كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي

كتاب اليوم الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر

المفهوم الطبقي لدى الماركسية
أسندت الماركسية اسلوب تطوير المجتمع بوسائل الانتاج أو قوى الانتاح طبقا لمفهومها الديالكتيكي العام، إلى الأسلوب الذي عبر عنه ماركس قائلا:
لا وعندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة معينة في تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الانتاج الموجوده أو مع علاقات الملكية- وليست هذه سوى التعبير الحقوقي لتلك- تلك العلاقات التي كانت تتحرك ضمنها القوى المنتجة إلى ذلك الحيـن. فبعد ان كانت هذه العلاقات أشكالا لتطور القوى المنتجة، تصبح قيودا لهذه القوى، وعندئذ ينفتح عهد الثورات الاجتماعية، فإن تغير الأساس الاقتصادي يزعزع كل البناء العلوي الهائل على صور مختلفة من السرعة او البطء)) (1).
إن قوى الانتاح أسرع تطورا من علاقات الانتاج. قال ستالين:
لا فالقوى المنتجة هي إذن اكثر عناصر الانتاج حركة وثورة. ففي بادىء الأمر تتعدل القوى المنتجة وتتطور. وبعدئذ، تبعا لهذه التعديلات وطبقا لها، تتعدل علاقات الانتاج بين الناس، أي علاقاتهم الاقتصادية " (2).
ثم قال:
" فمهما تتأخر علاقات الانتاج عن تطور القوى المنتجة، فلا بد من أن ينتهي الأمر
- وهو فعلا ينتهي- بالمطابقة بينها وبين مستوى تطور القوى المنتجة، وأن تتخذ طابعا يلائم طابع هذه القوى المنتجة، والا تعرضت الوحدة إلى خطر التفكك، فيودي إلى حدوث انقطاع في مجموع الانتاج إلى تجمع في نظام الانتاج، بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، إلى وقوع أزمة في الانتاج، إلى تحطيم القوى المنتجة (3 ).
(1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 47.
(2) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 45.
(3) المصدر والصفحة.
118
ثم قال :
" ان الأزمات الاقتصادية، التي تؤدي إلى تحطيم القوى المنتجة، هي نتيجة لهذا الخلاف- يعني بين علاقات الانتاج وطابع القوى المنتجة-.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا الخلاف نفسه هو الأساس الاقتصادي للثورة الاجتماعية المدعوة إلى هدم علاقات الانتاح الحالية، وخلق علاقات جديدة مطابقة لطابع القوى المنتجة ) (1).
وهنا تقول الماركسية كلمة رئيسية في منطقها الديالكتيكي، و فهمها للمادية التاريخية. بالرغم اننا لا نجد في المصادر الماركسية التصريح بها كقاعدة عامة، إلا نادرا، وإنما نجد إسهابا في تطبيقها على عهود المادية التاريخية، وخاصة في نقدها للوضع الرأسمالي. وسنسمع تطبيقاتها بعد ذلك.
واما هنا، فينبغي أن نسمع القاعدة العامة، مستقاة من كلام ستالن
حين يقول:
" فإن تطور القوى المنتجة والتغيرات في ميدان علاقات الانتاج تجري خلال مرحلة معينة، بصورة عفوية مستقلة عن إرادة الناس. ولكن ذلك لا يدوم إلا إلى حين، أي إلى أن تصبح القوى المنتجة التي برزت وأخذت تتطور في درجة معينة كافية من النضج. فعندما تبلغ القوى المنتجة الجديدة حد النضج، تتحول علاقات الانتاج الموجودة والطبقات التي تمثلها، إلى حاجز كؤود لا يمكن إزاحته من الطريق إلا بالنشاط الواعي للطبقات الجديدة، وبعملها العنيف أي بالثورة.
ويظهر إذ ذاك بشكل رائع الدور العظيم الذي تلعبه الأفكار الاجتماعية والمؤسسات السياسيه الجديدة المدعوة إلى إلغاء علاقات الانتاج القديمة ومحوها بالقوة. فإن حاجات المجتمع الاقتصادية وعلاقات الانتاح القديمة، كل ذلك، يولد أفكارا اجتماعية جديدة " (2).
