|
كتب
المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
كتاب اليوم
الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر
القسم الثالث
المستقبل السعيد للبشرية
التخطيط الالهي القام لتكامل البشرية
منهجة البحث في هذا القسم:
يتم الكلام في هذا القسم خلال ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في الأسس العامة التي يقوم عليها هذا التخطيط، وينبثق منها.
المرحلة الثانية: في تفاصيله.
المرحلة الثالثة: في بعض تطبيقاته ومناقشات حوله.
ولا يخفى على القارىء ما كنا ذكرناه في الكتابنن الثاني والثالث من هذه
الموسوعة عن هذا التخطيط، الذي حاولنا عرضه وتوسيع فكرته ضدريجا، تبعأ
للحقائق التي يحاط بها القارىء تدريجا...
إلا أن عرضنا الآن سيكون ذا مقدمات فكرية جديدة، واشد تركيزا وأوممع تفاصيلا،
مع توخي الاختصار فيما وسعنا القول فيه هناك، محيلين القارىء على الجزئن
السابقن نفسيهما، تحاشيا للتكرار.
395
المرحلة الأولى
الأسس العامة للتخطيط الالهي
تبتني هذه الفكرة على الايمان بوجود خالق الكون الحكيم القادر،
ولا يمكنها أن تنطلق من زاوية مادية على ما سنعرف.
وقد اصبح هذا الايمان علينا سهلا، بعد ان ناقشنا الفكر المادي في القسم
الثاني من هذا الكتاب، واستطعنا بكل وضوج، إثبات فشله في تفسير الكون من
ناحية وبطلان الفكرة التي يحملها عن مناشىء الدين، وعن التعويض عن الخالق
بالقوان!!ن العامة، وغيرذلك. ونحن نحيل القارىء في الاطلاع الكامل على تفاصيل
العقائد الدينية على بحوث غير هذا الكتاب.
وقد سبق أن أشرنا خلال عرضنا لمناقشات الماركسية حول تأثيرقوى الانتاج
في تطوير المجتمع، إلى أن محركات الكون واسباب حوادثه وتطوراته عموما
والمجتمع البشري خصوصا، تنقسم إلى ئلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسباب الطبيعية العامة، التي تسمى عادة بالقوانين الكونية،
وهي قهرية التأثير وخارجة عن اختيار الانسان، وشاملة لسائر الكون بما فيه
المجتمع البشري نفسه.
القسم الثاني: العلة الغائية من وجود الكون، كما سبق ان أوضحناها، وسيأتي
الشيء الكثيرمن تفاصيلها.
القسم الثالث: الأفعال الارادية والاختيارية او الواعية للبشر انفسهم،
او لأي فاعل مختار عموما..
وقد عرفنا ان القسمين الأول والثالث، خاضعان خضوعا كليأ وقهريا للقسم الثاني،
باعتبار ان الأهداف التي توخاها الخالق الحكيم القدير من خلقه 396
للكون، لا بد أن تحدث، وإلا كان ذلك نحالفا لفكرة استهدافه لهذه الأهداف، ومن
ثم مخما!ا لحكمته ونائما لغرضه، وهو مستحيل بالنسبة إلما الحكيم المطلق.
وقد اسس الخالق القدير القسمن الأول والثالث من الأسباب من أجل أن
تكون طريقا سهلا، أو هي افضل الطرق، لايجاد تلك الأهداف البعيدة ومن هنا لا
يمكن لهذه الأسباب- مع الحاجة إليها- ان تتخلف، كـما لا يمكن لها- مع عدم
الحاجة إليها- أن تكون عائقا عن تلك الأهداف، بل ان السبب الأصلح لايجاد تلك
الأهداف هو الذي يأخذ طريقه إلى الوجود، لا محالة.
وقد أشرنا في رسالتنا عن (المعجزة في المفهوم الاسلامي دا إلى أن الأغلب
هو وقوع السببن المشار إليهما في طريق تحقق خلك الأهداف، ومن هنا جعلهما
الخالق الحكيم سان المفعول في كوته، إلا أنه قد يحدث احيانا ان تتوقف تلك ا
الأهداف على انخرام بعض تلك الأسباب، كالتخلف الجزئي لقانون الجاذبية مثلا،
فان انخرامها يكودط ضروريا، و!اعصا في عالم الوجود في ذلك المورد يكون
مستحيلا، بل تتبدل لا محالة إلى ما هو الأصلح لايجاد الأهداف العليا من
الكون. وهذا هو الأساس الأعمق لوجود المعجزات وفلسفتها.
