|
كتب
المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
كتاب اليوم
الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر
مناقشة
المجتمع الشيوعي البدائي
-1-
من الطريف ان الماركسية تتكلم عن اغلب بل عن جميع تشكيلاتها او عهودها
الخمسة، بشكل تجريدقي، وتنظر إليها نظرا رياضيا، في حين أن المجتمع هو واقع
تاريخي أكز منه أي شيء آخر.
فمن المعروف أن هناك فرقا كبيرا بين الدائرة الهندسية التجريدية التي يتصورها
الذهن، وبين اية دائرة فعلية يرسمها أي انسان، مهما كان فنانا فكذلك يلمس
القارىء الفرق بين ما تقوله الماركسية بشكل تجريدي عن تطورات المجتمع، وما
يراه في الواقع من لحم ودم وافعال وأقوال. إن هذا التجريد الماركسي يتصف بعدة
صفات رئيسية:
الصفة الأولى: التسليم المطلق بأن هذه الأشياء قد حدثت فعلا، من
دون إعطاء اي مجال للتشكيك أو الاحتمال. وكلما كان الحادث أو الظاهره اقرب في
نظر الماركس!ن إلى نظريتهم، كان حدوثه اكثر يقينا وتأكيدا. الصفة الثانية: إن
هذه الأشياء قد حدثت او تحدث في العالم كله
بدون استثنل!، وبدون أي تمييز.
الصفة الثالثة: إن شيئا آخر غير هذا التجريد الرياضي لم يحدث ولن يحدث ة
وكلما خالف ذلك، فهو كذب، ان امكن تكذيبه، والا فهو لا بد مندرج قي هذا
التجريد على كل حال.
في حين أن كلا من هذه الصفات، قابلة للمناقشة:
أما الصفة الأولى: فلأن ما هو المعلوم باليقن من التاريخ، هو الواقع المعاش،
وبعض الأمور الواضحة من الماضي، وكل ما عداه، فهو محتمل الوجود والعدم.
كالأعم الأغلب جدا من امور الماضي والمستقبل. وقد سمعنا اعتراف انجلز بأن
حوادث الماضي غامضة ومشوشة؟ وكلما كان
الماضي ابعد كان أشد غموضا والتباسا، فكيف يمكن أن نأخذ مجموعة ضخمة من
الحوادث كأنها يقينية الحدوث.
وأما الصفة الثالية: فهي- على الأقل- مخالفة لما ذكره لينيئ، من ان
هذه النظرية تعطي توجيهات عامة، تطبق هنا على غيى الأسلوب التى تطبق به هناك.
وهذا الكلام لايختلف فيه عهد عن عهد بطبيعة الحال. فكيف تستطيع الماركسية أن
تجزم أن كل الصفات التي اعطتها للمجتمع البدائي والحوادث التي سردتها فيه، قد
حدثت في العالم كله.
وأما الصفة الثالثة: فلأن العالم حشد هائل من الحوادث والظواهر،
وإذا نظرنا إلى مجموع التاريخ البشري، كان هذا الحشد اشد ضخامة وأعظم خطرا
وهولا، فكيف تستطيع الماركسية أن تتصيد من هذا لمجموع الحوادث " المختارة "
لتصنع منها " لوحة تجريدية لا. وكيف تستطيع ان تقول: ان هذا هو التاريخ دون
غيره. إلا ان يكون هذا جزافا من القول، او يعود إلى فرض النظرية على الواقع
على عكس ما ارادته الماركسية.
ومورغان وأبحاثه، ما هي قيمتها من الناحية التاريخية والمنطقية؟!
