشكلها المعاصر منقسمة إلى قسمين: راسمالي واشتراكي. اما القسم
الراسمالي، فلم يمر بعهد الاشتراكية، واما القسم الاشتراكي، فلم يسبق له ان
مر بعهد الراسمالية... وإنما طفر من الاقطاع إلى الاشتراكية، كـما قلنا. إذن
فعهود المادية التاريخية، غير مطبقة يخا اوروبا تماما، فضلا عن غيرها.
كما أن عددا من المجتمعات الاوروبية اجتمعت فيه الراسمالية مع الاقطاع. فقد
حدث ذلك في المجتمعيئ الفرنسي والالماني، في عصر المانيوفاكتورة الأولى، فان
ماركس- على ما سنسمع- يعتبر الانتاج المانيوفاكتوري إنتاجا راسماليا، مع انه
قد حدث أني عصرالاقطاع ؤبقيا معا سان المفعول ردحا من الزمن.
169
وقد حدث أيضا في روسيا القيصرية، قبل الثورة، فانها كانت تحتوي
على الاقطاع إلى جنب التجارة الرأسمالية الواسعة، وإن لم تكن على الشكل الآلي
الحديث.
اما عن مناصرة عدد من الاشتراكيين مع الرأسماليين ومع المثاليين،
فهو حديمث الماركس!ن الأساسي، ضد اعدائهم من الاشتراك!ن، وسيأتي فيما بعد بعض
الأمثلة لذلك !
إن كل ذلك، يحدث في اوروبا نفسها على خلاف قواعد المدية
ا لتا ريخية.
-8-
واما الفهرس العام للمادية التاريخية، بعهودها الخمسة، وأقسامها
الاثني عشر، فسيأتي التعرض إلى نقد كل منها عند التعرض إلى عرض اوصافها فيما
يلي.
إلا أننا الان نقول كلمة واحدة، وهي ان هذا التسلسل الطويل للمادية
التاريخية، ينافي مع القواعد الأساسية الماركسية لتطور التاريخ. إن الماركسية
قالت: إن عهد الرق نقيض العهد الشيوعي البدائي،
وعهد الاقطاع نقيض لعهد الرق، وعهد الرأسمالية نقيض لعهد الاقطاع... وتصل
البشرية إلى كل عهد، باعتبار التناقض الديالكتيكي المتمثل بالتناحر الطبقي
الموجود في العهد السابق عليه.
إن هذا لو سلمناه، فهو صادق بالنسبة إلى تطور المادية التاريخية خلال
عهود خمسة لا خلال عهود اثني عشر، إن هذا التقسيم الجديد، يواجه - من هذه
الجهة- عدة نقاط ضعف.
النقطة الأولى: إن نقيض الاقطاع ليس هو الراسمالية، بل هو العهد الحرفي،
ونقيض العهد الحرفي هو العمل المانيوفاكتوري، ونقيض هذا العمل هو التراكم
الراسمالي الأولي.
إن هذا على خلاف تصريحات الماركس!ن- أولا-، حيث قسموا العهود إلى خسة وحصروا
التناقض فيها. كما انه خلاف المبررات المعطاة لتحول المجتمع من عهد إلى عهد،
والمربوطة بتطور وسائل الانتاج وتغـير الوجود الطبقي... كما سنعرف. ان الطبقة
الجديدة في عهد الاقطاع هم
170
الرأسماليون وليس الحرفيين.
إذن، فهذه المبررات، غير صادقة في التقسيم الجديد، بل يحتاج المجتمع إلى
مبررات جديدة للانتقال من خلال هذث العهود الجديدة. النقطة الثانية: إن
التناقض لو سلمناه بعد التجاوز عن النقطة الأولى، فإنه إنما يصدق في عهدين
ذوي فروق كبيرة كعهد الرأسمالية الاحتكارية مع العهد الذي يليه وهو دكتاتورية
البروليتاريا. ولا نسلم وجود التناقض في عهدين متجاورين متجانسين، كالعهد
الحرفي والعهد المانيوفاكتوري، وكالرأسمالية التنافسية مع الراسمالية الاحت!صارية،
وكالطور الشيوعي الأول مع الطور الثاني. إن هذه العهود متجانسة ومتحابة،
وليست متناقضة ولا متضادة، بل يعتبر المتأخر تركيزا وترسيخا للعهد السابق
عليه. واختلاف أوصافها لايبرر إطلاق لفظ التناقض أو التضاد عليها... واستعمال
هذه الألفاظ فيها تمطيط غير صحيح لهذه الاصطلاحات المنطقية أو الفلسفية.