وقد بدأ الفصل الأول من البيان الشيوعي بالقول:
لا إن تاريخ كل مجتمع إلى يوما هذا، لم يكن سوى تاريخ نضال بين الطبقات.
فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الاقطاعي والقن، والمعلم والصانع، أي بالاختصار، المضطهدون والمضطهدون، كانوا في تعارض دائم، وكانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة وتارة مستتره. حرب كانت تنتهي- دائما- إما بانقلاب ثوري يشمل
(1) الممدرص 46.
(2) المصدر السابق ص 60.
119

المجتمع بأسره، واما بانهيار الطبقتن المتناضلتين معأ! (1).
ثم يبدأ مؤلفا هذا البيان، بتطبيق مفهوم هذا الصراع على عهود التاريخ، كما تفهمها المادية التاريخية.
-3-
ومن هذه الزاوية يكون كلام انجلز صحيحا، حين يقول :
(( لا، ثبت- بالنسبة للتاريخ الحديث على الأقل- ان كل نضال سياسي هو نضال طبقي، وان كل نضال تخوضه الطبقات من اجل تحررها، رغم شكله الذي هو بالضرورة سياسي- لأن كل نضال طبقي هو نضال سياسي- هو بالنتيجة نضال لأجل التحرر الاقتصادي ".
ومن الطبيعي، طبقا لهذا التسلسل الفكري، ان يكون المجتمع منقسما إلى طبقتين فقط، إذ بعد تطور قوى الانتاح بشكل أسرع من علاقات الانتاج، توجد طبقة " رجعية، تمثل علاقات الانتاج التي أصبحت قديمة، وتصبح هي الطبقة الظالمة المضطهدة- بالكسر- ويكون إلى جنبها طبقة مرتبطة مصلحيا بالشكل الجديد لوسائل الانتاح، وما تقتضيه هذه من علاقات إنتاج... وتصبح هذه الطبقة هي الكثرة المضصهدة- بالفتح- في المجتمع، وتبدأ بالصراع الطبقي من اجل السيطرة على الطبقة القديمة وإزالتها من الوجود عن طريق الثورة.
وهنا يوجد فهمان متعاكسان للماركسية في تحديد الوجود الطبقي في المجتمع:
الفهم الأول: ان الطبقة المضطهدة- بالفتح- بصفتها تقدمية وثورية، وعلى الأخص: باعتبارها موافقة مع الشكل المتطور من وسائل الانتاج... سوف يكتب لها النجاج حتما، فتزيل الطبقة القديمة الرجعية وتحل محلها.
وتعيش هذه الطبقة فترة، حتى ما إذا وصلت وسائل ألانتاج، في مجتمعها إلى حد النضج، أصبحت هذه الطبقة- بدورها- رجعية، لأنها تصبح ممثلة للعلاقات الانتاجية القديمة، وتوجد ضدها طبقة جديدة
(1) البيان الشيوعي لماركس وانجلزص 36.
120

تقدمية، تمثل قوى الانتاج التي جاءت إلى الولادة من جديد.
وهذا الفهم هو الموافق مع التسلسل الفكري النظرية للماركسية، وله
شواهد من كلام الماركسيين.
وقد طبقته الماركسية في انتقال المجتمع من عهد الاقطاع إلى عهد الراسمالية الأولى، فإن الطبقة الفقيرة في عهد الاقطاع، هي التي اصبحت راسمالية بعد ذلك. على ما سوف نسمع بعد ذلك.
الفهم الثاني: إن الكثرة الكاثرة، من سكان المجتمع، هي دائما - في المجتمع الطبقي- الطبقة المضطهدة- بالفتح-، فهم في عهد الرق ارقاء وفي عهد الاقطاع فلاحون اقنان، وفي عهد الراسمالية عمال بروليتاريون.
والاعتراض الوارد على الفهم الأول من زاوية الفهم الثاني، هو:
ان الطبقة المضطهدة- بالفتح- حينما تكون كثيرة، أو ممثلة للأكثرية الكاثرة، كيف تصبح مضطهدة- بالكسر، إن هذا مخالف لوضع المجتمعات تاريخيا... ولا يحتوي- لو حصل- على ظلم أو إجحاف كبير لأن حكم الأقلية من قبل الأكثرية، كأنه واضح الممنوعية، وقد أقرته الماركسية في اكثر من عصر من عصورها الاشتراكية، على ما سنسمع.
