كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي

كتاب اليوم الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر




الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية




تبدأ الكتب الماركسية- عادة- بنقطة انطلاق معينة، وهي أن أهم مسألة في الفلسفة على الإطلاق، هي إن الفكر متقدم على المادة أو أن المادة متقدمة على الفكر... وان اختلفت كلمات الماركسيين في طرح هذه المسألة.
قال انجلز:
" المسألة الأساسية الكبرى في كل فلسفة، وبخاصة الفلسفة الحديثة، هي مسألة العلاقة بين الفكر والوجود... مسألة معرفة أي عنصر هو الأسبق: الروح أم الطبيعة. إن هذه المسألة قد اتخذت حيال الكنيسة شكلا حادأ، هل العالم من صنع الله أم هو موجود منذ الأزل.
وقد كان الفلاسفة ينقسمون حسب جوابهم على هذا السؤال، بهذا الشكل أو ذاك، إلى معسكرين كبيرين. فالذين كانوا يؤكدون صفة الأسبقية للروح على الطبيعة، والذين كانوا بالتالي يسلمون، في نهاية المطاف، بخلق العالم من أي نوع كان... كان هؤلاء يؤلفون معسكر المثالية. أما الآخرون، الذين يعتبرون الطبيعة هو العنصر الأسبق، فكانوا ينتمون إلى مختلف المدارس المادية " (1).
وقد أجابت الماركسية على هذا السؤال باختيار الجانب المادي للفكر، وقالت في نفس الوقت بأزلية العالم، تجنبا للفكرة القائلة بإمكان أن يطفر الكون من العدم إلى عالم الوجود، دفعة واحدة بمحض الصدفة المطلقة، لوضوح سخافتها إلى درجة لا يمكن حتى مجرد التفكير بها.
(1) مختارات انجلز ص 61- 62. وانظر: لودفيج فورباخ ص 25 وما بعدها. وكذلك: المادية التاريخية لكوفالسون ص 13. وغيرها من المصادر.
67

يقول انجلز:
( إن الفهم المادي للعالم يعني- بكل بساطة- فهم الطبيعة كما هي، دون أية إضافة غريبة.)
ولقد كتب لينين بصدد المفهوم المادي عند فيلسوف العهد القديم وهيراكليت الذي
جاء فيه أن " العالم هو واحد، وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد، تشتعل وتنطفئ تبعا لقوانين معينة... " فقال: يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية) (1).
أضاف انجلز قائلا:
(ولكن مسألة علاقة الفكر بالكائن ترتدي أيضا مظهرا آخر: ما هي العلاقة بين أفكارنا عن العالم المحيط بنا، والعالم نفسه، وهل يستطيع فكرنا أن يعرف العالم الواقعي... هذه المسألة تسمى في اللغة الفلسفية مسألة مطابقة الفكر والكائن. إن أكثرية الفلاسفة الكبرى قد أجابوا عنها بالإيجاب " (2).
وفي جواب هذا السؤال اختارت الماركسية- مصادرة- جانب الواقعية خلافا لهيوم وباركلي وإضرابهما.
" ممن يشكون في إمكانية معرفة العالم- أو على الأقل معرفته الكاملة، (3). واعتقدت الماركسية بإمكان اجتماع النفي والإثبات في هذا الواقع الذي اعترفت به، حتى في الشيء الواحد ذاته. واعتبرت الإيمان بهوية واحدة ثابتة للأشياء ضربا ميتافيزيقيا من التفكير.
قال انجلز:
(تبدو وجهة النظر العقيمة الشكلية تجريديا عن الهوية، التي تريد تناول كائن عضوي كشيء مماثل لذاته ببساطة وكثابت، باطلة... بيد أن الهوية بوضعها هذا لا وجود لها في الواقع حتى في الطبيعة غير العضوية. فكل جسم يتعرض باستمرار لأفعال ميكانيكية وفيزيائية وكيميائية تحدث فيه على الدوام تغيرات تبدل هويته " (4).
000. (1) المادية التاريخية لستالين ص 24.
(2) لودفيج فورباخ: انجلز ص 21.
(3) المصدر نفسه ص 22.
(4) مختارات انجلز ص 104.
1،68

... " إن التغير المستمر إي إبطال الهوية المجردة مع الذات، يوجد أيضا في الطبيعة المسماة بغير العضوية. والجيولوجيا هي تاريخ هذا التغير المستمر. على السطح تبدلات ميكانيكية (تأكل تجمد) كيماوية (تفتت). في الداخل تبدلات ميكانيكية (ضغط) حرارة (بركانية) تغيرات كيماوية (ماء، حوامض، مثبتات! على نطاق واسع. ارتفاع التربة، هزات أرضية الخ... لا.
(إن (مبدأ الهوية) بمعنى الميتافيزياء هو المبدأ الأساسي للمفهوم القديم عن العالم: ا= ا. كل شيء متماثل مع نفسه... وهذا المبدأ قد دحضه علم الطبيعة نقطة فنقطة، وفي حال أثر اخرى" (1).
وقال انجلز أيضا:
" أكيد أننا لا نصطدم بأي تناقض في الأشياء ما دمنا نعتبرها ساكنة وبدون حيلة.
كل لذاته. الواحد إلى جانب الآخر، والواحد بعد الآخر... وفي حدود ميدان الملاحظة هذا، نخرج من الأمر بنسق التفكير الدارج: النسق الميتافيزيائي. ولكن الأمر يختلف عن ذلك تماما منذ أن ننظر إلى الأشياء في حركتها، في تغيرها، في حياتها، في فعلها المتبادل بعضها على بعض. هنا نقع فورا في تناقضات، فالحركة نفسها هي تناقض.
بل إن تغير المكان الميكانيكي نفسه لا يمكن أن يتم إلا لأن جسما ما في لحظة واحدة
بذاتها يكون في مكان وفي مكان آخر معا، يكون موجودا في مكان واحد بذاته ولا يكون موجودا فيه.
والحركة إنما هي بالضبط، في الصورة التي ينطرح بها هذا التناقض باستمرار وينحل
في الوقت نفسه " (2).
" وإذا كان التغير الميكانيكي البسيط للمكان يتضمن في ذاته تناقضا، فمن باب
أولى أن تكون كذلك الأشكال العليا لحركة المادة، وعلى الأخص الحياة العضوية وتطورها.
وقد رأينا فيما سبق أن الحياة تقوم بالدرجة الأولى وعلى وجه التحديد في أن كائنا ما
هو في كل لحظة ذاته وآخر مع ذلك. فالحياة بالتالي هي أيضا تناقض... ومذ يتوقف التناقض تتوقف الحياة أيضا ويحل الموت " (3).
(1) المصدر نفسه ص 155.
(2) المصدر ص 108.
(3) المصدر ص 109.
69

حتى الرياضيات مشمولة لهذا التناقض.
قال انجلز:
9 إن من الأسس الرئيسية للرياضيات العليا واقع أن المستقيم والمنحني يجب أن يكونا- في بعض الظروف- الشيء ذاته. والرياضيات العليا تحقق أيضا هذا التناقض الآخر، وهو أن خطوطا تتقاطع أمام أنظارنا، ينبغي- مع ذلك- على بعد خمسة أو ستة سنتيمترات فقط من نقطة تقاطعها أن تعتبر متوازية، أي أنها خطوط لا يمكن أن تتقاطع حتى وان امتدت إلى اللانهاية.
إن جذرا ل (آ) ينبغي أن يكون قوة ل (آ) ومع ذلك فان (آ 15)= جذر آ . إنه لتناقض. إن كمية سلبية يجب أن تكون مربعا لشيء ما، ذلك لأن كل كمية سلبية مضروبة بنفسها تعطي مربعأ إيجابيا. إن الجذر المربع ل (- 1) ليس فقط تناقضأ، بل هو تناقض لا معقول، هو لا معنى فعلي. ومع ذلك ففي كثير من الحالات يكون+ هو النتيجة الحتمية لعمليات رياضية صحيحة. وفوق ذلك أين ترى تكون الرياضيات، سواء الدنيا أم العليا، إذا كان. محظورا عليها أن تتعامل مع+جذر - 1 (1).
-6-
واعتقدت الماركسية ان هذا التناقض الداخلي هو السبب الكبير والوحيد للتطور.
قال لينين:
(التطور هو نضال المضادات!.
وقال ستالن:
" تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن حركة التطور من الأدق إلى الأعلى، لا تجري بتطور الحوادث تطورا تدريجيا متناسقا، بل بظهور التناقضات الملازمة للأشياء والحوادث ب (نضال " الاتجاهات المتضادة التي تعمل على أساس هذه التناقضات " (2). -7-
وهنا نصل إلى قانون: نفي النفي، أو التركيب بين النفي والإثبات،الذي هو روح التطور عند الماركسية.
قال انجلز:
(فما هو إذا نفي النفي ؟ انه قانون لتطور الطبيعة والتاريخ والفكر ، عام للغاية ،
11) المصدر ص 111.
(2) المادية التاريخية: ستالن ص 19.