إن مورغان باحث ومؤرخ، وهذا مما لا ينبغي المناقشة فيه. ولكن
تبقى هنا عدة نقاط ينبغي فحصها:
الئقطة الأولى: ان نظرية تأسيسمة جديدة في تفسـير التاريخ، لا يمكن
ان تتبرهن إلا إذا قامت على مجموعة كافية وواضحة من حوادث التاريخ، بحيث
أخذها المؤرخون أمورا مسلمة وثابتة. وخاصة وان الماركسية- كـما سبق- أرادت أن
تفهم نظريتها من الحوادث، لا أن تطبق الحوادث- على نظريحها.
واما إذا اعتمدت هذه النظرية على اقوال مؤرخ واحد، وعلى حوادث
محتملة وغيرثابتة. فهذا مما يخل بثبوت اصل النظرية. كما هو معلوم. النقطة
الثابية: ان مورغان كاتب متأخر، بطبيعة الحال، لم يعاصر العصر القديم
للبشرية. كل ما في الموضوع أنه استقى من مصادر وكتب السابقن عليه جملة من
معلوماته، وملأ الفراغات باجتهاداته وآرائه في حدود ما يعتقد أنه مناسب
الحدوث في ذلك الحـن.
فلئن كان مجموع آرائه مناسبا مع النظرية الماركسية، لو سلمناه، فإن 186
آراءد الخاصة مما لم يستطع أن يقيم عليه دليلا كافيا، لايمكن الاعتماد عليها.
واما ما استطاع إقامة الدليل عليه، ونقله عن مصادر موثوقة، فهو غير كاف ولا
مناسب مع النظرية الماركسية، والا لاعتمد عليها انجلز قبل اعتماده على كتاب
مورغان.
النقطة الثالثة: ان من الأدلة الرئيسية عند مورغان، لاستنتاح صفات المجتمع
القديم، هو وجود ما يماثله من مجتمعات بدائية في العصر الحاضر.
ولكن هذا لا يتم، ولا يمكن أن يكون إثباتا كافيا، لوجود الاحتمال
- على الأقل- بأن هناك فروقا كبيرة واساسية بين المجتمع القديم والمجتمع
البدائي المعاصر. وهذا الاحتمال لا يمكن نفيه إلا لمن كان مشاهدا لكلا
المجتمعيئ، إذا وجدهما على شكل واحد. ولا يوجد مثل هذا الانسان على وجه
الأرض.
ومما يدعم هذا الاحتمال: الاستفهام عن السبب الذي أوجب تطور
باقي المجتمعات مع بقاء هذا المجتمع على بدائيته. ان هذا لا يمكن بدون أسباب
رئيسية أوجبت ذلك، تمثل بدورها فروقا مهمة بين شكلي المجتمع البد ائي.
وعلى أي حال، فمع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن الزعم بأننا
نعرف صفات المجتمع القديم.
-3-
وقد اوضح بليخانوف هذه الحقيقة حصان قال:
" ولكنه لا يسعنا الاعتماد إلا على التخمينات فيما يتعلق ب (الانسان البدائي
". فالبشر الذين يسكنون الأرض حاليا، والذين لاحظهم في الماضي باحثون جديرون
بالثقة، هم بعيدون جدا عن الوقت الذي توقفت فيه الحياة الحيوانية بمعنى
الكلمة الأصلي، بالنسبة إلى الانسان.
هكذا، فقبائل ايروكوا في اميركا الشمالية- ونظام الأمومة الذي تعيش فيه هذد
القبائل، ودرسه ووصفه مورغان، بلغت نسبيأ مرحلة متقدمة جدا في التطور
الاجتماعي. والاسش اليون الحاليون أنفسهم لا يملكون لغة وحسب (واللغة هي
الشرط والأداة والسبب والنتيجة في كل حياة اجتماعية) ولا يعرفون استخدام
النار وحسب، بل هم يعيشون أيضا في مجتمعات، في ظل نظام معين ولهم أعرافهم
ومؤسساتهم.
187
والقبيلة الأوسترالية لها ارضها واساليبها في الصيد ووسائلها في الدفاع
والهجوم،
وهي تستعمل أوعية لحفظ المؤن، بعض أعمال تزيين الجسد. وبكلمة مقتضبة: ان
الاسترالي رغم تأخره، يعيش في بيئة اصطناعيةا (1).