وكذلك السبب الثالث، وهو وعي الناس وحرية إرادتهم، فانه مصمم خصيصا لأجل
الوصول إلى تلك الأهداف. وقد اعطي الناس حدودا معينة للنشاط تنسجم مع تلك
الأهداف، بمقدار ما هو موافق للحكمة الواقعية للأشياء. ومن ثم قلنا، خلال
مناقشتنا لقوى الانتاج الماركسية: ان اختيار الأنسان لا يعقل ان يحول دون
الوصول إلى تلك الأهداف، بل ان أي فعل او أي قول من أي إنسان، صالحا كان أو
باطلا، ضحلا كان او عميقا، مؤثرا كان أو عاطلا، واقع لا محالة ضمن الطريق
الموصلة إلى تلك الأهداف. وهذا- كما أشرنا أيضا- لا يقتضي الالتزام بالجبر،
أو قسر الناس على أفعالهم من قبل الخالق، لأن الأهداف- كما سنعرف- متوقف
إنجازها على الاختيار، فإذا ارتفع الاختيار وحصل القسر زال الطريق الأفضل إلى
تلك الأهداف، وهو خلاف الحكمة ونقض للغرض، وهو يستحيل من الحكيم، وسنلمع إلى
فكرة عن توقف تلك الأهداف على الاختيار.
397
-3-
لستحيل ان تكون العلة للكون، هي حصول الكمال في ذات الخالق، أو حصول نفع له
بأي شكل من الأشكال: بعد ان برهن في بحوث العقائد الاسلامية، أنه هو الكامل
المطلق المستغني عن كل شيء، وليس في ذاته حالة متوقعة يمكن حصولها بمثل هذه
المقدمات.
وإنما تعود العلة الغائية، ويتعلق (الهدف) بالكون نفسه، وهو- كا
سبق ان عبرنا-: وصوله إلى كماله الممكن له، يعتي احسن حالة واقعية يمكن أن
يصل إليها الكون في طريق حركته نحو الأفضل.
وهذه الحالة الواقعية ليس لها تحديد حدي، لأن مراتب العمال المعقولة او
الممكنة، كثيرة جدا او غير متناهية؟ إذن، فكل ما في الأمر: أن الكون يتكامل
ويتكامل بالتدريج المستمر، نتيجة لعوامل معشة، ومهما وصل إلى مرتبة من
الكمال، طرق باب المرتبة اللاحقة، وهكذا، ولكنه يستحيل أن يصل إلى اللانهاية،
كما قام البرهان عليه.
وحسبنا من ذلك الان، أن نعرف: أن هناك مراتب عليا من الكمال الكوني، يقصدها
الكود! بحركته نحو الأفضل، طبقا لتدبير الخالق وتخطيطه. وقد ألمعنا فيما سبق
إلى أننا لا نستطيع ان ندرك كنه تلك الحالة الواقعية وتفاصيلها، ما دمنا
موجودين في ضمن المرحلة المعاصرة والحالة الحاضرة، ومحددين من كل جهاتنا
بحدود زمانية ومكانية وفكرية لافكاك لنا منها (1).
واذا طبقنا هذه العلة الغائية على البشرية، أمكن ذلك أيضا، بل هو
(1) وقد يخطر في الذهن. انه لماذا لم يوجد الخالق الكون كاملا من اول مرة،
فيكون في غنى عن مقدمات سيره نحو الكمال، التي قد تكون بعضها في غاية الصعربة.
وجواب ذلك ممكن في عدة وجهه نذكر منها اثنين.
أولا: ان إيجاد الكون كاملأ ابتداءأ، ان كان معناه وجوده لا نهائيأ ومطلقا من
جميع الصفات، فهذا مستحيل كـما تم البرهان عليه فى محا.4. وإن كا اسا !شابم
وجوده دون اللانهاية، فمعنى ذلك بقاء خطوات لا نهائية وسلسلة غير محدودة من
خطوات التكامل امامه، لى يطرقها بعد، ويكون له أن يسير فيها دون أن يبيغ
آخرها. فقد عدنا إلى التكاه ار ومقدماته التي هرب منها السائل.
ثانيا: اننا نحتمل- على أقل تقدير- ان إيجاد الكمال بعد المقدمات الطويلة
والصعبة، أصلح وأحسن إنآجأ من إيجاد الكمال من أول الأمر، ومن هنا وقع
الاختيار عليه.
398
ضروري الانطباق، باعتبار أن البشرية جزء خاص من الكون العام. فالبشرية ايضا
سائرة نحوكمالها الممكن لها والحالة العليا الواقعية المستهدفة
لها. وهي تسـير أيضا طبقا للسببين الأول والثالث اللذين ذكرناهما وحللنا
تأثيرهما.
ولكننا نستطيع ان نضع عدة فروق بين تكامل الكون وتكامل المجتمع،
نذكرها كأطروحة محتملة، لا كشيء تام النجاز.
أولا: إن الكون في حركته اضطراري وقسري. بمعنى ان السبب الأول،
وهو ما يسمى بالقوانن الكونية، هو الذي يحركه نحو الكمال. وبتعبيرآخر اصح: إن
بعض أجزائه تقسر بعضا على الحركة، وليس له حرية الاختيار. في حين أن حركة
البشرية نحو الكمال، متوقفة على الاختيار وحرية الارادة، حيث يصبح الفرد افضل
إذا اختار الفعل الأحسن، كـما يصبح هو الأدون إذا اختار الفعل الأسوأ، ولا
تكامل من دون حرية.
ثائيا: إن الكون في حبركته طويل الأمد جدا، قد لا يمكن قياسه حتى
بملايين السنين، على حين ان حركة البشر نحو الكمال، ليس بذلك الامتداد، ولم
يفكر احد أو يزعم أن عمر البشرية مثل عمر الكون بأي حال.
