|
كتب
المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
كتاب اليوم
الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر
المرحلة الثانية
تفاصيل التخطيط الالهي ومراحله
الأسسر ات صة:
-1-
سبق أن ذكرنا في الكئابين الثاني والثالث من هذه الموسوعة شيئا كثيرا من
تفاصيل هذا التخطيط، فمن الضروري إذن ان نحول القاريء على ما سبق، من ثون
حاجة إلى التكرار. وإنما نقتصر في كل تحويل على إعطاء خلاصة موجزة فقط، حفظا
لترابط الأفكار.
واول سؤال يواجهنا في هذا الصمدد: انه ما هو الهدف الأعلى للبشرية
الذي يستهدفه هذا التخطيط العام أ وكيف يمكن لنا التعرف على حقيقته؟ اسلفنا
قبل فترة أنه هوأحسن حالة يمكن أن تصل إليها البشرية في تكاملها
نحو الأفضل او في مسيرها نحو الكمال. وهذه عبارة على انها لا نحلو من الوضوج
هي عبارة غامضة لا تعطي اي صفة معينة لتلك الحالة الفضلى. فهل يمكن ان نستنتج
شيئا من صفاتها أو أهم صفاتها، بطريق استدلألي معين؟ لهذا الاستنتاج طريقان،
أحدهما وجداني والآخر قرآني:
411
الطريق الأول: ان الفكر الانساني يحمل فكرة ما عن المجتمع الذي
تتحقق فيه السعادة والرفاه. وهذه الفكرة مهما كانت غائمة وصغيرة، إلا انها
تستطيع ان تمدنا ببعض التفاصيل القليلة؟ ومن هنا صلح الفكر الانساني مصدرا
لمعرفة صفة الكمال البشري على اي حال.
وانطلاقا من ذلك، يفترض ان هذا الكمال الذي يدركه الفكر الانساني بوجدانه، هو
الذي يستهدغه التخطيط الالهي في مسيره. وقد تكون هناك إضافات وتفاصيل
غيرمدركة له تكون مطبقة في ذلك اليوم الموعود.
يدرك الفكر الانساني ان الخلافات الاجتماعية والحروب مصدر للشرور،
وان الاعتداء على الآخرين- ايا كان منشؤه- مصدر لها ايضا، وان الاختلات في
الآراء وعدم اجتماع الكلمة سبب لها ايضا، فإذا تبدلت هذه الصفات بأضدادها
فساد الوئام واتفقت الكلمة وتحسن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، كان ذلك من
الأسس الكبرى للسعادة الاجتماعية.
ولا مناقشة لأحد في هذه الصفات. وانما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الطريق هو
قلة الحقائق المدركة للفكرالانساني والمتفق عليها بيئ البشر. إذ كثيرما يختلف
الناس في ان هذه الصفة اوتلك هل هي من أسباب السعادة او لا. ولا يبقى مما
هومتفق عليه إلا حقائق قليلة ذات عموم غيرتطبيقي. ومعه يحتمل ان تكون ا-لقائق
الأخرى غيى المدركة اهم تأثيرا من هذه الحقائق المدركة، كما يحتمل أن يكون
تطبيق الحقائق المدركة تطبيقات خاطئة او غيرمتفق على صحتها على اقل تقدير.
وما هو؟ او من هو الميزان في تشخيص صحتها من فسادها؟!..
الطريق الثاني: الاستلهام من قوله تعالى:
(وما خلقت الجن والانس إلا يعبدون " (1).
حيث دئت الآية على ان الهدف الأساسي من خلق البشرية هو عبادتهم دثه
الخالق القدير تعالى.
ويتم ذلك بالالتفات إلى امرين:
الأمر الأول: إد اللام ي قوله تعالى: " ليعبدود، للغاية لا للعاقبة.
........ !.1!. انظر.- مثلات:. تاريخ الغيبة الكبرى ص 234.
412
وذلك: انه يحتمل في بادىء الأمر منها امران، بحسب المعنى اللغوي لمئل هذه
اللام:
المعنى الأول: أن تكون اللام للغاية، والمراد به الاستهداف العمدي والملتفت
إليه من قبل الفاعل، كقولنا: لدب ولدك صغيرا لتسر به كبيرا. المعنى الثاني:
ان تكون اللام للعاقبة، والمراد حصول النتيجة من دون توقع، او من دون تسبب من
قبل الفاعل. كقوله: لدوا للموت وابنوا للخراب. او بتعبير افضل: يولد الانسان
ليموت ويبني البيت ليخرب. ومن الواضح عدم إمكان انطباق معنى لام العاقبة على
الخالق الحكيم القدير. فيتعيئ أن يكون اللام للغاية. فيكون المراد من الآية
حينئذ: ان هناك استهدافا عمديا في خلق البشرية في أن توجد فيها العبادة.