إذن، فالفرق بين المجتمع القديم والمجتمعات البدائية المعاصرة،
ليس محتملا فحسب، بل هو مؤكد ويقين... وباعتراف شخص ماركسي كبليخانوف. واين
هذا من الصورة التجريدية التي تعطيها الماركسية للمجتمع- القديم.
إن صحة أبحاث مورغان، مسمتنذ في نظر انجلز إلى مطابقتها، في رايه، لتطور
وسائل الانتاج.
قال انجلز:
ا إن اللوحة التي رسمتها هنا، استنادأ الى مورغان، عن تطور البشرية عبر عهد
الوحشية وعهد البربرية إلى منابع الحضارة، غنية كفاية بخطوط جديدة. ناهيك
بأنه لا جدال فيها، لأنها مأخوذة مباشرة من الانتاج "21).
وهذا يعني فرض النظرية على الواقع، فإن النظرية هي التي تقول باستناد التطور
إلى وسائل الانتاج. والمفروض أنها تفهم من ابحاث مورغان، لا ان تفهم أبحاثه
على ضوئها.
إننا لو حاولنا تطبيق التجريد الماركسي للمجتمع القديم، على كلام انجلز في
كتابه دا اصل العائلة...،، لوجدنا المفارقات الكبيرة بين الحقليئ بحيث لايكاد
يشترك الحقلان إلا فى خصائص ضئيلة كالتأكيد على بدائية المجتمع وضالة وسائل
الانتاج فيه. ونجد إلى جنب ذلك عشرات الأوصاف موجودة في احد الحقلين مفقودة
من الحقل الآخر.
فبينما يؤكد التجريد الماركسي على عدم الملكية الخاصة وعلى التساوي
في التوزيع ووجود الدين والفن والاخلاق في المجتمع البدائي. لا نجد لكل هذه
الأمور أي أثر قي ئطبيقات انجلز. إذن فهي استنتاجات افتراضية محضة !!.. تملك-
1000 ي !... إثبات-..-. تا ريحي.
(1) فلسفة التاريخ لبيلخانوف ص 71.
(2) اصل العائلة لانجلزص 31.
188
وأما تطبيقات انجلز في كتابه، فتبدا بتقسيم المجتمع القديم إلى:
عصور الوحشية والبربرية وأطوار كل منها وتقسيمها إلى أقسام ثلاثةء ثم يبدأ
الحديث عن شكل العائلة والزواج مفصلا، وبانتهائه ينتهي الحديث عن المجتمع
القديم ثم يبدا الكلام عن صفات مجتمعات بعينها، كالمجتمع اليوناني والروماني
وغيرهما ويكون الغرض الأساسي من هذا الاطلاع على الأوضاع السياسية
والاجتماعية ومن ثم أسلوب تطور الدولة في تلك المجتمعات.
فما يمت إلى مجتمعنا القديم بصلة هو ما يعود إلى عهود البشرية الأولى، وإلى
الحديث عن العائلة،
اما عهود البشم ية خلال الوحشية والبربرية، فهو بعيد عن التجريد الماركسي كل
البعد. وانجلز وان حاول ربط تطورها بتطور وسائل الانتاج، إلا انها عهود
حضارية او مدبية، وليست عهودا إقتصادية كالعهود الخمسة، الماركسية. فلا بد أن
وسائل الانتاح قد اثرت في التطوبر الحضاري من دون الاحتياج إلى علاقات
الانتاج أو إلتناحر الطبقي، خلافا للنظرية الماركسية. ومعه فحتى لو سلمنا صدق
كل هذه التطورات البشرية، فإنه
لا يستلزم بأي حال، صدق النظرية والتجريد الماركسي!!ن. ومرور بعض المجتمعات
البشرية بهذا التطور فيما سبق، لا يعني مرور اي مجتمع بدائي آخر بنفس التطور،
كما تريد الماركسية ان تقول.