ولذا له أهمية ومدلول بالغين. إنه- كما رأينا- قانون على مملكة الحيوان والنبات وعلى الجيولوجيا والرياضيات والتاريخ والفلسفة " (1).
" فإذا كنت أقول عن جميع هذه العمليات أنها نفي النفي، فإني أفهمها في ضوء
هذا القانون الوحيد للحركة، وبالتالي لا اخذ بالحسبان على وجه التحديد خصائص كل عملية خاصة على حدة. ولكن هذا إنما يعني بالضبط: أن الديالكتيك ليس سوى علم القوانين العامة للحركة ولتطور الطبيعة والمجتمع البشري والفكر" (2).
دعنا نسمع انجلز يمثل لهذا القانون الماركسي:
( لنأخذ حبة شعير، مليارات من حب الشعير المتماثلة تطحن وتطبخ وتخفق، ثم تستهلك. ولكن إذا وجدت حبة شعير من هذا النوع الظروف العادية لها، إذا وقعت على ارض مؤاتية. فإن تحولا معينا يجري فيها تحت تأثير الحرارة والرطوبة: إنها تنبت، تزول الحبة بوصفها هذا، يقع عليها النفي. تحل محلها النبتة التي تولدت فيها، نفي الحبة. ولكن ما هو الدور الطبيعي لهذه النبتة؟ إنها تنمو، تزدهر، تتلقح، وتنتج في نهاية الأمر حبات شعير جديدة. وما أن تنضج هذه حتى يتلف الساق ويقع عليه النفي بدوره. وكنتيجة لنفي النفي هذا، تكون لدينا من جديد حبة الشعير التي كانت في البداية، لا مجرد حبة، بل أكثر منها بعشر أو عشرين أو ثلاثين مرة" (3).
، إن عملية التطور هذه تتم لدى معظم الحشرات مثلما تتم مع حبوب الشعير، كالفراشات مثلا. فهي تلد من البيضة بنفي البيضة، فتنجز التغيرات في هيئتها النضج الجنسي، فتتزاوج، فتنتفي بدورها أي تموت، منذ أن ينتهي التزاوج وتبيض الأنثى بيوضها العديدة " (4).
-8-
وبهذا يتضح مفهوم " الثلاثية الماركسية: الأطروحة والطباق والتركيب... أو القضية وضدها والمركب.
والمقصود- عادة- بالأطروحة أو القضية وجود الشيء ذاته، سواء في
عالم المادة أو عالم الفكر. والمراد بالطبق أو ضد القضية: تحقق نقيض ذلك الوجود، أما في داخله- بحسب مفهوم التناقض الماركسي الذي عرفناه، أو في خارج، يعني ما يسبب إلى زوال ذلك الوجود. والمراد بالتركيب:
(1) مختارات انجلز ص 117.
(2) المصدر ص 117- 118.
(3) المصدر نفسه ص 113.
(4) المصدر والصفحة.
71

نفي النفي الذي عرفناه، وهو أن الصراع بين وجود الشيء وعدمه، بذهن الأطروحة والطباق، يصل بالوجود إلى وجود أفضل جديد... ثالث، هو غير الأطروحة والطباق السابقين. ويكون هذا الوجود الجديد بدوره أطروحة لينتفي بالطباق مرة أخرى... وهكذا تستمر الحركة.
وهذه الفكرة التي عرضناها واضحة في المصادر الماركسية بصيغة:
النفي ونفي النفي، وفيما نقلناه سابقا كفاية للدلالة عليه. إلا أن التعبير بالثلاثية بإحدى صيغتيها، نادر الوجود فيما اطلعنا عليه من المصادر، بالرغم من أنه مشهـور عنهم جدا.
فماركس نفسه حين أراد تطبيق القانون لم يعبر بذلك. حيث نسمعه في كتابه (رأس المال " يقول:
(إن الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمط الإنتاج الرأسمالي، يشكل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل والفردي. ولكن الإنتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه، بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة. إنه نفي النفي. وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي، وعلى التعاون والملكية المشتركة لجميع وسائل الإنتاج، بما فيها الأرض ) (1).
وكذلك انجلز، فيما سمعنا من التطبيقات وغيرها. وكذلك ستالـن وبوليتزر وإضرابهما من المفكرين الماركسيين.
غير ان كتابا ماركسيا حديثا تعرض إلى ذلك بأسلوب يكاد ان يكون ثانويا واستطراديا... حيث قال:
" لقد راينا ان ما يبرز بصفة النفي، يتبدل بدوره مع الزمن ويتحول إلى نوعية جديدة، أي نفي نفسه. وهذه السلسلة من النفي لا نهائية. وانه من الخطأ الظن بأن هذا التطور يجري بشكل سلسة وبدون تناقضات. الواقع أن التطور التصاعدي السائر إلى الأمام عن طريق النفي يتم بشكل تناقض.
ولتوضح ذلك نتصور نزاعا بين طرفين حول قضية علمية ما. إن الطرف الأول
يقدم فكرة معينة (نظرية) والطرف الثاني يقدم نفي هذه الفكرة (ضد النظرية). إن كلا من الطرفين المتعارضين يمكن أن يصيب بعض الحقيقة، ولكنهما يعارض احدهما الآخر من جانب واحد، ويقف احدهما من الآخر بصفته نافيا له. وتنثسب بين الطرفيـن معركة فكرية تنتهي بظهور فكرة جديدة تنفي الفكرتين السابقتين المتصارعتين فيما بينهما
(1) رأس ألمال كارل ماركـس ج 3 ق 2 ص 1138.
72

ولكنها عندما تنفيهما وتنهي الخلاف الناشب بينهما لا تنبذ تلك العناصر من الحقيقة
التي كانت متمثلة في كل منهما من جانب واحد، بل تضمهما إلى بعض وتصبح بهذا 9 مركبات يستفيد من الجوانب الايجابية في تطور الجدال الذي كان ناشبا... ويختفي في الوقت نفسه عنصر الخطأ المؤقت المعارض للحقيقة. إن هذه الدرجة الجديدة بالذات هي ما نسميه "نفي النفي ". وبالتالي فإن نفي النفي هو النتيجة القانونية لحل صراع الأضداد ) (1).
وطبقا لهذا التسلسل الفكري، وضعت الماركسية: قانون تراكم التغيرات الكمية وتحولها، في مرحلة معينة، إلى تغيرات كيفية. والمراد من التغيرات الكمية، باصطلاحها، التغيرات الطفيفة التي تطرأ على الشيء، ومن التغيرات الكيفية ما كان تغيرا أساسيا ومهما في الشيء. وبهذا الفهم من هذا القانون: إن التغيرات الطفيفة والقليلة إذا تراكمت أنتجت تغيرا كبيرا ومهما.
قال ستالن:
(إن الديالكتيك- خلافا للميتافيزيقية-، لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة،
لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية. بل يعتبرها تطورأ ينتقل من تغيرات كمية وضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة وأساسية، أي تغيرات كيفية. وهذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل هي سريعة فجائية، وتحدث بقفزات من حالة إلى أخرى. وهذه التغيرات ليست جائزة الوقوع بل هي ضرورية نتيجة تراكم كمية محسوسة وتدريجية.
ولذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن من الواجب فهم حركة التطور، لا من حيث هي حركة دائرية أو تكرار بسيط للطريق ذاته، بل هي حركة تقدمية صاعدة انتقال من الحالة الكيـفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة وتطور ينتقل من البسيط إلى المركب، من الأدق إلى الأعلى) (2).
وقال انجلز:
" كل تغير هو مرور من الكمية إلى الكيفية. هو نتيجة التغير الكمي لكمية الحركة
كيفما كان شكلها، سواء أكانت ملازمة للجسم من داخله أم مضافة إليه ما خارج. فإن حرارة الماء مثلا ليس لها بادئ الأمر تأثير في حالته من حيث هو سائل، ولكن إذا زيدت
(1) المادية الديالكتيكية ص 305.
(2) المادية الديالكتيكية لستالن 15- 16.
73