ثالثا: إن الأهداف المتوخاة للبشرية يمكن تصورها وتحديدها إلى حد
كبير، بخلاف الأهداف الكونية، فانها غير محددة في أذهاننا. ولعل ذلك يعود إلى
بعد الأهداف الكونية، وقرب الأهداف البشرية نسبيا، والغاية كلما كانت- أقرب،
كانت اوضح وأصرح.
رابعا: اننا لا نستطيع أن ندرك فقط أهداف البشرية، بل الأساليب
والطرق الفضلى التي دبرها الخالق للوصول إلى تلك الأهداف. وسيأتي الالماع إلى
تلك الأهداف والى طرقها، فانها هي التي تشكل الأساس الحقيقي لفكرة التخطيط
الالهي العام لتكامل البشرية.
فهذه أهم الفروق بين الكون والبشرية. وسنفرض صحتها ردحا من
الزمن. لا بمعنى انها باطلة في الواقع، ولكن بمعنى أنها قد تكون مبالغا فيها،
وان الفجوة بين البشرية والكون أقل بكثيرمما تعطيه هذه الفروق. ولعل تسلسل
البحث كفيل بإبراز هذا المعنى تدريجا.
ولا ينبغي أن يكون التقليل من حدودها، منتجا لبطلان نتائجها الاتية،
399
وإنما تتحدد نتائجها في حدود صدقها، بطبيعة الحال. هذا معنى ما قلناه من اشا
سنفرض صحتهاردحا من الزمن.
من الواضح، بعد الذي قلناه، من تسخير السبب!س الأول والثالث
لمصلحة السبب الثاني، وهو الأهداف المتوخاة من وراء وجود الكون... من الواضح
انه لا يمكن ان يوجد شيء من تطبيقات ذينك الس!ببين ناقصا عن حاجة تلك
الأهداف، كا لا يمكن أن تكون التطبيقات زائدة أيضا. إذ أن وجودها بهذا الشكل
أوذاك يعني عدم التوصل إلى تلك الأهداف بالشكل المطلوب، وهو مخالف للحكمة
وللغرض فيكون مستحيلا.
وعدم إمكان النقصان، يعني أمرين:
الأمر الأول: إن س حة الكون العامة، او مجموع شسلسل الحوادث في
الكون، لان توي على أي نقصان، بل كل الحوادث الواقعة يحتاجها الكون لا محالة
لوصوله إلى غاياته.
الأمر الثاني: اي ث!يء بعينه مما قد بجتاجه الكون في هذا الصدد، في
الواقع، خ. و موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا يكون كذلك. لا يختلف في ذلك
الماضي والحظ ضر والمستقبل.
كما ان عدم 1 ه كان الزيادة يعني امرين موا: لن لذينك الأمرين السابقن:
الأمر الأول: إن ساحة الكون العامة، لا تحتوي على أي زيادة، بل كل
الحوادث الواقعة فيه، إنما هي محتاج إليها فعلا في الوصول إلى الأهداف وليست
زائدة بم ي حال.
الأمر الثاني: إن اي شيء بعينه مما لا يحتاجه الكون في الوصول إلى
اهدافه، يعتبر زيادة، ومن ئم لا يمكن ان يكون موجودأ.
ومهما يكن السبب الأول قهريا اضطراريا، ومهما يكن السبب الثالث وهو
اختيار الناس وأفعالهم، فعالا ودويا، فانه لا يمكن ان يخرج عما هو مكرس له
وهو إيصاله إلى تلك الأهداف، ومن ثم لا يمكن ان يخرج عن هذه الأمور "ا
الأربعة. وبتعبيرآخر: لا يمكن لشيء في الكون ان ئحدث النقيصة اوالزياثة فيه
بالنسبة إلى إيصاله إلى أهدافه.
هـ 14
ومن اهم تطبيقات هذه الفكرة،) وجود البشرية نفسها، وتكاملها ايضا، والتخطيط
من اجل هذا التكامل.
إذ يتبرهن مما سبق ان وجود البشرية بصفته أحد أجزاء الكون، لا يمكن
أن يكون زائدا ولا ناقصا عن استهداف تلك الأهداف، بل هي مرتبطة ارتباطا وئيقا
بالتقديم والتهيئة لتلك الأهداف لا محالة. حالها في ذلك حال كل أجزاء الكون
الأخرى.
وبالطبع، فإن البشرية المتكاملة الصق بتلك الأهداف العليا، واكز إنجازأ لها
من البشرية الناقصة... إذن، فينبغي ان تتكامل البشرية- بعد ان وجدت ناقصة-
لكي تقع في طريق تلك الأهداف. ومن هنا يثبت ان التمهيد او التخطيط لتكامل
البشرية داخل ضمن التخطيط العام لتكامل الكون والوصول إلمط اهدافه العليا،
-7-
ومن هنا نعرف أن البشرية تعيش تخطيطين مقترنيهت متعاونين لأجل تكاملها
نحو الأفضل.