واما الحديث عن العائلة القديمة في كلام انجلز، فهو ايضا بعيد عن التجريد
الماركسي، فإنه يتحدث عن الزواح الجماعي والثنائي والآحادي وعن تطور النظام
العائلي في الأدوار الأولى للبشرية.
وهو حديث عن جانب واحد، من جوانب المجتمع القديم. وهو جانب غير اقتصادي
بطبعه. ومن هنا تركت الماركسية التأكيد عليه في لا تجريدها الرياضي لما إلا
في بعض المصادر المتأخرة جدا من كتب الماركس!ن مثل بوليتزر وكوفالسون، حين
وجدوا ضرورة الربط بين التجريد والتطبيق، من أجل محاولة رفع التنافي بينهما.
وقد نقلنا عنهما شيئا من ذلك.
189
ولو سلمنا صحة الربط بين التجريد والتطبيق... فلنا أن نتساءل: ان وسائل
الانتاج التي اوجبت تطور البشرية خلال عهود الوحشية والبربرية، وأوجبه تطور
العائلة من الزواج الجماعي إلى الثنائي إلى الآحادي، كيف لم توجب زوال عهد
الشيوعية البدائية..+ مع تأكيد الماركسية على الن لكل طورمن وسائل الانتاح،
لكلا مختلف من علاقات الانحابم، ولا يمكن ان تكون علاقات إنتاح واحدة لطورين
أو تطورين من وسائل الانتاج. فهل أصبح المجتمع الشيوعي البدائي محتويا على
عدد من علاقات الانتاج، او أن هذه التطورات لا تغير علاقات الانتاج. إن كل
ذلك غير ممكن في النظرية الماركسية.
وما هو فضل واهمية هذا التطور في وسائل الانتاج الذي أوجب زوال المجتمع
الشيوعي، على التطورات السابقة عليه، التي لم تنتج زواله؟ وأين تأكيدات
الماركسية على ان كل تطور جما وسائل الانتاح ينتج تغير كل الوضع الاجتماعي
بكل تفاصيله وخصائصه.
-7-
ينتج من هذه المناقشات، أننا ينبغي ان نعترف بوجود المجتمع البدائي
وتأخر وجود الدولة عنه، وتأخر وجود المجتمعات عن وجود البشرية... لأن هذا
مطابق للطبيعة الأولية لتطور البشرية على ما سوف نرى.
واما ان المجتمع الأول، قائم على أساس التساوي في التوزيع، وعدم
وجود الاختصاص او الملكية، ركذلك مقارنة اية ظاهرة مع مرتبة معينة معرونة
لتطور وسائل الانتاج... فهذا مما لا يمكن أن يكون له إئبات تاريخي. ولعمري ان
التطبيق الماركسي، لولا كونه قائما- إلى حد كبيى- على الحدس والتخمين، لكان
أقرب إلى التصديق من التجريد الماركسي الذي يعامل التاريخ البشري معاملة
الأشكال الهندسية.
-8-
وهنا لا بد أن نقول كلمة عن الأخلاق والدين، اللذلن ادعت الماركسية وجودهما
في المجتمع الشيوعي الأول.
ونحن نتفق معها!ا وجودهما منذ ذلك الحن، إلا أن ذلك في الواقع،
دليل رسوخهما وعمق وجودهما في الذهن البشري، ويكفي أن تعترف الماركسية
195
وهي بالضرورة لا تستطيع أن تنكر، أنهما وجدا قبل أي تطور لوسائل الانتاج وقبك
اي وضع اقتصادي أو علاقات الانتاج، وقبل أي وجود طبقي.
بل لا يبعد وجودهما بشكلهما المبمحط قبل وجود المجتمعات، حـين كان
البشر جماشات متفرقة قليلة الأفراد.
