كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
 

كتاب اليوم الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر

المرحلة الثانية
القيمة الأساسية للرأسمالية ماركسيا
-1-
لماذا يعتبر ماركس والماركسيون الرأسمالية نظاما غير صحيح، يجب تغييره والاجهاز عليه.
قد يقول القائل: ان الماركسية، طبقا لقواعد ماديتها التاريخية، تعتبر الراسمالية " عهدا لما أو تشكيلة موقوفة على تطور وسائل الانتاج، والطبقة المرتبطة اقتصاديا بالوسائل المتطورة، وسوف يأتي الوقت الذي تبلغ به وسائل الانتاج مستوى معينا يوجب تغيير المجتمع الراسمالي إلى الاشتراكية... بواسطة النضال الطبقي المرير!!...
إن الماركسية يمكنها أن تكتفي بهذه الفكرة، كـما اكتفت بها- بشكل عام-
في العهود السابقة، إلا أ ا، مازكس نفسه لا يريد الاكتفاء بذلك، فإن وضحع الراسمالية أوسع وأعمق من ذلك، والعواطف التي يراد توجيهها ضدها لا بد أن تكون كبيرة جديا تستغرق القلب والعقل معا. والاشتراكية التي يراد بناؤ ها عالميا على أنقاض الرأسمالية، لا بد أن تكون عميقة ومدعمة بالأدلة الدامغة الواضحة على صحتها وأصالتها.
ومن ثم حاول ماركس في كتابه " راس المال يا أن يبرهن رياضيا على وجود
عيب أساسي في الرأسمالية، يجعلها غير صالحة للبقاء، ويؤزم النضال بينها وبين طبقة العمال البروليتاريين. ولايكـون هذا العيب مـوجودا في الاشتراكية... ومن هنا ينبغي ألا يكول! لها وراثة المجتمع.
وهذا العيب الأساسي هو ان الرأسمالية مبتنية على وجود فائض القيمة أو
القيمة الزائدة، من حيث كونها معبرة عن الربح الذي يسرقه صاحب العمل من
243

العامل وبه تتكون الراسمالية وبدونه لا توجد راسمالية.
وهو يعرضها في كتابه مرارا وبأساليب مختلفة، ويعرض كثيرا من خصائصها برايه... إلى حد يمكن القول ان هذا الكتاب على ضخامته، مكرس لايضاح هذه النظرية بالذات.
إن ماركس بعد أن يؤسس رايه في ان العامل يبيع لصاحب المال قوة عمله، المتمثلة بكيانه الجسمي القادر على إيجاد العمل المطلوب. ويصرف في العمل مقدارا من الطاقة ما يوازي مقدار الأجر (الذي يوازي في العادة مقدار حاجته إلى استرجاع الطاقة التي بذلها في العمل) بحيث يعود في اليوم الاتي وقد استرجع كل قوته المصروفة، ليستأنف العمل من جديد.
... يقول ماركس فيما يقول:
(إن القيمة اليومية لقوة العمل تساوي 3 شلنات. ذلك لأنه يلزم نصف نهارمن العمل
لانتاج هذه انقوة يوميأ. يعني أن وسائل المعيشة الضرورية لحفظ العامل يوميا نصف نهار من العمل... إن تكاليف القوة تعيئ قيمتها التبادلية، أما إنفاق القوة، فيؤلف قيمتها الاستعمالية. فإذا كان نصف نهار من العمل يكفي لاعالة العامل خلال أربع وعشرين ساعة، فلا يترتب على هذا انه لا يستطيع ان يعمل نهارأ كاملا.
إن القيمة التي تملكها قوة العمل والقوة التي تستطيع ان توجدها، تختلفان- إذن- من
حيث القياس. وهذا الاختلاف في القيمة هو الذي كان الرأسمالي يضعه نصب عينيه حين اشترى قوة العمل.
