|
كتب
المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
المقدمة | تتمة المقدمة | الاسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية | المفهوم الطبقي لدى الماركسية | مناقشات | مناقشة الفكر الماركسي في الاخلاق والعدالة | نقد التكوين العام للمادية التاريخية | مرحلة ما قبل المجتمعات | مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي | مجتمع الرق | مجتمع الاقطاع | النظام الحرفي | الرأسمالية | القيمة الاساسية للرأسمالية ماركسيا | اقسام الرأسمالية | عهد التنافس الحر | عهد الاحتكار | نهاية الرأسمالية | الاشتراكية | ديكتاتورية البلوريتاريا | المرحلة الاشتراكية الثانية | الطور الشيوعي الاعلى | مناقشته | المستقبل السعيد للبشرية | التخطيط الالهي
كتاب اليوم
الموعود::تأليف السيد محمد محمد صادق الصدر
مناقشات
الوجود الطبقي- الماركسي
لا ينبغي ان نختلف مع الماركسية في لأثير قوى الانتاج في إنتاج علاقات إنتاج
معينة، ل! بمعنى السلبية بأي معنى من معانيها. بل- من زاويتنا- ان كل مجموعة
من الآلات، والمواد الخام الطبيعية، تحماج في تدبيرها وحسن إنتاجها إلى
علاقات إنتاج معينة، لو تغيرت هذه العلاقات لم يصبح ألانتاج نفسه حسنا
ووفيرا.
وهذا في واقعه، يعود إلى عدة عوامل اهمها اثنان:
العامل الأول: الفهم العلمي والاجتماعي، لأحسن طريقة يمكن أن يستغل به هذه
المجموعة، لانتاج أكبر مقدار من الناتج ومن الربح. وقد يكون هذا الفهم خاطئا،
بمعنى أن الفرد او مجموع من يهمه امر الانتاج، يرى الط مجموع التصرفات
المعينة هي أفضل من غيرها. ولو كان قد تعمق اكثر لأدرك لزوم الاستغناء عن بعض
التصرفات وإبدالها بتصرفات أفضل.
العامل الئاني: حب الذات الذي يقتضي اتباع الأحسن دأئما. وإلا
فما الذي يحدو بالفرد او المجموع إلى ذلك... والفرد يستطيع بالضرورة أن يوقع
نفسه بالضرر أو الهلاك.
ولكن السؤال الذي يتوجه إلى الماركس!ن، في هذا المجال، هو
أنهم هل يعتقدون بتكون علاقات الانتاج طبقا لتطور وسائل الانتاج بشكل
ديالكتيكي أو بشكل "سلس " خمال من التناقضات؟!..
إن جوابهم ينبغي أن يكون حاضرا، وهو اختيار الأسلوب الديالكتيكي، لكونه امسر
بقانونهم العام. ولكن هلا قدموا لنا اسلوب 132
تطبيق هذا القانوز، في هذا المجال؟!..
فإننا في هذا المجال، ككل يال، لا بد ان نلاحظ: الشيء ونفيه
ونفي نفيه... او الأطروحه والطباق والتركيب. فكيف تنطبق هذه المفاهيم في مجال
بحثنا؟ إ..
إن الماركس!ن قدموا لنا التناقض بذهن علاقات الانتاج القديمة ووسائل الانتاج
الجديدة، كجواب على هذا السؤال. وهذا وإن لم يكن خاليا من المناقشة، غزير
أننا يمكن ان نطرح السؤال بشكل اوضح، بحيث لا يصلح ان يكون هذا جوابا له. كيف
تترتب علاقات الانتاج مع وسائل الانتاح الموازية معها في الدرجة؟!.. هل ذلك
بشكل تناقضي او بشكل سلس. وهذا سؤال يعم كل تطورات وسائل الانتاج، بما تنتجه
من علاقات إنتاج مختلفة، على مدى عصور المادية التاريخية.
إن افضل ما نفترضه في هذا الصدد هو ان تكون الدرجة المعينة من
وسائل الانتاج- الطاحونة الهوائية مثلا-: هي اطروحة. فهل تصلح ان تكون علاقات
الانتاج الموازية لها- العلاقات الاقطاعية مثلا-: طباقا لتلك الأطروحة، ونفيا
لها. كلا! بعد افتراض الانسجام الكامل بينهما. إن الطباق لوسائل الانتاج، لا
بذ أن يفترض- ماركسيا- طباقا
داخليا في نفس الآلة، يؤدي إلى تكاملها وتطويرها. واما ترتب علاقات الانتاج
على الدرجة المعينة لهذه الوسائل، ووجودها بإزائها، فهو ترتب سلس بالضرورة.
ولو كانت علاقات الانتاج هي الطباق، فلا هو التركيب؟... ليس
هو الآلة الجديدة، لكويها ناتجة من الطباق دا الداخلي يا في الالة القديمة.
وليس هو علاقات الانتاج الجديدة، لكونها ناتجة عن الالة الجديدة لا عن علاقات
الانتاج القديمة، باعتراف الماركسية. وليس هو تغير اوضاع المجتمع، فإنها
تتغير طبقا للعلاقات اءلديدة، لا للعلاقات القديمة. إذن فهذا الطباق ليس
وراءه تركيب!!!...
ويمكن أن نلاحظ نفس هذه الملاحظة، بالنسبة إلى ترتب التغيير الاجتماعي على
علاقات الانتاج الجديدة. إن الأوضاع الجديدة تترتب على العلاقات الجديدة،
بشكل سلس غير تناقضي. لأنها- أولا- لا تصلح ان
133
تكون طباقا لها باعتبار انسجامها تاما، يأ حين يفترض بالطباق أن يكون نافيا
للأطروحة، لا منسجم معها. ولو كان طباقا- ثانيا-، فليس له ئركيب لأن كل ظاهرة
اخرى مما عددناها لها مبررات وجودها الماركسية غير هذا الصراع بيئ علاقات
الانتاح وظواهر المجتمع.