لكننا لا ينبغي ان نخطو إلى الوراءأكثر، لأننا إذا قلنا ان البشرية بدأت من
الصفر، حتى بالنسبة إلى التفكير واللغة، فمن المعلوم ان الدين والأخلاق لا
يمكن ان يدركا من دون تفكيرولا لغة. فإن الدين يتوقف إدراكه على نمو الادراك
النظري لدى الانسان. والأخلاق يتوقف إدراكها على نمو الادراك العملي لديه.
إذن فوجودهما منوط بهذين الأمرين. وغير منوط بأصل وجود البشرية، بناءعلى هذه
النظرية.
نعم لا يمكن ان ننزد بالبشرية، عن مستوكما الحيواط ت العليا، فإن
قلنا- كـما يميل إليه بعض الفلاسفة- بوجود درجة عن الوعي عند هذه الحيوانات،
فلا بد أن نقول بمثلة أو بأفضل منه لدى الانسان الأول. ومعه فقد يمكن ان
نفترض انه يفهم من الدين والأخلاف شيثا ضئيلا جدا مناسبا مع مرتبة إدراكه.
ولعل فى حياة العديد من الحيوانات، ما يصلح ان يكون شاهدا على هذا الادراك،
ولسنا الآن بصدد تعداده.
هذا وقد سبق ان برهنا على اصالة الدين والأخلاق في الضمير الانساني
وعدم ارتباطهما بموقف اقتصادي أو اجتماعي معين.
وبطبيعة الحال، كلما ازدادت تجارب الانسان، فردا او جماعة، ازداد إدراكه
النظري والعملي، وكلما ازداد ذلك ازداد للأخلاق والدين فهما وتعمتهـا، واطلع
على حقائق منهما أكثر، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن التخطيط الالهي.
ولعل إدراك الناس للبراءة الأصلية والفضيلة والشر والكبرياء، كأمور
سيئة تارة وحسنة اخرى، يحتاج إلى تطور في الادراك العملي إلى مقدار كاف، وليس
من المولدات الأخلاقية الأولى للذهن البشري... لكنها غير مربوطة في الحقيقة
بانتمال البشرية إلى مجتمع الرق، كـما أراد بوليز أن يقول!!.
تبقى كلمة واحدة، بالنسبة إلى تحديد زمن انحهاء عصر الشيوعية
191
البدائية، مضافا إلى تعلن ابتدائها.
إن الماركسية تحسن صنعا حيئ لاتعطي لعهودها التاريخية بشكلها التجريدي وقتا
معينا. فإنها قد تزيدوقدتنقص. إلا أنها ذكرت ان عهودأ معئنة قد بدات وانتهت
فعلا. إذن قد اكتسبت تاريخا معينا في عالم التطبيق الفعلي، ومن هنا يقع
السؤال: إن الواقع التاريخي لعصر الشيوعية البدائية، متى بدأ ومتى انتهى؟!...
إن المصادر الماركسية لا تكاد تعطي فكرة محددة حول ذلك، ولكن يمكن
أن نتصيد ذلك من كلماتهم.
أما بالنسبة إلى ابتداء المجتمع الشيوعي، فهو يتحدد تجريديا ببدء المجتمعات؟
ولكننا حين نصل إلى عالم التطبيق نجد أن المجتمعات تكونت تدريجا، ولا يمكننا
ان نشير إلى نقطة تاريخية محددة تحديدا رياضيا لنقول: انها زمان او مكان تكون
المجتمعات.
إن المجتمعات عند انعقادها الواسع، كـانت شيوعية، كما تقول الماركسية، وأما
قبل ذلك فما هو حالها... إن هذا احد نقاط التنافي الكبير بين التجريد
الماركسي والتطبيق.