... إن الرجل صاحـب الدنانير قد دفع ثمن القيمة اليومية لقوة العمل، فهو يملك
- إذن- استخدامها خلال نهاهـ، يعني عمل نهار كامل. اما كون الحفظ اليومي لهذه القوة لا يكلف إلا نصف نهار من العمل، على الرغم من انها تستطيع اد تعمل خلال النهار بكامله. يعيئ أن القيمة التي يوجدها استخدامها خلاك نهار واحد هوضعف قيمتها الخاصة. فهذا حظ سعيد، بصورة خاصة، بالنسبة إلى المشتري (الرأسماقي)، ولكنه لا يمس في شيء حق الباثع (العامل).
لقد أدرك صاحبنا الرأسمالي هذا الأمر قبل وقوعه، وهذا ما يضحكه. والعامل يجد
- إذن- في المعمل وسائل الانتاح الضرورية لنهار عمل مؤلف من ست ساعات، و(نما من اثنتي عشرة ساعة.
وبما ان 10 ليبرأت من القطن قد امتصت 6 ساعات من العمل وتحولت إلى 10 ليبرات
من خيوط الغزل ة فإن 20 ليبرة من القطن سوف تمتص اثنتي عثرة ساعة من العمل وتتحول إلى 20 ليبرة من خيوط الغزل. فلنفحص الآن منتوج العمل الممتد: ان الى 20 ليبرة من
244

خيوط الغزل تتضمن خمسة نهارات من العمل، منها أربعة نهارات تجسدت في القطن وفي المغازل المستهلكة وواحد امتصه القطن أثناء عملية الغزل ومن المعلوم ان التعبير النقدي عن خمسة نهارات من العمل هو 30 شلنا. هذا هو- إذن- ثمن الى 20 ليبرة من خيوط الغزل. ان ليبرة خيوط الغزل تكلف أولا وأخيرا شلنا واحدا وستة دراهم. ولكن مجموع قيمة البضائبم المستخدمة في العملية ا تكن تتجاوز 27 شلنا، وقيمة خيوط الغزل تبلغ 30 شلنأ. ان قيمة المنتوج قد ازدادت 91 من القيمة المدفوعة لانتاجه. لقد ولدت قيمة زائدة ممدراها 3 شلنات. لقد تمت الدورة، لقد تحول المال إلى رأس مال " (1).
(إن وقت الاستثمار (العمل) يقسم إلى فقرتين: وفي خلال إحداهما لا ينتج شغل قوة العمل إلا معا، ولا لثمنها. وفي خلال الأخرى يكون شغل العامل مجانيا، ويدر على الرأسمالي، بالتالي، قيمة لم يقدم لقاعصا أي معادل قيمة لا تكلفه شيئا. وبهذا المعنى يمكن ان يسمى العمل الزائد الذي يستمد منه القيمة الزائدة عملا أ يدفع ثمنه.
... إن كل قيمة زائدة، مهما كان شكلها الخاص:- الربح، الفائدة، الدخل،
الخ- هي، بصورة جوهرية، تحويل عمل غير مدفوع ثمنه إلى مادة. !
إن سر قوة رأس المال السياسية كله قائم في هذا الواقع البسيط، وهو أن رأس المال يتصرف بكمية معينة من عمل الآخرين لم يدفع ثمنه لا (2).
" لقد اشتغل العامل- إذن- نصف النهار لنفسه، والنصف الآخر للرأسمالي " (3).
هذا اوضح ما يقوله ماركس عن نظريته.
ثم يحاول ماركس أن يبين ان القيمة الزائدة قد تتضاعف تحت ظروف
معينة كثير منها اعتيادي، كزيادة عدد العمال، وزيادة الانتاج، وزيادة ساعات العمل، وغير ذلك. ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
(1) راس المال، لماركسي2 ص 262 وما بعدها. (2) المصدر جى 4 صر 756 وما بعدها.
(3! المصدرة2 ص 395.