إذن، فقانون الديالكتيك، غير منطبق على علاقات الانتاح، ولا على ظواهرها
الاجتماعية الجديدة.
نحن نتفق مع الماركسية بوجود التطور المستمر في قوى الانتاح، بمعنى
آلات الانتاج، لا المواد الخام بما فيها الأرض، فإنه لا معنى للتطور المستقل
فيها إلا نادرا. نعم الانسان لو اعتبرناه من قوى الانتاج، فقد يتطور في
الذكاء او القوة البدبية، وقد لايتطور.
ويعود تطوير وسائل الانتاج إلى ما يشبه ذينك العامليئ، اللذين عرفناهما في
الفقرة الأولى. ونعبر عنهما!ا المقام كما يلي:
أولا: حب الذات المقتضي لحب زيادة الانتاج.
ثانيا: الفهم المركب من أمرين:
أحدهما: الفهم العلمي بأسلوب تطوير الآلة.
ثانيهما: إدراك حقيقة ان الالة المتطورة تخدم الانتاح أكـز من سابقاتها.
وهذا يعني بوضوح ان تطور وسائل الانتاج إنما كان بفعل الفكر الانساني
والارادة الانسانية، وليس شيئا خارجا عن وعي الناس، كـما حاول ماركس وستاليز
أق يقولا. ومن الطبيعي أن يكون أولئك الماركسيون الذين اعترفوا بإسناد التطور
إلى وعي الانسان اقرب إلى الحق.
ولكن هؤلاء بدورهم يقعون في بعض المصاعب:
أولا: إن معنى ذلك: إن الانسان هو الذي يطور نفسه، لا ان قوى الانتاج هي التي
تطوره بشكل مستقل. وبكلمة أخرى: ينحصر الأمر بالقول: بأن العقول المفكرة
المخترعة والمطورة للالات الجديدة، هي التي تطور المجتمع عن طريق هذه الآلات،
وليس للآلات اي تأثير حقيقي. ثانيا: انه بعد أن اصبح التطور واعيا، فمن الصعب
أن نتصور وقوع
134
التنافي بيئ قوى الانتاح وعلاقاته، لأننا من الصعب ان نتصور ان مثل هؤلاء
المخترعين يوقعون الضرر بوضعهم الاجتماعي، كيف، وقد يكونون من المستفيدين منه
فعلا. كـما اننا من الصعب ان نتصور مجموع الناس المكون لعلاقاقا الانتاج، لا
يفهم افضلية الالة المتطورة على القديمة. -3-
وما حال هذه القضية التي اعتبرتها الماركسية صحيحة بشكل سلس
وهي ان قوى الانتاح أسرع زطورا من علاقات الانتاج... وانها اكثر عناصر حركة
وثورة.
أولا: ان هذه الحقيقة- ككل حقيقة- لا بد في منطق الماركسية ان
تكون مشمولة لقانون الديالكتيك... فتكون نسبية الصدق وليست مطلقة ولا نهائية،
إذن فهي ابئ صدقت في حين لا يتعين بالضرورة ان تكون صادقة دائما. بل يتعيئ
تغيرها بتطور وسائل الانتاح نفسها.
ثائيا: إننا شاهدنا تطور وسائل الانتاج في البلدان الرأسمالية من الآلة
ألبخارية إلى الكهربائية إلى الذرية، ولم يحصل أي تطور في علاقات نا الأنتاح
أو الوضع الاجتماعي، وبكلمة أخرى: إنه لم يحصل تناف بيئ العلاقات السابقة
والالة الجديدة.
ثالثا: ان هناك علاقات إنتاج مستمرة بالضرورة، بالرغم من تطور الالات
والمجتمعات ككل، وموجودة في نحتلف الأنظمة الاجتماعية... كالزراعيين، اعني
الملاكن الصغار، والفلاحـن والحرفان أعيئ الصناع اليدويين، ولو بالآلة
الصغيرة، والمعلمين والأطباء والبنائن، وغيرهم... فلماذا لا تتطور هذه
العلاقات بقانون الماركسيين.
إنه من السهل أن نفترض بشكل " سلس " ان مجموع من يهمه الأمر
في علاقات الانتاج يتطورون مع تطور الالة، من دون ان يتخلف تطورهم عن تطورها.
فمهما زاد مسمار أو مروحة.، واقتضى ذلك علاقات انتاج جديدة، أو تبدلت الآلة
بالمرة، فإن مجموع من يهمهم الأمر يعقدون علاقاتهم طبقا للجديد باستمرار،
طبقا لاختيارهم للأحسن نتيجة لحب ذاتهم، كما قلنا، وطبقا لاتصاف الناس بحب
مصالحهم ولقمة عيشهم، كـما
5 يم ا
ذكرت الماركسية،
هذا، وان تخلف علاقات الانتاح احيانا، عن التطور، مستند إلى اسباب بعينها، لا
تعود إلى قوى الانتاح ولأ إلى قانون الديالكتمك، بل إلى ارتباط فئة معينة ذات
نفوذ، ارتباطا مصلحيا، لا بالآلة القديمة، بل بأشياء أخرى كالأرض في حالة
الاقطاع!ن... والمنجم مثلا... او الصيد مثلا في حالة غيرهم. والارتباط
المصلحي مستند إلى حب الذات ليس إلا لوضوج ان الانسان قادر على ان يضر نفسه
ويخالف مصلحته، لو لم يكن محبأ لذاته. إذن، فتخلف علاقات الانتاج، يعود إلى
عوامل جغرافية ونفسية،
اكثر من ارتباطها بالآلة.