أو نقصت حرارة الماء، جاءت لحظة تعدلت فيها حالة التماسك التي هو فيها، وتحول الماء إلى بخار في إحدى الحالات، والى جليد في الحالة الأخرى" (1).
و" يمكن القول بأن الكيمياء هي علم التغيرات الكيفية الناشثة في الأجسام عن تغيرات كمية " (2).
وأما مقدار الارتباط بين هذين القانونين: قانون نفي النفي وقانون التغيرات، فهو غير واضح في المصادر الماركسية...
إن الماركسية، لا بد لها أن تجيب عن السؤال عن هذه العلاقة بأحد شكليها:
الشكل الأول: ان التغيرات الكمية. مهما كانت ضئيلة- يعتبر كل واحد منها، او كل مرحلة أو درجة، شكلا من اشكال التركيب (نفي النفي) النتائج من اطروحة وطباق سابقين عليه، طبقا للقانون الأول. والتغير الكيفي، شكل آخر للتركيب أيضا، لكنه ضخم ومهم. فقد اكتسب هذا التغير اصل وجوده من القانون الأول، واكتسب ضخامته واهميته من القانون الثاني.
إلا ان هذا الشكل لا يكاد يكون صحيحا، لأنه مناف للطفرة التي قالت بها الماركسية قبل التغير الكيفي. فإنها تعني ان هذا التغير الذي هو (تركيب ما جديد غير مسبوق بأطروحة وطباق 4 بل بطفرة تقطعه عن سوابقه. فإن من نتائج الطفرة وخصائصها ان لا يكون ما بعدها ملحقا بما قبلها او معتبرا من نتائجه بشكل من الأشكال.
مضافا إلى أن وجود الأطروحة والطباق للتغير الكيفي سوف يكون افتراضيا تجريديا، لأنه غير متمثل بالتغيرات الكمية السابقة عليه، وإلا صرنا إلى الشكل الثاني الذي سوف نتحدث عنه... إذن فأين توجد الأطروحة والطباق؟!...
الشكل الثاني: أنها تعتبر التغيرات الكمية صراعا بين الأضداد أو بين الأطروحة والطباق ويكون التغير الكيفي هو التركيب.
(1) المصدر ص 18.
(2) المصدر والصفحة.
74

إلا إن هذا الشكل أيضا غير قابل للتصديق، إذ مضافا إلى ورود الأشكال الأول السابق نفسه، فإن الطفرة (تقطع) التغـير الكيفي عن التغيرات الكمية بل يعتبر حادثا جديدا غير ناتج مما سبق. بخلاف التركيب، فإنه يتولد من أحشاء الصراع بين الأطروحة والطباق، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك.
هذا، ونحن طبقا لهذا الشكل الثاني، لا بد أن نعتبر القانونين قانونا واحدا ليس إلا. فالتغيرات الكمية عبارة أخرى عن صراع الأضداد والتغير الكيفي عبارة أخرى عن التركيب أو نفي النفي. فهما تعبيران عن واقع واحد. وبذلك تخسر الماركسية احد القانونين الرئيسيين، مع أنها قد أكدت على كل منهما مستقلا تأكيدا كبيرا.
فهل يعني ذلك أن الماركسية، حين تحدثت عن قانون التغيرات، لاحظته (سلسا) خاليا من الأضداد، كـما هو مقتضى ألفصل بين القانونين... وهل يمكن للماركسية أن تتحدث بهذا الشكل؟...
- 11-
وينقسم صراع الأضداد إلى تناقض رئيسي وتناقض ثانوي.
فإن (أية عملية ما ليست بسيطة قط، لأنها تدين بوجودها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوعية التي تصلها بالمجموع. ينتج عن ذلك أن كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات ومن بين هذه التناقضات، تناقض رئيسي يوجد منذ بداية العملية حتى نهايتها ويحدد وجوده وتطوره طبيعة سير العملية، أما الأخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي.
... ولا تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الآخر، بل هي تتداخل وتتفاعل حسب قانون الجدلية الأولي. فما هو تأثير هذا التفاعل؟
تزداد أهمية تناقض ثانوي في بعض الأحوال، فيصبح فترة معينة تناقضا رئيسيا بينما يصبح التناقض الرئيسي الأول ثانويا (ولا يعني هذا زوال تأثيره). فليست التناقضات إذن متحجرة، بل هي تتغير. وهكذا يصبح التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا (الذي هو التناقض الرئيسي الأول) في البلاد المستعمرة ثانويا لفترة معينة، بالرغم من خطورته، إذ ينحل بانتصار الاشتراكية في هذه البلاد... " (1).
-12-
فهذه الفقرات، كافية لعرض الديالكتيك الماركسي، أو قانون
(1) أصول الفلسـفة الماركسية: بوليتزرص 179- 181.
75

صراع الأضداد، بشكل موجز ومرتب، خال من التشويش وكثرة الأمثلة والمناقشات... التي تجدها في المصادر الماركسية.


مناقشة الديالكتيك
-1-
بالنسبة إلى ما ذكره الماركسيون من وجود السؤال الرئيسي في الفلسفة، حول أسبقية الروح أو المادة...
تكتسب بعض المسائل نوعا من الأهمية، حين تكون نقطة للخلاف بين جماعتين فكريتين من الناس... لا تختلف في ذلك المسائل الفلسفية عن غيرها.
فالمسألة المهمة بين المسلمين والمسيحيين هو انه هل صدق محمد بن عبد الله نبي الإسلام في نبوته أو لا. والمسألة الرئيسية بين غاليلو والكنيسة هي أن الأرض كروية أو مسطحة. والمسألة الرئيسية بين فريقين من الفلاسفة هي أن الأصل في التكوين هل هو الماهية أو الوجود وهكذا.
إذن، فمن الطبيعي أن تكون المسألة الرئيسية بين الماديين والإلهيين هو القول بتقدم الروح أو المادة. ولا يعني ذلك أنها هي المسألة الأكبر على الإطلاق، لوضوح انه قد توجد انقسامات أخرى فلسفية أو فكرية، تكون مسائل أخرى هي المحك فيها.
وليست هذه المسألة هي أعم المسائل في الفكر الفلسفي. فإن هناك ما هو اسبق منها واشمل، كالمسألة التي وقعت محلا للخلاف بين الواقعيين والمثالين- بالمعنى الاصطلاحي- وهو أنه هل يوجد خارج الذات شيء واقعي أو لا يوجد... لوضوح أن الخلاف في تلك المسألة متفرع على الاعتراف بالواقع الموضوعي، والتسالم عليه بين الفريقين: المادي والإلهي. وأما التعبير بالمثالية والميتافيزيقية، في كلام الماركسيين، على خلاف المعاني الاصطلاحية والمعروفة لها، بحيث تشمل الفلاسفة الماديين أنفسهم، كهيجل وفورباخ، فيصبحون ماديين ميتافيزيقيين، وواقعيين مثاليين في نفس الوقت!!... فهذا تهافت ينبغي أن نعرض عنه، وخاصة بعد أن عرفنا من استعمال هذه الألفاظ كونها لمجرد الطعن والتجريح
76

.
-2-
وأما القول بأزلية الكون، فقد ثبت في العلم الحديث بطلانه. فإن مقتضى قانون الديناميك الحراري، هو أن الأجسام عموما تشع حرارتها حتى تصل إلى الصفر المطلق أو العدم. ومعه... فإذا كان هذا الكون أزليا، إذن فلا بد أن يكون قد انعدم وانتهى منذ عهد بعيد طبقا لهذا القانون. في حين أننا نرى الكون موجودا، إذن فلابد أن يكون قد وجد في لحظة
متأخرة بحيث لا زالت حرارته الداخلية سارية المفعول. وهذا يعني حدوث الكون ونفي أزليته.
إذا كان الكون حادثا... إذن، يدور الأمر بين الاعتراف بالفاعل الخارجي للكون، أو كونه قد طفر من العدم إلى الوجود فجأة... وكلا الأمرين مما لا ترغب فيه الماركسية.
وإنكار قانون الديناميك الحرارية، كما حاولت بعض المصادر الماركسية أن تقوله (1)، يورط المفكر الماركسي بعدة محاذير باطلة (2)، أوضحها في
(1) المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية صح119.
(2)((( لا يخفى أن القانون المشار إليه، صحيح ولا مناص للماركسيين من الاعتراف به في بعض الحدود التي سنذكرها (انظر المصدر السابق، نفس الصفحة). ولكنه يحتاج إلى تقييدات محتملة، نذكرها مع ما ينبغي أن يكون موقفنا وموقف الماركسية منها:
التقييد الأول: إن هذا القانون إنما يصح في المادة المتناهية المحدودة، فقط، دون ما إذا قلنا بأنها لا متناهية. كما أشار إليه المصدر السابق (الصفحة نفسها).
وهذا صحيح، لأن المادة اللامتناهية تكون قابلة لإشعاع الحرارة في أمد لا متناهي، فلا يوجب ذلك فناء الكون وان كان أزليا.
إلا إن الالتزام بلا تناهي الكون أمر غير صحيح... أما من وجهة نظر المؤلف فباعتبار وجود
البرهان على ذلك في الفلسفة... ولا حاجة إلى ذكره. وأما من وجهة نظر الماركسية فلأن هنا الموقف يتضمن (مثالية) متطرفة وميتافيزيقة مكثفة، لأنه يتضمن الاعتراف بوجود أشياء يستحيل الاطلاع عليها حسيا أو إقامة البرهان عليه علميا. مضافا إلى ما ذكرناه في المتن أعلاه فراجع.
التقييد الثاني: عدم الاعتراف بقانون فناء المادة اعني القانون القائل بأن المادة يستحيل أن توجد أو أن تفنى... فإن القانون المشار إليه في المتن إنما يصح لو أنكرنا هذا القانون الأخير، وأما لو قلنا باستحالة فناء المادة، فهو يعني استحالة فناء الكون. وهذا ما أشار إليه المصدر السالف الذكر (ص 121). إلا أن هذا التقييد غير صحيح... اما من زاوية نظر المؤلف فلعدم قيام الدليل عليه، إذ يمكن وجود المادة وانعدامها، من ناحية فلسفية. وأما من زاوية اعم من ذلك: فلأن الحديث في هذا القانون عن المادة =
77