245

مناتشة القيمة الزائدة
-1-
تتتضمن هذه النظرية عدة أسس موضوعية، لا بد من الفرل! من صحتها
من اجل تصحيح النظرية. وقد فرغ ماركس فعلا مما التفت إليه من الأسس ولكننا لا بد ان نعرضها جميعا ونفحصها مليا لنتأكد من صحتها قبل التسليم بصحة النظرية... ويكفي كما تزييف النظرية البرهنة على عدم صحة أساس واحد منها، فضلا عن اكثر من واحد. بل يكفي مجرد الشك في صحة أي نها وعدم ثبوته بالدليل، للشك في صحة أصل النظرية.
الأساس الأول: إن العمل هو أشاس القيمة التبادلسة للأشياء عموما، وبدونه لا يكتسب الشيء اية قيمة، كالأراضي البوار والمعادن غيى المستخرجة والغابات الطبيعية ونحو ذلك.
وهذه نظرية تبناها ماركس، وحاول البرفنة عليها يا الفصل الأول من
كتابه " راس المال " ومنه صارت إلى الماركسيين عموما وبها تصبح نتيجة العمل للعامل، فيكون استيلاء صاحب المال عليه بدون استحقاق.
إلا ان هذه النظرية تواجه عدة مصاعب تمنع من الأخذ بها، لأنها تعجز
عن تفسير عدة أمور:
أولا: تفسير ارتفاع قيمة المخطوطات النادرة، مع كون العمل على كتابتها لا يمثل إلا جزءاضئيلا جدا من قيمتها.
ثانيا: تفسير ارتفاع التحف القديمة والمجوهرات وامثالها، مما يكون قيمتها التبادلية أضعاف العمل المبذول فيها. فإن العمل في الأحجار الكريمة موكول إلى الطبيعة نفسها، وليس للانسان تجاهها إلا العمل الضئيل، الذي لا يمكن أن يمثل قيمتها التبادليه بحال...
ثالثا: تفسير اختلاف القيمة الاستعمالية باختلاف الحاجة إلى الشيء،

تتناسب معها تناسبا طرديا. فالماء الواحد المبذول عليه عمل واحد، يكتسب إلى جانب عين الماء قيمة غيرالقيمة التي يكتسبها وهو في الصحراء. إن هذا الفرق الكبير لايعود إلى العمل، كـما هو معلوم.
رابعا: تفسير الفرق بين العمل الفني الجيد والعمل الرديء، إذا كان مساويا له في الزمن وفي الطاقة أو قوة العمل المبذولة. فإن لهما بحسب منطوق النظرية قيمة واحدة، فإذا استهلك العمل الرديء قوه اكثر كان اعلى قيمة من العمل الجيد... وهذا مما لا يمكن ان يكون صحيحا بأي حال.
إلى غيرذلك، مما يطول بنا ألمقام في تفصيله، فليرجع القارىء إلى المصادر المفصلة لذلك.
إن البديل عن العمل في الموردين الأولن هو الندرة النسبية (بالمعنى المطلق). وفي المورد الثالث هو الندرة الشخصية... وفي المورد الرابع هو الأهمية، وهي ترجع بمعنى آخر إلى الندرة.
وليست الندرة بمجردها كافية في زيادة القيمة، وإنما تعطي الندرة جوا
نفسيا خاصا للمشترين، بحيث يكونون على استعداد لدفع القيمة الأعلى، ومع استعداد المشترتي للدفع، يكون البائع مستعدا نفسيا للقبض بل راغبا به وطالبا له لا محالة... فهذ! الجو ألننسي هو السبب الحقيقي المشترك بين هذه الموارد. وهو يتوفر في مورد ندرة البضاعة، ومورد تضخم النقد، ومورد زيادة الحاجة، الشخصبة والجامة (كالحاجة إلى الدواء ايام الوباء)، وهو أمر لا يختلف فيه (العروض ") عن (النقد) عن (العمل) عن (قوة العمل). فإنها جميعا تكون أغلى مع وجود الجو النفسي المشار إليه وتكون ارخص (في إحدى القيمتن التبادلية أو الاستعمالية) مع ضئآلته... على تفصيل لا يسعه المقام.