إن مفهوم الطبقة الماركسي، مغاير لمفهومها عند علماء الاجتماع الأخرين،
فبينما يرى البعض ان الطبقة هي المجموعة التي يتحدد الانتساب إليها بالولادة،
في مقابل الكتلة التي يتم الانتساب اليها نتيجة للانهماك بعمل معيئ. ترى
انارك!سية ان الطبقة يتحدد الانتساب إليها طبقا لعلاقات الانتاج، فالطبقة
الماركسية هي كتلة في اصطلاج الاخرين لأنها تعني الانهماك بعمل اقتصادي معين.
ومهما يكن الراي في هذا الاختلاف، فإن التعريف الماركسي، يحتص بالانطباق على
الملاكـن والفلاحين، او العمال وأصحاب العمل، ونحوهمء ولايمكن ان ينطبق جملى
كثير من مجموعات الناس.
فهناك مجموعة من الناسر في العصر الاقطاعي والرأسمالي وغيرهما،
لا تنتسب إلى عمل، وهم العاطلون بسبب الصغر او الكبر أو المرض أو عدم توفر
الفرص، أو غير ذلك.
هناك مجموعات من الناس، لا يمت عملهم إلى الانتاج بصلة، ى!طرب والمعلمين
والأطباء والحلاقين ودىجال الدين ورجال الدولة.. وادراج هؤلاء أو بعضهم في
مفهوم العمال أو البروليتاريا، توسيع مجازي لهذا المفهوم.
وهناك مجموعات من الناس يرتبط عملهم بالتوزيع لا بالانتاج...
وهم التجار عموما على اختلاف بضائعهم ومراتبهم. بك ان الانتاح بدون 136
توزيع لا معنى له، وغير مثمر للربح بالمرة.، بل ان الرأسمالية عموما لم توجد،
ولم تكدس الأموال الطائلة إلا بالتوزيع. ولم يكن الانتاج كافيا في ذلك، كـما
هو واضح.
وهناك عدد من الناس ينتجون، لكن لا بضاعة ولا زراعة، كالصحف!ن والرسامن
والنقاشين والحفارين... ونحوهم. ويقصد بالانتاج عادة غير هذا الانتاج.
وهذه (الطبقات يا موجودة في نحتلف عصور التاريخ، بعد تجاوز العصر البدائي
للبشرية.
وإذا كان الحال هكذا، فينبغي أن نتساءل عن مصير هذه الطبقات في
مجال الصراع الطبقي الماركسي. وهل " يكونون مضطهدين أو مضطهدين، مع العلم انه
قد لايكون بعضهم مندرجا في كلا هذين المفهومين، كـما قد يكون بعضهم مندرجا في
كلا المفهومن لظروف معينة. فهل يكونون من مؤيدي الالة القديمة او الجديدة، في
حين انهم غيى مرتبطن بالالة اصلا. وما هو شأن مثل هذه " الطبقات لا في
الديالكتيك الجاري في المجتمع،
حينما تكون الطبقة المضطهدة القديمة اطروحة والطبقة المضطهدة طباقا والوضع
الاجتماعي الجديد تركيبا. فلا تكون هذه الطبقات مندرجة في شيء من هذه
المفاهيم... مع ان شيئا ما في العالم لايمكن أن يخرج عنها في الديالكتيك
الماركسي.
والاعتذار عن ذلك- ماركسيا- بكونها طبقات غير اساسية، يعني الاعتراف بعدم
شمول قواعد الديالكتيك والمادية التاريخية. لهذه الطبقات... فضلا عن الاعتذار
عن ان الصراع بين هذه الطبقات قد يكون اهم احيانا من الصراع بذهن الطبقات
الأساسية... فإنه يتضمن الاعتراف بأن الصراع الماركسي الأساسي في المجتمع،
يكون معطلا احيانا او يكاد، لسيطرة صراعات أخرى عليه، و (ذا تعطل الخط
الأساسي للصراع او ضعف، كيف يكون ذلك سببا لتطور المجتمع. وكيف أوجب تطور
وسائل الانتاج إيجاد الصراع الثانوي دون الصراع الأساسي خلافا للقواعد
المادية التاريخية المفهومة؟!.
137
من هذا نعرف أنه ليس كل نضال سياسي هونضال! طبقي، كـما ترى
ا لما ركسية.
إن الوجود الطبقي سبب للنضال السياسي، بلا شك. وإنما الشك لا
كونه السبب المنحصر لذلك، بحيث لا يوجد نضال سياسي إلا وهو نضال طبقي إ إ..
إن السنوات المتأخرة التي عشناها في النصف الثاني من هذا القرن
اثبتت بكل وضوح، ان غالب النضالات السياسية ناشئة من اتجاهات عقائدية وفكرية
وحزبية، ناشئة بدورها من احد منشأين رئيسين ليس أحدهما الوجود الطبقي في
المجتمع.
المئشأ الأول: الشعور بالظلم العام في المجتمع المعني خاصة، وفي البشرية
عامة، مع ادعاء المجموعة بأنها تستطيع حل هذه المشكلات. المنشأ الثاني:
محاولة الترؤس في الناس والسيطرة على دفة الحكم في المجتمع، من أجل مصالح
فردية خاصة، كحب السيطرة وحب الشهرة، ونحو ذلك.