الأمر الثاني: إعطاء المفهوم الصحيح للعبادة، وقد سبق ان ذكرناه في الكتابين
السابقين من هذه الموسوعة في اكز من مناسبة.
إذن، فقد خلقت البشرية- او الانس- خصيصا من اجل أن يعبدوا الله عز
وجل بمجموعهم تلك العبادة الكاملة... ليس هم فقط... بل الجن ايضا؟ وهذا يدل
على شمول التخطيط، أو وجود تخطيط خاص بالجن، ولكننا بصفتنا بشرا لا نعرف عنهم
شيئا ذا بال.
وقد أشرنا فى الكتاب الثالث من الموسوعة (1): ان هذا المفهوم يعني بالتحديد
إيجاد المجتمع المعصوم برايه العام بل المعصوم بكل افراده، فإن عمق العبادة
وعمومها يقتضي هذا المعنى بالضرورة.
إذن، يمكن القول، بأن تكامل البشرية المستهدف بالتخطيط البشري
العام هو: إيجاد المجتمع المعصوم.
وبهذا أصبحت الفكرة أكـز تحديدا وعمقا مما أنتجه لنا الطريق الأول المعتمد
على استلهام الفكر البشري المجرد. فإن المجتمع المعصوم هو الذي يخلو من
الشحناء والحروب وتضارب الاراء وشحوء الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، على ما
سنرى عند استعراضنا لصفات اليوم الموعود. ولا يمكن أن تتصف تطبيقا لهذه
المفاهيم وأمثالها بالخطأ او الانحراف، بل هو يطبقها بشكلها الصحيح، لحكتبار!كممته.
(1) تاريخ ما بعد الظهرر: الفصل الأول من الباب الأول.
413
ومعه لا تكون الايرادات التي ذكرناها على الطريق الأول واردة على الطريق
الثاني.
-3-
ومن المعلوم وجدانا ان هذا الهدف لم يحصل بعد، إذ لا زالت البشرية تعيش
التعسف والتحكم والحروب والاستغلال والظلم، تحت كل الآراء وا لنظريات.
وحيث لا بد للهدف الأعلى للبشرية أن يتحقق ليرفع الاستغلال والظلم
إلى الأبد... ولا يمكن وجوده بشكل فوري او بزمن قصير، لأن هذا غيرممكن بحسب
الأوضاع أو (القوانين) الطبيعية للكون، كما هو واضح ة واستعمال الخالق القدير
قدرته في إيجاده بالمعجزة خلاف المفروض، كما برهنا عليه في (تاريخ الغيبة
الكبرى) (1)... إذن، يتعين أن يوجد الهدف الأعلى بشكل بطيء وطويل، يستوعب
التقديم والتمهيد له قسما كبيرا من تاريخ البشرية. وحيث لا يكفي التخطيط
الكوني لتربية البشرية بمجرده، و(ن كان يشارك
فيها كما أسلمنا، لأن البشر يتصفون بصفتين اساسيتين لا يمكن للضرورات الكونية
ان تؤثر أثرا مهما يخا تكاملهما، وهما: العقل والاختيار أو قل انهما:
التفكـير وحرية التصرف.
إذن، تحتاج البشرية في إيصالها إلى هدفها الأعلى إلى تخطيط خاص بها،
يكون دعما للتخطيط الكوني، في تربية البشرية، وجزءا منه في الوصول إلى
الأهداف الكونية البعيدة ايضا، كما قلنا.
ومن هنا كانت الضرورة مقتضية لوجود التخطيط لايصال البشرية إلى اهدافها، وان
يكون موجها توجيها خاصا لانتاجها، شأنه شأن التخطيط الكوني، حين تجعل كل
حالات الكون وصفاته موجهة لانتاح أهدافه. ويكون شأن هذا التخطيط كصاحبه ايضا،
في تسخير السببن الأول والثالث من الأ سباب الثلاثة التي أسلفناها لصالحه.