التخطيط الأول: التخطيط الكوني العام للوصول إلى أهدافه البعيدة،
تعيشه البشرية بصفتها جزءا من إلكون العام. ومن الواضعح أنه لا يخصها بالتعحن
او ينتج فيها شيئا بصمفتها الخاصة، وإنما ينتج فيها الكمال، او يشارك فيه
بصفتها جزءا من الكون ليس إلا.
نعم، يصلح هذا التخطيط أن يكون الأساس الذي يبتنى عليه التخطيط
الثاني الذي سنذكره، بمعنى انه افترض في بناء التخطيط الثاني الفرل! من صحة
التخطيط الأولى ة تماما كما تفترض صحة قانون الجاذبية مثلأ عند بناء سيارة
الآ ناطحة سحاب.
وهذا التخطيط قسري التأثير في البشرية اضطراري النتائج، لأنه يعبر،
فيما يعبر عنه، عما يسمى بالقوانن الكونية العامة، التي عرفنا انها جعلت لأجل
مصلحة الايصال إلى الأهداف البعيدة.
التخطيط الثاني: تخطيط خاص بالبشرية، قائم على استعمال الاختيار في تكاملها،
بمعنى أنها تتكامل نتيجة لأعمالها وتصرفاتها وردود أفعالها تجاه الوقائع
26
401
المختلفة. وهذا هو الذي نسميه بالتخطيط الالهي العام لتكامل البشرية. وهو
بدوره يشارك في التخطيط الأول. فإن هذا التكامل إنما يراد من اجل
التهيئة إلى الأهداف الكونية البعيدة، فيكون التخطيط الثاني مقدمة لهذه
التهيئة، فهو مجعول ليكون واسطة غير مباشرة لتلك الأهداف العليا ايضا.
-8-
إن السبب الثاني من الأسباب الثلاثة لتطور الكون، التي ذكرناها في الفقرة
الثانية من هذه الأسس العامة، ان هذا السبب بصفته سببا غائيا، يعني مجرد
استهداف النتائج العليا المتوخاة من إيجاد الفون. فقد يبدو لأول وهلة أن هذا
السبب لا يعين الأسلوب الذي يتخذه السبب الأول الذي ذكرناه إلى جنبه، وهو ما
يسمى بالقوانين الكونية، بل ان السبب الثاني يتحدد بحدود السبب الأول، اي ان
استهداف تلك النتائج العليا يكون بالأسلوب الذي تتخذه تلك ا لقوا نين.
وهذه القوانن قد تكون هي القوانين الكيماوية- الفيزياوية بوجودها الساذج أو
بتصورها البسيط. وقد تكون هي النظرية النسبية وقد تكون هي الديالكتيك
الماركسي، وقد تكون هي نظرية المجال الموحد، وقد تكون امرا آخر. ان مجرد
الاستهداف لا يعين واحدا منها، بل يعمل في حدود ما هو الموجود.
هذا، ولكن الصحيح اننا تارة ننظر إلى الاستهداف بصفته واقعا وكونيا
مخططا من قبل الخالق الحكيم. وأخرى ننظر إلى مقدار معرفتنا بذلك.
فإن نظرنا إلى الواقع، لزمنا ان نكرر ما قلناه من أن معنى الاستهداف هو
اختيار الطريق الأفضل للوصول إلى ذلك الهدف، وأي اسلوب كان هو المين وجوده في
الكون، دون غيره، سواء كان هو الديالكتيك أو النظرية النسبية، او غيرها،
ويرجح تعلن الأفضل إلى الخالق الحكيم نفسه. إذن، فالاستهداف يعين القانون في
الواقع، لا انه يجري في ضمن حدود القانون.
واما طبقا لما قلناه من إنكار وجود القوانن الكونية، فالأمراوضح، كـما هو
واضح لمن يفكر..
وإن نحن نظرنا إلى معرفتنا بالاستهداف، فإن كنا جاهلن بالأسلوب الأفضل له،
وكانت كك هذه القوانين التي عددناها على حد سواء ثا احتمال
402
انطباقها على الكون،... إذن، نكون عاجزين عن تعلن واحد منها بالنسبة إلى
الاستهداف. وهنا يصح هذا التعبير: ان الاستهداف لا يعين قانونا كونيا معينا،
يعني في حدود معرفتنا.
وإن كنا عالمن بالأسلوب الأفضل من هذه الأساليب او غيرها، فنستطيع
ان نجزم أنه هو المتعن، في الاستهداف الكوني العام. وايضا، لو كنا عالمن بعدم
صلاحية بعض الأساليب أو القوانين للاستهداف، نستطيع أن نجزم بعدم وجوده وعدم
سريانه في الكون، كما استطعنا البرهنة عليه بالنسبة إلى قانون الديالكتيك في
القسم الثاني من هذا الكتاب.
وهذا الذي قلناه في التخطيط الكوني، منطبق تماما على جزئي، وهو التخطيط العام
لتكامل البشرية، وهو التخطيط الثاني الذي ذكرناه في الفقرة السابعة.