= بمعناها القديم المغاير للطاقة... وهذا ما أثبتت الفيزياء الحديثة بطلانه بعد إمكان تحول المادة إلى طاقة. وهذا هو الذي يفيد الماركسين لأنهم يحرصون على أزلية المادة بهذا المعنى.
وأما لو كان الحديث في هذا القانون عن الطاقة نفسها، وأنها لا توجد ولا تنعدم، فهذا ما قالته
الفيزياء الحديثة، إلا انه قول بلا دليل لتعذر إقامة الدليل التجريبي عليه- في المدى البعيد- كما هو واضح، فإن عدم تمكن العالم من إعدامها في المعمل لا بمعنى عدم إمكان ذلك أساسا، والتعميم يحتوي . على (مثالية) مقيتة لا تتناسب مع التفكير الماركسي.
التقييد الثالث: إن قانون الفناء الحراري للكون يصح في المادة بمعناها القديم، ولا يشمل الطاقة. فإن الإشعاع الحراري يحول المادة إلى طاقة، لا انه يسبب فنائها بالمرة.
وهذا التقييد صحيح- شكليا- إلا أنه غير منتج في نفع الماركسيين:
أولا: إن استمرار الإشعاع في مدى أزلي، يقتضي في الكون المحدود،- كما هو مقتضى التجرد
عن التقييد الأول- تحوله جميعا إلى طاقة. ومعنى ذلك إننا لا يمكن أن نجد ألا الطاقة، ومنذ أمد بعيد.
وقد يخطر في الذهن: إننا لا نجد الآن إلا الطاقة، فعلا، بعد أن ثبت في الفيزياء الحديثة أن المادة إن هي إلا طاقة (مضغوطة).
وجوابه: إن معنى التحول إلى الطاقة: انعدام الطاقة بشكلها المضغوط، وتحولها إلى باقة (مشتتة) ليست ذات وجود (مادي) متميز. فيكون معنى الفكرة التي قلناها: انه لو كان الكون أزليا لأصبح الكون منذ أمد بعيد طاقة مشتتة، ولم نجد فيه أنواع المادة وأشكالها المعروفة، على حين نجد ذلك وجدانا، ومعناه أن الكون ليس أزليا.
ثانيا: إن قانون الفناء الحراري للكون يمكن أن يشمل الطاقة نفسها. وذلك على أحد مستويين:
المستوى الأول: إن المادـة المعروفة إن تحولت إلى طاقة محضة ومشتتة، فسوف تكون متجانسة بمعنى متشابهة الأجزاء خالية من الأشكال المعروفة... ثم أنها تستمر بحركتها الدائبة والسريعة بالتفرق حتى لا يبقى لجزئياتها أي تماسك أو تأثير. وهذا يعني الانعدام من الناحية العملية، لأن كل جزيء بمفرده لا يمكن أن نسميه مادة ولا طاقة، وغير مؤثر في أي تكوين.
المستوى الثاني: إنه ثبت في الفيزياء الحديثة إن الطاقة إنما توجد مع استمرار الحركة وأما مع السكون فالطاقة تنعدم.
وبتعبير آخر: إن الجزيء إنما يكون له وجود مع حركته دون حالة سكونه.
فإذا صح ذلك، أمكننا أن نقول: بأن جزئيات الطاقة المشتتة للكون تؤول في نهاية المطاف إلى
السكون بعد أن لم يعد لوجودها أية فائدة، بما في ذلك الاجتماع مرة أخرى، لأنها في حركتها تتباعد لا تتقارب، طبقا للقانون الحراري. ولا أقل من أن افتراض السكون مما لا يمكن نفيه (علميا)، فهو يعدل القول بأزلية الكون الذي لا يمكن إثباته (علميا) أيضا.
إذا سكنت جزئيات الكون انعدمت... فانعدم الكون.
التقييد الرابع: عدم الالتزام بعالم الروح الموجود في رأي الإلهيين- وراء المادة والطاقة معا.
فإننا إن تحدثنا عن فناء الكون الحراري، بمعناه المختص بالمادة أو الشامل للطاقة، كان لهذا القانون معنى مفهوم. وأما إذا كان المراد من الكون ما يشمل الوجود الروحي المجرد، فلا معنى لهذا القانون، لأن الإشعاع المسـتمر (أو تناقص الوجود بالإشعاع) خاص بالمادة، وغير شامل للروح، ولا اقل من أن هذا مجال يستحيل على المستوى العلمي التجريبي أن يناله ولا إثباته، فليس من حقه أن يقول تجاهه أية كلمة

- 78

الذهن الماركسي انه يكون على خلاف قول لينين بأن الكون شعلة أبدا تثور وتنطفئ طبقا لقوانين معينة... كما سبق أن سمعنا.
فإن إنكار قانون الفناء الحراري، يعني أن الكون يشع حرارته باستمرار وبنسبة متشابهة منذ الأزل إلى الأبد، بدون أن (ينطفئ) أو يناله العدم. وهو على خلاف ما التزم به لينين.
ويبدو ان المقصود من انطفاء شعلة الكون، انعدامه بالمرة، مرة بعد
مرة، إذن يلزم من اشتعاله بعد الانطفاء وجودة بعد العدم مرة بعد مرة، وهو يورط الماركسية بالقول بالصدفة للكون لعدة مرات، ربما لا تكون متناهية على حين أنها هربت منه لمرة واحدة.
ولا ينبغي لنا أن نتحدث عن (القوانين المعينة التي تحكم الكون حين ينعدم وتنطفئ شعلته، كما لا ينبغي أن نتحدث عن القوانين (الموضوعية الماركسية، في مثل ذلك، بما في ذلك قانون الـديالكتيك ألذي رأى لينين انطباقه في هذا المورد... إذ لا معنى لوجود القانون مع انعدام الموضوع.
-3-
وأما ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من اعتراف الماركسية بوجود الواقع و(مكان إدراكه، خلافا للمثاليين- بالمعنى المصطلح-، فهذا أمر صحيح، نعترف به إجمالا، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله، إذ يكفينا في بحثنا الآتي هذا المقدار المختصر من الواقعية.
غير انه مما يلفت النظر انه لا يوجد في المصادر الماركسية- حسب ما نعلم- استدلال على صحة الواقعية، وإنما أخذت النظرية بمصادرة ساذجة، وهذا تقييد صحيح، إلا أنه خاص بالاعتراف بوجود العالم الروحي، ولا يستلزم- إلى جانب ذلك- كذب هذا القانون، لأنه مختص بمجاله المعين وهو المادة. وإنما المهم في مناقشة الماركسية هي التقييدات السابقة.
هذا مضافا، إلى أن الماركسيين، حين يعممون معنى المادة إلى الطاقة ويعترفون بالتحول التدريجي إلى الطاقة، طبقا للفيزياء الحديثة، يتناسون قوانينهم الكلاسيكية... فإن لنا أن نتساءل عن كون هذه الطاقة هل هي مشمولة لها أو لا؟ وما هو معنى الطباق والتركيب إذا كانت (أطروحة)، وما هو معنى التغيير الكيفي إذا كانت حركة الطاقة تغيرا كميا؟؟!!.. وهلم جرا... يبدو أن الماركسية تحدثت في قوانينها عن المادة بمعناها القديم، الذي كان في زمن ماركس وانجلز... وأما لو تقدمنا وتقدم العلم خطوات، كانت قوانين الماركسية فاشلة!..)))
79