وهذا الاعتراض لايرد على الفهم الثاني، لأن الأكثرية، هنا مضطهدة- با لفتح- با ستمرا ر.
والاعترإض الوارد على الفهم الثاني من زاوية الفهم الأول: انه كيف يمكن لأكثرية الشعب، وهم اشخاص بأعيانهم، أن يكونوا ممثلين لأكئر من مرحلة واحدة من مراحل تطور وسائل الانتاج، وما تقتضيه هذه من علاقات. إن الفرد لا يمكن ان يكون نصيرا إلا لمرحلة واحدة من هذا التطور، طبقا للنظرية فكيف اصبح الفرد- الممثل للأكثرية- نصيرا لوسائل الانتاج الجديدة باستمرار.
وبالرغم من ذلك، فإن الماركسية طبقت الفهم الثاني، على انتقال المجتمع من عهد الرق إلى عهد الاقطاع، فإن الاقنان أنفسهم اصبحوا فلاحين، ولم يصبحوا إقطاعيين، كما هو المتوقع في الفهم الأول، وهذا ما سنسمع تطبيقاته في الفصل الاتي أيضا.
121

ومع تذبذب الفهم الماركسي بين هذين الوجهين المتعارضين، وورود الاعتراض على كل منهما من زاوية النظرية الماركسية نفسها، لا يبقى لأصل هذه الفكرة التي يتفرع عنها الوجهان... قيمة واقعية.
إن النظرية الماركسية، بالرغم من انها أكدت على انقسام المجتمع إلى طبقتين لا اكثر، لم تستطع في نفس الوقت إنكار وجود طبقات اخرى، لكنها إعتبرتها طبقات ثانوية غير رئيسية.
قال انجلز: في صدد حديثه عن انكلترا وفرنسا:
" ومنذ عام 1835 اعترف في هذين البلدين بالطبقة العاملة، البروليتاريا مناضلة
ثالثة من أجل السيطرة. وقد بلغت درجة من البساطة بحيث أن الناس الذين اغمضوا عيونهم عمدأ وحدهم الذين لم يستطيعوا ان يروا في نضال هذه الطبقات الثلاث الكبرى وفي تصادم مصالحها تكمن القوة المحركة لكل التاريخ الحديث، (1).
وظاهر هذا الكلام انقسام المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية من أول الأمر:
وقال البيان- الشيوعي:
" وخلال العهود التاريخية السابقة نجد المجتمع في كل مكان تقريبا منظما تنظيما متسلسلا، والأوضاع الاجتماعية على مراتب ودرجات متفاوتة ،ففي روما القديمة نجد النبلاء ثم الفرسان ثم العامة ثم الارقاء ،في القرون الوسطى نجد الاقطاعيين الأسياد ثم الاقطاعين الأتباع، ثم المعلمين ثم الصناع ثم الاقنان. ونجد تقريبا داخل كل طبقة من هذه الطبقات مراتب ودرجات خاصة " (2)
وهذا الكلام واضح كل الوضوح بانقسام المجتمع إلى طبقات عديدة، سواء في عهد الرق (في روما) او في عهد الاقطاع (في القرون الوسطى). ثم يقول:
" إلا أن الذي يميز عصرنا الحاضر، عصر البورجوازية، هو أنه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة: فان المجتمع آخذ في ألانقسام اكثر فأكثر إلى معسكرين فسيحـين متعارضة،، إلى طبقتين كبيرتين، العداء بينهما مباشر هما البورجوازية والبروليتاريا " (3).
(1) لودفيج فورباخ: انجلزص 58 وانظر ايضا نصوص مختارة انجلزص 159.
(2) ص 38.
(3) نفس الصفحة من المصدر.
122

وقال كوفالسون:
" إن البنية الطبقية لكل مجتمع هي عبارة عن لوحة معقدة جدا. وتحليلها يفترض
في المقام الأول ان نفرز في المجتمع المعني: الطبقات الأساسية التي تفصح العلاقات بينها عن الخط الرئيسي لتطوره. وعلاوة على ذلك ينبغي ان نأخذ بالحسبان أنه توجد كذلك، عادة، في المجتمع طبقات غير أساسية مرتبطة بوجود مختلف النماذج الاقتصادية " (1).