إن الشيوعية البدائية، كما تصفها الماركسية تظهر في تعاون الأسر المختلفة
من الناحية الاقتصادية، وبعض النواحي الأخرى. وهذا يصدق على المجتمعات
الواسعة نسببا، ومن الصعب انه صادق على المجتمع الصغيركأسرة واحدة او نحوها.
إذن، يبقى السؤال واردا بوضوح على الماركسية: إن المجتمع البدائي الشيوعي، هل
بدا مع تكون المجتمعات على الاطلاق، او من توسع المجتمعات. فالشق الأول هو ما
تعرب عنه الماركسية عادة- كمفهوم- والشق الثاني هو الذي يقتضيه وصفها لذلك
المجتمع.
واما بالنسبة إلى زمن انتهاء المجتمع الشيوعي البدائي من الناحية
التطبيقية... فقد يبدو من المصادر الماركسية انه بقي طويلا في التاريخ.
إن انجلزيتصور النبي ابراهيم عليه السلام يعيش في مجتمع بدائي، ولذا
لم يكن يحس بالملكية الفردية، كما نتصورها الان!!...
قال انجلز:
192
" ومن العسيى القول ما إذا كان موسى، مؤلف ما يسمى بالكتاب الأول، قد اعتبر
البطريرك ابراهيم مالكأ لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية،
أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة. هناك أمر واحد لا ريب فيه، هوانه
ينبغي لنا ان لا نتصوره مالكا بمعنى الكلمة الحالي لما (1).
بل ان الانجيل نفسه وضع في العصر البدائي نفسه...
قال انجلز:
لا والقضية المتعلقة بكيفيه نشوء القصص الأنجيلية عن المعجزات أنشأت في قلب
المشاعة عن طريق تشكل الخرافات تشكلا غير واع يعتمد على التقليد، أم اختلقها
أولئك الذين ألفوا إلأناجيل أنفسه " (2).
واعتبر بوليتزر- كـما سمعنا- بعض أفكار الانجيل كسقوط الانسان،
نتيجة لنهاية العصر البداشي ومطلع عصر الرق.
وبغض النظر عن هذا التهافت، بين هذين المفكرين الماركسيين، في أن الانجيل هل
وضع خلال عصر المشاعة/3) او خلال عصر الرق. فإن الافا من السنين مضت بيئ بدء
المجتمعات وعصر وضع الانجيل. وتكون هذه الآلاف كلها ممثلة للعصر الشيوعي
البدائي... على حين لم يبق للعصور المتأخرة عنه سوى ألفن من السجنين إ!..
ومعنى ذلك: انه ليس النبي ابراهيم عليه السلام كان يعيش في العصر البدائي،
فحسب، بل موسى واضع ما يسمى بالكتاب الأول- على حد تعبير انجلز- كان يعيش في
نفس العصر أيضا... للوضوج التاريخي بأن (العهد القديم لما وضع قبل (العهد
الجديد " بزمن طويل. وتكون الأسر الفرعونية كلها وما يقابلها من الأشورلن
والبابل!ن قي الشرق الأوسط كلها تعيش قي العصر البدائي الشيوعي.
إلا أن هذا كله- مع الأسف- غير محتمل، لوجود عدة نقاط للضعف
فيه، نذكرمنها ما يلي ة
(1) اصل العائلة لانجلزص 67.
(2) لوفيخ فورباخ ص 16.
(3) لا يحتمل ان يكون بين رضع القصص وتسجيلها رمان طويل يزيد على الألف عام
مثلا، لأن
هذه المدة كفيلة بمحو القصص من الأذهات. ومن هنا يكون وضع القمص في " قلب
المشاعة! مستلزما لتسجيلها في الانجيل في نفس العصر، ومعنى ذلك: ان تأليف
الانجيل قد تم خلال نفس العصر ايضا.
193
الئقطة الأولى: إن وجود الدولة معناه انتهاء عصر الشيوعية البدائية، لتصريح
الماركس!ن بأن الدولة إنما اسست بعهده،... وللتنايا الذي يعتقدونه بين
التوزيع المتساوي والطبقية المنتجة للدولة.