-3-
الأساس الثاني: إن الشيء الذي يملكه العامل، هوقوة العمل لا العمل نفسه. وهو ما راه كارل ماركس واكده في كتابه، وحاول شرحه في أحد فصول الجزء الثاني منه (1).
قال:
(1) ص 228 منه.
247

" ويجب أن نفهم من هذا الاسم مجموع الخصائص الجسمانية والذهنية الموجودة ني جسم إنسان من الناس في شخصيته الحية، والتي عليه أن يحركها لينتج أشياء نافعة... ان مالك النقد ومالك قوة العيل يلتقيان في السوث ويدخلان في علاقة مع بعض، مبادلن لهما الصفة نفسها. وهما لا يختلفان إلا في هذا: أن أحدهما يشتري والآخريبيع، وكلاهما- لهذا السبب نفسه- شخصان متساويان حقوقيا يا (1).
ومن الطريف أننا نجد الن ماركس يأخذ هذا الأمر افتراضا مسلما من دون
ان يحاول البرهنة عليه... وكأنه يحيل البرهان عليه او القناعة به إلى ذمة القارىء. وهوأسلوب لا يكفي للاثبات، كما هومعلوم. إن كل شيء يلا دليل عليه فهو مرفوض لا اي علم.
ونجد- أيضا- من الماركسية التأكيد على العمل بوصفه شميئا ذا قيمة
وقابلأ بغض النظر عن قوة العمل.
انظر مثلأ قول انجلز:
" إن العمل سلعة مثل غيرها، وسعرها- بالتالي- إنما يتحدد بالضبط وفق اليقوانين
ذاتها التي يتحدد بها سعر كل سلعة اخرى" (2).
وقد رتب انجلز على رايه هذا نفس النتائج التي يريدها ماركس، إذ اضاف:
" وسعر سلعة ني ظل سيادة الصناعة الكبيرة أو المنافسة الحرة... مساو وسيطا على الدوام لكلفة إنتاج هذه السلعة، و (ذن، فإن سعر العمل مساو هوأيضا لكلفة إنتاج العمل، ولكن كلفة إنتاج العمل تتألف بالضبط من كمية وسائل الرزق الضرورية لجعل العامل في حالة تمكنه من متابعة العمل وتحاشي موت الطبقة العاملة، (3).
فقد جعل، وسائل الرزق الضرورية رصيدا للعمل نفسه مباشرة، بلا
حاجة إلى توسيط القوة. وهذا هو الأقرب إلى الفهم الطبيعي على أي حال. ومن هذا الرصيد يمكن الانطلاق إلى فهم القيمة الزائدة، لو سرنا حسب تسلسل تفكيرماركس.
على أن هذه ا لنظرية لا تصمد للنقد، ولا تخلومن المصاعب، نذكرطرفا
منها فيمايلي ة
(1) راس المال جى 2 ص 228.
(2) نصوص مختارة: انجلزص 36.
(3) المصدر والصفحه.
248

الصعوبة الأولى: إن على هذه النظرية ب ن الفرق بين العمل الفني وغيره، إذا كان زمنهما واحدا، فإن القوة المبذولة وربما واحدة، وقيمتهما مختلفة.