ثم قال: " والحرفيون وصغار التجار والفلاحون، يمثلون النموذج الاقتصادي البضاعي الصغير. والفلاحون في المجتمع الرأسمالي هم طبقة وسطية غير اساسية، وموجودة في جميع البلدان تقريبا. وهي تنحل بتأثير العلاقات الرأسمالية، فارزة البورجوازية الريفية والبروليتاريا الريفية. وفي جملة من البلدان توجد طبقة كبار ملاكي الأراضي، الذين يلجأون إلى بقايا أشكال الاستثمار الاقطاعية، علاوة على أشكال الاستثمار الراسمالية. وفضلا عن الرأسماليين والعمال والبرجوازية الصغيرة، توجد كذلك في المجتمع الراسمالي فئة كبيرة من المثقفين والمستخدمين. فإن هؤلاء لا يملكون وسائل الانتاج ولا يصنعون الخيرات المادية، ولهذا لا يشغلون مكانا مستقلا في نظام الانتاج " (2). -6-
وقد اسندت الماركسية كل الظواهر الاجتماعية إلى التناحر الطبقي،
نشرح أهمها فيما يلي بالتفصيل:
فمن ذلك، وجود الدولة:
وتستقرىء الماركسية نشوء الدولة من أول أمرها، في تاريخ البشرية، حتى تصل بها إلى العصر الحديث. وسنواكب هذا الاستقراء في الفصل الاتي عند الحديث عن عهود المادية التاريخية، الذي يمثل الكيان الأساسي لهذه النظرية الماركسية.
والمهم في المقام ان نعرف وجهة نظر الماركسية عن الدولة من حيث نشأتها ودورها بعد وجودها.
قال انجلز:
" وبما ان الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات، وبما أنها قد نشأت ضمن الاصطدامات بين هذه الطبقات. فهي كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى السائدة اقتصاديا، والتي تصبح عن طريق الدولة السائدة سياسيأ أيضا. وتكتسب على هذه
(1) المادية التاريخية: كوفالسون ص 195.
(2) المصدر والصفحة.
123

الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة المظلومة واستثمارها.
فإن الدولة القديمة كانت، قبل كل شيء، دولة مالكي العبيد لقمع العبيد،
الدولة الاقطاعية هيمة النبلاء لقمع الفلاحين التابعين والأقنان. كذلك الدولة التمثيلية الحديثة هي أداة لاستثمار العمل المأجور من قبل راس المال " (1).
وقال- أيضا- عن الدولة:
"إنها لا تؤلف ميدانا مستقلا ولاتتطور بصورة مستقلة، بل يتوقف وجودها وتطورها آخر الأمر، على الظروف الاقتصادية لحياة المجتمع " (2).
وهي أيضا ليست سوى تعبير مكثف عن الحاجات الاقتصادية السائدة في الانتاج " (3).
وقال أيضا:
" إن الدولة تبدو لنا أول قوة فكرية فوق الانسان، فإن المجتمع ينشىء جهازا لحماية مصالحه المشتركة من الهجمات الداخلية والخارجية. وهذا الجهاز هو سلطة الدولة. وما أن يولد حتى يجعل نفسه مستقلأ عن المجتمع، وينجح في ذلك بقدر ما يصبح جهاز طبقة معينة واحدة، وبقدر ما يحقق سيطرة هذه الطبقة بصورة مباشرة. ونضال الطبقة المضطهدة ضد الطبقة الحاكمة يصبح بالضرورة نضالأ سياسيا نضالا موجها قبل كل شيء ضد السيطرة السياسية لهذه الطبقة. وادراك الصلة بين هذا النضال السياسي وقاعدته الاقتصادية يقل، وفي بعض الأحيان يختفي تماما. ولكنه إذا كان لايختفي دائما عند المناضلين، فإنه ينعدم غالبأ عند المؤرخين.
... غير أن الدولة، حينما غدت قوة مستقلة إزاء المجتمع، أحدثت حالا إيديولوجية جديدة، والمقصود هنا بالضبط أن العلاقة مع الوقائع الاقتصادية تختفي بصورة تامة عند محترفي السياسة واصحاب نظريات قانون الدولة، وحقوقي القانون المدني. وفي كل حالة خاصة ينبغي للوقائع الاقتصادية ان تأخذ شكل أسباب حقوقية من أجل أن يصادق عليها القانون. ومن البديهي انه ينبغي عند ذلك حسبان الحساب الكامل نظام القانون القائم، ولذلك يبدو الشكل الحقوقي كأنه كل شيء، أما المحتوى الاقتصادي، فلاشيء" (4).