ومن المعلوم أن العهود المشار إليها: الفرعونية والأشورية والبابلية وغيرها،
كلها محكومة لطبقات أواسر مسيطرة. وهذا معناه ان البشرية كانت قد اجتازت عصر
المشاعة البدائية.
وموسى عليه السلام وجد في عهد الفراعنة، كـما أن يسوع المسيح عليه السلام وجد
في عصر الدولة الرومانية، إذن فقد وجدا بعد العصر البدائي، وسيأتي أن
الماركسية تعتبر المجتمع الروماني مثالا رئيسيا لعصر الرق. إذن، فكيف يكون
الانجيل قد كتب في " قلب المشاعة دا كـما صرج انجلز، مع أنه كتت بعد المسيح
يقينا.
النقطة الثانية: ان الكتاب الأول الذي استشهد به انجلز، وهو " سفر التكوين يا
من التوراة المتداولة، صريح كل الصراحة بوجود الدولة يخا عصر ابراهيم عليه
السلام. والدولة تعني الخروح من العصر البدائي، كـما قلنا وقا لوا.
اما في مصر، فقد كان الحكم للفراعنة، وقد ذهب ابراهيم إلى مصر،
وكان له مع الفراعنة عدة حوادث نقل الكتاب الأول منها قسطا. منها: ان الفرعون
حاول الاستيلاء على زوجته- كـما يدعي الكتاب الأول- إذ يقول: " فحدث لما دخل
ابرام- يعني ابراهيم- إلى مصر، أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا،
ورآها!ؤ ساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون.. فصنع إلى
ابرام خيرا بسببها... الخ ما حدث " (1).
وأما في شرق البحر الأحمر، منطقة فلسطين والأردن ولبئان الحالية، فقد
كانت محكومة لعدة أمراء أوملوك، كما هوواضح لمن راجع اول الاصحاح الرابع عشر
من سفر التكوين، ولا حاجة إلى نقله.
النقطة الثالثة: إن الكتاب الأول نفسه صريح بوجود الملكية لابراهيم
عليه السلام، وغيره بالمعنى الذي نعرفه حاليا، خلافا لما قاله انجلز. كل ما
في الموضوع أن انجلز كتب ما كتبه مستعجلا بدون الرجوع إلى المصدر الذي
استشهدبه.
(1) سمر التكوين 12/ 14- 16.
194
" ممثلة
إن عددا من فقرات الكتاب الأول دال على ذلك. يكفي ان ننقل منه هذه
الفقرة الدالة على انه كان لابراهيم املاك وأغنام: وكان للوط ايضا مثلها،
فوقعت خصومة بين رعاة ابراهيم ورعاة لوط. ولا يمكن أن تقع الخصومة إلا نتيجة
للشعور الأكيد واله طيد بالملكية... فكان ان افترق الرجلان وتباعدا في الأرض،
حتى لا تحدث الخصومة بينهما.
" ولوط السائرمع ابرام كان له أيضا غنم وبقر وخيام، وأ تحتملهما الأرض أن
يسكنا معا
إذا كانت أملاكهما كثيرة. فلم يقدرأ أت يسكنا معا، فحدثت مخاصمة بين رعاة
مواشي إبرام ورعاة مواشي لوط... فقال أبرام: لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين
رعاتي ورعاتك، لأننا إخوان، أليست كل الأرض أمامك. اعتزل عني. إن ذهبت شمالا
فأنا يمينا و(ن يمينا فأنا شمالا" (1).
إذن، فقد كانت الملكية موجودة بوضوح، ووجودها متأخر عن عصر الشيوعية
البدائية، كـما تعتقد الماركسية، إذن فوجود ابراهيم متأخر عن ذلك العصر لا
محالة.
إذن، فلا بد ان يكون العصر البدائي، قد انتهى قبل زمن ابراهيم عليه السلام.