الصعوبة الثانية: إن القوة المبذولة في العمل المتشابه مضمونا ووقتا، قد
لا تكون متساوية، بل تختلف- بالضرورة- بين إنسان وإنسان، من حيث الصحة والمرض ومن حيث العمر (كالشباب والشيخوخة) ومن حيث اتصاف الفرد بالتعب أو انشغال الذهن ونحو ذلك، فإذا كانت القيمة عائدة إلى القوة لا إلى العمل، كان اللازم الاختلاف هنا في القيمة مع انه خلاف الوجدان. الصعوبة الثالثة: إن القوة البدنية تنقص بالعمل وتحتاح إلى تعويض بمقدارعض ه شلنات في اليوم ليعود العامل نشيطا يخأ اليوم التالي، على ما قال ماركس واما الخبرة العلمية او القوة الذهنية، فلا معنى لنقصانها، فهل تكون مجانية مع أنها الجزء الأساسي للعمل، وتختلف قيمته بزيادة الخبرة بطبيعة الحال. الصعوبة الرابعة: إن قوة العمل المتمثلة بشخص العامل لا معنى لبيعها، وينبغي أن يعترف ماركمس أنه لا يصبح صاحب المال مالكا لجزء من الشخصية الحية للعامل. كل ما في الأمر أنه نتيجة للمعاقدة يصبح صاحب المال مستحقا لعمل يوم واحد مثلا، وتعود قوة العمل كرصيد له مرة أخرى.
الأساس المالد: إن ماركس يفترض أن قيمة قوة العمل هو المقدار من
الطعام الذي يكفل للعامل إرجاع القوة بعد صرفها... وهو عشرة شلنات في اليوم في مثال ماركس. وهو يتمثل بالأجر الذي يأخذه العامل يوميا من الراسمالي. ويترتب على ذلك: أن العامل يصرف من القوة يا اليوم ضعف ما يأخذ من الأجر، فيكون قد عمل نصف النهار بالأجر ونصف النهار مجانا. ومعنى ذلك ان الرأسمالي لا يدفع إلى العامل إلا ما يقوته يوميا، وإلا فإنه
لو ضاعف له الأجر لكان على ماركس أن يعترف أنه ادى له ما يقابل عمله اليومي تماما.
وهذه الحقيقة، وهي أن صاحب المال لايدفع إلا مقدار ما يقوله يوميا... قد تكون منطبقة على الرأسمالية الأولى بوجودها التاريخي السابق، حين كان يستخدم العامل اكبر مقدار ممكن من الوقت في اقل مقدار ممكن من
249

الأجر، ولكنها غير منطبقة على الوضع الحالي الا حين السست نقابات العمال واعطوا حق المطالبة برفع الأجور وممارسة الاضراب والضغط على الشركات والسلطات بمختلف الأساليب.
ولولا سوء التصرف والجشع المسيطر على السوق، لما بقي- بعد هذه الضمانال!- إلا كسمر قليل من الربح تنازل عنه العامل بمحض حريته لصاحب العمل. فإن صحت نظرية ماركس في كوكأ العامل مالكا، فإنها لا تستطيع أن تمنعه عن التنازل عن بعض ما يملك بإرادته.
ومن الطريف الذي لا يمكن للماركسية أن تلتفت إليه إلا بصوت خاص،
هوأن هذه الحقيقة الراسمالية، وهي الاقتصار على دفع القوت اليومي للعامل، منطبقة على القاعدة التي قالت الماركسية بتطبيمها في الطور الشيوعي الأعلى: وهي: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. فإنءحنى ذلك بكل وضوح هو استخدام العامل أكبر مقدار ممكن، بمقدار كل طاقته، وإعطاؤه ما يقوته ويلم بحاجته فقط، إذا فهمنا من الحاجة ما كان من الضروريات دون الكماليات، على ما سيأتي عند الحديث عن الطور الأعلى.
ومعه تكون نظرية القيمة الفائضة منطبقة على الطور الشيوعي الأعلى، كانطباقها على الرأسمالية. وكل الفرق ما بينهما، هو اختلاف صاحب المال ليس إلا... وأما من حيث كون العامل يعطى أكثر مما يأخذ، فسواء بينهما. الأساس الرابع: التسليم بالمفهوم المطلق للظلم.