أما السبب الأول وهو التأثير الكوني الاضطراري، فباعتبار كون التخطيط البشري
جزءا من التخطيط الكوني. وحيث تكون التأثيرات الكونية مسخرة في ما هو الأعم،
يكون نفس (1) انظرص 2لا 2.
414
الشىء صادقا بالنسبة إلى الأخص او إلى ما هو من ذلك الأعم.
واما تسخير السبب الثالث، وهو اختيار الأفي!اد،جرية إرادتهم، في سبيل التخطيط
العام للبشرية، فهو تسخير خاص بهذا التخطيط، كما أشرنا، وإنما برتبط بالتخطيط
الكوني، باعتباره جزءا منه.
وقد أشرنا إلى ان (التخطيط البشري " مبتن على الاختيار ومنطلق منه، باعتبار
أن معنى تربية البشرية وتكاملها الذي هو المعنى الأساسي الذي يوصلها إلى
اهدافها. ان معنى التربية فسح المجال للفرد او المجتمع ان يتحرك وان يستنتج
وان يتعلم، لكي يتكامل عن هذا الطريق، ويكون سائرا قدما إلى تلك الأهداف. ومن
المعلوم ان الجبر او القسر في أفعال الانسان لايوجب له تكاملا ولا نموا، لأن
افعاله في نفع الاخيرين، مثلا، غير منسوبة إليه إلا مجازا، وإنما هي بنت
الضرورات الكونية ليس إلا، على حين لا يتكامل الفرد إلا إذا كان الفعل قد
أصدره عن قناعة وطيب خاطر في سبيل نفع الآخرين.
يمكن تقسيم السلوك الارادي إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: ما يكون منسجما مع الأهداف الكونية العامة، فإن السلوك
الالمحتياري بصفته جزءا من الكون ومشاركا في التخطيط الكوني العام، وبالأخير
مع الأهداف الكونية البعيدة، يتصف قسم من هذا السلوك، بأنه منسجم مع تلك
الأهداف ومتجاوب مع التخطيط السائر إليها ومشارك في تيسير الوصول إليها،
مشاركة ولوضعيفة. هذا النوع من السلوك هو الذي يوصف بكونه عادلا أو كاملا أو
صالحا. باعتبار انسجامه مع تلك الأهداف، التي هي كاملة وعادلة وصالمحة،
بالضرورة، ولا يمكن إلا ان تكون كذلك باعتبار أن فكرة الاستهداف وافتراض تلك
الأهداف، صادر من حكمة وقدرة عادلة وكاملة بالضرورة، كما هو المفروض.
القسم الثاني: ما يكون منافرا مع الأهداف الكونية، ومعيقا- بطبيعته- لحدوثها،
ولو بدرجة ضعيفة. وهو السلوك ا. لذي يوصف بكونه ظالما أومنحرفا او طالحا.
ومن هنا لزم أن يكون جميع الأفراد، وهم مختارون في سلوكهم، متصفين بالسلوك
المنسجم مع الأهداف الكونية ط وهومعنى المجتمع المعصوم الذي اشرنا
415
الشيء صادقا بالنسبة إلى الأخص أو إلى ما هو من ذلك الأعم.
وأما تسخير السبب الثالث، وهو اختيار الأفي!اد "جرية إرادتهم، في سبيل
التخطيط العام للبشرية، فهو تسخير خاص بهذا التخطيط، كما اشرنا، وإنما برتبط
بالتخطيط الكوني، باعتباره جزءا منه.
وقد أشرنا إلى ان (التخطيط البشري لما مبتن على الاختيار ومنطلق منه، باعتبار
ان معنى تربية البشرية وتكاملها الذي هو المعنى الأساسي الذي يوصلها إلى
اهدافها. ان معنى التربية فسح المجال للفرد او المجتمع ان يتحرك وان يستنتج
وان يتعلم، لكي يتكامل عن هذا الطريق، ويكون سائرا قدما إلى تلك الأهداف. ومن
المعلوم ان الجبر أو القسر في أفعال الانسان لايوجب له تكاملا ولا نموا، لأن
أفعاله في نفع الاخيرين، مثلا، غير منسوبة إليه إلا مجازا، و(نما هي بنت
الضرورات الكونية ليس إلا ة على حين لا يتكامل الفرد إلا إذا كان الفعل قد
اصدره عن قناعة وطيب خاطر في سبيل نفع الاخرين.