ويكون وجوده، كـما قلنا فيما سبق، في عصر الرق، لو صح تقسيم الماركسية
للتاريخ البشري.
اما ما اعطته الماركسية كمبرر تجريدي لانتهاء عهد المشاعة البدائي، وهو
وجود الانتاح الزائد عن الحاجة! وإمكان استغلال قوة العمل الذي أنتج فكرة
ملكية الانسان للانسان.
... فمن المنطقي أن ينتج ذلك، أعني الانتاج الزائد، تقويض التوزيع المتساوي،
وتكدس الانتاح الزائد لدى بعض الأفراد، وصيرورة هؤلاء ذوي شأن خاص في المجتمع
وامتيازات يفقدها ألاخرون. كـما أصبح في إمكان هؤلاء فرض السيطرة على جماعة
من الناس، واستغلال أعمالهم مجانا لزيادة الانتاج. كل هذا ممكن...
إلا أن وجود مجتمع الرق من وراء ذلك، غيرمنطقي ولا ممكن. وذلك:
أولا: إن استغلال الانسان للانسان، لا يعني تملكه بالملكية الخاصة،
(1) المصدر 13/ 5- 10.
195
6--؟ 11
بحيث يكون للمالك ان يبيعه أو يهبه، كما هو المفهوم من الرقية. إذ من الواضح
أن الاستغلال موجود في اساليب اخرى كالاقطاع والراسمالية، وهو ضير متوقف على
التملك الخاص.
ومن الواضح: أن حاجة الرجل القوي المستغل تكون مقضية ومنفذة
بمجرد حصوله على أعمال الاخرين. فإنه بذلك يحرز لنفسه أكبر مقدار ممكن من
الانتاج الزائد الذي يطمع به. أما ملكيته للآخرين بأعيانهم، فهو أمر غير
مربوط بالمرة بالانتاح. فهي خصيصة لا توجب زيادة العمل المستهلك، إن لم توجب،
من الناحية النفسية نقصانه. فافتراضر الملكية تجريديا، خال عن المبرر
الصحي!حم.
ثافيما: إن هذا الاستغلال، قد ينتج سيطرة الأقوياء المستغليئ على جماعات
من الناس. وأما سيطرتهم على كل ألناس او على اغلبهم، بحيث يصح القول بانقسام
المجتمع إلى مالكـيئ ومملوكين فحمسب، كـما تريد الماركسية أز/ تقول -
تجريديا-، فهو مما لا يصح لعدة اسباب:
أهمها: إن إمكابية ألانتاج أساسا لم تكن في ذلك العصر على هذه السعة،
التي تحتاج إلى استغلال كل الناس. كـما أن المستوى الفكري الذي يجعل الفرد
يلتفت إلى إمكان امتلاكه لكل أفراد المجتمع، لم يكن موجودا أيضا.
كما أن الفرد القوي المستغل، يحتاح في إنتاجه الفائض إلى تسويق يتوقف
على وجود أناس (احرار " يبيعون ولا يباعون... لأن الانتاج قد يكون من الغزارة
بحيث لا يستطيع الفرد القوي أن يبيعه بنفسه، ححما لا يمكنه ان يستغل عبيده
لبيعه، لأن العبد ليس له شخصية قانونية ولايستطيع ان يتولى اية معاملة، في
عرفهم. إذن، فيحتاج التوزيع والتسويق إلى اناس احرار يتكفلونه. إذن، فلا بد
ان يكون جزءا كافيا من المجتمع بقي على حريته، ليقوم بهذه المهمة، وليس مق
مصلحة المستغليئ استرقاقهم.
هذا هو الذي ينبغي ان يكون " تجريدا يا صحيحا، بدل التجريد الماركسي. وسيأتي
بعد لحظة كلام الماركسية مفصلا يا وصف مجتمع الرف، مع مناقشته.
196
|