فإن الاستهداف الواقعي لهذا التكامل يعين أفضل الأساليب والمناهج للوصول إليه
ة كل ما في الأمر، اننا إذا كنا مطلعين على ذلك فهو المطلوب، كـما اننا لو
كنا مطلعين على بطلان بعض الأساليب أو عدم صلاحيته للاستهداف ايضا، استطعنا
نفيه أيضا. و(ن كنا جاهلين بالأصلح منها والباطل، كان الاستهداف في نظرنا
محتملا لها جميعا.
ولكن الفرق بين التخطيط الكوني والتخطيط البشري، من حيث اساليبهما، اننا نجهل
في الأغلب الأسلوب الأفضل للكون، فلئن أقمنا البرهان على بطلان الديالكتيك،
بقي الباقي محتملا على أي حال. ومن هنا يضطر الباحث إلى أن يعين كون الأسلوب
او القانون صالحا للاستهداف بإقامة البرهان (العلمي " على كون الأسلوب المعن
هو الصحيح الساري في الكون. فلوثبت مثلا، أن نظرية المجال الموحد هي السارية
يخا الكون ثبمت تبعا لذلك أنها هي الأسلوب الأفضل للاستهداف، إذ لو لم تكن
كذلك للزم تبديلها إلى الأفضل، ومن ثم لم تكن هي السارية المفعول في الكون.
ولكن بالنسبة إلى التخطيط " البشري لما يستطيع الباحث بما أوتي من فكرة وعمق،
أن يدرك أن هذا هو الأسلوب الأفضل أو ذاك، او أن هذا ليس هو الأسلوب الأفضل.
إذ من الواضح ان الخصائص البشرية فردية واجتماعية،
403
معاشة للناس وقريبة المنال إليهم، بخلاف الخصائص الكونية، فانها بعيدة عنهم
وأوسع من إدراكاتهم.
فالأساليب المحتملة لتكامل البشرية: كالعلم والدين والقانون ونظريات
العامل الواحد: الجنسية او الاقتصادية، يمكن ان نبرهن على صحة بعضها ونفي
بعضها الآخر. وكل اسلوب برهنا على صحته يتعين ان يكون هوالأسلوب الأفضل
والتخطيط المتبع لتكامل البشرية.
وكل اسلوب برهنا على زيفه وبطلانه في نفسه، كما اسلفنا بالنسبة إلى
المادية التاريخية، يتعين عدم كونها هي السارية المفعول وعدم كونها صالحة
للاستهد اف.
-10-
وإذا اردنا أن نعقد مقارنة بين هذه الأفكار التي قلناها وبن الفهم الماركسي
للكون وإلحياة، وجدنا أن التخطيط الالهي لتكامل الكون يوازي قانون الديالكتيك
الماركسي، بصفتهما يمثلان الأسلوب العام لقيادة الكون وتدبيره. وأما التخطط
العام لتكامل البشرية، فهو يوازي المادية التاريخية بصفتهما يمثلان الأسلوب
العام لقيادة البشرية وتدبيرها.
وهنا اود ان اشير إلى ان العناصر الثلاثة التي كانت هي المغريات ونقاط
القوة في الفكر الماركسي، وهي:
أولأ: تقديم نظرية عامة لفهم الكون كله.
ثائيأ: تقديم نظرية عامة لفهم التاريخ البشري.
ثالثأ: التنبوء بيوم السعادة البشرية في المستقبل.
وهذه الأموركلها استطعنا التعويض عنها من الزاوية الالهية، وتبديلها بما
هو أفضل، كما سيتضح من المقارنة وبمايليها من البحوث.
ولدى المقارنة ينبغي بنا ان نقسم الحديث إلى مقارنة التخطيط الكوني بالقوانين
الكونية الماركسية، كالديالكتيك وقانون التغير النوعي... وإلى مقارنة التخطيط
(البشري لا بالمادية التاريخية. وستكون المقارنة موجزة ومنطلقة من اسمس عامة،
وأما مقارنة التفاصيل او المقارنة التفصيلط، فينبغي ان تفهم من مجموع البحوث
الآتية.
وعند مقارنة الديالكتيك ورفاقه بما يوازيه من التخطيط نجد عدة حقائق:
404
الحقيقة الأولى: ان بين التخطيط الكوني والقوانين الماركسية فرقا جوهريا،
هو: ان التخطيط يندرج قي السبب الثاني من الأسباب الثلاثة التي ذكرناها في
الفقرة الثانية من هذا العرض، أعني انه سبب غائي او استهدافي كما عبرنا. على
حيئ يندرج الديالكتيك ورفاقه في القسم الأول من تلك الأسباب أعني الأسباب
الكونية الاضطرارية او ما يسمى بالقوانن عادة.
وهذا الفرق يجعلنا وجها لوجه لمام ما قلناه قبل قليل: من أن الديالكتيك
لو كان صحيحا في نفسه، لقلنا بأنه صالح للاستهداف (1)، وجمعنا بينه وبن
التخطيط الكوني، باعتبار أن السببين الأول والثاني مجتمعان دائما وغير
متنافيين، كما عرفنا. ولقلنا ايضا ان قانون الديالكتيك ورفاقه مما جعله
الخالق الحكيم في كونه لأجل الوصول إلى الأهداف البعيدة. فإن هذا القانون بحد
ذاته، ليس إلحاديا، وانما قرنه الماركسيون بالإلحاد اجتهادا. نعم، هو قانون
مادي، بمعنى انه متعلق بالمادة ويعتبر من قوانينها، على تقدير صحته.