-7-
واما فكرة نشوء الدولة عن الوجود الطبقي في المجتمع.
فنحن لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في وجود كثير من الدول الطبقية في
التاريخ، وخاصة في اوروبا قبل عصر النهضة وبعدها، وهي محل تركيز الفكر
الماركسي عادة، كـما سمعنا.
فقد تداولت الحكم في اوروبا سلسلة من الحكومات بعضها إقطاعية وبعضها
رأسمالية، وبعضها تمثل- يخا نظر الماركسيين- طبقة العمال ا لبروليتاريـن.
إلا أن هذا لا يعني، بأي حال، عدم إمكان نشوء الدولة من سبب آخر، غير الوجود
الطبقي في المجتمع... نعم، لو عملنا من أوروبا- كما عملت الماركسية- نموذجا
بشريا عاما، يمكن تعميم الحكم منها إلى كل مناطق الأرض، لكان كلام الماركسيين
أقرب إلى الصحة. إلا ان هذا مما عرفنها زيفه بوضوح... وان شيئا من مناطق
الأرض لا يشبه اوروبا بحال،
138
او أن أوروبا لا تمثل إلا نفسها على طول الخط-. إذن، فالرأي الماركسي لابد أن
يكون بعيدا عن الصحة. ويمكن ان تنشأ الدولة من سبب غير طبقي موجب لوجودها.
وللماركسية تصريحات مهمة، تثبت بكل وضوح، أن الدولة يمكن أن
تكون غيرممثلة لطبقة معينة، بل هي وسط بين الطبقات، وكان الحال على ذلك خلال
قرنن من الزمن في الحكم الفرنسي الملكي.
قال انجلز:
لا ومع ذلك، فثمة- كحالات استثنائية- مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة
من توازن القوى تنال معها سلطة الدولة لفترة معينة نوعا من الاستقلال حيال
الطبقتين، مظهر وسيط بينهما. هكذا كان الحكم الملكي المطلق في القرنن السابع
عشر والثامن عشر، إذ كان يحافظ على التوازن بين النبلاء والبرجوازية في
النضال القائم بينهما. وهكذا كانت البونابرتية في الامبراطورية الأولى، ولا
سيما في الامبراطورية الثانية في فرنسا. إذ كانت تحرض البروليتاريا على
البرجوازية وابىجوازية على البروليتاريا " (1).
وإذا أمكن حدوث هذا الحياد في الدولة بين الطبقات مرة، أمكن حدوثه مرات.
ونحن بعد أن التفتنا إلى ان النضال السياسي قد ينشأ من دوافع غير طبقية، فهذا
النضال، إذا تكلل بالنجاح لمجموعة معينة من الناس، فسيطروا على الحكم، فإن
حكمهم لا محالة لايكون طبقيا.
-8-
والصيغة المقترحة لفهم الدولة، كـما ينبغي أن تكون، بغض النظر عن
المظالم التي تتورط فيها الدول. هي كـما يلي:
إن الدولة وجدت من اجل ازجاء تلك المصالح التي لا يمكن للأفراد
القيام بها عادة.
فإن مصالح الأفراد على شكلين:
منها: ما يمكن لأي فرد عادة القيام بها كالحصول على الدخل الفردي والتعليم
وممارسة الطب، ونحو ذلك. فضلا عن النشاط الشخصي كالأكل والنوم.
(1) اصل العائلة لانجلزص 227.
139
فإذا قدمنا للماركسية خاصة وللعالم عامة، نموذجا آخر من الدين يريد إصلاح
العالم، وينظم علاقات البشر تنظيما عادلا، ويتجاوب مع العلوم الطبيعية تجاوبا
كاملا، ويشجب الاستغلالالت المنحرفة له. وبالخلاصة، يتجاوب مع آط ل البشرية
وآلامها!ا كل عصر لا يختلف تجاهه قوي عن ضعيف أو غني عن فقيرأو حاكم عن
محكوم، كلهم تجب تربيتهم ومعاقبتهم على الذنب وأستغلال مواهبهم استغلالا
صالحا... كـما عليه الدين الاسلامي بواقعه العادل، ونصوص واضحة في ذلك، كـما
هو مبحوث ثا مصادره. فما ينبغي أن تقول المارءصسية تجاهه، وكيف يمكن ان يكون
ناشئا عن الوجود الاجتماعي الطبقي، وهو على مثل هذه الصفات. -8-
إن الفكر الديني يرى العلم الطبيعي بكل أشكاله الصورة الناطقة عن
قدرة الخالق وحسن تدبيره وعظمة خلقته. وليس هناك اي تناف بين العلم والدين.
وإن أبسط فكرة تدل على دلك لدى المتدين: هو أنه يا ى أن العلوم الطبيعية بما
تدل عليه من قوأنين وضواهر، لا يمكن ان تكون صادقة بدون وجود الله تعالى.
فضلا عن أن الدين الاسلامي حث على تعلم العلوم على نحتلف اشكالها، كـما هو
غير خاف على من راجع مصادره. إذن فـما ادعاه بليخانوف، تبعا للفكر الماركسي
عموما من أن:
" الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي- يريد به الديني ألالهي-
لحوادث الطبيعة، وفهمها كظوأهر خاضعة لقوانين " (1).
لا يمكن أن يكون صحيحا.
إذن، فالعلوم الطبيعية كلها علوم إلهية دينية، وليس المتدينون بحاجة
إلى ما قاله كوفالسون:
" وفي زماننا صار الدين أكثر احتراسا وأخذ رجال الدين يصرحون على المكشوف:
انهم يطمحون إلى أمر واحد فقط، هو ان يترك العلم لله شيثا ما "إلهيا، عا!