-7-
ومن ذلك: وجود الدين.
(1) أصل العائلة: انجلزص 227.
(2) لودفيج فورباخ: انجلزص 60.
(3) المصدر نفسه ص 61.
(4) المصدرص 61.
124

إن الماركسية، لم تستطع ان تؤكد بوضوح ارتباط الدين بالوجود الطبقي في المجتمع، وإن مالت إلى ذلك كل الميل. وذلك لوجود عقبة كؤود دون ذلك، وهو وجود الدين في عصور بشرية متقدمة جدا. وفي تلك العصور لم تكن الطبقية موجودة، قي نظر الماركسية، لوجود المجتمع الشيوعي البدائي في ذلك الحين. إذن، فمن المتعذر القول: بأن الدين نشأ من الوجود الطبقي.
نعم، رأت الماركسية: ان الدين اصبح- بعد وجوده- احد الأساليب الرئيسة التي تستعملها الطبقات في الصراع فيما بينها:
قال انجلز:
" إن الدين قد ولد في عصور بدائية من تخيلات الناس الجاهلة الغامضة البدائية عن طبيعتهم ذاتها، وعن الطبيعة الخارجية التي تحيط بهم (1).
وقال بوليتزر عن المراسيم الدينية:
" انها تعبر جميعا عن معطى معين حقيقي عن الفعل الانساني! ألا وهو عجزه النسبي الكبير في مطلع الانسانية وهو عجز أمام الطبيعة، ذلك العجز الذي يتعلق بنمو الانتاج الضعيف. وهو أيضا عجز أمام الظواهر الاجتماعية إلذي يتعلق الاضطهاد الطبقي وفقدان الأمل وضعف الوعي الاجتماعي.
يعرف كل واحد منا أن على المراسيم الدينية ان تضمن النجاج والفوز، في الأعمال " والانتصار على العدو، وأن تعود بالسعادة الأبدية... وهكذا تبدو الديانة كأنها وسيلة يستخدمها الانسان لبلوغ أهدافه، وهي مراسيم تتعلق بجهل أسباب شقائه، او سعيه نحو السعادة " (2).
" إن الديانة لما كانت تتولد من الجهل فإنها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية، فتعمل بذلك على ستر الواقع وإسدال الستار على التفسير الموضوعي للظواهر ولهذا كان الرجل المتدين مناوئأ لمبادىء العلم التي هي من عمل الشيطان، لأنه حريص على أوهامه.
وتستخدم الطبقات المستغلة هذه الخاصية، لاهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة... فهي بحاجة إلى سلبية هذه الطبقات وجمودها، كي يستمر إضطهادها، كـما انها بحاجة لخضوعها وايمانها بالقضاء المحتوم، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر وهكذا
(1) لودفيج فورباخ: انجلزص 64.
(2) أصول الفلسفة الماركسية: جررج بوليتزر وآخرين ص 241.
125

يعرض الأمل والعزاء بدخول الجنة، على أنها تعويض عما بذلته الطبقات الشعبية من تضحيات على الأرض. فيتحول الاعتقاد بخلود النفس، الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة، إلى أمل بالخلاص في الآخرة.
استخدمت الديانة، إذن، منذ اقدم العصور كقوة فكرية " للمحافظة على النظام وكأفيون للشعب، حسب قول ماركس، بالرغم من أن الطبقات الحاكمة المـتنيرة لم تعد تعتقد بأية كلمة من النظريات التي كانت تعمل على استمرار تأثيرها في الطبقات ا لكادحة " (1).
هذا ما قالته الماركسية عن الدين من الزاوية التاريخية، وهناك مناقشات فلسفية او عقائدية، لا مجال لسردها ونقاشها في هذا البحث. وستأتي بعض التفاصيل لدى التعرض إلى الهيكل الأساسي للمادية التاريخية.
ومن ذلك: وجود الفلسفة والعلوم عموما. فهي مستندة في وجودها وتطورها إلى وسائل الانتاج.