مع أن للمثالية أدلتها التي تحتاج إلى المناقشة سواء على المستوى القديم كباركلي، أو على مستوى الفيزياء الحديثة التي انطلق منها البعض إلى الالتزام بالمثالية.
كل ما في الموضوع، أن القوانين الماركسية حيث أنها لا تفيد في إثبات الواقعية باعتبار تفرعها على الاعتراف به، فقد رأت الماركسية أن الأصلح لها أن تلوذ بالصمت من هذه الجهة وتوكل الأمر إلى الوجدان البسيط. نود في هذا الصدد الإشارة إلى حقيقة معينة، قلما يلتفت إليها المفكرون على اختلاف اتجاهاتهم...
وهي أن " القانون الكوني، أيا كانت صيغته ومدلوله، وفي أي ميدان كان عمله، إنما هو مفهوم ذهني منتزع من عدد من الوقائع الجزئية الخارجية. فقولنا: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير... ليس إلا صيغة ذهنية أو تعبيرية منتزعة أو مفهومة باعتبار ملاحظة عدد ضخم من الوقائع الخارجية التي حدثت فيها الجاذبية لا عالم الكون. فهنا تنجذب تفاحة وهناك تنجذب حصاة وهنالك ينجذب كوكب... وهكذا... فنلاحظ ذلك ونقول: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير، الذي هو " قانون الجاذبية ".
ولا يمكن أن يكون للقانون بمعناه الواسع وجود واقعي، وإنما الموجود في الخارج ليس إلا الجزئيات، والوقائع الخاصة.
والبرهان على ذلك من زاويتنا: الحقيقة الفلسفية القائلة: بأن الكلي - على سعته- لا يوجد في الخارج، فإن عالم الوجود الخارجي مساوق مع الجزئية والتعين. والمفهوم القانوني مفهوم كلي لا يمكن أن يوجد في الخارج. والبرهان من زاوية الماديين: إن القانون الكوني، أيا كان، ليس (مادة) لأنه مسيطر على المادة والماديات وحاكم فيها. وليس محسوسا، لوضوح أن ما هو المحسوس هو مدار وانطباق القانون، لا القانون على سعته. فإننا نرى التفاحة تنجذب إلى الأرض لكننا لا نرى قانون الجاذبية...
فالماديون حين يقولون: بأن الوجود الواقعي منحصر بالمادة،ويقولون: بأن ما ليس بمحسوس ليس بموجود-. ينتج من ذلك: أن (القانون غير موجود، باعتباره أمرا غير محسوس.
إن تحدثوا عن (القوانين الموضوعية - كـما هو ديدن الماركسيين دائما... فهم يتحدثون- لا محالة- عن شيء لا مادي ولا محسوس، بل عن شيء ميتافيزيقي أو (مثالي مقيت !..
لا ينجو من ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه. فإننا لو لاحظناه بحياله لوجدناه مفهوما ميتافيزيقيا مثاليا لا مادي ولا محسوس. وإنما المحسوس- لو صح هذا القانون- هو وقائعه وتطبيقاته الجزئية. فنحن نرى هذه الشعيرة- كـما مثل انجلز- تصبح نبتة، وهذه النبتة تصبح شجرة، وهذه الشجرة تصبح ثمرة... لا أننا نرى القانون على شموله وعمومه. هذا ويختص قانون الديالكتيك بزيادة في اتجاه هذا البرهان نفسه... فإن التناقض الداخلي، في الشيء ذاته بذهن الأطروحة والطباق، أمر غير محسوس، وإنما المحسوس هو طرد العوامل المتلفة على الشيء من الخارج. فإذا زرعنا الشعيرة أتلفتها رطوبة الأرض، وإذا دققناها أتلفها الدق، وإذا قضمناها أتلفها القضم... وهكذا. وأما أن عوامل الفناء موجودة في داخل الشعيرة نفسها، فهو أمر غير محسوس، بل هو افتراض ميتافيزيقي ليس إلا.
إذن، فليس قانون الديالكتيك على سعته ميتافيزيقيا، فحسب، بل حتى في موارده الجزئية ميتافيزيقي أيضا. فما هو رأي الماركسيين في الالتزام بمثل هذه الأمور الميتافيزيقية!!...
إذن، فتعميم قانون صراع الأضداد الميتافيزيقي، إلى كل المجالات من العلوم الطبيعية والمجتمع،... حتى الرياضيات... تعميم ميتافيزيقي ليس إلا...
وبغض النظر عما قلناه، والتسليم- جدلا- بإمكان وجود القوانين الموضوعية المادية... يمكن إيراد إشكالات أخرى تتمثل في عدة نقاط ضعف:
النقطة الأولى: إن ما حاولته الماركسية من الانطلاق من الأمثلة
81

الحياتية والعلمية، وإن كان لطيفا... إلا أن فهم النظرية العامة من هذه الأمثلة، يمكن بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: أن نفترض النظرية سلفا، ثم نحاول حمل الأمثلة عليها.
الأسلوب الثاني: أن نحاول فهم النظرية من حمل الأمثلة نفسها. والمفروض أن الماركسية قامت بالأسلوب الثاني في فهم النظرية...
فهل أفلحت في ذلك. أو أنها قامت- في الواقع- بالأسلوب الأول من حيث لا تعلم.
إن الأمثلة المأخوذة من الكون والحياة، مهما تزايدت، فإنها لا تدل على فهم فلسفي معين، بل هي كالكاسة الفارغة يمكن أن تملأها أي نظرية فلسفية عامة، وضعت لفهم الكون والحياة. ولا يمكن لأي نظرية عامة أن تنجح ما لم تطبق فهمها على كثرة كاثرة من موارد الكون والحياة. فمثال انجلز عن حبة الشعير، كـما يمكن فهمه على أساس الديالكتيك، كذلك يمكن فهمه على أساس مفهوم العلية القائل بالارتباط الضروري بين الفعل والفاعل، كـما يمكن- أيضا- فهمه على أساس العلية بالفهم العلمي الحديث القائم على مجرد الترتب بين الوقائع... وهكذا، أي نظرية عامة أخرى.
إذن، فالأمثلة المسبقة من الحياة، لا تدل على النظرية الماركسية، كـما يريد انجلز أن يقول-... بل من الضروري للفلسفة أن تقيم البرهان على صحة نظرياتها خارجا عن هذا النطاق، حتى ما إذا تم البرهان عليها أمكن تطبيقها على سائر الوقائع. أي أن الأسلوب الأول هو الأسلوب الأمثل. وأما إذا اعتمدت النظرية، على الوقائع اعتمادا كليا، كـما فعلت الماركسية، ولم يكن لها دليل مسبق، إذن سوف تبقى النظرية للدليل الكافي، لأن الوقائع وحدها، قاصرة عن إثباتها، كـما رأينا.
النقطة الثانية: إن صراع الأضداد، هل يؤدي- كـما ترى الماركسية- إلى وجود تركيبي أكمل أو لا؟...
إن هذا الصراع- على ما يبدو- يؤدي، حتما، إلى هلاك المتصارعين، لأنه عنيف ودائم، ولا اقل من هلاك احدهما، وأما وجود
82