العقل " (2).
إن الرجال الفاهمن للدين يعلمون ان كل شيء هو لله عز وجل، بما
فيه كل ظواهر العلم والطبيعة، ولا حاجة بهم إلما هذا الاستجداء الدنيء.
000000. (10 أ فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 8.
(2) الماديه التاريخية: كوفالسون، ص 10.
146
كما ان الصلة بيئ الفيزياء والميافيزياء، صلة وثيقة جدا، أكز مما يتصور
الماديون، بل اكثر مما يتصور اكثر المتدينن أيضا. فإن العوامل الميتافيزيائية
هي التي تحرك كل أجزاء الكون الفيزيائي. وتشكل البديل الصالح عن القوانين
المزعومة التي عرفنا زيف تصورها فيما سبق... وليس لنا الان الدخول في تفاصيل
ذلك.
إذن، فالنداء المادي القائل:
" أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياءلما (1).
خال من المضمون والمعنى تماما... إذ لا وجود ولا حركة للفيزياء
بدون الميتافيزياء.
وأما الاعتقاد بالجزاء الاخروي، فلا نريد الدخول في تفاصيله، بعد
كل الذي سبق، من إعادة النظر في الأفكار الماركسية تجاه الدين، إلا من زاوية
واحدة، وهي أن هذه العقيدة، هل تصلح افيونا للشعوب، كما قال ماركس، او أنها-
في واقعها- المحرك الأساسي للمعتقدين بها للعمل في خدمة الانسانية والعدالة.
إن الانسان بحسب طبعه مربوط بمصالحه الخاصة ونوازعه وأهدافه القصيرة، وقد
يرفض، بكل سهولة وحزم، أي دافع يدرك منافاته ولو بقليل مع تلك الدوافع
والنوازع، ما لم يدرك عودها عليه، تارة اخرى، بالمصلحة.
وهذا ينتج بطبيعة الحال، الميل نفسيا إلى عصيان كل تعليم قانوني او نظامي
يشعر فيه الفرد بهذه المنافات... سواء في ذلك القانون الوضعي أو القانون
الالهي، (التعاليم الدينية).
والأطروحة الواضحة لتذليل هذه المشكلة هي جعل العقاب على العصيان والجزاء على
الاطاعة؟ وهذا ما عملته الحكوممات دشلا في قوانيخها الوضعية، فشرعت العقوبات،
وأسست السجون، فضمنت إلى حد المستطاع إطاعة وتطبيق قوانينها، بما في ذلك
الحكومات الشيوعية نفسها. والدين ! يحتلف عن دلك، فإد له ي قالوله عقوبات
ومتوبات دليوية
(1) نصوص نحتارة: انجلزص 177.
147
معجلة، على مستوى قوانن العقوبات الاعتيادية... كما ان له عقوبات ومثوبات
اخروية مؤجلة. وكلا هذين النوعيئ من الجزاء، يؤثر بطبيعة الحال، في ضمان
تطبيق التعاليم الدينية. وإلقسم المؤجل يختص بها الدين عن القوانين الوضعية،
ويعطي لأعمال الخـير قيمة معنوية عظيمة تتجاوز ساحة الحياة إلى ساحة الأبدية.
وبذلك يزداد الدافع العاطفي نحو العمل الديني إلى حد كبير.
فإذا فهمنا الدين طريقة صوفية او رهبانية او كنسية، كما حاولت الماركسية أن
تفهم كان تطبيق تعاليمه يعني الانعزال عن الناس، وبالتالي التخدير عن العمل
وعن نفع الاخرين، كما قال ماركس تماما.
وأما إذا شجب الفكر الديني الصالح هذه الاتجاهات، وأكد على بث
الخير في الناس وتطبيق العدل فيهم، والتضحية من اجل الآخرين بالنفس والنفيس،
كان معنى تطبيق هذه التعاليم ومعنى الحث عليها يجعل الدافع الأخروي علمها:
زيادة الدافع النفسي والعاطفي تجاه نفع الاخرين وبذل التضحيات لنفعهم و (سعادهم.
وإعطاء ذلك قيمة ابدية غير موقتة ولا قصيرة (ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل
الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ير زقون) (1).
أما لو سلمنا- مع الماركسية- ان الدين وليد مرحلة من مراحل تطور وسائل
الانتاج... فلماذا لم يتغير أو يتطور بتغيرها.
إن مرحلة معينة لوسائل الانتاج إن كانت اوجبت وجود الدين أساسا،
إذن، فالمرحلة اللاحقة لها يجب ان تكون موجبة لطمسه وزواله بالمرة، مع أن
المشاهد بالوجدان بقاؤه إلى العصر الحاضر، بالرغم من التغيرات العديدة من
وسائل الانتاج.
وإن مرحلة معينة من وسائل الانتاج إن كانت سببا لشكل من أشكال الدين، إذن
فاللازم ان يتغير في المرحلة اللاحقة لهذه الوسائل. في حيئ اننا نجد ان عددا
من الأديان بقيت بذاتها وبكل تفاصيلها عبر أشكال عديدة من وسائل الانتاح،
وعبر عهود كثيرة، للمادية التاريحية. واعتنقها الناس (1)-ال عمران: 169.
148
بمختلف طبقاتهم واتجاهاتهم وا لا سلام.
ولذأ أشرنا فيما سبق، بائرغم من هذه التطورات
ومصالحهم، كالبوذية واليهودية والمسيحية
ات الدين من جملة الأخمياء التي تعتبر ثابتة التي تؤمن بها الماركسية.