فإن ماركس حين يعترض على الرأسمالي أخذ القيمة الفائضة ويعتبرها
شيئا غير صحيح وغير مشروع... وان النظام الرأسمالي القائم على هذا الأسا"س نظام فاسد، فمن حقنا أن نسأله: إن هذا الفساد وعدم المشروعية، من اين جاء9،ئي منطق تسجل؟!...
فإنه لو!!ان عندنا مفهوم مطلق للظلم والعدل والصحة والفساد والمشروعية
وعدم المشروعية. لقلنا عن الراسماليه انها ظالمة وفاسدة وغيرم!نروعة، كـما هى تستحق له فعلا. ولكن الماركسية لا تعترف بذلك، انها- كـما عرفنا- تعتبر القيم الأخلاقية قيما مرحلية مرتبطة بما يرتبط به المجتمع على وجه العموم من تطور وسائل الانتاج وعلاقاته. وان هذه المفاهيم مهما بدت بعيدة الارتباط بالجانب
250

الاقتصادي، فانها لا بد صخائرة إليه وراجعة عليه، لأنه المحرك الأساسي للتاريخ البشري.
ينتج من ذلك: ان كل مرحلة تاريخية تشيع فيها تقييمات ومفاهيم معينة،
تتغير بالضرورة عند ارتفاع تلك المرحلة وتبدلها بالقانون الماركسي العام. فما يكون فاسدا وغير مشروع في مرحلة، قد يصبح صالحا ومشروعا وعادلا في مرحلة أخرى، وبالعكس.
إذن، يمكن القول من هذه الزاوية، بكل وضوح، ان اخذ الميمة الزائدة، هعب في عصر الراسمالية شيء صالح ومشروع وفي عهد الاشتراكية شيء غيرمشم وع، والراسممالي حين يأخذ هذه القيمة من العامل، فإنه يعمل شيئا مشروعا وصحيحا في حدود مرحلتد ونظامه العام، ولا يهتم الراسمالي، بل لأ يمكنه أن يهتم- من وجهة نظر ماركسية- بالتقييم الاشتراكي لعمله. وإلت ا كان هذا امرا صحيحا ومشروعا في عصر الراسمالية، فـما على الفرد
إن كان عليه متبعا له. فإن المسؤولية الكبرى على الفرد هي أن يتبع كل ما هو مشروع وصحيح، والمفروض ان اخذ القيمة الزائدة أمر مشروع وصحيح، فلماذا يستحق الرأسمالي الانتقام؟.
وقد عرفنا من الماركسية انها نفت وجود التفكيرالموضوعي المجرد، واثبتت
ان كل الأفكار والاراء طبقية وحزبية وتابعة لتطور وسائل الانتاح... وهذا شامل للتفكير الراسمالي والاشتراكي معا. فكما ان الفرد الراسمالي يكون متحيزا عند أخذد القيمة الزائدة وإدراكه صحة ما يعمل. فكذلك الاشتراكي يكون متحيزا حـيئ يطعن بهذه القيمة ويدراث عدم مشروعيتها، بما فيهم كارل ماركس نفسه، ومن الواضح أن فرض الفكرالمتحيز على الاخرين وأخذهم به امر غير مشروع وغير صحيح.
إن كارل ماركس يفترض ان 62 ليبرة من القطن الخام تساوي اثنتي عشرة
ساعة من العمل. ولا بد ان ذلك باعتبار جنيه وتصفيته ونحوذلك من الأعمال المسبقة. فإذا غزل هذا القطن استهلك خمسة ايام من العمل هي: اليوم المشار إليه في القطن الخام، مع يوم كامل للغزل وثلاثة باعتبار استهلاك الالات وغير ذلك من الأعمال الثانوية. فإذا كانت الأجرة المستحقة في اليوم هي 6 شلنات
251

كانت قيمة ليبرة القطن المغزول 35 شلنا.
ولكن الرأسمالي يدفع للعامل 3 شلنات في اليوم هي قيمة نصف نهاروهذه الشلنات الثلاث هي قيمة قوة عمله المصروفة في اليوم، لأن ما يعين له قوته على العمل في اليوم الاتي، هو ما يساوي 3 شلنات ميق الطعام.