شيء جديد نتيجة لهذا الصراع، فهذا مما لا يمكن أن يكون معقولا، لأنه خلاف طبيعة الصراع بالضرورة.
على أن الحركة، ليست دائما إلى الأكمل والأعلى، بل قد تؤدي. الحركة إلى ما هو الأردأ، كتحول الحديد إلى تراب نتيجة لتآكله بالرطوبة... وقد لا تؤدي هذه الحركة إلى نتيجة بالمرة، مثل بقاء بعض المجتمعات البدائية غير المتطورة إلى حد الآن، على شكلها البدائي، ولعلها تبقى كذلك حتى تفنى أو تتفرق.
... وقد تؤدي الحركة إلى زوال الذات بدون بدل... كالفوتونات الكهربائية عند استقرارها على الأجسام، فإنها تنعدم بالمرة، لأن لا كتلة لها عند السكون، وإنما تحدث لها الكتلة عند الحركة، كـما ثبت في الفيزياء الحديثة.
فإذا كانت الحركة صراعا بين الأضداد، لم تكن منتجة للفرد الأكمل دائما...
الئقطة الثالثة: إننا نستطيع مما سبق أن ننطلق إلى نتيجة مهمة من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: أننا بعد أن أثبتنا أن القوانين الكوبية، لا وجود لها على المستوى المادي، وانما هي مفاهيم ذهنية نعبر بها على المستوى اللغوي عن مجموعة من الوقائع الجزئية التطبيقية... إذن، فقد زال الأساس المهم الذي يقيم عليه الماديون ماديتهم لا التعويض، بفرضية وجود هذه القوانين عن فرضية وجود الله... إذ يرون أنه لا حاجة إلى الافتراض الثاني مع صدق الافتراض الأول.
وهذا منحى عام للماديين، سواء في ذلك الماركسيون وغيرهم. وإنما يختلف الماركسيون عن غيرهم في فهم هذه القوانين التي تعوض عن افتراض الخالق في رأيهم. فغير الماركسيين يكتفون من هذه القوانين بالقوانـين الفيزياوية والكيمياوية والفلكية للطبيعة. والماركسيون يفهمون كل ذلك طبقا لقانون خاص بهم هو قانون الديالكتيك الذي عرفناه.
فإذا استطعنا التنزل عن افتراض وجود القوانين المادية، على ما برهنا عليه... لم يبق أمامنا إلا الافتراض الثاني، وهو وجود الله تعالى كمدبر
83

للعالم بدل هذه القوانين.
هذا... ونستطيع أن نخطو خطوة أخرى، وهي أننا لو سلمنا - جدلا- بوجود هذه القوانين، فإن وجودها لا يغني عن وجود الله، بعد وضوح دلالتها على حسن التدبير في هذا الكون، كما سنشير إليه في الزاوية التالية... وخاصة مع الاعتراف " بحدوث الكون، كما سنبرهن عليه من الزاوية التي بعدها.
الزاوية الثانية: أكدت الماركسية بإصرار على أن القوانين الطبيعية،عمياء عفوية الإنتاج... وهذا واضح جدا على مستوى الفكر المادي، لامناص لهم عن الالتزام به. ولكن هل هو صحيح أو لا.
إننا نصبح مفكرين وعباقرة ومشاهير، لمجرد الاطلاع على خصائص هذه القوانين. فهل يمكن أن يكون وجود هذه القوانين- بعد الاعتراف بها- بدون فكر وبدون عبقرية؟!... وهل تكفي الأزلية أو الصدفة لتفسير ذلك؟ إن الجواب على ذلك موكول إلى الرأي العام في تفكيره الاعتيادي الموضوعي
لا يشذ عن ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه- على تقدير صحته فإن سريانه في الكون، وإنتاجه للحركة نحو الأكمل، لا يمكن أن يكون لمجرد أزلية القانون أو لمجرد الصدفة. وإنما يدل بوضوح على عمق الصنع والتدبير.
الزاوية الثالثة: أن القول بأزلية الكون بمعنى عدم وجود بداية لوجوده... مما لا معنى له بالمرة.
فإن لفظ الكون يعبر عن مجموع ما في عالم الوجود من أجزاء... فما هو الشيء الذي نقول بأزليته؟ هل هو المجموع أم الأجزاء؟!... أما المجموع، فلا يمكن أن يكون أزليا، لأنه مفهوم ذهني أو تعبيري غير موجود في الخارج، وإنما المتحقق هو الأجزاء الكثيرة فقط. أما تصور وحدتها المجموعية فهو خيال تصوري محض. وليس المراد الالتزام بأزلية هذا الخيال، وإنما المراد الالتزام بأزلية الكون الواقعي، فإذا لم يكن المجموع واقعيا لا معنى للالتزام بأزليته... فإن ما هو أزلي هو الموجود الواقعي دون غيره.
84

وأما الالتزام بأزلية الأجزاء على كثرتها وتشتتها... فهذا أيضا غير محتمل، فلأن الأجزاء توجد وتفنى باستمرار، ولا يمكن لأي جزء يعينه أن يبقى محافظا على وجوده منذ الأزل. فإن معنى الحركة- حتى في الفكر الماركسي- هو زوال أشياء وحدوث أشياء أخرى، طبقا لقانون الديالكتيك أو غيره والكون متحرك باستمرار، ولا يمكن أن يكون ساكنا.
فإذا لم يكن الكون، لا بمجموعه ولا بأجزائه أزليا، فهو حادث - إذن- في لحظة معينة. فيدور أمره بين الالتزام بالصانع الحكيم أو القول بالصدفة المطلقة التي تبرأت الماركسية من مجرد التفكير بها.
وقد يخطر في الذهن: أن معنى أزلية الكون ليس هو ما قلناه، بل بمعنى أن الكون عبارة عن مجموعة من الحوادث المتتابعة من الأزل وإلى الأبد، فأي واقعة لاحظناها وجدناها مسبوقة بأخرى، وهكذا إلى ما لا يتناهى. وهذه السلسلة المتتابعة هي التي تحفظ للكون أزليته. وجوابه: أن هذا الشكل من التتابع، ما لم يصل إلى الفاعل الخارجي وهو الخالق الحكيم، الذي يوجد السلسلة بشكلها اللامتناهي أو يقع في أولها، فلا تكون لا متناهية في العدد... ما لم يكن هذا الشكل مستحيلا، كما سنذكر في النقطة التالية.
الزاوية الرابعة: إن أزلية الكون، بأي شكل، لو سلمناها، لا تبرر وجوده من دون فاعل خارجي. فإذن عدم افتراض هذا الفاعل يؤدي إلى ما يسمى باصطلاح الفلسفة بالتسلسل وهو محال. إذن يتعين القول بوجود الفاعل الخارجي حتى مع الالتزام بأزلية الكون.
وانطباق فكرة التسلسل، واضحة على هذا التقدير... فإن ترتب الأحداث والوقائع الكونية على بعضها البعض، مما لا ينكره أحد، سواء كان بنحو ديالكتيكي أو علمي أو على شكل ثالث... إذن فوجود هذه الحادثة مستند الى حادثة قبلها، وتلك إلى ما قبلها، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا هو معنى التسلسل.
وأما استحالة التسلسل، فنحن لا نحتاج في إثباتها إلى دليل عقلي معقد، لكي تنكره الماركسية بصفته ميتافيزيقيا أو مثاليا!!.. وإنما الوجدان حاكم باستحالته، إذ يكفي مجرد تصوره إلى استنكار حدوثه.
85

وأوضح أمثلته: ما إذا أمرك شخص، لا مناص لك من طاعته، أن تخرج من عدة أبواب على أن لا تخرج من أي باب إلا إذا كنت خرجت من باب قبلها. فإن أمره هذا لا يكون قابلا للإطاعة، باعتبار استلزامه التسلسل. فإنك- لا محالة- تخرج لأول مرة من باب لم تخرج من باب قبله. وأما تقيدك بهذا الشرط باستمرار، فهو في عداد المحالات... فالحظ ذلك بنفسك (1).
ومثله، ما لو أمرك بأن تأكل عدة تفاحات على أن تكون كل تفاحة تأكلها مسبوقة بأكلك تفاحة قبلها... أو أمرك أن تسمع عدة أبيات من الشعر على أن يكون كل بيت تسمعه مسبوقا بسماعك لبيت قبله... وهكذ ا.
ومن هنا تضطر أنت، لو أردت الامتثال، إلى قطع هذه السلسلة بالخروج من باب لم تخرج قبله من باب آخر، أو سماع بيت من الشعر لم تسمع قبله بيتا... وهكذا. وإلا كانت كل فقرات السلسلة متعذرة التطبيق تماما...
فكذلك الحال في الكون عموما، لو قلنا بأزليته من دون إسناده إلى صانع خارجي، فإن حوادثه مربوطة ببعضها البعض منذ الأزل، فإذا لم تستند إلى الصانع تكون كل حوادثه متعذرة الوجود، تماما كأبيات الشعر والتفاحات.
إذن فأزلية الكون مستحيلة التحقق على أساس الفكر المادي...
النقطة الرابعة: انه كـما لا معنى لأزلية الكون، لا معنى لأزلية قوانينه أيضا بما فيها قانون الديالكتيك... بشكل أوضح من أزلية الكون. إذ لعل شخصا يتحدث عن أزليه الكون، بعد التنزل- جدلا- عـما عرفناه في النقطة السابقة، يتحدث عنه على أساس ملاحظة المجموع أو على تسلسل الحوادث وتتابعها اللانهائي... إلا أن هذا لا معنى له في القوانين الكونية. لأن الحديث عن مجموع القانون حديث مهمل، لوضوح أن القانون إنما يوجد ضمن تطبيقات، وليس إلى وجود أوسع من ذلك. (1) إن أول من فكر في هذا الأسلوب في استحالة التسلسل، حسب اطلاعنا، هو: عبد اللطيف برى، في كتابه: نقد الفكر المادي والديني، ص 25. نذكره حفظا للحقيقة.
86

