كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
 

كتاب اليوم الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر



مناقشة
الطور الشيوعي الأعلى
لا ينبغي أن نختلف مغ الماركسية في وجود المستقبل السعيد للبشرية بأي
اسم سميناه، فانه من القضايا القطعية التي لا يتطرق إليها شك، كما سوف نبرهن عليه. وقد سبق ان اعطينا عنه جملة من التفاصيل في الجزئن السابقين من هذه الموسوعة.
واتفاقنا مع الماركسية في ذلك، هو الذي حدا بنا إلى الدخول في تفاصيل نظريتها، لنرى ما إذا كانت الماركسية قد وفقت فعلا في استنتاجاتها والمقدمات التي أوصلتها إلى التركيز على هذه النتيجة.
وعلى أي حال، فقد قلنا في مقدمة هذا البحث، ان ذهابها إلى ذلك يعتبر إحدى نقاط القوة في الفكر الماركسي واشدها إغراءا لجلب العقول إلى جانبها، مضافا إلى محاولة الماركسية استيعاب الكون والحياة بفلسفة واحدة متعاضدة. وسنثبت، غير بعيد، ان. نظرية التخطيط الالهي العام تشتمل على كلا
هاتين النقطتين من القوة، مع وجود نقاط قوة اخرى كثيرة. وعدم ورود اي إيراد من الايرادات التي ذكرناها ضد الماركسية على نظرية التخطيط الالهي. ومن هنا تكون هذه النظرية قد توصلت إلى نفس النتيجة بمقدمات اصح وامتن.
وقد عرفنا بأوضح شكل المناقشات التي تمنى بها الماركسية، وان المقدمات
العامة والخاصة والتفاصيل للفهم الاجتماعي الماركسي، كلها لا يمكن أن تكون صحيحة.
وهنا لا بد من الاشارة إلى الأفكار الثلاثة التي ذكرناها في أول مناقشة الطور الأدق، فإنها واردة هنا، فليرجع القارىء إليها.
355

وقد ذكرت الماركسية، تفاصيل كثيرة من اوصاف الطور الأعلى (يوم سعادة البشرية) كأنها عاشتها فعلا، وشاهدتها مطبقة في عالم الحياة... مع العلم أنها تعترف أن ايا من دول ما يسمى بللعسكر الاشتراكي، لم يصل إلى هذا الدور إلى حد الان. ولا زالت هذه الدول تعطي العامل حسب عمله لا حسب حاجته، وتعترف بالملكية الخاصة في كثير من الميادين؟ والجهاز الحاكم (الدولة) لازال موجودا فيها لم يضمحل.
المهم، أن هذه ألأوصاف للطور الأعلى، اخذتها الماركسية من مصادر ثلاثة:
المصدر الأول: الوضوج العقلائي العام بأن صفات معينة تكون هي السبب في سعادة البشرية، أو انها تشارك فيها مشاركة فعالة... كالمساواة الاقتصادية وارتفاع الخلافات والتناحرات بين الناس، وتعميم الثقافة في المجتمع... ونحو ذلك، فان من أراد أن يفكر- بدون جهد- في الأوصاف الموجبة لسعادة الناس، فانه لن يعدو مثل هذه الصفات.
المصدر الثاني: المادية التاريخية، بمالها من الخصائص والقواعد، حيث اصبحت تصل بثقلها إلى هذا الطور الأعلى، فتطبعه بطابعها في نظر الماركسية، واهم الصفات التي وسمته بها: زوال الطبقات وزرال الدولة، وزوال الملكية الخاصة.
المصدر الثالث: آراء خاصة للماركسيين واجتهادات شخصية ملئوا بها الصحف والكتب في صفات الطور الأعلى. ورأوا ان المجتمع الذي تسعد به البشرية ينبغي ان يكون كذلك، وادعوا أنهم استنتجوا ذلك عن طريق الماديه التاريخية، وسنرى عن قريب أن هذه القواعد غيرمربوطة بالمرة بهذه الصفات. ومن اهم ما ذهب إليه الماركسيون نتيجة لهذا المصدر القاعدة الشيوعية
(من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته)، وكذلك الأسلوب البديل عن الدولة بعد زوالها.
أما المصدر الأول، فهوصحيح إلى حد بعيد، وان كان قد يقع الشك في
ان قضية معينة مستنتجة منه فعلأ أم لا.
وأما المصدر الثاني، فقد عرفنا من خلال هذا البحث بكل تفصيل عدم 356