وقد اكدت الماركسية بهذا الصدد، على عدة نقاط:
النقطة الأولى: ما سمعناه من انجلز: من ان التطور السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والأدبي والفني، يستند إلى التطور الاقتصادي (2) .
النقطة الثانية: ما سمعناه عن لينين من انه انتقد الموضوعية واللاتحيز انتقادا حادا، واعتبرها شكلا مستورا ومقنعا للتعبير عن الحزبية (3).
النقطة الثالثة: إنكار الحقيقة المطلقة بالمرة، وان الحقائق دائما نسبية.
قال انجلز:
"كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية، وعن أوضاع الانسانية المطلقة المناسبة لها. فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية شيء نهائي مطلق مقدس. إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء... " (4).
النقطة الرابعة: ان المعارف والعلوم عموما ناشئة من المصلحة.
(1) المصدر ص 243.
(2) انظر: نصوص مختارة، لانجلزص 179.
(3) المادية التاريخية: كيللة، كوفالسون ص 28.
(4) لودفيج فوربغ: انجلزص 10.
126

" ويقوم بين المعرفة والمصلحة تطابق، وتتجلى المصلحة في السعي وراء المعرفة الحقيقية. ولكن إذا تناقضت المصلحة والمعرفة نشأت الخرافات والأوهام. والتصورات المشوهة عوضا عن العلم. ان المصلحة إنما هي قوة جبارة. ولو أن البديهيات الهندسية أو النظريات الهندسية- مثلا- كانت تناقض مصالح معينة، لتواجد بكل تأكيد، أناس يعمدون إلى دحضها" (1).
النقطة الخامسة: إن النظرية الماركسية نفسها حزبية:
قال كوفالسون:
" إن العلم الاجتماعي الماركسي يربط نفسه على المكشوف بمصالح الطبقة العاملة، بالنضال من أجل تحرير الكادحين من الاستثمار، بتحرك المجتمع نحو الاشتراكية والشيوعية. وفي هذا تقوم حزبيته " (2).
النقطة السادسة: إن الماركسية أكدت على قانون الديالكتيك، الذي يتضمن ان كل شيء متضمن لنفيه ولنفي النفي ايضا، الذي هو معنى الأطروحة والطباق والتركيب. وقد عرفنا ذلك مفصلا.
وإذا كان هذا القانون شاملا لكل الأشياء، إذن فهو شامل للفكر الماركسي، بكل تفاصيله أيضا، وإلا لم يكن قانون الديالكتيك عاما بطبيعة الحال.
وإذا شمل هذا القانون الفكر الماركسي، فسوف يؤول إلى الانتفاء والتغييب، لا محالة. لأننا إما أن نفرض هذا الفكر، اطروحة أو طباقا أو تركيبا. ولا شيء غيرذلك.
فإن فرضناه أطروحة، كان الطباق نافيا له، فضلا عن التركيب.
وإن فرضناه طباقا، باعتباره نفيا للفكر السابق عليه، كان التركيب فكرا غير الأطروحة والطباق، او غير الفكر القديم والفكر الماركسي معا. وإن فرضناه تركيبا، كان التركيب بدوره أطروحة يحتوي على نفيه لا محالة، لوضوح ان الديالكتيك لا يكف عن العمل بعد إنجاز (التركيب) لا محالة. إذن، فالفكر الماركسي ينتفي حتما ويتبدل إلى غيره، طبقا للقانون الماركسي نفسه.
النقطة السابعة: إن الفلسفة والعلوم جميعا إذا كانت من نتاح التطور الاقتصادي- كما سمعنا من انجلز- فهذا لا يعني، فقط، ان العلوم تكون
(1) المادية التاريخية: كيللة، كوفالسون صر 26.
(2) المادية التاريخية: كيللة، كوفالسون.
137

مسببة لهذا التطور، كما فهمناه من النقطة الأولى، بل يعني انها تتطور بتطورها ايضا. فإذا عرفنا، بالاضافة إلى ذلك، ان الفكر الماركسي وجد في عصر الرأسمالية، وكان الوضع الاقتصادي الرأسمالي في عصر الراسمالية، وكان الوضع الاقتصادي الرأسمالي مسببا له... إذن، فسوف يتغير بتغير هذا الوضع، ولا يمكن أن يكون له بقاء واستمرار بعد زوال الراسمالية طبقا لنفس القاعدة الماركسية. فإن كان لها بقاء، كان ذلك نقطة ضعف في القاعدة الماركسية للتطور نفسها.