وتطبيقات القانون متناثرة مشتتة ليس بينها ترابط من أي نوع، فلا يمكن أن نتصور فيها تتابعا لا نهائيا... لوضوح أن جذب التفاحة غير مربوط بجذب ألحصاة... وهكذا.
وإذا كانت التطبيقات، متعددة ومشتتة، وليس للقانون وجود زائد عليها، إذن فكيف يمكن الالتزام بأزليته.
والأمر بالنسبة إلى قانون الديالكتيك، أوضح واشد... لأننا لو سلمنا- جدلا- بإمكان أزلية غيره من القوانين، يتعذر القول بأزليته مع الأسف!!...
لوضوح، أن معنى أزليته بقاؤه على طول المدة، بقاؤه سلسا من دون تغيير... وهذا ينافي مضمون القانون نفسه. فإن مضمون القانون هو أن كل شيء يحدث فيه النفي ونفي النفي، على الشكل الثلاثي الذي عرفناه. فإذا كان هذا المضمون شاملا حقيقة لكل شيء، إذن فهو شامل للقانون نفسه، ومعه يكون قانون الديالكتيك (أطروحة) جري فيها النفي (الطباق) ويحدث بعده التركيب)...
إذن، فإذا كان هذا القانون أزليا، ينبغي أن نتوقع- طبقا لمضمونه نفسه- أن يكون قد تغير وتبدل إلى شيء آخر منذ أمد طويل. وسيكون القانون الذي يخلفه سلسا وثابتا، ولا حاجة إلى القول بتغيره مرة أخرى، بعد زوال قانون الديالكتيك من الكون... ولا بد أن يكون هذا القانون الجديد، هو الساري المفعول في العصر الحاضر.
لم يبق لدينا من المناقشات، سوى النظر إلى القانون الماركسي الثاني،
وهو تحول التغيرات الكمية إلى تغير كيفي، تحولا دفعيا على شكل قفزة أو طفرة.
إن هذا القانون مما لا أساس له، لعدة نقاط:
النقطة الأولى: ما ذكرناه فيما سبق، من أن الطفرة بطبيعتها دائما تقطع الواقع اللاحق عن الواقع السابق، بحيث لا يكون اللاحق ناتجا من السابق بأي حال عن السابق، بل هو حادث جديد منقطع عن سابقه. وهذا هو سر الطفرة وفلسفتها.
87

فما ذكرته الماركسية من أن التغير الكيفي ناتج من التغيرات الكمية، وأنها بمنزلة الأسباب له... لا يكون صحيحا، لتخلل الطفرة بينهما... فلا بد أن نفحص عن أسباب أخرى للتغير الكيفي... وإلا كان وجوده مستندا إلى الصدفة المطلقة!!..
النقطة الثانية: أن هذا القانون، لو صح أحيانا، فهو لا يصح دائما... إذ أن التغيرات الكمية كثيرا ما لا تنتج تغيرا كيفيا بالمرة، كنقل شيء ما من مكان إلى مكان، وكحركة المروحة الكهربائية وسائر المحركات والآلات، وكحركة النجوم في مداراتها. فإن كل هذا... وغير هذا... لا ينتج شيئا جديدا بعد انتهاء التغير الكمي وانقطاع الحركة لو حصل. وقد يكون التغير الكيفي ناتجا من دون تغيرات كمية. خذ إليك مثلا: الكسار الزجاج، فإنه لو كان ناتجا عن الاهتزاز، لكان ناتجا عن تغير كمي... ولكنه قد يكون ناتجا عن سقوط جسم ثقيل عليه، فيكون انكساره تغيرا كيفيا غير ناتج من تغير كمي فيه.
وكذلك إسراج المصباح الكهربائي، وكذلك إشعال النار، فإنها غير مسبوقة بتغيرات كمية فيها. بل هي إما حركة في غيره كحركة الفوتونات الكهربائية خلال السلك، الأمر الذي يوجب إسراج المصباح. وإما هي حركة ليست من نوعه كحركة يد الإنسان الذي يشعل النار فإنها ليست من نوع النار. والقانون الماركسي لا بد أنه يشترط أن يكون التغير في شيء واحد ومن نوع واحد.
انظر إلى مثال الغليان الذي أكد عليه انجلز، فإنه حاصل على كلا الصفتين فهو ذو تغيرات كمية في شيء واحد (وهو الماء) ومن نوع واحد، فإن الغليان شكل من أشكال ارتفاع الحرارة وقد لا يكون التغير الكيفي، نهائيا... بل تلحقه تغيرات كمية أخرى، لكن بدون أن تكون منتجة لتغير كيفي. فلئن كان رفع الحرارة قبل الغليان منتجا للغليان، فإن رفع الحرارة بعد الغليان غير منتج لشيء، بل يبقى الغليان هو الغليان وتحول السائل إلى غاز على حاله.
وما الذي يحدث لو ان كل مجموعة من التغيرات الكمية منتجة لتغير
88

كيفي... إذن، ينبغي أن ننتظر تغيرا كيفيا بعد 90 درجة من تصاعد الحرارة وربما اقل منها أيضا. مع أن شيئا من ذلك لا يحدث. إن السر في هذا التأجيل، إلى درجة المئة يكمن في سبب آخر غير هذا القانون الذي يعجز عن تفسيره.
ولو أننا انتظرنا من التغير الكيفي أن يكون أهم وأفضل من التغيرات الكمية التدريجية، إذن سنصطدم بتغيرات كيفية أضعف وأسوأ من التغيرات الكمية. ولعل أوضح أمثلته الموت بعد الحياة، فإن استمرار الحياة منتج للموت الذي هو أقل أهمية منها. ومن أمثلته (الاحتراق التام) في حالتي الخسوف والكسوف الذي ينتج بعد الاحتراق الجزئي التدريجي... مع وضوح أن الاحتراق التام أسوأ من الاحتراق الناقص.
النقطة الثالثة: أن التغير الذي يعتبره انجلز كيفيا، هو- في واقعه- تغير كمي ليس إلا.
ويمكن أن ننطلق إلى إيضاح ذلك من مثاله الرئيسي: مثال الغليان.
فإنه يحتوي على تغيرات كمية على عدة أشكال:
الشكل الأول: تصاعد الحرارة، فإنه- بطبعه- تصاعد كمي وان زاد على المئة. ويوضح ذلك: الالتفات إلى غير الماء من الأجسام التي تتدرج في إطاره فإن تصاعدها هناك كمي محض.
الشكل الثاني: تحول الماء إلى بخار أو غاز... فإن هذا يحدث منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، ويتزايد بتزايدها، لأنه يتناسب مع الحرارة تناسبا طرديا. إذن فالتبخر كان موجودا قبل الغليان ومستمرا في التزايد، والحال نفسها بقيت بعد الغليان، ولم يحدث شيء جديد.
نعم، لو لم يكن التبخر موجودا، ثم وجد من أول الغنيان، لكان ذلك تطبيقا للقانون بشكل او بآخر. إلا أن الأمر ليس كذلك.
الشكل الثالث: النشيش، الذي هو عبارة عن صعود الأجزاء السفلى من الماء إلى أعلى، نتيجة لتمددها بالحرارة أكثر من الأجزاء العليا. فإن الحديث فيه كالحديث عن التبخر... من حيث أن النشيش موجود منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، ويتزايد بتزايدها، لأنه يتناسب معها تناسبا طرديا، حتى تصبح تدريجيا واضحة. ولو ارتفعت الحرارة أكثر من المئة،
89

فسوف يكون الانقلاب أوضح.
ويصدق أيضا ما قلناه في جانب التبخر... فإن النشيش أو الصعود، لو كان منعدما قبل الغليان، ثم يحدث بحدوثه، لكان تطبيقا للقانون، ولكن الأمر ليس كذلك.
كل ما في الأمر، أن العرف اللغوي تبانى على تسمية كمية معينة من هذه السلسلة الصاعدة من الحركات بالغليان، كـما سمى درجاتها الضعيفة بالنشيش. وكان يمكنه أن يسمي أية مركبة أخرى بهذا الاسم أو بأي اسم آخر. وقد أهمل " التصاعد " اللاحق للغليان من اسم جديد. وفي الواقع كله تصاعد على غرار واحد، وبارتفاع في كمية الحرارة وكمية التبخر وكـمية الانقلاب ليس إلا.
ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى الطفرة التي لمسها الماركسيون قبل التغير الكيفي فإن العرف اللغوي حين يتبانى على أن درجة معينة من الانقلاب هي المسماة بالغليان، دون ما هو أقل منها... فإن هذه الدرجة تحدث مع تصاعد الحرارة في لحظة معينة، بطبيعة الحال (درجة المئة تحدث بعد التسعة والتسعين) ولا يكون لها وجود قبل تلك اللحظة. وبمجرد حدوثها يسميها العرف اللغوي " فجأة "باسمها الجديد: الغليان. وهذه المفاجأة هي التي استوحى منها الماركسيون معنى الطفرة وهي مفاجأة لغوية، كـما أن فكرة التغير الكيفي أساسا فكرة لغوية، ولا تحتوي من ناحية (علمية) إلا على التغير الكمي.
إذن، فلم نستطع أن نضع يدنا على تطبيق واحد، من أي نوع،يصلح أن يكون تطبيقا كافيا للقانون الماركسي، وحاملا لكل صفاته المطلوبة.
ومن مجموع هذه المناقشات ينتج أن الأسس الفلسفية العامة للمادية التاريخية، لم يثبت صحة شيء منها، غير الاعتراف بالواقعية. إلا أن هذا لا ينافي وجود بعض اللمعات في التفكير الماركسي، هو الذي حدانا أن نستشهد بها في هذا الكتاب.