يمكن تقسيم السلوك الارادي إلى قسميئ رئيسحن:
القسم الأول: ما يكون منسجما مع الأهداف الكونية العامة، فإن السلوك
الالختياري بصفته جزءا من الكون ومشاركا في التخطيط الكوني العام، وبالأخير
مع الأهداف الكونية البعيدة، يتصف قسم من هذا السلوك، بأنه منسجم مع تلك
الأهداف ومتجاوب مع التخطيط السائر إليها ومشارك في تيسير الوصول إليها،
مشاركة ولوضعيفة. هذا النوع من السلوك هو الذي يوصف بكونه عادلا أو كاملا او
صالحا. باعتبار انسجامه مع تلك الأهداف، التي هي كاملة وعادلة وصالمحة،
بالضرورة، ولا يمكن إلا ان تكون كذلك باعتبار أن فكرة الاستهداف وافتراض تلك
الأهداف، صادر من حكمة وقدرة عادلة وكاملة بالضرورة، كما هو المفروض.
القسم الثاني: ما يكون منافرا مع الأهداف الكونية، ومعيقا- بطبيعته- لحدوثها،
ولو بدرجة ضعيفة. وهو السلوك ا- لذي يوصف بكونه ظالما اومنحرفا أو طالحا.
ومن هنا لزم أن يكون جميع الأفرااد، وهم مختارون يخا سلوكهم، متصفيئ بالسلوك
المنسجم مع الأهداف الكونية ط وهومعنى المجتمع المعصوم الذي اشرنا
415
إليه. ومن هنا اكتسب التخطيط العام للبشرية أهميته بالنسبة إلى الأهداف
الكونية وتخطيطاتها، ومن هنا كان لزاما على التخطيط (البشري " ان يستهدف ذلك
المجتمع.
واما القسم الثاني من السلوك، فقد يبدو أن وجوده في الكون عامة وقي
البشرية بصفتهأ جزءا مق الكون، مستحيل... لما قلنا من ان كل ما يكون منافرأ
مع الأهداف الكونية، بل بمجرد ان لا يكون واقعا في طريقها، فإن الكون
بالضرورة خال منه.
وهذا امر صحيح، لولا ما سوف نعرفه من مشاركة السلوك الظالم فى إيجاد المجتمع
المعصوم، ! ومن ثم يكون مشاركا في إيجاد الأهداف الكونية العامة بشكل وآخر؟
إلا أنها مشاركة مرحلية وموقتة، على ما سنعرف.
وقد يخطر في الذهن، ان المجتمع المعصوم إذا كان دخيلأ في الأهداف الكونية،
لزم وجوده من أول عمر البشرية حتى تكون مشاركته أطول وأعمق. والجواب على ذلك:
ان البشرية وجدت ناقصة لعدة أسباب أهمها سببان:
الأول: ان الكون الذي أنتج البشرية لا يزال ناقصا، والناقص لا ينتج الكامل.
رانثاني: ان التربية الاختيارية بعد النقصان تكون أفضل ني نتائجها من
التربية القسرية، كما لو وجدت البشرية راسا معصومة بدون اختيارها. وقد برهنا
على ذلك في تاريخ ألغيبة الكبرى (1ا. ومن ئم يكون هذا الأسلوب هو الأفضل في
الأهداف الكونية.
وسيكون لمشاركة المجتمع المعصوم في الأهداف الكونية زمان طويل بعد وجوده.
ومن هذه الزاوية تماما نفهم اهمية التربية البشرية في كلا التخطيطيئ الكوني
والبشري، فانها هي التي توصل بالتدرج إلى السلوك الكامل، ومن ثم إلى المجتمع
المعصوم.
(1) انظرص 243 وما بعدها.
416
11
نسبة إلى الأهداف - س ي " أن يستهدف
في الكون عامة وفي ن أن كل ما يكون ا في طريقها، فإن
!لوك الظالم في إيجاد كونية العامة بشكل دخيلا في الأهداف شه أطول و) عمق. !دة
أسباب أهمها
، والناقص لا ينتج
غمل في نتائجها من . ن اختيارها. وقد هذا الأسلوب هو
بة زمان طويل بعد
التخطيطين الكوني مل، ومن ثم إلى
ومن الواضح، كما قلنا في الأجزاء السابقة لهذا الكتاب (1) ان تربية المجتمعات
ومن ثم البشرية بمجموعها، لا يمكن ان تكون بيئ كشية وضحاها، ولا في حفنة من
السنين، بل تحتاج إلى امد متطاول، وتجارب قاسية وجهد متواصل.