إن ماركس يفترض عدد ساعات معينة من العمل تقابل كل " مادة " من
مواد الانتاح: القطن، الغزل، المغازل المستهلكة، قوة العمل، طعام العامل،... وهذا أمر قد يصح افتراضه رياضيا، ولكنه من الناحية الواقعية بعيد عن الصحة.
لنأخذ القتلن الخام أولا، الذي يفترض ماركس أن 25 ليبرة منه تساوي
اثنتي عشزساعة من العمل. فهل هذا صحيح. وأما ما سبق ذلك من العمليات قطفه وزرعه وسقيه ثم قبل ذلك حرث الأرض وتسميدها والبذر، ثم قبل ذلك حفظ البذر من التلف إلى حين الموسم. إن هذا يساوي عدة اشهر من مختلف الأعمال، وكلها أعمال ذات قيمة، فلو حفظ لك شخص بذور قطنك لكان مستحقا عليك أجرا، فضلا عما إذا حرث لك أرضك أو زرعها. وأما الكبس والتحميل ونحوه مما هو متأخر عن التصفية، فكأننا ينبغي ان نسقطه عن نظر الاعتبار وإلا زادت ساعات العمل.
بل يمكننا أن نسيرخطوة أكبر لنرى أن بذ. رة القطن التي استفدنا من قطنها وغزلناه، كانت في شجرة سابقة عاشت عدة اشهر وبذلت عديها اعمال تحرة. وهي أيضا نتيجة بذرة سابقة، وهكذا.
إذن، فالقطن يمثل تاريخا طويلا من الأعمال ممتدا بامتداد تاريخ البشرية.
فكيف ندعي انه يمثل اثنتي. عشرة ساعة من العمل. وكيف يمكن أن نقبل هذا الافتراض الرياضي من ماركس.
ويمكننا أن نلاحظ نفس الشيء في طعام العامل الذقي يعيد له القوة والنشاط فإنه يمثل في زراعته وجنيه أكثر من ست ساعات بكثيى. فضلا عن تاريخ بذوره الممتدة بامتداد البشرية.
وقوة العمل نفسها، مستندة في وجودها إلى مثل هذا التاريخ... مضافا
إلى تاريخ آخر وهو ان قوة العمل موجودة لا جسم العامل، وجسمه له تاريخ بشري ممتد في آبائه واجداده طويل جدا.

وقل نفس الشيء بالنسبة إلى المغازل المستهلكة. وهكذا غيرها. فكيف
يمكن لماركس أن يفترض انها تمثل ساعات محددة من العمل.
ولو كانت ساعات العمل هي المقياس للقيمة التبادليه للشيء، إذن،
ينبغي ان تكون قيمة هذه الأمور مرتفعة جدا، بمقدار ساعات لعدة اشهر او عدة سنين، إن اسقطنا مجموع التاريخ البشري عن نظر الاعتبار. وهوما لا يمكن أن يلتزم به أحد.
-7-
يوضح ماركس أن قيمة القطن المغزول منوط تعيينها بمقدار الساعات التي
بذلت في صنعه، وقيمة هذه الساعات تتحدد بقيمة قوة العمل التي بذلت خلالها. وقيمة العمل تتحدد بقيمة قوة العمل أيضا، وكل الخصائمر، تعود عادة إلى قوة العمل. وقيمة قوة العمل تتحدد بمقدار ما يرجعها صاحبها إلى جسمه من الطعام.
وقيمة قوة العمل هذه، أو- بتعبير اخر-: ما ينبغي أن يتقاضاه العامل
بإزاء كل ساعة من قوة العمل أو كل يوم... لا يمكن الرجوع في تحديدها إلى نتيجتها، وهو القطن المغزول، لأننا نكون قد بدأنا من حيث انتهينا. لأننا نكون قد حددنا قيمة القطن بقيمة القوة وقيمة القوة بقيمة القطن، فلم نصل إلى شيء.