صحته، ومعه فتكون النتائج المتفرعة عليه غير صحيحة، بطبيعة الحال. وأما المصدر الثالث، فهم الذين يتحملودط مسؤ وليته وحدهم، لأن رأي
اي فردنافذعليه، فقط، ولايمكن أن يكون نافذا على غيره، إلا عن طريق الاقناع. وستكون لنا فرصة واسعة، نتيجة لقدسية الحرية في الاستنتاجات العلمية والفكرية أن نقتنع بما نشاء، أو أدن نرفض ما نشاء حسب المقدمات التي يوصلنا إليها التخطيط- الالهي لليوم الموعود.
-3-
ونحن وان لم نصل بعد إلى اوصاف اليوم الموعود، الدي رصدنا له القسم الثالث من الكتاب، إلا أنه يمكننا هنا أن نعطي بعض الفقرات المناسبة مع هذه المناقشات، محيلين البرهنة عليها على ما يأتي من البحث.
ان الماركسية اعطت ليومها الموعود وطورها الأعلى عددا من الأوصاف في التعاريف وغيرها، يمكن ان تنطبق على يومنا الموعود اعني الناتج عن التخطيط الالهي. وذلك: أما باعتبار كونها مستنتجة من المصدر الأول الذي ذكرناه، فتكون مشتركة وواضحة في ذهن كل من يخطط لسعادة البشرية. او باعتبار أنها مستقاة من المصدر الثالث، وقد حصل التطابق- صدفة- بين بعض آراء الماركس!ن واجتهاداتهم، وبن أوصاف اليوم الموعود.
أنظر معي إلى العبارات التالية، وكلها مما سبق الق سمعناه:
" الشيوعية هي المستقبل المشرق للانسانية جمعاءا.
بل اليوم الموعود هو المستقبل المشرق للانسانية جمعاء، وهوحلم الانسانية
طيلة قرون.
إن اليوم الموعود ينطبق عليه تعريف كوفالسون تماما، وان لم يكن تعريفا
إلا لبعض جوانبه.
فهوا تنظيم اجتماعي عاقل يعتمد على قاعدة تكنيكية عالية التطور، ويوحد الناس في
إطار وحدة تضامنية من أجل إخضاع قوى الطبيعة باطرإ:، ويوطد سيادة الانسان على علاقاته 1 أ، جتماعيه بالذات، ويوحد النظابم الاجتماعي كله والثقافة المادية والروحية كلها نحو تطوير الانسالط، نحو تطوير الفرد تطويرا متناسقا متناغما ".
هذا بشرط أن لا تنطبق الأساليب التي تقترحها الماركسية بالمصدر الثالث، للوصول إلى هذه النتائج الصحيحة، بل لليوم الموعود أساليبه الخاصة به
357

ومفاهيمه مضافا إلى كل ما ذكر.
واليوم الموعود هو- ايضا-:
9 فض سر التاريخ ودرجة عالية من التقدم الاجتماعى وظاهرة تاريخية عالمية وهو وحده
الذي يدل البشرية على مخرج من تلك النزاعات الفاجعة التي تتخبط فيها. ولهذا لا بد أن تصل الشعوب إليه، عاجلا ام آجلاث ولا مراء أن تشكيلة (اليوم الموعود) ستكون عامة، وان جميع الشعوب ستبلغ في آخر المطاف مستوى واحدا، فيبدا آنذاك تاريخ واحد لبشرية وا حد ة ".
كذلك قال كوفالسون، وكذلك نقول.
اضف إلى ذلك صفات أخرى مما ذكره الماركسيون:
ففي اليوم الموعود " ستحقق الثقافة فه نهوضا أ يسبق له مثيل. ان الثقافة " الموعودة "
ترث وتطور كل ما هوتقدمي، وأفضل ما خلقته الثقافة العالمية ستكون مرحلة جديدة عليا من تطور الانسانية الثقافى.
إن اليوم الموعود يفترض " بل يصنع " إنسانا جديدا يتناسق فيه الغنى الروحي والنقاء الأخلاقي والكمالط الجسماني. ان الوعي " الموعود " وحب العمل والانضباط والاخلاص لمصالع المجتمع، تلك هى الصفات المتكاملة لهذا الانسان. وسيكون إنسان ذلك العهد متناسقا ومتطورأ من جميع النواحي حيث ستتطور قابلياشه ومواهبه، وتزدهر كليا وتتجلى بوضوح أفضل خصاله الروحية والجسمانية!.
و(ذا كان الماركسيون قد انتهوا من اوصاف مجتمعهم السعيد، فان التخطيط الالهي يعتبر هذه الأوصاف بسيطة وقلحلة بالنسبة إلى الوعي والتنظيم الفردي والاجتماعي الموجود في يومه الموعود. وسنوضح ذلك بكل تفصيل عند الحديث عن هذا التخطيط، وسنعرف أن هذه النظرية هي التي من حقها أن تتحدث عن هذه الأوصاف دون الماركسية.
وماذا بعد عن التعاريف، وهل تنطبق تماما على الطور الأعلى، طبقا لقواعد الماركسية العامة.
إن عددا من الخصائص التي وردت فى تعريف (كارل ماركس) للشيوعية
لا يمكن أن يكون صحيحا، فضلا عن ان يكون تعريفا كاملا من الناحية المنطقية. حيث قال عن الشيوعية- كا سمعنا-: لا انها تملك فعلي للماهية الانسانية من قبل الانسان ".
58 بم