الأسس العامة الاقتصادية والاجتماعية
للمادية التاريخية
إن الحياة الاجتماعية جزء من الطبيعة، وتابعة لقوانينها القاهرة،بطبيعة الحال.
قال ستالين:
(ومن السهل أن ندرك الأهمية العظمى لتطبيق مبادئ المادية الفلسفية على درس
الحياة الاجتماعية، وعلى درس تاريخ المجتمع... فإذا صح أن الصلة بين حوادث الطبيعة وتكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة هما قانونان ضروريان من قوانين تطور الطبيعة نتج عن ذلك أن الصلة بين حوادث الحياة الاجتماعية وتكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة، ليسا مجرد احتمالات، بل هما أيضا قانونان ضروريان من قوانين التطور الاجتماعي.
وبالتالي تخرج الحياة الاجتماعية وتاريخ المجتمع عن كونهما تكدس " احتمالات" بل يصبح تاريخ المجتمع تطورا ضروريا، وتصبح دراسة التاريخ الاجتماعي علما)) (1).
وحيث أن القانون الأهم والأعم للطبيعة، في نظر الماركسية، هو الديالكتيك مضافا إلى قانون التغير الكمي والكيفي... إذن يكون المجتمع في حاضره وماضيه ديالكتيكيا، محكوما لقانونه القاهر. وتكون المادية التاريخية من زاوية كونها تفسيرا للمجتمع، مادية ديالكتيكية بطبيعتها، وإن كانت خاصة بالمجتمع.
قال كوفالسون:
" إن الموقف الديالكتيكي (الجدلي) من معرفة جميع الظاهرات الاجتماعية من
(1) المادية الديالكتيكية لستالين ص 30.
91

دراسة المجتمع، هو أهم مقدمة فلسفية للدراسة الاجتماعية. وهو يلزم بالنظر من خلال التناقضات إلى المجتمع بسبيل التطور، (1).
لا وليس من العسير أن نلاحظ أن مبدأ المادية والمبدأ الديالكتيكي للتاريخية في دراسة المجتمع يخدمان على السواء هدفا واحدا، هو معرفة الموضوع المدروس، كما هو عليه بحد ذاته، وفي هذا تتجلى وحدتهما العضوية.
إن المجتمع إنما هو نظام موجود ومتطور موضوعيا. ولتكن هذا التعريف للمجتمع، لا يميزه عن الطبيعة بوصفه موضوعا خاصا للمعرفة، لأنه تجري هنا وهناك، في المجتمع وفي الطبيعة دراسة قوانين عمل وتغير الأنظمة المادية )) (2).
وقال ستالين:
" أما المادية التاريخية فتوسع نطاق المادية الديالكتيكية حتى تشمل دراسة الحياة الاجتماعية، وتطبق هذه المبادئ على حوادث الحياة الاجتماعية... أي على درس المجتمع على درس تاريخ المجتمع " (3).
وقال:
" من الواضح أن وجود علم تاريخي، وتطور هذا العلم شيئان مستحيلان بدون
هذا الفهم التاريخي للحوادث الاجتماعية، فمثل هذا الفهم فقط يمنع علم التاريخ من أن يصبح فوضى احتمالات، وكونه أخطاء سخيفة.
وبعد، إذا صح أن العالم يتحرك ويتطور تماما وأبدأ، وإذا صح أن اختفاء القديم ونشوء الجديد هما قانونان للتطور، أصبح من الواضح أنه ليست هناك أنظمة اجتماعية ثابتة لا تتزعزع ولا مبادئ أبدية " للملكية الخاصة والاستثمار. وليست هناك أفكار أبدية عن خضوع الفلاحين لكبار ملاكي الأرض والعمال للرأسماليين " (-4). (... وبعد، إذا صح أن التطور يجري، بانبثاق التناقضات الداخلية وبالنزاع
بين القوى المتضادة على أساس هذه التناقضات، وان غاية هذا النزاع هي قهر هذه التناقضات والتغلب عليها. فمن الواضح أن نضال البروليتاريا الطبقي هو حادث طبيعي تماما ولا مناص منه " (5).
المادية التاريخية لكوفالسون ص كل. نفس المصدرص 39.
الملكية الديالكتيكية لستالي ص 10. المصدرص 21.
المصدرص 23.
92
يتميز المجتمع على الكون الطبيعي وقوانينه العامة، بميزتين رئيسيتين:

الميزة الأولى: إن هناك قوانين تحكمه، خاصة به، وهي منبثقة بدورها من القوانين الكونية العامة ومنسجمة معها... وسنسمع رأي الماركسية في تأثير قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في تطوير المجتمع.
الميزة الثانية: وجود جو من الحرية والوعي في تصرف المجتمع، بخلاف الطبيعة،
فإن تصرفاتها عمياء عفوية خاليه من الوعي والهدف، حسب ما ترى الماركسية. وبطبيعة الحال، يكون مقتضى شمول القوانين الكونية الضرورية للمجتمع: أن تكون كل تصرفات الناس جبرية " ضرورية لا اثر للوعي فيها. إلا أن الماركسية جمعت بين هذين المفهومين المتناقضين: الضرورة والحرية، واعترفت بهما معا.
قال انجلز:
" غير أن تاريخ تطور المجتمع يختلف جوهريا في نقطة واحدة عن تاريخ تطور الطبيعة. ففي الطبيعة (بقدر ما نحن نضع جانبأ رد فعل الإنسان فيها) لا يؤثر بعضها في بعض إلا قوى عمياء لا واعية، وفي تأثيرها تظهر القوانين العامة. وليس هنا أي هدف واع منشود. لا في الأعراض الظاهرية التي لا عد لها والمرئية على السطح، ولا في النتائج الختامية التي تؤكد وجود الانتظام في داخل هذه الأعراض.
أما في تاريخ المجتمع، فالأمر بالعكس. ففي تاريخ المجتمع يفعل الناس الذين لهم موهبة الوعي ويعملون بتفكير أو بتأثير عاطفة، وينشدون أهدافا معينة. ولا يصنع هنا شيء دون نية واعية، ودون هدف منشود" (1).
قال بليخانوف:
" ولكننا في الحوادث التاريخية لا نواجه أشياء جامدة، و(نما نواجه بشرا يعملون،
والبشر يتمتعون بالوعي والإرادة. فيحق لنا بالتالي أن نتساءل عما إذا كانت الضرورة - التي لا يوجد خارجها مفهوم علمي للظواهر في التاريخ، كما في علم الطبيعة- لا تنفي فكرة الحرية الإنسانية.
وإذا صغنا المسألة بكلمات أخرى، فهي تطرح على النحو التالي: هل من سبيل للتوفيق بين الفعل الإنساني الحر والضرورة التاريخية.
يبدو لنا للنظرة الأولى أن ذلك غير ممكن وان الضرورة تنفي الحرية، وبالعكس.
ولكن الأمور ليست على هذا الشكل إلا بالنسبة لمن يتوقف نظره عند سطح الأشياء، عند قشرة الظواهر. في الحقيقة أن هذا التناقض "الشهير" هذا التنافي المزعوم بين الحرية والضرورة ليس له وجود. فإن الضرورة لا تنفي الحرية إنما هي شرطها الأساسي " (2). وقال بليخانوف أيضا:
(1) لودفيج نررباخ: انجلزص 53.
(2) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 39.
93

 

1::2::3::4::5