فهذه سبعة نقاط ماركسية، تدل على سبعة نقاط ضعف في الفكر الماركسي على الخصوص، وفي الفلسفة والعلوم كلها على وجه العموم. والماركسية اعترفت بهذه النقاط كلها، في الفلسفات والعلوم كلها، وانكرتها في الفكر الماركسي نفسه ... فالفكر الماركسي في نظر الماركسيبن، يدل على الواقع الموضوعي نفسه، وهو مرآة صادقة عنه. فإنه يرسم بصورة موضوعية لوحة عن الواقع، ونسبة القوى، والتناقضات القائمة واتجاهات التطور
ومن ذلك: وجود الأخلاق.
قال انجلز:
" ولهذا فإننا نرفض كل طمع بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون إضافي سرمدي نهائي، لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة ان لعالم الأخلاق، هو أيضا مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية. فنحن نؤكد- بالعكس- ان كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها. وكما ان المجتمع قد تطور اليوم ضمن تعارضات طبقية، فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقا طبقية: أما انها كانت تبدو سيطرة ومصالح الطبقة السائدة، واما انها كانت منذ ان تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين.
وأضاف:
"وما من شك أن تقدما قد حدث مع هذا إجمالا- بالنسبة للأخلاق، كما بالنسبة لجميع فروع المعرفة البشرية الأخرى. ولكننا لم نتجاوز بعد الأخلاق الطبقية. ولن يصبح ممكنا وجود اخلاق إنسانية حقأ موضوعة فوق التعارضات الطبقية وذكراها،
(1) المصدر نفسه ص 26.
128

إلا في مستوى للمجتمع لا يكون قد تم فيه فقط التغلب على التعارض الطبقي، بل يكون قد نسي فيه أيضا في ممارسة الحياة اليومية، ماذا كان هذا التعارض ، ويعتبر انجلز كثرة التطورات الأخلاقية وتعددها وتعارضها، دليلا على عدم كون الأخلاق سرمدية ونهائية.
اسمعه يقول:
" بأية اخلاق يعظوننا اليوم؟ إنها اولا الأخلاق الاقطاعية المسيحية الموروثة من
إيمان القرون الماضية. وهي بدورها تنقسم أساسا إلى اخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية، الأمر الذي لا يمنع انقسامها ثانية إلى اقسام فرعية... وإلى جانب هذا تقوم الأخلاق البرجوازية الحديثة. ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل، اخلاق البروليتاريا... فما هي الصحيحـة إذن؟ ولا واحدة بمعنى مطلق ونهائى ". وأضاف:
" ولكن الأخلاق التي تحتوي على النصيب الأصدق من العناصر الواعدة بالبقاء هي دائما الأخلاق التي تمثل في الحاضر، انقلاب الحاضر، تمثل المستقبل، إنها إذن الأخلاق البروليتارية " (2).
وقال انجلز ايضا:
" فمنذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية ألخاصة للأشياء المنقولة، كان لا بد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة، أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق. فهل يعني هذا أن تصبح هذه الوصية وصية اخلاقية سرمدية! كلا أبدا!!. ففي مجتمع ازيلت منه دواعي السرقة، حيث السرقات، بالتالي، لا يمكن ارتكابها، مع مرور الزمن، غير المجانين. كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود ان يعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لاتسرق! " (3).
وإذا كانت الأخلاق طبقية، ومتطورة بالتالي بتطور وسائل الانتاح وعلاقات الانتاج، إذن يوجد لكل مرحلة من مراحل المجتمع البشري أخلاقه الخاصة، ولكل طبقة أخلاقها الخاصة... الخ...
-10-
ومن ذلك: وجود العدالة والقانون ككل.
فإنها- ايضا- من نتائج الوضع الاقتصادي، المتمثلة بعلاقات الانتاج ووسائل الانتاج
(1) نصوص مختارة: انجلزص 160.
(2) المصدرص 159.
(3) المصدرص 160.