إن استعمال لفظ التملك وهو المفهوم الذي تنفر منه الماركسية- متطرف
هنا بالمجا: يةء ان ماركس يريد من ذلك سحطرة الانسان على شؤون نفسه. وهي ليست خصيصة للطور الأعلى بك تشمل كل نظام مادي منفصل عن تشريع السماء. ولكن تعبيره قاصر عن اداء ما يريده، فان الماهية الانسانية غيرقابلة للتملك بالمعنى المفهوم من الماهمة والتملك. وان اياد ملكية الانسال! ملكية شخصية، عدنا- إذن- إلى عصر الرق.- إن أراد سيطرة بعض الانسان على بعض عدنا إلى عصر الدول التي تكون قد زالت يومئذ. وان اراد سيطرة جميع المجتمع على جميعه، كـما هي الصورة المثالية المتطرفة للديمقراطية فهذا مما لا يمكن تطبيقه بالضرورة، كـما سنقول بعد قليل عند مناقشة ارتفاع الدولة.
وقال ماركس عن الشيوعية أيضا: " انها الحل الحقيقي للتضاد بين الانسان والطبيعة ". وهذا لا معنى له، لأن التضاد لو كان موجودا فهو يعود إلى الوجود التكويني للانسان والطبيعة، ولا ربط له بالنظام الفكري والتشريعي للمجتمع. ومن الواضح أن الانسان كلما ذلل قسما من الطبيعة طمع في تذليل اقسام أخرى منها، وهي أعمق وأوسع من أن تنتهي.
وقال عنها: " انها الحل الحقيقي للتضاد بين الانسان والانسان، وسوف نبرهين خلال القسم الثالث، ان هذا إنما يكون ممكنا لو اتصف افراد المجتمع (بالعصمة يا كما هو هدف التخطيط الالهي العام. اما من دودن ذلك، مع الالتفات إلى التركيز الاقتصادي للماركسية في تربية الأفراد، و (يلائه الأهمية الأولى في الحياة، فهذا التضاد لا يمكن ان يزول من الحياة.
وقال عنهاا انها الحل الحقيقي للتضاد بين الوجود والماهية بين الموضعة وتأكيد الذات ".
اما قصة الوجود والماهية، فالمعنى المفهوم منهما خال عن التضاد، بل هما متعاضدان في إيجاد أجزاء الكون ومن ثم الكون كله. وعلى افتراض وجود التضاد فهو تكويني الوجود لا ربط له بالنظام الاجتماعي، ولأ معنى لارتفاعه والحديث عن الموضعة وتأكيد الذات، والمراد به حب الذإت بما لها من نوازع وطموحات، والعالم الخارجي الموضوعي. الن الانسجام الكامل بينهما لا يكون إلا عند تطبيق العدل الكامل، ولا يكفي توفر الانتاج قي ذلك، وإن
359