مناقشة الفكر الماركسي في الأصورق والعدالة
ينبغي أن نتفق سلفا على أن هناك قضايا سلوكية او "عملية يا متفق
عليها بـيئ البشر، فمثلا لوسئل أقي فرد عن قيمة السرقة أوعن قيمة العلاقة
الجنسية بيئ الفرد وأمه، لاستنكرها بطبعه واعتبرها أمرا غير مشروع. لا يختلف
في هذا الاستنكار مجتمع عن مجتمع أوجيل عن جيل اوطبقة عن طبقة.
ونحن نعلم باليقين أت وجود هذا الشعور في البشرية قديم منذ أن التفت الناس
إلى اهمية السلوك وقيمته... وذلك منذ آلاف السنن. إذ بلا شك ان فردا من
الانسان القديم لو أخذ فاكهة لطعامه مثلا، فخطفها منه شخص آخر، لاستنكر ذلك
واستنكره غيره ايضا. يليس ذلك إلا مفهوم الاتسرق) الذي شجبه انجلز.
إن هذا المفهوم ليس من قبيل وعظ الوعاظ، بل هو تسالم اجتماعي
عام على تصحيح هذه القضايا و(عطاء هذه القيمة لهذا العمل. ويكون رد الفعل
لعصيان هذه القضايا، اي للقيام فعلا بالسرقة مثلا، هو- على أقل تقدير- عقابا
اجتماعيا عاما يتمثل في شجب كل افراد المجتمع لهذا العمل واحتقار فاعله، و(دراك
أنه قد عمل عملا دنيئا ينبغي تركه والارتداع عنه. 149
إن قدم الشعور الديني لدى الانسان، لا يتعين تفسيره بالشكل المادي
او الماركسي، بل كـما يمكن ذلك، كذلك يمكن وجوده بسبب أصالة الشعور الديني
وصدقه في النفس البشرية، إذن فالنظر الموضوعي لا يمكنه أن يجزم بمضمون ذلك
التفسير.
إن الجهل بأسباب حوادث الطبيعة، لا يفسر بمجرده وجود الدين او الاعتقاد بخالق
مدبر خارح الطبيعة. إذ لو اقتصرنا على فكرة الجهل، لكان في- إمكالن الجاهل أن
يسند هذه الحوادث إلى محض الصدفة، وعدم وجود اي سبب لها... كما يمكنه أن
يسنده إلى سبب بسيط من موجودات الكون، وإن لم يكن لة اي ارتباط بالواقعة. فلو
لم نضم إلى هذا الجهل!!! الاعتقاد بقانون السببية ارتكازا والاعتقاد إلى
أهمية وعمق السبب الفاعل للتدبير إلكوني العام، لما امكن أن ينتج الجهل
بمجرده الاعتقاد بالخالق المدبر. ولو كان هناك ترابط حقيقي بين الجهل
والاعتقاد الديني، لما امكن ان
نجد كثرة من الجهلاء الملحدين، أوكثرة من العلماء المؤمنين ة مع العلم أن
هذين الصنفين موجودان بكثرة في البشرية منذ ان عرفت البشرية الجهل والعلم.
ومن طريف القول، ما ذكره بليخانوف من أن الجهل البشري ينتج الشعور الاحيائي
عند الانسان، هذا الشعور المنتج بدوره للشعور الديني لديه.
اسمعه يقول:
" إن طفلا كان بحضو،5 يصف القمر بقوله (ملعون) لأنه لم يكن يود الظهور،
فهذا الطفل كان يعتبر القمر كائنا حيا. والانسان البدائي، يحي- على غرار هذا
الطفل- الطبيعة بمجموعها. ان التفكير الاحيائي هو المرحلة الأولى في تطور
التفكير الديني. والخطوة الأوىلى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي لحوادث
الطبيعة، وفهمها كظواهر خاضعة لقوانين لما (1).
ومن الواصح ار اك ين.لا- يؤ- مق !!جود ار.وح. أو الحياة! الطبيعة
(1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 8.
143
نفسها، بل بوجودها خارجها. وكان الاعتقاد على ذلك منذ القديم، فإن الاعتراف
بالخالق لا يعني غير ذلك. كما ان المتدين لا يرى تنافيا بين السبب الخارجي
والقوانين، بل يمكنه أن يؤمن بكلا الأمرين، واز السبب الخارجي هو الذي سن هذه
القوانن في الكون. مضافا إلى ما عرفناه من ان القوانن وحدها لاتكفي تفسيرا
لحوادث الكون، بل هي ليست إلا وهما من الأوهام. والتفسير الوحيد للحوادث هو
الاسناد إلى فاعل خارجي، بعد التجاوز عن الصدفة المحضة التي لايمكن أن يقول
بها اي مفكر. كما ان الجهل غ!يركاف لنشوء العقيدة الدينية، كذلك العجز غيركاف
لوجودها.. ء لوضوح أن رد الفعل الأولي للعجز هو التردد وانهيار الارادة، وليس
هو إلاعتقاد بأتي شيء مهما كاز.
ولو أنه كان سببا للاعتقاد، فلا يتعين الاعتقاد بسبب خارجي، بل
يكفي الاعتقاد لالصدفة أو بسجبـط في دأخل الكون- كالشمس مثلا- أو بالقوانين
العامة أو بالجن... إلى غيى ذلك من العقائد. إذن فتعـين الاعتقاد بالاله
المدبر دون غيره يم يحتاج إلى بيان سببه... ولا يكفي العجز لتدبيره. -7-
وصلت بنا المناقشة إلى استفادة الوجود الطبقي من الدين، بعد ان لم
يكن بأصل وجوده طبقيا.