إن ماركس يجيب على ذلك: ان قيمة القوة لا تتحدد بقيمة القطن، بل
بقيمة الطعام الذي يحتاجه الفرد لرجوع قوة عمله بعد ففادها. ومن الطريف هنا ان يعتقد ماركس ان هذا الطعام يمثل نفس مقدار الساعات التي استهلكت بالعمل المقبوض اجرته. فلو كان العامل قد قبض أجرة ست ساعات، كان الطعام ممثلا لعمك ست ساعات.
وهذا الافتراض لطيف من الناحية الرياضية، إذ تكون قوة العمل والطعام والست ساعات والقطن، كليا متوازية ومتساوية في قيمتها. إلا أنه من الناحية الواعية غيرهن او بعيد الوقوع، إذ قد يشتري العامل طعاما ممثلا لعدد أقل من ساعات أو أكـز، والأطعمة تختلف يا الساعات التي تحتاج لانتاجها مع العلم أنه قد يكودن ما يرجع قوة العمل في هذا اليوم ممثلا لأربع ساعات، وما يرجعها في اليوم التالي ممثلا لعشر ساعات.
253

-8-
نعرف من تسلسل الفكرة في الفقرة السابقة: ان قيمة الناتج محددة بقيمة
قوة العمل، وقيمة قوة العمل، محددة بقيمة ما يكون سببا لرجوعهـا من الأغذية، فمن حقنا أن نسأل، ما إذا كانت هذه الأغذية ممثلة لقوة عمل بدورها أولا؟ إن ماركس سوف يجيب بالايجاب. فما الذي يحدد قوة العمل تلك؟ يجيب ماركس: إنها هي الأغذية التي تعيدها إلى حالها الأولى ايضا.
وهذا الأغذية ممثلة لقوة عمل أخرى، وهي بدورها ترجع عن طريق
اغذية اخرى وهكذا، ولا نستطيع ان نصل إلى قعرس عذه السلسلة.
إن كل هذه السلسلة من منتوح وقوة عمل، تمثل ساعات محدده متماثلة
كست ساعات مثلا- بغض النظر عن الاعتراضات السابقة-. ولكن ما هي القيمة التبادلية لهذه الساعات؟... إنها تتحدد- مرة أخرى- بقيمة الطعام الذي يرجع القوة إلى صاحبها، وقيمة الطعام تتحدد مرة اخرى بقوة العمل. وهكذا نعود إلى نفس السلسلة.
وإذا عدنا إلى السلسلة لم نستطع ان نحدد قيمة شيء بالمرة، لا الساعات
ولا قوة العمل ولا الطعام، لا اي فقرة من فقرات هذه السلسلة.
إن ماركس يفترض ان للطعام في السوق قيمة ناجزة، هي التي تحدد قيمة
العمل التي تحدد بدورها قيمة المنتوت. وهذا التحديد إنما يصح من زاوية غير ماركسية، حين تتحدد قيمة الطعام بشيء خارح هذه السلسلة، كالندرة النسبية او الحاجة الاجتماعية أو الجو النفسي الذي ذكرناه.
وتبدو هذه المشكلة بشكل أصرح، فيما إذا افترضنا ان اناسا كونوا مجحمعا جديدا، وبذلوا قواهم لانتاح قماش مثلا، ثم اكلوا طعاما مما حصلوا عليه طبيعيا، حتى استعادوا قواهم المبذولة في إنتاج القماش.
إننا نستطيع أن نجزم- طبقا لقانون ماركس- أن القماش وقوة إنتاجه والطعام الذي اكلوه، ذو قيمة وا حدة، ضي بدورها قيمة الساعات التي بذلت في الانتاح. ولكن كم هي هذه القيمة؟ هنا يستحيك إعطاء اي تحديد للقيمة، ما لم نرجع إلى مقياس اخر غير ماركسي.
254