النقطة الثالثة: إن التناقض حين ينتفي بين عهدين متجانسن،
لا يمكن الالتزام بأنه ناتج عنه بصورة ديالكتيكية... بل هو ناتج منه بطريقة "
سلسة يا لا محالة، لأنه ترسيخ وتأكيد له، وليس نفيا له كـما هو واضح. فمثلا،
لو كانت الراسمالية الاحتكارية نفيا للرأسمالية التنافسية، لأوجب زوال الوضع
الرأسمالي بالمرة، ولو كان الطور الشيوعي الثاني نفيا للطور الأول لكان موجبا
لزوال الاشتراكية بالمرة، فإن معنى النفي هو ارتفاع النظام الاجتماعي بكل
خصائصه، كما صرحت الماركسية. وإنما لم يوجب نفيه لأنه مترتب عليه ترتبا سلسا،
ويعتبرتأكيدا وترسيخا له، وليس نفيا له بأي حال.
بقيت الفقرة السابعة من التكوين العام، وهي ان النظرية المادية التاريخية
تعطي توجيهات عامة وتختلف في التطبيق... غير خالية من المناقشة بالرغم من
كونها لطيفة إلى حد كبير. لكنها غيى منطبقة على القواعد الماركسية ا لأخرى.
إن المادية التاريخية والقواعد الماركسية العامة لتطور المجتمع، لا يخلو
171
حالها من احد شكلين: اما ان تكون حدية في الانطباق مئة بالمئة، واما أن لا
تكون حدية.
فإن كانت حدية تماما، كان تطور المجتمعات على شكل واحد بالضرورة، وششحيل ان
يكون مختلفا بطبيعة الحال. وهذا خلاف الوجدان، فإن الاقطاع هنا يختلف عنه
هناك والرأسمالية هنا تختلف عنها هناك، في عدد من الصفات والظواهر العامة.
وهذا واضح من التاريخ المعاصر والقديم.
وهذا الاعتراض هو الذي تخلص عنه لينين حين قال بأن النظرية
ليست حدية بل تعطي توجيهات عامة فقط.
ولكنه في الواقع، قد وقع في اعتراض اشد، فإن النظرية إن لم تكن حدية... لم
نستطع- اولا- ان نجزم بوجود الطور الشيوعي الأعلى، كما حاولت الماركسية أن
تؤكده. بل لم نستطع الجزم بأي تغيير لأن النظرية ستصبح سببا ضعيفا مطاطا يمكن
أن تحول دونه الموانع... فإن أنكر لينيئ ذلك، كان معناه كون النظرية حدية
ضرورية، وليست ذات توجيهات عامة فقط.
وثانيا: ما أشرنا إليه فيما سبق من ان هذه التوجيهات العامة أو السبب الضعيف،
لا تصلح وحدها لانتاج التفاصيل بل لا بد أن عاملا آخر مستقلا في كل مجتمع
أنتج التفاصيل الخاصة به. ومعه يكون مجموع الوضع الاجتماعي نا!برا من مجموع
التوجيهات العامة والعامل الآخر المستقل. وهذا العامل لا نستطيع ان نسفيه
بتطور وسائل الانتاج، بعد ان كان هذا التطور لا يمثل إلا التوجيهات العامة
فقط، أعني جزء مجموع السبب الموجب لتطور المجتمع.
وعلى أي حال، فمقتضى الضرورة التاريخية، التي اكدت عليها الماركسية في
نظريتها، هو كونها حدية وليست (موضوعات توجيهية عامة لما كما قال لينين. ومعه
لا نستطيع أن نفسر الفرق والاختلاف بيئ المجتمعات. ويعتبر هذا الكلام من
لينين تنازلا عن تلك الضرورات الفلسفية،
نتيجة لضغط الواقع المعاش الذي يخالف النظرية الماركسية بوضوج. هذا، وبعد
الحديث عن التكوين العام، سنبدا بالحديث عن العهود
172
الاثني عشر، فنعقد لكل منها فصلا مستقلا، ونلحق بكل فصل مناقشاته الخاصة به.
|