فالفرد لا يكون رشيدا وكاملا، إلا بعد مجموعة من السنين وتعلم طويل وتجارب
مريوة. فإن اريد منه ان يكون فردا نموذجيا، احتاج إلى زمن اطول وتجارب اقسى.
فكيف بالهدف البشري الذي يعد فيه الأفراد بالملايين على مختلف المستويات
والعقليات والثقافات، ويراد- مع ذلك- إيجاد مستوى اعلى من المستوى الفردي
والاجتماعي الموجود في أي منها. فأي مقدار من السنين، واي تجارب قاسية وأي
جهود مضنية يجب ان تمر بها البشرية لتصل إلى ذلك الهدف، وأي مقدار من
التضحيات يجب إن تقدم في سبيل ذلك؟.
والتربية تتكون من عنصرين أساسيين:
العئصر الأول: معرفة الفرد بالأسلوب الصحيح للسلوك. كل بحسب
وجهة نظره، وينبغي لنا أن نقصد بالأسلوب الصحيح ما كان منسجما مع التخطيطين
العامن واهدافهما.
العنصر الثماني: تطبيق تلك الصرفة في عالم الحياة، فإن المعرفة وحدها غير
كافية في الانسجام مع الهدف الأعلى، بل لا بد ان يوجد للفرد درجة كافية من
الاخلاص وقوة الارادة، بحيث يهتم بتطبيق تلك المعرفة على سلوكه، وتقديمها على
سائر الدوافع والمقتضيات.
ونحن إذا نظرنا من ناحية بشرية عامة، وجدنا ان الخالق القدير الذي استهدف
فيها تلك الأهداف، وفر لها كلا هذين العنصرين. اما توفير المعرفة فيتمثل
بالعقل أولا، وبالنبوات ثانيا، واما لوفير قوة الارادة والاخلاص، فيتمثل في
جو التجارب القاسي الذي تمر به البشرية، ليجعلها في نهاية المطاف، مهتمة
اهتماما واقعيا وعميقا بالتطبيق الصحيح الكامل. وسندخل فى تطبيق ذلك بعد
قليل.
ومن هنا عرفنا إجمالا: أهمية التشريع وأهمية النبوات، وأهمية التجارب في
(1) انظر: تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأول من الباب الأول من القسم الأول.
27
417
تربية البشرية والتخطيط البشري العام، ومن ثم في التخطيط الكويى واهدافه. وقد
ذكرنا أن كل ما يمت إلى تلك الأهداف بصلة فهو موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا
يكون موجودا، وتعمل الأسباب والقوانن الكونية، بل وا لمعجزات- ا حيا نا- لا
يجا ده.
ويمكننا أن نقارن هذه الأسس الخاصة للتخطيط البشري بالمادية التاريخية، فنحصل
بهذا الصدد على عدة حقائق.
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام اكـز استيعابا لفهم التاريخ وحوادثه
وتطوراته من المادية التاريخية.
فاننا سبق أن عرفنا أن عددا من حوادث التاريخ غيرمنطبقة على النظرية
المادية في حين نجد ان التخطيط شامل بالضرورة لكل حوادثه. فان سلوك الأفراد
الذي هو المكون الأساسي للتاريخ (باعتبار ان التاريخ مفهوم أو فكرة متحصلة من
مجموع تصرفات الأفراد)، ينقسم سلوكهم إلى اربعة أقسم-، منها: القسمين اللذين
عرفناهما في الفقرة الرابعة من هذه الأسس الخاصة. فإذا لخصناهما مختصرا،
نقول:
القسم الأول: السلوك القهري الذي ينتج من مؤثرات كونية اضطرارية، كالسقوط من
شاهق. وهذا السلوك خارج بطبيعته عن التخطيط البشري المبتني على الاختيار،
وإنما هو تابع بصفته القسرية للتخطيط العام. القسم الثاني: السلوك الاختياري
المنسجم مع الأهداف المقصودة للبشرية، وهو القسم الأول من القسمين السابقين.
ويشمل كل الأعمال والأقوال الخيرة والصالحة في التاريخ كمعونة المحتاجين
والتضحية في سبيل الغير.
|