9
ولعل أوضح نص ماركسي يوضح ذلك، ويكشف عن تطور الفكرة القانونية في نظر الماركسية، من صورتها البدائية، إلى فكرة العدالة، بشكلها " الميتافيزيقي "!! الكامل... ما قال انجلز:
" في مرحلة جد بدائية من تطور المجتمع، يشعر بالحاجة إلى جمع العقود اليومية المتجددة للانتاج والتوزيع ومبادلة المنتجات في قاعدة مشتركة، وإلى السهر على أن يخضع كل فرد لشروط الانتاج والتبادل المشتركة. وهذه القاعدة التي تكون في البداية عرفا، تصبح بعد قليل قانونا.
ومعه تنبثق بالضرورة هيئات مكلفة بمراعاته: السلطات العامة، الدولة.
وخلال التطور اللاحق للمجتمع يتطور القانون إلى تشريع اكثر أو اقل اتساعا.
وكلما ازداد تعقيدا ازدإدت اصطلاحاته بعدا عن الاصطلاحات المعبرة عن ظروف المجتمع الاقتصادية الجارية. واذ ذاك يبدو هذا التشريع كعنصر مستقل، يستمد مبرر وجوده وأساس تطوره اللاحق لا من الظروف الاقتصادية، بل من دواعيه العميقة الخاصة، أو - إذا شئتم- من " فكره الارادة ". وينسى الناس ان الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق لديهم. مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان.
ومع تطور التشريع إلى مجموعة معقدة وموسعة تظهر ضرورة تقسيم جديد للعمل الاجتماعي وتتكون طائفة من رجال القانون المحترفين. ومعهم يولد علم الحقوق. وهذا العلم لدى تطوره، يقارن بين النظم القانونية لمختلف الشعوب ولمختلف العصور، ناظرا إليها لا كصورة للعلاقات الاقتصادية في حينها، بل كنظم تجد في ذاتها مبرر وجودها. والحال ان المقارنة تفترض عنصرا مشتركا، والحقوقيون يظهرونه ببناء حقوق طبيعية مما هو مشترك أكثر أو أقل بين جميع هذه النظم. والمقياس الذي يرجع إليه لمعرفة ما هو من الحقوق الطبيعية ام لا، إنما هو- بالضبط- التعبير الاكثر تجريدا عن الحقوق ذاتها، اي العدالة.
... وهذه العدالة ليست دائما غير التعبير على الصعيد الايديولوجي والميتافيزيائي
عن الظروف الاقتصادية القائمة، تارة حسب صورتها المحافظة وتارة حسب صورتها الثورية.
فلقد كانت عدالة اليونان والرومان تجد الرق عادلا. وكانت عدالة البرجوازيين عام 1789 تطالب بإلغاء الاقطاعية، لأنها غير عادلة... وهكذا فكرة العدالة السرمدية تتغير ليس فقط مع تغير العصر والمكان بل ومع تغير الأشخاص أنفسهم، (1).
(1) نصوص مختارة: انجلزص 162 وما بعدها.
130

فقد أكد انجلز على عدة نقاط:
النقطة الأولى: إن القانون في صورته البدائية، عبارة عن تقاليد او عرف، وفي صورته المعقدة قانون.
النقطة الثالية: إن القانون ناشىء من ظروف المجتمع الاقتصادية.
النقطة الثالثة: إن القانون كلما ازداد تعقيدا ازداد بعدا عن أصله الاقتصا دي.
النقطة الرابعة: إن الناس تدريجيا ينسون ارتباط القانون بالجانب الاقتصادي مثلما نسوا انهم قد نسلوا من الحيوان ..
النقطة الخامسة: إن الدولة تصبح مسؤولة عن تطبيق هذا القانون " الاقتصادي " الطبقي.
النقطة السادسة: إن القانون تدريجا يكتسب تجريدا إضافيا فيصبح من الحقوق الطبيعية، ثم يصبح ممثلا لفكرة العدالة " الميتافيزيائية".
النقطة السابعة: إن اختلاف النظر إلى العدالة خلال اختلاف المجتمعات والحصور يعني أن العدالة نسبية وليست مطلقه. وبتعبير آخر: انها منظورة- فقط- من زاوية اقتصادية طبقية.
فهذه النقاط السبع، يغنينا بها انجلز عن أخذ كلمات غيره من الماركسيين.
131