كان يشارك فيه مشاركة كبيرة، وهذا ما سنحمل عنه فكرة في القسم الثالث من الكتاب.
وقال عنها: (انها الحل الحقيقي للتضاد بين الحرية والضرورة ". وهذا واضح المجازية. لأن المراد من هذين الاصطلاح!!ن: الحرية والضرورة، وجودهما التكويني في خلقة الالسان ووجوده. وهذا أمر غير مربوط بالنظام الاجتماعي بالمرةء وقد سمعنا مفصلا كيف ان الماركسية فشلت في الجمع بين الضرورة والحرية، وكيف انها ركزت على الضرورة ني الد!ود الأولى من ماديتها التاريخية، بينما ركزت على جانب الوعي والحرية ني العهود الاشتراكية الأخيرة. وقد عرفنا فشل هذا المعنى أيضأ، لأن الانسان إن كان مضطرا إلى افعاله، طبقا للقوى المادية التي تؤمن بها الماركسية، او كان غير مضطر بالرغم من هذه القوى، فهي على اي حال صفة ثابتة للانسان لا تقوى العهود التاريخية على تغييره، شأنها في ذلك شأن الكثيرمن الصفات التي عجزت عن تغييره، كشكل الانسان ولغته وغيره مما سبق ان ذكرناه مفصلا.
ثم قال ماركسي عن الشيوعية: " وهي تعرف ذاتها على انها هذا الحل ".
وهذا واضح المجازية... انه يتحدث عن الشيوعية كأنها فرد من أفراد الانسان... لعله لأجل كونها صديقته المفضلة!..
ولنتحدث الآن عن زوال الدولة.
إن الرئاسة المركزية التي تمثل الدولة القسم المتطور منها، وجدت في التاريخ البشري منذ وجدت المجتمعات متمثلة في الطوطمية والابوة العليا والمشيخات وغيرها. حتى في المجتمعات البدائية، وقد عرفنا وبرهنا أنه لم يثبت انها كانت مجتمعات شيوعية ني الانتاج والتوزيع، كما قالت الماركسية.
ثم تطورت هذه الرئاسة واتسعت، وازدادت أهميتها ومسمؤولياتها تدريجأ
إلى أن وصلت إلى الشكل الحكومي الحديث.
والمهمة الرئيسية للدولة في الواقع، ليس هو القمع الطبقي، و(ن كانت كثيرمن الدول قد قامت بذلك فعلا... بل هو الحفاظ كلى مصالح المجموع، من حيث أن المجموع لا يمكنهم ان يجدوا مصالحهم اوان يحافظوا عليها، باعتبار اختلافهم ني المصالح والآرأء والثقافات وغيرها، وتعذر اجتماعهم واتفاقهم على
360

عمل أو راي واحد. فلزم وجود حاكم أعلى أو مجموعة صغيرة نسبا من الناس تحفظ لهم تلك المصالح العامة.
والدول تختلف، باعتبار اختلاف اشخاصها وظروفها، في إدراكها للمصالح العامة، وفى مقدار تدخلها في حياة الناس وفي مقدار إخلاصها للمجتمع وفى اساليب تطبيقها للمصالحة. وحيث ان الحكام- كأي انسان- تسيطر عليهم الرغبات الشخصية والمصالح الخاصة اكز بكثير من إخلاصهم للمجتمع ومصا-لمهم. فبهذا الاعتبار سوف يمارسون قمع المعارضين بالطرق (السلمية) تارة والدموية أخرى. ومن هنا فهمت الماركسية ان الدولة اداة طبقية للقميم.
وفي إمكاننا، إذن، ان نتصور درجة عليا من الاخلاص في الحكام المسيطرين على الدولة، بحيث يمارسون نكران الذات ويحفظون مصالح المجتمع بدرجة عليا، تماما كما افترضته الماركسية في كل افراد الطور الأعلى اواكثرهم على اقل تقدير. ومعه لا تكون الدولة طبقية، ولا تمارس أى قمع.
وقد اعترفت الماركسية ان الدولة أحيانا لا تكون ممثلة لطبقة معينة.
قال انجلز:
" فثمة، كحالات استثناثية، مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة من توازن القوى، تنال فيها سلطة الدولة لفرة معينة نوعأ من الاستقلال حول الطبقتيئ، مظهر وسيط بينهما) (1).
وإذا امكن هذا احيانا، بالرغم من القوانن المادية للتاريخ، أمكن أيضا
في كثير من الأحيان.
ان المجتمع البدائي، إنما كان فاقدا للدولة، لأنه لم يكن يحتاجها لعدم
وجود مصالح عامة بالمعنى الحقيقي تجب كفالتها وحفظها. وإنما كان الأفراد يمكنهم أن يحفظوا م!صالحهم بأنفسهم. وهذا بخلاف المجتمع المعقد الواسع والعالي التنظيم، على الشكل الذي تتصوره الماركسية في الطور الأعلى، فانه يحتاج إلى تلك الهيئة المركزية التي تحفظ له مصالحه العامة، وششحيل أن يعيش يوما واحدا بدوج!ا.
ولو كانت الشيوعية في الانتاج والحوزيع، هي التي أغنت المجتمع البدائي
(1) اصول العاثلة: انجلزص 227.
361