إلا انه قانون غيرصحيح، كـما سبق ان عرفنا مفصلا؟ ومعه ينتج أنه غيرا صالح
للاستهداف، وغيى ساري المفعول في الكون.
الحقيقة الثانية: ان التخطيط إلكوني، خال من الاشكالات التي كانت
واردة على الديالكتيك ورفاقه، والتي فصلناها فيما سبق (2). فانها جميعا كانت
منطلقة من مفاهيم خاصة بالقوانين الماركسية، يخلومنها التخطيط الكوني تماما.
الحقيقة الثالثة: " ان التخطيط الكوني، يحتوي على عدة نقاط قوة تفقدها
القوانين الماركسية ة
النقطة الأولى: ان الديالكتيك يفسر حوادث الكون وتطورها. واما بالنسبة إلى
اصل وجود الكون فالماوكسيون يرون ازليته وانه لا يحتوي على حكمة وهدف بالمرة،
كـما سمعنا مفصلا.
واما التخطيط الكوني فهو يفسر حوادث الكون وتطورها، بدلأ عن الديالكتيك
ورفاقه... ويفسر ايضا أصل وجود الكون ويعتبره ناشئا عن حكمة وهدف لا محالة،
وهو واضح بعد الاعتراف بوجود الخالق، فإن الماركس!ن لا يمكئهم اد يئكروا اد
الخالق لوكاد مطلق الحكمة والقدرة، إد لم يزعم احد وجود (1) أعني وضعه وسيلة
في طريق ألهدف. وسيتكرر هذا الاستعمال فلاحظ.
(2) انظر الفصل الخاص بخاثة الديالكتيك ثا القسم الثاني من هذا الكتاب.
ه. لأ
خالق ضعيص وجاهل... مضافا إلى البراهن الصحيحة القائمة على ذلك. لا يختلف
الحال لا وجود الاستهداف بين أزلية الكون وحدوثه، بعد الاعتراف بوجود الخالق
الحكيم، إذ لولا هذا الاستهداف لما أوجده الخالق منذ الأزل... وان كان الصحيح
هو بطلان القول بالأزلية، كـما أسلفنا عند مناقشة ا لما ركسية.
وقد يخطر يخا الذهن: انه لا معنى للاستيداف مع الأزلية، إذ معها
كون قد تحققت الأهداف المطلوبة منذ زمن طويل.
إلا أن هذا الكلأم غير صحيح: لأن درجات الكمال غير متناهية، كـما
قلنا، فمهما صعد الكون في درجات الكمال، بقيت امامه درجات غيرمتناهية أيضا،
ولا يعني وجوده منذ الأزل أنه قد اتم هذه الدرجات إلى الآن، كما هو واضح.
الئقطة الثانية: ان التخطيط الكوني أقوى فعالية وتأثيرا في الكون من
الديالكتيك، بل من كل (قانون) كوني بعينه. باعتبار كون التخطيث! سببا خارجيا
عن الكون، مفروضا عليه من قبل حكمة الخالق القدير، بخلاف الديالكتيك وغيره
فانه سبب داخلي. ولا شك ان السبب الخارجي، وهو الخالق الحكيم، اقوى تأثيرا في
قياده الكون من قاشون الديالكتيك الذي هو- لو صح- صفة من صفالف المادة ليس
إلا.
وقد سبق ان عرفنا ان السبب الأول اعني القوانين الكونية تابعة في وجودها
ونفوذها الكوني للسبب الثاني اعني التخطيط، دون العكس.
الئقطة الثالثة: ان التخطيط الكوني يشارك بدوره في تربية البشرية وتكاملها
إلى جاذب تخطيطها الخاص، كما سبق ان عرفنا. على حصان لا يشارك الديالكتيك بأي
شكل من الأشكال في تكامل البشرية إلى جنب المادية التاريخية، لو كانت بدورها
تقوم بهذا التكامل. بل يبدو الديالكتيك والمادية التاريخية قانونين متفاصلين
في التأثير تماما.
نعم، الديالكتيك شامل للبشرية كشمول التخطيط الكوني، إلا أن التخطيط الكوني
يؤثر فيها مربيا لها وموجبا لتصاعدها في درجات الكمال باتجاه أهدافها العليا
أولا، والأهداف الكونية البعيدة ثانيا. على حين ان قانون الديالكتيك يبدو
كحركة ديناميكية في المادة جافة لا تأثير له بالمرة في نفع البشريه
456
وكمالها.
** "
وأما مقارنة التخطيط العام للبشرية بالمادية التاريخية، فتعطينا عدة حقائق
يوازي أكثرها الحقائق التي عرفناها من المقارنة مع الديالكتيك.
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام للبشرية سبب غائي استهدافي،
يندرج في القسم الثاني من الأسباب الثلاثة السابقة. بينما ان المادية
التاريخية، حين يقصد بها تأثير قوى الانتاج في تطوير المجتمع وتغييره، تكون
مندرجة في القسم الأول من الأسباب الثلاثة السابقة.