لا ينبغي أن ننكر أن كثيرا من الجهات والأفراد والطبقات، استفادت
من الدين- على اختلاف أشكاله- استفادات أنانية مصلحية، تحت مختلف الدوافـع
والشعارأت، سواء سميناها اسمفادات طبقية، كـما ارادت الماركسية، أو سييناها
بأي اسم اخر.
وليس فى ذلك من ضير على اصل الدين، فإن المتاجرة باسم الشيوعية
أيضا ممكنة من دون ان يوجبط طعنا على الشيوعية، فكذلك الحال في الدين حرفا
بحرف. سواء كـز " التجار" أو قلوا، وسواء مثلوا قوة أو مثلوا ضعفا، وسواء
مثلوا طبقة أو كانوا أفرادا.
غير أن من الطريف والمؤسف ان الماركسية تعبر بالدين، وتقصد نماذح
معينة من البشر المحسوبن على الدين، تلك النماذج التي يكون الكلام
144
الماركسي عنها قريبا من الصحة. وتهمل النماذج الصحيحة للدين، التي لايحسح
فيها ذلك الكلام البتة.
ونحن نذكر بعض النماذج للتمثيل وإلفات النظر، لا على سبيل الحصر، ولا على
سبيل التمانع، بل يمكن إدراج فرد أو افراد تحت أكز من نموذج واحد.
الئموذج الأول: نموذح " بدائي) من الدين- لو صح التعبير- كالاعتقاد بتعدد
الآلهة، أو وجود إله قومي، او الطقوس الدينية في قبائل نصف متوحشة!! ونحو
ذلك.
النمودج الثاني: نموذج الرأي الشخصي لمفكر ديني، وكل راي شخصي يحتاج إلى
تمحيص قبل نسبته إلى الصحة، فضلا عن نسبته إلى الدين... كراي اوغسطيئ او
الفاوإبي أو غيرهما.
الئموذج الثالث ت نموذج كنسي كان يحكم أوهـ وبا ردحا من الزمن،
ويتبنى عدة قضايا "جاهلة لما ضد " العلم " لاظل لها من الصحة-.. مما اوجب غضب
الراي العام الاوروبي وحدوث الخهضة الاوروبية الحديثة، بما احدثته من مادية
وعلمانية.
النموذج الرابع: استغلالات سياسية للدين، قد لا يرضاها الدين
الأصلي الذي تبنته هذه السياسة. كتبني الدولة الرومانية للمسيحية، او استغلال
الأحزاب الاشتراكية الاوروبية لاسم الدين، حيث اسست احزاب في عدد من بلدان
اوروبا باسم الحزب الاشتراكي المسيحي، مع نسبته إلى البلد الذي وجد فيه.
النموذج الخامس: نموذج الاختلافات الدينية الواقعة بين المعتقدين بالدين. وهي
اختلافات- والحق يقال- كثيرة جدا على طول التاريخ. سواء في داخل الدين
الواحد، كالدين المسيحي والاسلامي، أو بين اهل الأديان المختلفة... كالبوذلن
والمسلمين في الهند، واليهود والمسلمن في الشرق الأوسط.
النموذج السادس: نموذج صوفي منعزل عن العالم، أناني في نزعته الدينية، لا يرى
إلا مصلحة كماله الشخصي من الناحية الدينية. ولا يهتم بكمال غيره ولا بفساد
العالم.
فإذا قدمنا للماركسية خاصة وللعالم عامة، نموذجا اخر من الدين يريد إصلاح
العالم، وينظم علاقات البشر تنظيما عادلا، ويتجاوب مع العلوم الطبيعية تجاوبا
كاملا، ويشجب الاستغلالات المنحرفة له. وبالخلاصة، يتجاوب مع آممال البشرية
والامها في كل عصر لا يختلف تجاهه قوي عن ضعيف أو غني عن فقيراو حاكم عن
محكوم، كلهم تجب تربيتهم ومعاقبتهم على الذنب واستغلال مواهبهم استغلالا
صالحا... كـما عليه الدين الاسلامي بواقعه العادل، ونصوص واضحة في ذلك، كـما
هو مبحوث في مصادره. فـما ينبغي أن تقول المارحصسية تجاهه، وكيف يمكن ان يكون
ناشئا عن الوجود الاجتماعي الطبقي، وهو على مثل هذه الصفات. -8-
إن الفكر الديني يرى العلم الطبيعي بكل أشكاله الصورة الناطقة عن
قدرة الخالق وحسن تدبيره وعظمة خلقته. وليس هناك اي تناف بين العلم والدين.
وإن ابسط فكرة تدل على 6 لك لدى المتدين: هو أنه يم ى أن العلوم الطبيعية بما
تدا! عليه من قوأنين وضواهر، لا يمكن ان تكون صادقة بدون وجود الله تعالى.
فصلا عن أن الدين الاسلامي حث على تعلم العلوم على مختلف أشكالها، كـما هو
غير خاف على من راجع مصادره. إذن فما ادعاه بليخانوف، تبعا للفكر الماركسي
عموما من أن:
" الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير ألاحيائي- يريد به الديني الالهي-
لحوادث الطبيعة، وفهمها كظواهر خاضعة لقوانين " (1).
لا يمكن أن يكون صحيحا.
إذن، فالعلوم الطبيعية كلها علوم إلهية دينية، وليسر المتدينون بحاجة
إلمط ما قاله كوفالسون:
" وفي زماننا صار الدين اكثر احتراسا وأخذ رجال الدين يصرحون على المكشوف:
انهم يطمحون إلى أمر واحد فقط، هو أن يترك العلم دته شيئا ما "إلهيالا عا!