عن الدولة، لكان من المنطقي ان المجتمع حين يعود إلى هذه الشيوعية تارة اخرى، أن يستعني ايضا عن الدولة ة إلا ان الواقع ليس هو ذلك، بل ان انمجتمع البدائي إنما استغنى عن الدولة لبدائيته وبساطته، وليس المجتمع الأخير بدائيا بطبيعة الحال. إذن، فوجود الدولة ضروري فيه.
إن الهيئات الاجتماعية والمنظمات العمالية التي تمارس التنظيم العام بدل الدولة، بدون أن يكون لها مجلس مشترك او ممثلين عامن (والا رجعنا إلى فكرة الدولة)، هل تستطيع هذه الهيئات أن تجيب على مثل هذه الأسئلة؟؟: ماذا تعمل لوحصل اعتداء خارجي على المجتمع، من قبل دولة رأسمالية
مثلا. وماذا تعمل لو حصلت تمردات او مشاغبات داخلية، وقد اعترف لينين بكونها ضرورية. وماذا تعمل لو اختلف فردان أو منظمتان في الآراء والتطبيقات، ومن هو الذي يؤسس المنظمة ويعين العضوية ويعزل العضو، ويتحكم في تصرفاته. ومن هو الذي يضمن اتجاه اعمال المنظمات كلها إلى هدف واحد.
إن الجيش والشرطة والقضاء بكل اشكاله، وقوانين العقوبات والسجون، بل كل القوانين وكل المجالس المتكفلة بتشريعها وتنفيذها، ستزول بزوال الدولة، لأنها بدورها اداة طبقية، ان المجتمع عندئذ سيصبح لقمة سائغة لأول ضربة داخلية أو خارجية.
والحق أن الماركسية حين الغت الدولة، أبدلتها بقوة مركزية اخرى، لكنها
تعمل خلف الكواليسر، لاتحت النور، وهو الحزب الشيوعي نفسه. وهو الذي يقوم بكل هذه المهام ويحفظ للمجتمع الشيوعي عقيدته الماركسية اللينينية، ويدرا عنها كيد المناقشات والاعتراضات في النظرية والتطبيق.
وبدون ذلك، مهما حاولت الماركسية ان تصف من خصائص المجتمع وافراده، في الوعي والثقافة وحب العمل، فإن ذلك ما تستطيع البروليتاريا المنظمة، أن تخلقه لو استطاعت، في جيل واحد او أكثر ة واماضمان بقاء هذا المستوى العالي طوال الأجيال الكثيرة، بدون توقع هبوط أو انحراف او تمردات، او اقتراحات في تغيير النظام، او وجود فلسفات جديدة من نوابغ جط د، حين تكون الحرية محفوظة... إن ضمان ذلك بدون توجيه مركزي مستمر لفي عداد المستحيلات.
362

وقد يخطر في النص: ما سبق ان قلناه، من ان فكرة الحزبية، لدى الماركسية، فكرة طبقية، ولا معنى لوجود اي حزب بعد ارتفاع الصراع الطبقي في الطور الأعلى.
وجوابه: ما سبق ايضا، ان الحزب الشيوعي يبقى كمنظمة ذات كيان لا
من اجل المشاركة في الصراع الطبقي، بل من اجل بناء المجتمع الجديد بناءا ماركسيا متينا؟ وكيف يمكنه التنازل عن مهمته بعد أن اوصل المجتمع إلى نهايته السعيدة، ولا بد أن ينال هووالاخرون نتائج هذه السعادة.
ولو خطونا إلى الوراء خطوة، في مقام الجدل، واعتبرنا الحزب الشيوعي، منحلا تماما في الطور الأعلى، فلا اقل من أن الماركسية تفترض وجود عدد مهم من الأفراد في المجتمع يحرصون على الماركسية فكريا وعمليا؟ ان هؤلاء هم الذين يكون لهم التوجيه والتنسيق باستمرار. وسيضطرون إلى عقد الاجتماعات لتنسيق الآراء وتوحيدها، وتطبيقها

1::2::3