وقد عرفنا ان السببين الأول والثاني يمكن اجتماعهما، بل هما متعاونان
ومشتركان في التأفي، إذا كان كلاهما صحيحا وساري المفعول. فإذا صحت المادية
التاريخية أمكننا ان نعتبرها الأسلوب الأفضل في التخطيط لتكامل البشرية.
فإنها- كما قلنا في الديالكتيك- غير مبتنية بحد ذاتها على الالحاد، وان قرنها
الماركسيون بذلك اجتهادا. بل ان عدم ارتباطها بالالحاد اوضح من الديالكتيك،
لأنها لا تتضمن مثله تفسيرا عاما للكون، ومن ثم لا ترد فيها الفكرة المادية
القائلة، بإمكان التعويض بها عن افتراض وجود الخالق. هذا، ولكننا قد عرفنا
بطلان المادية التاريخية، وان تأثير قوى الانتاج في تغييرالمجتمع وتطويره مما
لا يمكن التفوه به.
وهذه الحقيقة الأولى توازي الحقيقة الأولى، في مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثانية: إن التخطيط العام للبشرية يخلو من الاشكالات الواردة
على المادية التاريخية، وهي كثيرة سبق أن ذكرناها مفصلا (1) تماما كأخيه
التخطيط الكوني بالنسبة إلى الديالكتيك.
فإن تلك الاشكالات كانت ترد باعتبار ربط تطور المجتمع بقوى الانتاج وعلاقات
الانتاح، وهذا غيرمربوط بالمرة بالتخطيط العام للبشرية، وسنعرف في المستقبل
موقف هذا التخطيط من هذه المفاهيم.
وهذه الحقيقة تقابل الحقيقة الثانية من مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثالثة: إن التخطيط " البشري لما اكثر ارتباطا بالتخطيط الكويى، من
ارتباط المادية التاريحية بالديالكتيك، فبيئما لا لجد اد قالود (1) أنظر
الفصل الخاص بذلك.
407
الديالكتيك لا يكاد يعني شيئا مهما في تنظيم أسس المادية التاريخية وعهودها،
فاننا نجد ان التخطيط البشري جزء من التخطيط الكوني وتطبيق من تطبيقاته، بل
هو منجز من أجله ومن اجل اهذافه، كما سبق أن عرفنا.
وبتعبير اوضح: إن كلا من التخطيط البشري العا أ والمادية التاريخية، هـ!ران
على رفيقهما الكوني، فلا معنى للتخطيط البشري بدون وجود تخطيط كوني، كما لا
صحة للمادية التاريخية- ماركسيا- بدون الديالكتيك. لكننا من زاوية القانون
الكوني، لم نجد للديالكتيك اي اعتماد على المادية التاريخية، ولا يهمه (!)
وجودها وعدمه، بل لا يهمه وجود البشرية عموما. واما التخطيط الكوني فهو معتمد
على التخطيط البشري، فإنه جزء منه، ويهمه (!) وجود البشرية وتخطيط تكاملها،
لأن تكاملها مشارك في تكامل الكون، كما سبق أن برهنا.
ومن هنا أصبح الربط والشد بين البشرية والكون، اشد بكثيرمما هوعليه
في الفكر الماركسي.
الحقيقة الرابعة: إن التخطيط العام للبشرية منجز خصيصا من اجل تكامل البشرية
وتربيتها، لكي تمر في تكاسل بههد الخير والسعادة والمستقبل الفاضل.
بينما نجد المادية التاريخية، لا تعني شيئا من هذا القبيل، فإن الأمور- طبقا
لتصورها- تتطور بشكل عفوي خارج عن وعي الناس وإرادتهم، وإنما تتطور البشرية
نحو الأفضل طبقا لقانون قهري، لا من أجك فهم ووعي خا ص. فلا قوى الانتاج قد
قصدت هذا التطور، ولا قصدته عا* قات الانتاج ولا قصده أفراد المجتمع؟ ومع ذلك
يوجد هذا المطور غير المقصود!!..
الحقيقة الخامسة: إن التخطيط العام للبشرية سبب غير اقتصادي تمامأ،
ولا يربط تطور المجتمع بالعلاقات الاقتصادية، كما تحاول المادية التاريخية ان
تفعل، حتى تكاد تصبح من نظريات ذات العامل الواحد.
وسنعرف موقف هذا ألتخطيط الاقتصادي وتطوراته، ني مستقبل هذا الب!صى،،.
وينبغي أن نلتفت الآون إلى أن هذا التخطيط لا يمكن ان يعتبر من نظريات
408
العامل الواحد، باعتباره غائيا استهدافيأ، لا سببا فاعليا، اي انه من القسم
الثاني مق الأسباب الثلاثة لا من القسم الأول. وتقسيم النظريات إلى العامل
الواحد والمتعدد، إنما يكون باعتبار القسم الأول لا الثاني. وهو ينسجم- كما
عرفنا- مع اي عامل من القسم الأول أو عدة عوامل مما يثبت صحته وسريان مفعوده
في البشرية.