الأقل " (2).
إن الرجال الفاهمن للدين يعلمون أن كل شيء هو لله عز وجل، بما
! ثل ظواة العلم والطبيعة، ولا حاجة بهم إفى هذا الاستجداء الديىء. (1) فلسفة
التاريخ: بليخانوف ص 8.
(2) المادية التاريخية: كوفاسون، ص 10.
146
كـما ان الصلة بيئ الفيزياء والميافيزياء، صلة وثيقة جدا، أكز مما يتصور
الماديون، بل اكثر مما يتصور اكز المتدينين أيضا. فإن العوامل الميتافيزيائية
هي التي تحرك كل اجزاء الكون الفيزيائي. وتشكل البديل الصالح عن القوانن
المزعومة التي عرفنا زيف تصورها فيما سبق... وليس لنا الآن الدخول في تفاصيل
ذلك.
إذن، فالنداء المادي القائل:
" أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياء، (1).
خال من المضمون والمعنى تماما... إذ لا وجود ولا حركة للفيزياء
بدون الميتافيزياء.
واما الاعتقاد بالجزاء الاخروي، فلا نريد الدخول في تفاصيله، بعد
كل الذي سبق، من إعادة النظر في الأفكار الماركسية تجاه الدين، إلا من زاوية
واحدة، وهي أن هذه العقيدة، هل تصلح افيونا للشعوب، كـما قال ماركس، أو أنها-
في واقعها- المحرك الأساسي للمعتقدين بها للعمل في خدمة الانسانية والعدالة.
إن الانسان بحسب طبعه مربوط بمصالحه الخاصة ونوازعه واهدافه القصيرة، وقد
يرفض، بكل سهولة وحزم، أي دافع يدرك منافاته ولو بقليل مع تلك الدوافع
والنوازع، ما لم يدرك عودها عليه، تارة اخرى، بالمصلحة.
وهذا ينتج بطبيعة الحال، الميل نفسيا إلى عصيان كل تعليم قانوني أو نظامي
يشعر فيه الفرد بهذه المنافات... سواء في ذلك القانون الوضعي أو القانون
الالهي، (التعاليم الدينية).
والأطروحة الواضحة لتذليل هذه المشكلة هي جعل العقاب على العصيان والجزاء على
الاطاعة، وهذا ما عملته الحكومات فعلا في قوانينها الوضعية، فشرعت العقوبات،
واسست السجون، فضمنت إلى حد المستطاع إطاعة وتطبيق قوانينها، بما في ذلك
الحكومات الشيوعية نفسها. والدين لا يختلف عن دلك، فإد له ! قالوله عقوبات
ومتوبات دليوية
(1) نصوص مختارة: انجلزص 177.
147
معجلة، على مستوى قوانين العقوبات الاعتيادية... كما ان له عقوبات ومثوبات
اخروية مؤجلة. وكلا هذين النوعيئ من الجزاء، يؤثر بطبيعة الحال، في ضمان
تطبيق التعاليم الدينية. وإلقسم المؤجل يختص بها الدين عن القوانين الوضعية،
ويعطي لأعمال الخير قيمة معنوية عظيمة تتجاوز ساحة الحياة إلى ساحة الأبدية.
وبذلك يزداد الدافع العاطفي نحو العمل الديني إلى حد كبير.
فإذا فهمنا الدين طريقة صوفية او رهبانية او كنسية، كما حاولت الماركسية أن
تفهم كان تطبيق تعاليمه يعني الانعزال عن الناس، وبالتالي التخدير عن العمل
وعن نفع الآخرين، كا قال ماركس تماما.
واما إذا شجب الفكر الديني الصالح هذه الاتجاهات، واكد على بث
الخير في الناس وتطبيق العدل فمهم، والتضحية من أجل الآخرين بالنفس والنفيس،
كان معنى تطبيق هذه التعالمم ومعنى الحث عليها يجعل الدافع الأخروي عليها:
زيادة الدافع النفسي والعاطفي تجاه نفع الآخرين وبذل التضحيات لنفعهم
وإسعادهم. وإعطاء ذلك قيمة أبدية غير موقتة ولا قصيرة (ولاتحسبن الذين قتلوا
في سبيل الله أمواتا بل احياء عند ربهم ير زقون) (1).
أما لو سلمنا- مع الماركسية- ان الدين وليد مرحلة من مراحل تطور وسائل
الانتاج... فلماذا لم يتغيى أو يتطور بتغيرها.
إن مرحلة معينة لوسائل الانتاح إن كانت أوجبت وجود الدين أساسا،
إذن، فالمرحلة اللاحقة لها يجب أن تكون موجبة لطمسه وزواله بالمرة، مع أن
اثاهد بالوجدان بقاؤه إلى العصر الحاضر، بالرغم من التغيرات العديدة من وسائل
الانتاج.
و(ن مرحلة معينة من وسائل الانتاج إن كانت سببا لشكل من اشكال الدين، إذن
فاللازم أن يتغير في المرحلة اللاحقة لهذه الوسائل. في حين أننا نجد ان عددا
من الأديان بقيت بذاتها وبكل تفاصيلها عبر اشكال عديدة من وسائل الانتاح،
وعبر عهود كثيرة، للمادية التاريحية. واعتنقها الناس (1)- ال عمران: 169.
148
بمختلف طبقاتهم واتجاهاتهم وا لا سلام.
ولذا أشرنا فيما سبق، بانرغم من هذه التطورات
ومصالحهم، كالبوذية واليهودية والمسيحية
ات الدين من بهلة الأخ!ياء التي تعتبر ثابتة التي تؤمن بها الماركسية.
|