الحقيقة السادسة: إن الماركس!ن يؤكدون- كما سمعنا- وعي الناس وحريتهم في
التصرف، وقد سمعنا أسلوب جمعهم بين الحرية والضرورة وناقشناه. إذن يمكن
القول- بشكل أو آخر- ان المادية التاريخية متضمنة للوعي وا لا ختيا ر.
وكذلك التخطيط العام للبشرية، متضمن للاختيار، بل هو مبتن عليه ومنطلق منه،
كما عرفنا. مع الاحتفاظ- بطبيعة الحال- بما للكون من ضرورة وقسر في اسبابه و
(قوانينه)، والاختيار إنما يكون من خلال الفرص المعطاة للانسان خلال تلك
الأسباب والقوانين.
وهنا نلاحظ ان الضرورة واردة من الكون، بمعنى البشرية أ/ عشها بصفتها
جزءا من الكون، على حين تعيش الاختيار بصفتها الخاصة. ود6 الحقيقة تعبر عنها
الماركسية بأن الضرورة واردة من قانون الديالكتيك ورفاقه وا- كرية ناتجة من
خلال وكي الأفراد. وأما نحن فنعبر عنه بأن الضرورة واردة من التخطيط الالهي
الكوني، الذي عرفنا ان كل الأسباب والقوانن الكونية مسخرة في صالحه. واما
الحرية، فهي صفة قد فطر عليها الانسان من أجل إنجاح تكامله وتربيته بكلا
التخطيطين الكوني والبشري.
وبهذا نعرف ان الضرورة الواردة من الكون، ضرورة عمياء في منطق الماركسية، وهي
تعترف بذلك ولكنها ضرورة مبصرة وواعية ومربية في منطقنا، لأننها تتبع التخطيط
الكوني للتكامل. كا ان الحرية حرية (عمياء!اي موجودة في الانسان بلا هدف، في
منطق الماركس!ن، على حين موجودة بهدف سام اصيل في منطقنا.
فهذه هي الجهات الأساسية العامة، في المقارنة بين التخطيط العام للبشرية
والمادية التاريخية.
409
وهذا الأسلوب الذي اتخذناه في إثبات التخطيطين الكوني والبشري، لا يتوقف على
الاعتراف بحقيقة دينية سوى الاعتراف بوجود الخالق الحكيم القادر. وهيما
استطعنا إثباته من خلال مناقشات الماركس!ن.
وبهذا يكتسب هذا الأسلوب نقطة من نقاط القوة عن الأسلوب الذي اثبتنا
به التخطيط (البشري " في الكتاب الثاني من هذه الموسوعة، وكان هناك بعنوان
التخطيط الالهي لليوم الموعود (1)، وسنعرف أنه تطبيق مهم من تطبيقات التخطيط
العام الذي نحن بصدده. حيث كان الاعتماد ا ائيسي في إثباته على النصوص
الدينية الاسلامية المقتنصة من القرآن الكريم، كقوله عز وجل: وما خلقت الجن
والانس إلأ ليعبدون (2).
حيث كان لهذه الآية المجال الأكبر في إثباته، ولا حاجة بنا الآن إلى
ا لتكرار.
وذاك الاستدلال صحيح لا غبار عليه، لمن يعترف بالاسلام وبصدق القرآن ة واما
من لا يعترف به، فسوف لا يكون دليله صحيحا لديه. بخلاف ما ذكرناه في بحثنا
الحاضر، فإنه شامل لكل مفكر منصف بمجرد اعترافه بالله تعالى.
هذا، ولكننا سنضطر في فهم دفاصيل التخطيط العام للبشرية إلى الاعتماد على
النصوص الدينية، فإنه مما لا يثب!ت بمجرد تشغيل الذهن والتعمق بالتفكير.
سوف نقتصر في مستقبل البحث على الحديث عن التخطيط العام لتكامل البشرية، وندع
التخطيط الكوني إلا من زاوية بعض الحاجة إليه، فإنه يحتاج إلى بحث مستقل. وقد
عرفنا في اول هذا الكتاب: اننا نستهدف التعويفر عن المادية التاريخية بفهم
جديد للبشرية، وقد عرفنا ان ما يوازيها هو التخطيط الخاص للبشرية لا التخطيط
الكوني. إذن، فمن المنطقي ان نقصر حديثنا عن هذا التخطيط المطلوب.
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى صر 233، وما بعدها إلى عدة صفحات.
(2) الذاريات: 51/ 56.
410
هذا ومن اللازم ان نشيرني ختم هذه الأسس العامة للتخطيط، الط هناك
أمورا ذكرناها لدى مناقشتنا لعلاقات الانتاج الماركسية، تعتبر جوهرية في هذا
التخطيط، لا حاجة إلى تكرارها هنا... من اهمها البرهان على ضرورة استهداف
الخالق الحكيم للأهداف العليا في الكون. ومنها: عدم منافاة التخطيط العام مع
اختيارية الانسان وان الإنسان مهما أدى من عمل فإنه يخدم الهدف البشري
الأعلى، وانه بأعماله يخدم نفسه ويخدم تلك الأهداف من حيث يدري أو لا يدري...
إلى غير ذلك مما قلناه.
|